03・08・2024
من العدد ١٢
إحياء الشعائر الحسينية، الأصالة مقابل التوظيف السياسي
بريتال نموذجًا
عاشوراء وحشد من الصور، المصدر: جريدة النهار
عاشوراء وحشد من الصور، المصدر: جريدة النهار

تشكّل مظاهر إحياء أمر آل بيت النبي محمد(ص)، ولا سيما الإمام الحسين، وشعائرها وطقوسها؛ أحد أهمّ عناصر الجذب العقدي والوجداني والنفسي والمجتمعي الأساسية للمذهب الشيعي ونظامه الاجتماعي الديني. تلعب هذه المظاهر أدوارًا نوعية ومتعدّدة في تقوية هذا النظام وتأكيد هويته. تُعد المراقد والشعائر العنصرين الأكثر ارتباطًا بالوجدان الشعبي الشيعي والأكثر تأثيرًا في مشاعر الشيعة، سواء كان الفرد متديّنًا مقلّدًا للمراجع أم غير متديّن، أو إسلاميًّا متزمّتًا أم علمانيًّا متحرّرًا فكريًّا، أو حتى بين المؤمنين والمشكّكين. بحسب ما يذهب إليه المفكر العراقي علي المؤمن.

وتتأثّر الشعائر الحسينية، كما كل الشعائر، بالعادات والتقاليد مما يزيد من درجاتها شِدَّة وضعفًا، فإنّ بعض الشعائر لها ارتباط بمظاهر الحياة الاجتماعية والعادات والتقاليد التي يتصف بها أهل أي منطقة؛ نظرًا للخلفيات الثقافية التي ألِفها ذلك المجتمع. فهذه الأُمور أثَّرت فيها بشكل تدريجي، لا سيّما في الجانب الشكلي والصوَري للشعائر، والنموذج الواضح لهذه الأُمور ما نراه في الهند، فنجد أن بعض نماذج الشعائر الحسينية _غير المنصوصة_ لها جذور في حياة الهنود الاجتماعية، وتعدُّ جزءًا من عاداتهم وتقاليدهم.

تاريخ نشأة الشعائر الحسينية:

لقد تعدّدت الآراء في نشأة الشعائر أو المآتم المنظمة والمقصودة، والتي اعتبرت هادفة في تسنين هذه الظاهرة وتثبيتها ونعرض منها الآتي:

نقل الشيخ عباس القمي في«الكنى والألقاب»: حكي عن تاريخ ابن كثير أنّه قال: «في سنة ٣٥٢ أمر معزّ الدولة أحمد بن بويه‏ في بغداد في العشر الأُولى من المحرم بإغلاق جميع أسواق بغداد، وأن يُلبس السواد ويُقيموا مراسم العزاء. وحيث لم تكن هذه العادة مرسومة في البلاد، لهذا رآه علماء أهل السنّة بدعة كبيرة، وحيث لم يكن لهم يد على معزّ الدولة لم يقدروا إلّا على التسليم، وبعد هذا في كلّ سنة إلى انقراض دولة الديالمة الشيعة في العشرة الأُولى من المحرم من كلّ سنة يقيمون مراسم العزاء في كل البلاد، وكان هذا في بغداد إلى أوائل سلطنة السلطان طغرل السلجوقي».

إن الرأي السائد عند عدد من الباحثين هو أن ملوك بني بويه هم أول مَن قاموا بنشر شعائر عاشوراء في الوسط الشيعي. ولكن يظهر من بعض النصوص لمؤرّخي مصر، أن إحياء الشيعة ليوم عاشوراء في زمن الإخشيديين بمصر، سبقت عهدَي بني بويه والفاطميين أيضًا. كما أنّ هناك نصوصًا تفيد أن الشيعة كانوا يقيمون مجالس النياحة على الإمام الحسين(ع) قبل دخول البويهيين إلى بغداد، وإن كانت هذه المجالس تُقام سرًّا وبالخفاء خوفًا من بطش الحنابلة. ولا شكّ في أن أيام عاشوراء أيضًا كانت تشهد إقامة مثل هذه المجالس.

ويظهر مما ذكره المؤرّخ ابن الجوزي حول تفاصيل إقامة ذكرى عاشوراء في كل من السنوات ٣٩٣هـ و٤٠٢هـ و٤٢٣هـ، أن أهم مراسم عاشوراء في بغداد في العهد البويهي كانت تتمثل بتعليق المسوح في الأسواق، وإقامة النياحة في المشاهد. ولا بد أنّ يكون مشهد الإمامين موسى الكاظم ومحمد التقي(ع) بمقابر قريش، الكاظمية اليوم، من أهمّ المشاهد الدينية التي كانت تُقام فيها النياحة والمآتم الحسينية في يوم عاشوراء، كما يظهر من بعض النصوص.

