03・09・2024
من العدد ١٣
«حزب الله»: من تَكفيرِ الدَّولةِ إلى القبضِ عليها

مرَّ مَفهوما الدَّولةِ والسُّلطةِ في مراحلَ عدّة، تطوَّرَتْ منَ التَّماهي إلى الفصلِ بينهُما. فالدَّولةُ يُمكنُ تعريفُها بأنَّها شبكةٌ من المؤسَّساتِ الموكَلِ إليها تنظيم شؤون المجتمع/ الشَّعب. أمَّا السُّلطةُ، أو النِّظام، فهي مجموعةٌ منَ الأشخاص المَعنيِّين بإدارةِ هذه المؤسَّساتِ والمسؤولينَ عنها. ويُمكنُ اعتبارُ هاتَيْن العبارتَيْن تعريفًا عامًّا لمفهوم الدَّولة الحديثةِ أو المدنيَّة.

لا يُخفى، طبعًا، أنَّ المنطقة العربيَّة عمومًا لم ترتَقِ بعدُ إلى مفهوم الدَّولة الحديثةِ، إذْ إنَّ الدَّولة الدِّينيَّة لم تزَل تحظى بشعبيَّةٍ واسعةٍ نِسبيًّا، وبخاصَّةٍ لدى تيَّارات الإسلام السِّياسيِّ التي تتصدَّرُ المشهدَ السِّياسيَّ العربيَّ منذ عقود. وإذا كان المُحلِّلون يختلِفون في أنْ يَكون تبنِّي هذه التيَّارات للدِّين السِّياسي هو فقط من أجل استقطاب النَّاس أم أنَّه ينبعُ من قناعةٍ حقيقيَّةٍ لدى زُعماء هذه التيَّارات، فإنَّ النَّتيجة في الحالتَيْن واحدةٌ في تأثيرِها على النَّاس وفي تشكيل مبادئهم السِّياسيَّة التي تتماهى مع مُعتقداتِهم الدِّينيَّة وِفقَ مُعادلةٍ مَفادُها؛ «سياستُنا هي عينُ عقيدتِنا». ولعلَّ أبرزَ هذه التيَّارات على المُستوى الشِّيعيِّ هو التيَّار الذي تشكَّل معَ وصولِ طبقةِ «رجال الدِّين» إلى حُكمِ إيرانَ سنةَ ١٩٧٩ تحتَ عُنوانَيْ «ولاية الفقيه» و«تصدير الثَّورة». وتحتَ هذَيْن العُنوانَيْن نشأ حزبُ الله في لُبنان عقبَ الاجتياح «الإسرائيليِّ» سنةَ ١٩٨٢. ورغمَ العددِ الكبير من الإشكاليَّاتِ التي تُطرَحُ عندَ تناوُلِ قضيَّةِ، أو مُشكلةِ، «حزب الله»، تبقى إشكاليَّةُ علاقتِه بالدَّولة اللُّبنانيَّة إحدى أكثر الإشكاليَّاتِ التي يَحرِصُ حزبُ الله على إبقائها مُلتبسةً لدى أنصارِه بالدَّرجة الأولى وخصومِه بالدَّرجة الثَّانية.

مُعاداةُ السُّلطةِ وتكفيرُ الدَّولةِ:

بدأ الحِزبُ علاقتَه مع السُّلطةِ اللُّبنانيَّةِ بالمُعاداةِ لها. بل ليسَ مُبالغةً القَوْلُ إنَّ نشوءَ حزبِ الله قامَ على مُعارضةِ السُّلطةِ قبلَ أنْ يقومَ على مُقاومةِ الاحتلال. فأوَّلُ نُشوءِ حزبِ الله كانَ في تأسيسِ حسين الموسوي، وجماعتِه المُوالية لإيران، لِمَا عُرفَ آنذاك بـ«حركة أمل الإسلاميَّة» بعدَ انشقاقِهم عن «حركة أمل» على خلفيَّةِ مُشاركةِ رئيسِها نبيه برِّي، إلى جانب بشير الجميِّل، في «هيئة الإنقاذ الوطني» التي عَقدتْ أوَّل اجتماعاتِها في ١٩ حزيران ١٩٨٢ برئاسةِ الرَّئيسِ الياس سركيس ومُشاركةِ رئيس الحكومة شفيق الوزان، وزير الخارجيَّة فؤاد بُطرس، النَّائب نصري معلوف، بشير الجميِّل، نبيه برِّي ووليد جُنبلاط. إذًا، إنَّ توجُّه «حركة أمل» للمُشاركةِ في الهيئةِ التي تضمُّ مُمثِّلي «السُّلطة» قُوبِلَ بالرَّفضِ من «أمل الإسلاميَّة» التي شكَّلتْ نُواةَ حزبِ الله إلى جانب عددٍ من المُقاتلين اللُّبنانيِّين والإيرانيِّينَ الذين لاقى إرسالُهم إلى لُبنان اعتراضًا لُبنانيًّا واسعًا، وبخاصَّةٍ عندَ الطَّائفةِ الشِّيعيَّة.

