03・08・2024
من العدد ١٢
الجيوبولتيك الإيراني وحصّة لبنان منه

يُعرف علم الجيوبولتيك بأنه دراسة الصراع على الكيانات الجغرافية ذات الأهمية الدولية، مثل الأماكن والمناطق والأقاليم والشبكات. تسعى الدول من خلال هذا العلم إلى تحقيق مكاسب سياسية متنوّعة عبر التحكّم بهذه الكيانات.

الجيوبولتيك الإيراني بشكل عام

يمكن القول إن الجيوبوليتيك الشيعي، كما يحدّده دكتور فراس الياس، والذي سوف نعتمد في قسمنا الأول من هذه المقالة على النتائح التي توصّل إليها، هو مفهوم تطوّر في القرن الحادي والعشرين داخل العقل الإيراني، حيث صاغ الفكر الاستراتيجي الإيراني العديد من نظريات التمدّد والهيمنة استنادًا إلى القوة الجيوبوليتيكية الإيرانية. يربط هذا المفهوم بين العديد من المجالات الجيوستراتيجية الحيوية للمجال الحيوي الإيراني، والتي يمكن تصنيفها إلى خمس فئات: دول المحيط الشيعي؛ دول المجال الحيوي الشيعي؛ دول تحت تأثير سياسة التشيُّع؛ دول تحت تأثير الطرُق الصوفية ودول الشتات الشيعي. يشكّل هذا المفهوم هدفًا استراتيجيًّا لطالما سعَت إيران لتحقيقه، وهو مدعوم بفكرة ولاية الفقيه التي تهدف إلى ربط المركزية الشيعية العالمية بإيران.

بدأ تشكُّل الجيوبولتيك الشيعي مع انتصار الثورة الإيرانية عام ١٩٧٩ بقيادة آية الله الخميني. وقد ساهمت الثورة الإيرانية ونشوء «حزب الله» اللبناني في وضع الجغرافيا السياسية الشيعية في صدارة المشهد السياسي الإقليمي والدولي. الهدف من ذلك كان تشكيل حركة شيعية عابرة للحدود مرتبطة بإيران. بعد الاحتلال الأميركي للعراق عام ٢٠٠٣، عملت إيران على تشكيل خريطة شيعية متميّزة عن الخريطة السنّية في العالم الإسلامي، رغم التحديات الكبرى التي واجهتها، مثل تصاعد الصراعات الطائفية والمذهبية.

انتصار الثورة الإيرانية عام ١٩٧٩ كان بداية لتحوّل كبير في الفكر الاستراتيجي الإيراني. ازدهرت الطروحات الجيوبوليتيكية للخميني واكتسبت قوة سياسية في إيران، نظرًا لموقعها الجيوبوليتيكي المميّز واحتياطياتها الهائلة من الطاقة، مما جعلها مركزًا للعالم الشيعي. يرتبط مفهوم تصدير الثورة بعالمية سلطة ولاية الفقيه، التي تسعى لبسط نفوذها على الأمة الإسلامية جمعاء، دون التقيّد بالقوانين الدولية أو احترام الحدود.

التركيز على الهوية الشيعية العابرة للحدود الوطنية، وتفاعلها مع إيران كمركز للجيوبوليتيك الشيعي، وفّر رافعة أساسية لإيران في سياستها التوسعية. في منطقة الشرق الأوسط، تعرّضت الهويات العابرة للحدود الوطنية للخطر، مما حدَّ من قُدارت الدولة فيها، بحيث أصبحت الهوية الشيعية اليوم قادرة على تغيير النظام الإقليمي عبر نشر هويات مذهبية جديدة في العالم الإسلامي عن طريق سياسات التشيُّع.

ويمكن القول هنا إن هناك ثلاثة عوامل أسهمت في إحياء الشيعة في منطقة الشرق الأوسط، وهي: أولًا تقوية الشيعة في لبنان والعراق؛ وثانيًا تقوية الشيعة الآخرين في السعودية والكويت والإمارات العربية المتحدة وثالثًا: صعود إيران السياسي والمذهبي. هذه العوامل الثلاثة عزّزت القوة الشيعية في الشرق الأوسط، ولعبِها دورًا في معادلاتها الإقليمية والدولية، إذ أصبحت هناك علاقة منفعة متبادلة بين صعود مكانة إيران السياسية وأدوار حلفائها في منطقة الشرق الأوسط، وهو ما عزّز دور الهوية الشيعية في الساحة السياسية الإقليمية والدولية.