وفي ما يتعلّق بذكرى عاشوراء في القاهرة في عهد الفاطميين، فمن خلال نصوص المؤرّخين المصريين يمكن القول: إنّ مآتم ومراسم عاشوراء بهذه المدينة في العصر الفاطمي، كانت في بادئ الأمر تمتاز بالطابع الشعبي، ولكنها اتخذت في ما بعد طابعًا رسميًا، حيث كانت تُعرف بـ«سماط الحزن» في أواخر هذا العهد، وتُقام بحضور الخليفة والأمراء والأعيان والقاضي وداعي الدعاة، كما يظهر من كلام ابن الطوير.

أما في ما يتعلّق بذكرى عاشوراء في المدن الأُخرى، كالمدينة المنوّرة وحلب ودمشق، فليس لدينا تصوّر واضح؛ بسبب عدم وجود نصوص توضّح تفاصيل ما كان يُقام من شعائر. ولكن يمكن القول بشكل عام: إنّ ظاهرة إحياء ذكرى عاشوراء في المدينة قد عُرف من حين رجوع سبايا أهل البيت(ع) إليها، وأما في حلب ودمشق، فقد نشأت وترافقت بشكل كبير مع ظاهرة انتشار التشيّع. ويُلاحظ أيضًا المحورية المهمة مشاهد أهل البيت(ع) في إقامة مآتم عاشوراء، كقبة العبّاس بن عبد المطلب والأئمة الأربعة من أهل البيت(ع) في مقبرة البقيع بالمدينة المنوّرة، ومشهد رأس الإمام الحسين(ع) بحلب، ومشهد السيّدة زينب في دمشق.

التوظيف السياسي للشعائر الحسينية:

إن توظيف الخطاب الديني في الأزمات السياسية لطالما كان حاضرًا في المشهد السياسي الشيعي على مرِّ التاريخ، ويعتمد غالبًا على إثارة العاطفة ومحاولة تأجيجها ضمن سياقات سياسية برِداء ديني.

هذا التوظيف ينبع من رغبة بعض الكيانات السياسية في إعادة تحشيد الشارع، واستعادة الجماهير، من خلال استغلال النزعة الطائفية، وهذه المحاولات ترتكز غالبًا على شهر محرّم، كونه الأساس الفعلي للخلاف السُني الشيعي على السلطة.

هناك تاريخ من التوظيف السياسي للشعائر الحسينية، ففي عهد البويهيين أصبحت الشعائر الحسينية تقليدًا رسميًّا، فأُمِر الناس أن يقيموا الشعائر في الطُرُقات، وتسبَّبت في فتن طائفية كثيرة بعد تترُّس البويهيين مذهبيًّا، في ما بعد حرص الصفويون على مأسَسة الشعائر الحسينية، والعناية بها، لتمتين الداخل وتطييفه ضدّ العدو الخارجي المتمثِّل في العُثمانيين، والعدو الداخلي المتمثِّل في المعارضين، كالقزلباش وغيرهم، بوصفهم ـ أي الصفويين ـ قائمين على حفظ بيضة التشيُّع، وحُرّاسه، وشارك ملوكهم الناس في المآتم الحسينية العامَّة. ثمّ جاء ملوك القاجار فأوْلوا الطقوس والشعائر اهتمامًا منقطع النظير، أيضًا لتعزيز شرعيتهم المذهبية بين العامَّة، واهتمُّوا بعمارة مراقد آل البيت في العراق وعموم إيران؛ ما كان له أثرٌ كبير في عاطفة العامَّة. ويبلغ التوظيف السياسي ذروته في زيارة ناصر الدين القاجاري إلى كربلاء ووقوفه بجوار مرقد الحسين قائلًا: «نادَى الإمام الحسين في يوم عاشوراء، هل من ناصر ينصرني؟ أتى ناصرك، وهو واقف في حضرتك لنُصرتك».

ويكفي أن تسمع منادبهم وسبابهم لأفاضل بُناة الإسلام وخاصة الصحابة وحتى تكفيرهم بل إن توظيف آل البيت في هذه المهمة القذرة هو بدوره حطَّ منهم وتحقير اعتبارهم مجرد أداة وخدعة سياسية.