أمَّا عِلاقةُ «حزب الله» بالدَّولةِ فتَقومُ على أساسِ نظريَّةِ «ولايةِ الفقيه» التي تُشكِّلُ العقيدةَ الدِّين _ سياسيَّةَ لـ«حزب الله». وولايةُ الفقيه تقومُ بدورِها على اعتبارِ الحكومات في ظِلِّ غيبةِ المهديِّ غيرَ شرعيَّةٍ ما لم تُحكَمْ من قِبَلِ «الوَليِّ الفقيه» الذي يَشْغَلُ منصبَ «نائب الإمام» في ظِلِّ الغيبة. وقد لخَّصَ الأمينُ العام الحالي للحِزبِ، حسن نصر الله، رؤيةَ الحزبِ لُلبنان بما نصُّه: «في الوقتِ الحاضرِ ليسَ لدينا مشروعُ نظامٍ في لُبنان. نحنُ نعتقد بأنَّ علينا أن نُزيحَ الحالة الاستعمارية والإسرائيليَّة، وحينئذٍ يُمكن أن يُنفَّذَ المشروع. ومشروعُنا الذي لا خَيار لنا أن نتبنَّى غيرَه، كونَنا مؤمِنين عقائديِّين، هو مشروع الدَّولة الإسلاميَّة وحُكم الإسلام وأن يكونَ لُبنان ليس جمهورية إسلاميَّة واحدة وإنَّما جزءٌ من الجمهوريَّة الإسلاميَّة الكُبرى التي يحكمُها صاحبُ الزَّمان (المهديِّ) ونائبُه بالحقِّ الوليّ الفقيه الإمام الخُميني».

«حزب الله» والدُّخول إلى الدَّولة: مسؤولٌ مع وقف التَّنفيذ؟

قامتْ إيرانُ، إذًا، بشقِّ التَّنظيمِ الشِّيعيِّ الأكبرِ آنذاك، «حركة أمل»، وأسَّستْ حزبَ الله فباتَ في الطَّائفةِ الشِّيعيَّةِ حِزبانِ شِيعيَّانِ يتصارعَان على حِصَّةِ كُلٍّ منهما منَ الطَّائفة. ورغمَ أنَّ تأسيسَ «حزب الله» تمَّ بموافقةٍ سوريَّةٍ، إلَّا أنَّ الصِّراعَ على النُّفوذِ بينَ إيرانَ وسوريا على الجُغرافيا الشِّيعيَّة أخذَ يتَّسِعُ إلى أنِ انفجرَ حربًا دمويَّةً بين «حزب الله»، مدعومًا من إيران، و«حركة أمل»، مدعومةً من سوريا، بينَ العامَيْن ١٩٨٨ و١٩٩٠. وتكتسبُ الجُغرافيا الشِّيعيَّة في لُبنان أهميَّةً كبيرة بخاصَّةٍ منطقة الجنوب نظرًا لموقعها الجيوسياسي بالقُربِ من الحدودِ اللُّبنانيَّةِ الفلسطينيَّة. والجديرُ بلَفتِ النَّظرِ إليه أنَّ هذه الحرب أتتْ في أجواءِ توقيع «اتِّفاقِ الطَّائف» الذي عارَضَه حزبُ الله. وبعدَ تفاهُماتٍ إيرانيَّةٍ سوريَّةٍ أنهتِ الصِّراعَ بعدَ تحديدِ مناطق النُّفوذِ بين إيران وسوريا، وبعدَ أن تحدَّدَ حجمُ «حزب الله» في الجُغرافيا الشِّيعيَّةِ، قرَّرَ الحزبُ الدُّخولَ إلى الدَّولةِ، دولةِ الطَّائف، دونَ الدُّخولِ في الطَّائف. ويُمكنُ اعتبارُ حربِه مع «حركة أمل» هي أوَّلُ استخدامِ «حزبِ الله» لسلاحِه من أجل تحديدِ حصَّتِه وشكلِ وجودِه في الدَّولة. وحولَ الاتِّفاقِ الذي عُقِدَ بين الحزب وأمل لإنهاء القتال. يقولُ الشَّيخ صادق النَّابلسي إنَّ الاتِّفاقَ هو «صيغةٌ تتساكنُ فيها «حركة أمل» مع أفضليَّةِ استحواذ الحزب على إدارة العمليَّات القتاليّة ضدَّ الاحتلال الإسرائيلي، وفي مقابل تساكُن الحزب مع أفضلية لأمل في استحواذها على إدارة العملية السياسية الداخلية في أنساقها المؤسساتية والخدَماتية، وفي علاقات الطائفة الشيعية مع الدولة والطوائف الأخرى وما تتيحه دواعي الاتصال والمخاطبة مع الخارج».