في ظلِّ التحولات في نمط توزيع القوة في الشرق الأوسط، زادت جهود الحرس الثوري الإيراني لتشكيل حركة شيعية عابرة للحدود تتألَّف من جماعات متشدِّدة في الشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا. ثورات الربيع العربي، والأحداث في سوريا والبحرين، وصعود تنظيم الدولة في العراق، والتدخُّل العسكري بقيادة السعودية ضد الحوثيين في اليمن، ساهمت جميعها في تعزيز الهوية المذهبية الشيعية عبر وسائل التواصل الاجتماعي والأقنية الفضائية الشيعية. رغم أن المذهب الشيعي محوري في السياسات الإيرانية الداخلية، إلّا أن بصماته في الاستراتيجية الإيرانية الخارجية أقلُّ وضوحًا، حيث الدِّين هو عامل واحد من بين عدة عوامل تؤثّر على السلوك الخارجي الإيراني.

التوسّع نحو لبنان

شكّل انتصار الثورة الإيرانية عام ١٩٧٩ نقطة تحوُّل كبيرة في الفكر الاستراتيجي الإيراني باتجاه لبنان، فعملت على عسكرة الطائفة الشيعية، وفي هذا المجال لا بدَّ من التذكُّر أنه في حقبة النظام الملكي، جرَت محاولتان خجولتان لعسكرة الطائفة الشيعية في لبنان عبر «حزب الطلائع ـ رشيد بيضون» و«حزب النهضة ـ أحمد الأسعد»، لكنهما لم ينجحا. أما المحاولة الثالثة والنوعية فقد كانت مع السيد موسى الصدر، الذي أسّس حركة «أمل».

منذ وصول الخميني إلى السلطة في عام ١٩٧٩ وتكريس نظرية «الوليّ الفقيه»، لم تدَّخر دولة الملالي جهدًا في محاولاتها لنشر مشروعها الإقليمي التوسّعي ذي البُعد الطائفي. استثمرت إيران الكثير من مواردها وأموال الشعب الإيراني لإنشاء أذرع أيديولوجية في العديد من الدول، خصوصًا في لبنان من خلال «حزب الله»، الذي يتبع توجيهات قادة الحرس الثوري الإيراني بعيدًا عن الولاءات الوطنية.

اتبعت إيران استراتيجية مستندة إلى تقليد الوليّ الفقيه وقائد الثورة الإيرانية، الخميني، الذي أعلن في عام ١٩٨٠ أن «الجمهورية الاسلامية الإيرانية سوف تعمل بجهد من أجل تصدير ثورتها للعالم، وأنه بمقدورها تحدّي العالم بالأيديولوجية الإسلامية. وأنها لا تسعى إلى تصدير ثورتها إلى كل الدول الإسلامية فحسب، بل إلى كل الدول حيث يوجد مستكبِرون يحكمون مستضعَفين». من خلال هذه النظرية، ترى إيران نفسها مركزًا للعالمين العربي والإسلامي.

بالإضافة إلى ذلك فإن إيران لا تحرّكها فقط فكرة تصدير الثورة إلى دول الجوار، بناءً على فكر الخميني أو الدستور الإيراني، بل تعتمد في الأساس على فكرة أيديولوجية يدعمها النظام الحاكم، تتمحور بشكل كبير حول البراغماتية والمصلحة الوطنية. بمعنى أن إيران لا تتصرف بدافع الحماسة الأيديولوجية فقط، بل محرِّكها الرئيسي مرتبط بأمنها القومي أكثر من مجرّد تصدير الأفكار الثورية إلى جميع دول المنطقة.

رؤية أخرى تُبرز الفكرة الطائفية الإيرانية بجانب البراغماتية الخاصة بالأمن القومي، عبر استخدام الأذرع الطائفية لتوسيع نفوذها الإقليمي، وأبرز هذه الأذرع هو «حزب الله» اللبناني. كان لإيران دور رئيسي في تأسيس «حزب الله»، حيث دعمت الحزب مادّيًّا وعسكريًّا ليظهر كممثّل للشيعة في لبنان، مما مكّن إيران من تكوين قوة شيعية في المنطقة.