الاستحواذ السياسي على الديني مع التظاهر بالحرص على المذهب ينتج عنه الحرص على توظيفه السياسي وليس تحريره منه. ومن ثم فالحصيلة هي عدم التعامل مع علماء الدين بوصفهم مثل الأكاديميين يتمتعون بحرية الاجتهاد في النظر والعقد وبالجهاد في العمل والشرع. 

ولسوء الحظ فالبحث الديني لا يعامَل بوصفه بحثا علميّا وعمليًّا بل هو يعامل دائمًا توظيفيًّا في السياسة إمّا صراحة بحيث ليس الدِّين إلّا أداة سلطان الأئمة والمرجعيات على العامة أو بصورة منافقة بتوسّط الفتوى و«علماء» السلطان المرْضي عنهم.

لعلّ توظيف الشعائر الحسينية، في عصرنا الحالي، متعلّق باستراتيجيا الثورة الخمينية التي تستعملها في تصدير الثورة وتنافسها وحروبها النفسية والفكرية للاستحواذ على التربية والحكم بالدغمائية المتّبعة...

ويكفي أن نتابع ما يحدث في العراق. فالبلد كان شبه علماني حتى إن الشيعة فيه كانت أكثر سكانه ماركسيّةً أو بعثيّةً، وإذا هم الآن سرعان ما عادوا إلى الخرافات الشيعية في أقلِّ من عقدَين فصاروا لا يعيشون إلّا بالمناحات والمنادب والاستعمال لهذيان أكثر رجال الدين دجلًا وجهلًا في تاريخ البشرية لكثرة كلامهم على معجزات الأئمة التي لا يصدّقها حتى الأطفال الرضّع. وقد ترى حتى المصريين واللبنانيين وفي سوريا في المقامات الشيعية في أوضاع لا يمكن أن يقرّها مسلم حتى لو كان عاميًّا، لأنها وثنية في أغلب مظاهرها.

استغلّت إيران مناسبة عاشوراء لتحقيق أهدافها السياسية والاقتصادية.

وعلى أراضيها، وفي العراق وسوريا ولبنان، شحنت أتباع المذهب الشيعي تارة للقتال من أجل المقامات المقدّسة وتارة للسياحة والاستثمار. وتحاول إيران التحكّم في السياحة الدينية الشيعية للمقامات في الدول العربية.

ويقول الخبير في الشؤون الإيرانية والجماعات الإسلامية أسامة شحادة إن «إيران تسعى من خلال السياحة الدينية إلى خلق ذريعة لوجود شيعي مكثف، يبدأ بالسياحة الدينية، ثم ينتقل إلى مرحلة شرعنة التواجد عبر بناء مؤسسات وحسينيات، واستقطاب سكان محليين بعد إغرائهم».

إبّان الثورة السورية التي عسكَرها النظام وحوّلها إلى حرب مذهبية بمشاركة «حزب الله» عسكريًّا فيها لدعم النظام وتثبيته، كان توظيف الشعائر الحسينية والشعارات العاشورائية هو الواجهة في إعطاء شرعية لتدخّل السيد حسن نصرالله في الحرب المندلعة في سوريا بحجة الدفاع عن المقامات الشيعية، مقام السيدة زينب والسيدة رُقيّة، كما تمّ ترويج الخرافات، كمشهد جرَيان الدم من الجدران في مقام السيدة خولة حزنًا على عمتها السيدة زينب المحاصَرة وغيرها من الحكايات التي تبيّن كذبها لاحقًا. وأذكر أن السيد حسن نصرالله تكلّم في إحدى خطبه العاشورائية عن عالمَين سنّيين هما القاضي أبو بكر بن العربي وعبد الرحمن بن خلدون، وهو لم يذكرهما بالاسم، لكنه لمّح إليهما تلميحَ اتهام معتبرًا رأييهما في مقتل الحسين تبريرًا لجريمة يزيد بن معاوية.

في حين أن اتهام هذين العالمَين لا مبرّر له سوى توظيف واقعة كربلاء في الحرب المذهبية الدائرة في سوريا آنذاك، حيث إن مقولة ابن العربي: «أن الحسين قتل بشرع جدّه» قد تبنّاها ابن خلدون وشرَحها في مقدّمته بما معناه أن الحسين(ع) كان من حيث السياسة أساء التقدير ولم يحسب موازين القوى. وليس معنى ذلك أن ظلم القوي مقبول، بل الواجب الإعداد للنصر عليه.