«حزب الله» في البرلمان:

دخلَ الحزبُ، إذًا، إلى الحياة السِّياسيَّة مُشاركًا في الانتخابات النِّيابيَّة منذ العام ١٩٩٢ وحصل على المقاعد وفقَ ما يلي: ١٩٩٢ (١٢ مقعدًا)، ١٩٩٦ (١٠ مقاعد)، ٢٠٠٠ (٨ مقاعد)، ٢٠٠٥ (١٤ مقعدًا)، ٢٠٠٩ (١١ مقعدًا)، ٢٠١٨ (١٢ مقعدًا)، ٢٠٢٢ (١٥ مقعدًا). وباحتساب عدد مقاعِده مع عدد مقاعِد حُلفائه تكون النتيجة كالتَّالي: ١٩٩٢ (٤٨ مقعدًا)، ١٩٩٦ (٤٤ مقعدًا)، ٢٠٠٠ (٣٣ مقعدًا)، ٢٠٠٥ (٥٧ مقعدًا)، ٢٠٠٩ (٥٦ مقعدًا)، ٢٠١٨ (٦٨ مقعدًا)، ٢٠٢٢ (٥٧ مقعدًا).

أصبحَ الحزبُ لاعبًا أساسيًّا في المؤسَّسةِ التَّشريعيَّة للدَّولة اللُّبنانيَّةِ وشاركَ في التَّشريعات والقوانين التي صدرَت عنها. ويُحاولُ الحزبُ استغلال الصِّفةِ الرَّسميَّة لنُوَّابه في سبيل مشروعه وأعمالِه غير القانونيَّة. فمثلًا، فرضت الولايات المتّحدة عقوباتٍ على النَّائبين محمَّد رعد وأمين شِرِّي بسبب «استغلال منصبَيهما في البرلمان»؛ الأوَّل على خلفيَّة لقائه برجُلَيْ الأعمال التَّابعَين لـ«حزب الله» أحمد طباجة وحسين علي فاعور والتَّعاون معهما من أجل الالتفاف على العقوبات الأميركيَّة واستمرار تأمين تمويل الحزب، إضافةً إلى اتِّهام شِرِّي بـ«الضَّغط على المؤسسات الماليّة اللبنانية» لمساعدة الحزب على تفادي تأثير العقوبات عليه. أمَّا على مستوى الفساد فيُتَّهم عددٌ من نُوَّاب الحزب بملفَّات فسادٍ، ومنهم النَّائب حسن فضل الله الذي يُتَّهم بتورُّطِه في سرقة مئات الدُّونمات من أراضي المشاع في جنوب لُبنان.

وشاركَ حزبُ الله في الانتخابات البلديَّة منذُ العام ١٩٩٨ وسيطرَ، وحدَه أو بالتَّحالُف مع «حركة أمل»، على مُعظم البلديات الواقعة ضمن مناطق سيطرتِه في البقاع والجنوب والضَّاحية الجنوبية لبيروت. إضافةً إلى مُشاركتِه في الانتخابات الاختياريَّة التي كان الحزبُ يُوليها اهتمامًا أكبرَ من البلديات، قبل أن يُشكِّل ثُنائيًّا مع «حركة أمل»، نظرًا لما يعكسُه انتخابُ مُختارٍ تابعٍ للحزب من دلالةٍ على حجم التَّأييد الذي يحظى به الحزبُ في هذه البلدة أو تلك. إضافةً إلى التَّسهيلات التي قد يُقدِّمها المخاتير لـ «حزب الله» أكثر من البلديات، خاصَّةً في قُرى البقاع والجنوب.