في سياق تكريس دور «حزب الله» في لبنان، خاضت إيران في لبنان صراعًا مع سوريا (صراع أمل وحزب الله) لضمان السيطرة. وكذلك خاضت صراعًا في سوريا التي  تُعتبر بالنسبة لإيران ذات أهمية جيوسياسية واستراتيجية كبيرة، إذ تُعدُّ طريق الإمداد الرئيسي لتزويد الحزب بالأسلحة والصواريخ والمعدّات. لذلك، بعد عام ٢٠١١، حاولت إيران استنساخ تجربة «حزب الله» في سوريا من خلال دعم قوات بشار الأسد ضد المعارضة المسلحة، وإعطاء الحرب طابعًا مذهبيًّا عبر إدخال «حزب الله» في المعارك ونشر خطاب مذهبي. كما سعَت إيران إلى استقطاب أكبر عدد ممكن من أبناء الطائفة الشيعية للقتال في سوريا، مما زاد من حدّة الانقسام السياسي في لبنان.

الظاهرة الشيعية تحمل أبعادًا جيوبوليتيكية، حيث تتشابك الجغرافيا والسياسة والسلطة. الجغرافيا الشيعية، الممتدّة عبر إيران والمجتمعات الشيعية، تمنح إيران دورًا مركزيًّا في المنطقة. سياسيًّا، التشيع يحمل أفكارًا وعقائد سياسية واضحة، ما أدّى إلى تنمية دور سياسي قوي للشيعة، وخاصة في إيران. السلطة، من ناحية أخرى، ترتبط بالدور السياسي، حيث يسعى الشيعة لاستعادة سلطة مفقودة.

الثورة الإيرانية عام ١٩٧٩ كانت محاولة لبناء هيكل سياسي له امتدادات جغرافية خارج حدود إيران. إيران سعَت إلى التأثير في الحركات السياسية والدينية في أجزاء مختلفة من العالم، بما في ذلك العراق ولبنان واليمن. بعض الحركات في العالم السنِّي اتخذت موقفًا ضد البنية الشيعية، في حين تماهى بعضها معها انطلاقًًا من وحدة الهدف والمشروع.

مقالات مشابهة
17・09・2026
عن ثوار ١٧ تشرين والثورة التي لم تعرف أعداءها...
فراس حمية
إنه لأمر مثير للملاحظة أن نجد مُطلقي جريدة «١٧ تشرين» إبان الحراك الشعبي عام ٢٠١٩، والتي حملت شعارات مثل «فليَكن خرابًا»، و«كلن يعني كلن»، و«إسقاط النظام»، و«إسقاط الحكومة»، و«إسقاط تحالف المال البورجوازي الطبقي»، ورفعت صور الزعماء مجتمعين، كونهم ممثلين عن الفساد والكارثة التي حلّت بأموال الناس ونهَبت مدّخراتهم، قد أعادوا التموضع خلف «حزب الله» في الحرب، على اعتبار أنه فصيل مقاوم....
16・09・2026
حين يسأل الجنوب عن ثمن الحرب: هل يتغيّر المزاج الشيعي تجاه «حزب الله»؟
رنا شمص
لأعوام طويلة، كان «حزب الله» قادرًا على تقديم الحرب باعتبارها معركة وجود، وعلى ربط سلاحه بحماية الشيعة ومواجهة إسرائيل. وكان هذا الخطاب يجد قبولًا واسعًا داخل بيئة رأت في الحزب قوة عسكرية وسياسية وفّرت لها في مراحل مختلفة، شعورًا بالحماية وقُدرة على الردع. لكن طول أمَد الحرب والنتائج الواضحة لها بدأ يفرض أسئلة مختلفة، بعدما أصبحت الحرب تجربة يومية من النزوح والدمار والخوف والخسارة.
13・09・2026
هل يتحَمّلُ «حزبُ اللهِ» وِزْرَ تدميرِ لبنان ؟!
علي مازح
لقد قلتُ منذ سنواتٍ وقبل اندلاعِ الحربِ الإسرائيليَّةِ على «حزبِ اللهِ»، ردًّا على ما يُسمَّى «مساندةَ غزَّة»، قلتُ: «إذا أرادَ "حزبُ اللهِ" تجنيبَ لبنانَ الدّمارَ والخرابَ في حالِ أرادت إسرائيلُ فعلًا مهاجمتَه (الحزب) لتدميرِهِ والقضاءِ عليه فعليْهِ تسليمُ أسلحتِه إلى الجيشِ اللبنانيّ والانخراطُ "إنْ سَنَحَت له الفرصةُ" في صفوفِهِ وصفوفِ الأجهزةِ الأمنيّةِ والعسكريّةِ الأُخرى...