بلغتنا الحديثة: إنه الحسين(ع) ثار من دون توفير شروط نجاح الثورة. وفي الأعمال السياسية النوايا وحدها لا تكفي. فالإسلام لا يفصل بين الشرعية والشوكة شرطَي الحكم المستقرّ لأن الفصل بين الدين (الشرعية) والسياسة (الشوكة) خطأ لا يقرّه الشرع.

ذلك أن الحكم يقتضي أمرين: الشرعية والشوكة. ولا حكم إلّا بهما معًا. 

ولما كان الحسين(ع) قد تصوّر أن الشوكة متوفرة ـ بعد أن كذب عليه مَن غرّروا به فلم يفهم ما الأحسَن له ـ خرَج. لكن من غرّر به من سلفٍ هم مَن يطالبون اليوم بثأره هم أنفسهم مَن دفعوه إلى التهلكة، فكانوا في الحقيقة هم قتلَته.

يعلم الجميع أنه لا يوجد بين السنّة من يمكن أن يُتهم بالحطّ من شأن آل البيت خلال كل التاريخ الإسلامي. فهم يعتبرون عليًّا خليفة راشديًًّا. وهم يضعون ابنيه في المنزلة التي يضعهما فيها الرسول الأكرم. وهم يُنزلون الزهراء المنزلة التي كانت لها في قلب أبيها. وهم لا يُسلّمون بشرعية معاوية بل هو عندهم العلامة على نهاية الخلافة الراشدية. وهم يُجمعون على تفسيق يزيد. والأهم من ذلك كله أخيرًا أنهم لا يُوظفون آل البيت في معارك سياسية داخلية لتأجيج الحرب بين قبائل الأمة (بين بني هاشم وبني أميّة في قريش) أو بين شعوبها (الشعوبية بين العرب والفرس في الأمة) بل وضعوا نظريات ثورية لتحرير الأمة من أدوائها لكي تتمكّن من الاستئناف السويّ بعد الفتنة: نظرية عدم التأثيم التي حلّلها ابن خلدون في المقدمة.

تحميل جمهور المسلمين الحاليين مسؤولية ما لا يدَ لهم فيه، شيعة كانوا أو سنّة، لأن الذنوب لا تورّث والمسؤولية شخصية (لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت) هو إذن نوع من الإسقاط المرَضي الذي ينبغي أن يُعالج لئلا تذهب ريح المسلمين. ذلك أن البحث التاريخي يبيّن أن جمهور السنّة أقل مسؤولية من جمهور الشيعة في ما حصل لحفيدَي رسول الله. فهم لم يغرّروا بالحسين ولم يسعوا إلى إيصاله إلى ما نعلم ليتخلّوا عنه في معركة خاسرة بحسابات فقه الحرب الإسلامية، فقهها الذي لا يحمّل نفسًا إلا وِسعها. والغريب أن هذا الحكم يصحّ كذلك على يزيد الثاني أو صدام حسين: فحزبه لم يكن سنيًّا بل هو يعدّ من منظور الفقه السنّي حزبًا خارجًا عن الدِّين بالإطلاق وغالبية مؤسّسي حزبه كانت بالأساس شيعية على الأقل في البدء. ثم إن كل جرائمه كانت ضد السنّة. ومع ذلك فلست أدري كيف بات صدام ممثلًا للسنّة التي عليها أن تدفع الحساب بديلًا عنه!

تاريخ إقامة الشعائر الحسينية في لبنان:

لم يُعرَف من تاريخ مجالس التعزِيَة العاشورائيّة لدى شيعة لبنان على امتداد الاحتلال العثمانيّ من ١٥١٦ إلى ١٩١٨، سوى أنّها كانت تُقرأُ سرًّا في البيوت؛ بسبب منع العثمانيّين الطائفة الشيعيّة من إقامة شعائرها الخاصّة.

 كانت تُقام الشعيرة سرًّا، لكنها كانت تتحوّل في بعض الأحيان إلى مجالس علنيّة، حيث كانت تُقام عاشوراء في المساجد والمنازل طيلة الأيّام العشرة الأولى من شهر محرّم.

يذكُرُ السيِّد محسن الأمين في سيرته، أنَّ المجالس كانت تُقام في عهد طفولته في الرُّبع الأخير من القرن التاسع عشر، وكان يُقرأ العزاء في اللَّيالي العشرة الأولى من محرّم من كتابٍ ضخمٍ، مؤلِّفُه من البحرين واسمه «االمجالس»، وفيه عشرة فصولٍ طويلةٍ، كلّ فصلٍ مُخصَّص لمجلسٍ، وقد كان المشاركون في هذه المجالس يتحادثون وهم يتحلَّقون حول الراوي.