«حزب الله» في الحكومات:
الوزير يوسف فنيانوس والوزير علي حسن خليل، المصدر: موقع إيران واير
الوزير يوسف فنيانوس والوزير علي حسن خليل، المصدر: موقع إيران واير

بعدَ الانسحاب السُّوري من لُبنان في نيسان ٢٠٠٥ شارك حزبُ الله في الحكومات اللُّبنانيَّة المُتعاقبة منذُ ذلك الوقت. ومن أهمِّ الوزارات التي تولَّاها وزراء الحزب طيلة هذه الفترة؛ الطَّاقة، العمل، التَّنمية الإداريَّة، الزِّراعة، الصِّناعة، الشَّباب والرِّياضة، الصّحة، الثقافة والأشغال العامَّة. بينما تولَّى حُلفاؤه عددًا كبيرًا من الوزارات أبرزُها؛ الخارجيَّة، الصّحة، الزراعة، البيئة، الاتّصالات، الشؤون الاجتماعيَّة، الصناعة، الشَّباب والرِّياضة، الطَّاقة، الزِّراعة، الدِّفاع، الدَّاخلية، السِّياحة، العمل، التَّربية، المالية، الأشغال، الاقتصاد، العدل، الإعلام وغير ذلك.

ومن خلال مُراجعة التِّشكيلات الوزاريَّة يُمكنُ الخلوص إلى ما يلي؛ استلمَ الحزبُ، مع حلفائه، وزارة الماليَّة منذُ العام ٢٠١٤ إلى اليوم، ووزارة الطَّاقة منذ ٢٠٠٥ إلى اليوم، الأشغال العامّة منذ ٢٠١٤ إلى اليوم، الخارجيَّة منذ ٢٠٠٥ إلى اليوم، الصِّناعة في فترات ٢٠٠٥ _ ٢٠١١ و٢٠١٤ _ ٢٠١٦ و٢٠٢٠ _ ٢٠٢١، والزِّراعة منذ ٢٠٠٥ إلى اليوم باستثناء حكومة تمَّام سلام (٢٠١٤ _ ٢٠١٦).

تأخذُ وزارةُ الماليَّة حيِّزًا مُهمًّا لدى «حزب الله» إذْ إنَّه، مع «حركة أمل» طبعًا، يُطالبُ بأن تكون حقيبة الماليَّة من حصَّة «الثَّنائي الشِّيعي» الذي يحتكرُ تعيين الوزراء الشِّيعة في الحكومة. وحولَ هذا يقولُ الخبير الدُّستوري حسَّان الرِّفاعي لموقع «أساس ميديا» إنَّ هذه المُطالبة «غير دستوريَّة واتّفاق الطّائف لم ينُصُّ على ذلك».

في الواقع إنَّ المواقع الماليَّة الرَّئيسيَّة في الدَّولة هي أربعة؛ حاكميَّة المصرف المركزي (ماروني)، وزارة الماليَّة، النِّيابة العامَّة الماليَّة (شيعي)، رئاسة ديوان المحاسبة (شيعي). إضافةً إلى أنَّ النَّائب الأوَّل لحاكم المصرف هو من حصَّة الشِّيعة أيضًا. وبإصرار الحزب على وزارة الماليَّة التي يتولَّاها، عبْر حلفائه، منذ العام ٢٠١٤، هو خطوةٌ في سبيل جعل سيطرتِه على ماليَّة الدَّولة عُرْفًا. والواقعُ اليوم أنَّ هذه المواقع الأربعة قد تولَّاها الثُّنائي بعد انتهاء ولاية رياض سلامة وإصرار «حزب الله»، على لسان أمينه العام، على رفض تعيين حاكم جديد وعلى استلام النَّائب الأوَّل (الشِّيعي) مهام الحاكم. وقد لعبَ وزير الماليَّة يوسف الخليل دورًا في تعطيل التَّحقيق في قضيَّة انفجار المرفأ حين رفضَ، عام ٢٠٢٢، توقيع مرسوم تشكيلات محكمة التَّمييز ما أدَّى إلى تعطيل التَّحقيق، وهو ما يُصرُّ «حزب الله» عليه إلى الحدِّ الذي دفَع الأمين العام إلى تهديد القاضي طارق البيطار في خطابٍ مُتلفز. عِلمًا أنَّ امتناع وزير الماليَّة عن توقيع المرسوم أمرٌ غير قانوني إذْ إنَّ المرسوم صادر عن وزارة العدل وموقَّع من وزير العدل بينما توقيع وزير المالية هو توقيع إجرائي يتعلَّق بوجود اعتمادات مالية جديدة في المرسوم.

كما فرضتِ الولايات المتّحدة عقوباتٍ على وزير المالية السابق علي حسن خليل (٢٠١٤ _ ٢٠٢٠) بسبب نقله للأموال من الوزارات الحكوميَّة إلى المؤسَّسات المرتبطة بـ«حزب الله» بطريقةٍ تُجنِّبُ الحزب العقوبات الأميركيَّة. كما قام بإعفاء أحد عناصر الحزب من دفع ضرائب على الأجهزة الإلكترونيَّة التي كان يستوردَها إلى لبنان.

«حزب الله» وتوظيف الوزارات؛ الصحَّة والأشغال العامة نموذجًا
المرفأ بعد انفجاره، المصدر: سكاي نيوز
المرفأ بعد انفجاره، المصدر: سكاي نيوز

قامَ الحزبُ قبل الأزمة المالية عام ٢٠١٩ باستخدام نفوذِه وسيطرتِه في وزارة الصحَّة للتَّنسيق مع الصَّيدليَّات في الجنوب، البقاع والضَّاحية من أجل تزويد أفرادِه وموظَّفيه بالأدوية بأسعارٍ منخفضة. لكن بعد الأزمة عمدَ الحزب إلى شراء الصَّيدليَّات المُتعثِّرة وإغراقها بالأدوية الإيرانيَّة والسُّوريَّة المهرَّبة عبر الحدود البريّة والبحريّة والمطار. ففي حكومتَيْ سعد الحريري الأخيرة وحسان دياب تولَّى الحزبُ وزارة الصَّحَّة وجيَّرَها لمصلحة تمويل مؤسساته الصحِّيَّة ومستشفياتِه، وسمحَ في فترة الوزير حمد حسن باستيراد الأدوية الإيرانيَّة والسُّوريَّة إلى لُبنان وسط إشكاليَّاتٍ حول المعايير الصحيَّة والقانونيَّة اللَّازمة. وتؤكِّد الدَّكتورة منى فيَّاض في حديثٍ إلى قناة «العربيَّة» أنَّ الحزب قام بتوظيف عددٍ من المحسوبين عليه لتعزيز وجودِه في الوزارة.

بعدَ وزارة الصِّحَّة استلمَ الحزبُ بنفسِه وزارة الأشغال العامَّة لأوَّل مرَّة في تاريخه في حكومة نجيب ميقاتي الحاليَّة عبر الوزير علي حميَّة. ويقول الدَّكتور خالد العِزِّي في حديث إلى قناة «العربيَّة» أنَّ ثمَّة ثلاثة أسباب دفعت «حزب الله» إلى تولِّي الوزارة وهي؛ الإشراف على إعادة إعمار مرفأ بيروت الذي يخضع لسلطة الوزارة، تعزيز سلطتِه على المطار، وتعزيز سيطرتِه على المعابر الحدوديَّة، إذ إنَّ وزارة الأشغال العامة هي الوزارة المعنيَّة بالإشراف على المرافئ البريَّة والبحريَّة والجويَّة ويُخصَّص لها موازنة سنويَّة كبيرة. ويُضيف العزِّي أنَّ الحزب يستخدم هذه الوزارة الخدماتيَّة من أجل حساباتٍ انتخابيَّة وهذا ما دفعه إلى الإصرار عليها في هذه الحكومة. ولعلَّ أهمَّ هذه الأسباب هو مسألة مرفأ بيروت إذ إنَّ الحزب لم يتسلَّم وزارة الأشغال العامة إلَّا في أوَّل حكومة شُكِّلت بعدَ تفجير المرفأ في الرَّابع من آب ٢٠٢٠. بينما تُشير الدَّكتورة فيَّاض إلى أنَّ الحزب يستفيد من الصفقات المرتبطة بأعمال البُنى التحتيَّة، بخاصَّةٍ مدِّ شبكات الاتِّصالات ضمن نطاق البلديات والتي تُلزَّم لشركات خاصَّة، إضافةً إلى أنَّ الحزب كان يُريد الإشراف على اتّفاق إيصال الغاز المصري إلى لبنان والذي يُفترضُ أن تُشرف عليه وزارة الأشغال العامة.

تتقاطعُ هذه التَّحليلات مع العقوبات الأميركيَّة على وزير الأشغال العامة السابق يوسف فنيانوس (٢٠١٦ _ ٢٠٢٠) على خلفيَّة تسهيلِه أعمال «حزب الله» وتأمين عقود حكوميَّة لشركات تابعة لـ«حزب الله» كشركتَيْ «آرش» و«معمار» التَّابعتَيْن للمجلس التنفيذي لـ«حزب الله»، وقد ضَمِنَ فنيانوس حصولَهُما على عقودٍ حكوميَّة بملايين الدُّولارات. إضافةً إلى اتِّهامِه بمساعدة الحزب على الوصول إلى وثائق قانونيَّة حسَّاسة متعلِّقة بالمحكمة الخاصَّة باغتيال الرَّئيس رفيق الحريري.

«حزب الله» والوظائف العامَّة:

إضافةً إلى توظيفِه لعددٍ من المحسوبين عليه في بعضِ الوزارات، يتشارَكُ «حزب الله» مع «حركة أمل» في تعيين موظَّفي الفئة الأولى من الشِّيعة البالغ عددها ٣٣ وظيفة من أصل ١٥٧ بحسب «الدَّولية للمعلومات». وحصَّةُ الشِّيعة التي يحتكرُها الثُّنائي هي الوظائف التَّالية: رئيس الجامعة اللبنانية، رئيس المجلس الأعلى للجمارك، النّائب الأول لحاكم مصرف لبنان، المدير العام للاقتصاد والتجارة، المدير العام للشؤون الاجتماعية، المدير العام للأمن العام، المدير العام للشؤون السياسية واللاجئين في وزارة الداخلية، محافظ النبطية، الأمين العام للمجلس الوطني للبحوث العلمية، مدير عام الإعلام، مدير عام المغتربين، المفتّش العام التّربوي، رئيس ديوان المحاسبة، المدير العام للشباب والرياضة، مدير عام الضمان الاجتماعي، نائب رئيس مجلس الإنماء والإعمار، المدير العام لمجلس الجنوب، المدير العام للمصلحة الوطنية لنهر الليطاني، عضو لجنة الرقابة على المصارف، المدير العام للتعليم المهني والتقني، المدير العام للمجلس الاقتصادي والاجتماعي، المدير العام لإدارة حصر التبغ والتنباك، رئيس المجلس التنفيذي للمكتب الوطني للدواء، عضو الهيئة العليا للتأديب، مفتّش عام في التنفتيش المركزي، رئيس فرع الشؤون القانونية في رئاسة مجلس الوزراء، المدير العام للاستثمار في وزارة الطاقة، رئيس شركة إنترا للاستثمار، المدير العام لبنك التمويل، المدير العام لمؤسسة مياه لبنان الجنوبي، الأمين العام لمجلس النواب، مدير إدارة الريجي. ويُشير بعض المراقبين إلى أن «حزب الله»، من خلال وفيق صفا، عمِد إلى إدخال عددٍ من تلامذة ضباط إلى الكلية الحربية مقابل مبالغ مالية كبيرة. بينما تؤكّد الولايات المتحدة أن «حزب الله» يسعى بشكل كبير إلى توظيف مئات المحسوبين عليه في مختلف قطاعات الدولة الرسمية. 

كما سيطر «حزب الله» على المؤسسة الرسمية الشيعية، المجلس الشيعي، بعد وفاة رئيسه السابق عبد الأمير قبلان. وقد ظهَرت سيطرة الحزب على المجلس في عدّة مواقف أبرزها؛ زيارة بكركي الأخيرة التي دعت إليها بمبادرة من الرسول البابوي وحضرها كل رؤساء الطوائف في لبنان وامتناع الشيخ علي الخطيب عن تلبيتها بناء لرغبة «حزب الله» بالرغم من موافقة «حركة أمل» على تلك الزيارة.

وتُشيرُ بعضُ التَّحليلات إلى أنَّ «حزب الله» صارَ أكثر مُشاركةً في تسمية الموظَّفين من حصَّة الشِّيعة، بعدَ أن كان هذا الأمرُ موكلًا إلى «حركة أمل» وفق الاتِّفاق الذي أنهى الحرب بينهما عام ١٩٩٠. حتَّى أنَّ الحزب والحركة قد اتَّفقا على المُناصفةِ بينهما في ما يتعلَّق بحصَّة الشِّيعة من وظائف الفئة الأولى التي كانت شاغرة في العام ٢٠١٩. وفي العام ٢٠٢٢ أيضًا ظهرَ هذا التَّفاهُم بين الحزب والحركة حول التَّعيينات حين قامَ المُعاوِن السِّياسي للرَّئيس نبيه برِّي علي حسن خليل، والمعاون السياسي للأمين العام للحزب حسين خليل، بزيارةٍ إلى الرَّئيس ميقاتي واتَّفقا معه على تعيين نائب للمدير العام لجهاز أمن الدولة الذي كان شاغرًا آنذاك. كما أنَّ الأدبيَّات الصحفيَّة، إن جاز التَّعبير، صارت تتداولُ بكثرةٍ عبارةَ «محسوب على الثُّنائي الشِّيعي» في دلالةٍ واضحةٍ إلى حجم حضور الحزب في ملفِّ التَّوظيفات، خلافًا لما يدَّعي.

 بيدَ أنَّ علاقةَ «حزب الله» بالموظَّفين الكبار في الدَّولة تعودُ إلى فترةٍ بعيدةٍ نسبيًّا، أشهرُها رئيس أمن المطار، وفيق شقير، الذي أدَّى قرارُ حكومة السنيورة يومها بإقالتِه وبإغلاق شبكة الاتَّصالات الخاصَّة بـ«حزب الله» إلى استعمال الحزب لسلاحِه في الدَّاخل اللُّبناني بما عُرف بأحداث السَّابع من أيَّار عام ٢٠٠٨، والتي انتهت بعقد اتِّفاق الدَّوحة الذي أعطى لـ«حزب الله» وحلفائه ١١ وزيرًا من أصل ٣٠؛ أي حصلوا على الثُّلث المُعطِّل في الحكومة.

الوحدة ٩٠٠: «جيستابو» «حزب الله»
القيادي في «حزب الله» يوسف نادر، المصدر: موقع الرؤية
القيادي في «حزب الله» يوسف نادر، المصدر: موقع الرؤية

في العام ٢٠١٨ كشفَ تحقيقٌ دوليٌّ أنَّ «حزب الله» مُتغلغلٌ بشكلٍ كبيرٍ في مؤسسات الدَّولة اللُّبنانية وبخاصَّة المؤسسات الأمنية. ويُورد التَّحقيق إنَّ الحزب أنشأ وحدةً خاصَّة تُسمّى الوحدة الأمنية أو «الوحدة ٩٠٠» وكان يُديرُها القيادي يوسف نادر، المعروف باسمَيْ نور الدِّين وعزّ الدين. تتعامل هذه الوحدة مع عددٍ كبيرٍ من الموظّفين ومديري قطاعاتٍ مختلفة في المؤسسات اللبنانية. ويُشيرُ التَّحقيقُ إلى تواجدٍ لـ«حزب الله» في مراتب عُليا في الجيش والقضاء والمصارف والمكاتب الحكوميَّة والوزارات. ومُعظمُ عمل هذه الوحدة هو أمني للتَّجسُّس على الدَّولة اللبنانية ومؤسّساتها، حيثُ يُعتمذُ التنسيق بين المسؤولين الحكوميين و«الوحدة ٩٠٠» عبر ضابطَيْ الأمن في «حزب الله» سعيد بيرم ونزيه صالح.

في المُقابل تنقلُ قناة «الحرَّة» الإخباريَّة عن أحد «المُنشقِّين» عن «حزب الله» أنَّ عناصرَ من هذه الوحدة يقومون بنقل المعدّات العسكريَّة في المناطق التي لا يُسيطرُ عليها الحزب بشكلٍ مُباشر، حيثُ يقوم الحزب بشراء عقاراتٍ وأراضٍ باسم شركات مملوكة من منتسبين للتَّيَّار الوطني الحر ويقوم عناصر الوحدة ٩٠٠ بنقل المعدَّات إلى هذه العقارات. ويمتلكُ عناصرُ هذه الوحدة بطاقاتٍ عسكرية صادرة عن جهة أمنية رسميّة مقرَّبة من الحزب لتسهيل مهامِهم التي يصفُها الحزب بأنَّها خارجيَّة؛ أي بعيدة عن مناطق نفوذه.

خاتمة:

باتَ حزبُ الله متواجدًا بشكلٍ مُباشرٍ في مؤسسات الدَّولة وشريكًا في احتكار حصَّة الشِّيعة في نظام المُحاصصة القائم بعد الحرب. ولا يُخفى أنَّ «حزب الله»، الذي يُجيدُ اللَّعبَ السِّياسيَّ، يُفضِّلُ وجودَ حُلفائه في مؤسسات الدَّولة أكثر من وجودِه هو بشكلٍ مُباشر، إذْ إنَّ ذلكَ يُمكِّنُه من استغلال الدَّولة لحساباتِه الخاصَّة دون أن يُقدِّمَ نفسَه إلى أنصارِه كمسؤول عن الانهيار الذي أصابَ البلد. إضافةً إلى كون حلفائه، كنبيه برِّي مثلًا، يُشكِّلون قنوات تواصل مع الأطراف الأخرى داخليًّا وخارجيًّا.

والجديرُ بالذِّكر أنَّ «حزب الله» لا يستفيد من تواجدِه في نظام المُحاصصة كما تستفيد الأحزب الأخرى، إذ إنَّه يستغلُّ هذا التواجُد من أجل مشروعه السِّياسيِّ ومن أجل تحصيل المزيد من المكاسب على المستوى اللُّبنانيِّ من جهة، وعلى المستوى الشِّيعي من جهةٍ أخرى؛ أي على حساب «حركة أمل» وفقَ مُعادلةٍ مُؤدَّاها؛ إنَّ ضعفَ الدَّولة يُضعِفُ «حركة أمل» ويُقوِّي «حزب الله». ويظهرُ من مُراقبةِ أداء «حزب الله» أنَّه رغمَ عدمِ ذكرِه لولاية الفقيه في الوثيقة السِّياسيَّة التي أصدرَها في العام ٢٠٠٩، إلَّا أنَّ مشروعَه الرَّامي إلى جعل لُبنان تحتَ حُكم النِّظام الإيرانيِّ لم يزَل مشروعًا قائمًا. وفي سبيل ذلكَ يستغلُّ الحزبُ تواجُدَه في الدَّولة من جهة، ويتنصَّلُ من كُلِّ الاتِّفاقات التي يُوقُّعُها من جهةٍ أخرى، حتَّى اتَّفاق وقف إطلاق النَّار مع «حركة أمل». وتاليًا، إنَّ دفاعَ «حزب الله» عن النِّظام اللُّبناني الذي كان قائمًا خلال أحداث ١٧ تشرين ليس لأنَّ «حزب الله» يلعبُ دور «الحامي» للنِّظام، وإنَّما لأنَّه شريكٌ وازنٌ فيه.

مقالات مشابهة
13・03・2026
وذكِّر، إن نفعت الذكرى: تقدّم «المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى» بإخبار في ٢٧ آذار ٢٠٢٥ «ضدّ مطلقي الصواريخ».
المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، الذي صرّح اليوم، على لسان نائب رئيسه، راميًا على «الدولة» مهمة الاهتمام بالنازحين، نفضًا عنه أي مسؤولية، وهو الذي لم يُعوّدنا أساسًا على التصدّي لهذه المهمة أو على الاهتمام بأبناء الطائفة الشيعية. كان قد تقدّم، عندما دعت الحاجة، بإخبارٍ ضدّ «مطلقي الصواريخ» بقصد خرق الاتفاق ١٧٠١.
08・03・2026
رحلة الهروب من الموت: يوم كامل من الجنوب إلى بيروت
أحمد خواجة
احتاج الأمر لأكثر من ٢٣ ساعة للانتقال بالسيارة، من بلدتنا الجنوبية في قضاء «بنت جبيل» إلى بيروت، حوالى ١٠٠ كلم استغرق قطعها كل هذا الوقت، معدل سرعة سيْر الإنسان على قدميه خلال التنزّه يتراوح بين ٤.٨ و٥ كلم في الساعة، ما يعني أن رحلة سيرًا على الأقدام بين بلدتنا وبيروت ما كانت لتحتاج إلى ٢٣ ساعة.
14・11・2025
التحوُّلات السياسية في الجنوب بعد الحرب: من زمن الهيمنة إلى أفق التعدُّدية
علي مراد
ما بعد الحرب ليس مجرد مرحلة زمنية جديدة، بل هو اختبار وجودي للبنان ككل، وللجنوب على وجه التحديد. فقد جاءت حرب أيلول ٢٠٢٤ لتكشف عمق التحوّلات التي كانت تتراكم بهدوء منذ سنوات، ولتُعيد طرح الأسئلة التي لطالما جرى التهرّب منها ...