أمّا في اليوم العاشر، فكان يُقرأ العزاء في كتاب «مقتل الحسين عليه السلام» لأبي مخنف؛ وهو من المؤرّخين الأوائل في تاريخ الإسلام. ثمّ تُتلى زيارة قبر الإمام الحسين عليه السلام، ثمّ تُمدّ موائد الطعام في المساجد، وعادةً ما يكون من الهريسة، الخاصّة بيوم عاشوراء. وبعد عودة الشيخ موسى شرارة من العراق عام ١٨٨٠، اعتمد كتاب مقتل ابن طاووس، بدلًا عن مقتل أبي مخنف، وأقام مجالس أسبوعيّة في بيته على مدار السنة. 

في مطلع القرن العشرين، قدِمَت إلى النّبطية عائلاتٌ إيرانيّةٌ هربًا من نظام رضا شاه البهلوي، وبادر أحد الإيرانيّين، ويُدعى إبراهيم الميرزا إلى استصدار تراخيصَ من الخارجيّة العثمانيّة في اسطنبول بواسطة القُنصل الإيرانيّ في بيروت، حيثُ سُمح للإيرانيِّينَ فقط بإحياء مراسم عاشوراء، دون اللبنانييّن. لكن في العام ١٩١٩، بدأت هذه المراسيم تُقام بشكلٍ مُشترَكٍ وعلنيٍّ بين الإيرانيِّينَ والأهالي في النبطيّة، ثمَّ أخذ تضاعف العدد ليشمل كلّ شيعة جبل عامل.

وظهرت الندبيّات باللغة الفارسيّة، وأخذت مسيرات «اللطميّةً»، يتقدمها إبراهيم الميرزا، تجوب شوارع النبطيّة خلال الليالي التسعة الأولى من شهر محرّم، ثمّ بدأ «تمثيل» مصرع الحسين عليه السلام باللغة الفارسيّة، ومن بعدها باللغة العربيّة عام ١٩٢٦. 

قال محمد بن سليمان التنكابني (كان صنّف كتابه عام ١٨٧٣): التمثيل من مخترعات الصَّفوية، ولما ظهر مذهب التشيّع في بلاد إيران، وحكم الصَّفويين أمروا الذاكرين بإنشاد مصيبة سيد الشُّهداء(ع)، لكن الناس لم تكن تبكي. لأن المذهب لم يترسّخ بعد في نفوسهم فاخترعوا التمثيل لعلَّ النَّاس تتألّم من مشاهدة مصائب سيد الشهداء(ع) وترقُّ قلوبهم عليه، وسمّي هذا العمل بالتعبئة، وهي بمعنى الاختراع أيضًا، وهذه التعبئة لم تكن موجودة في الأزمنة السابقة بالاتفاق. 

كان الملّا محمد تقي البرغاني القزويني (١٣ الهجري)، المعروف بالشهيد الثالث «يمنع تمثيل حادثة كربلاء في مصيبة سيد الشهداء(ع)، وكان يمنع الغناء في المراثي، وإنشاد مصائب الأئمة». 

إقامة الشعائر الحسينية في بريتال:

يتحدّث الحاج علي طليس أحد منظّمي الشعائر الحسينية في بريتال: «إن هذه المسيرة تأسست في بلدة بريتال عام ١٩٧٨، وليس لها أي انتماء سياسي أو حزبي منذ تأسيسها وإن كان صاحب فكرة هذا الموكب مجموعة من المنظَّمين في «حركة أمل» آنذاك الذين كان يُطلق عليهم اسم الجناح الديني في «حركة أمل»، وهم شباب بريتال بالتحديد الذين كانوا من مؤسّسي «حزب الله» قبل انسلاخهم عنه بعد ثورة الجياع، حين اطّلعوا على هذه الشعيرة التي كانت عادة متبعة عند شيعة العراق في إحدى المجلات العراقية ولم تكن هذه العادة موجودة في لبنان إذ كان يكتفي شيعة لبنان في البقاع بسماع المصرع أي قراءة مقتل أبي مخنف أو الذهاب إلى الجنوب لمشاهدة مسرحية الطفّ في النبطية، وما زالت لا تنتمي إلى أي جهة.

وأوضح أيضًا أن هذه المسيرة العاشورائية لم تكن موروثًا تاريخيًّا أو عادةً اجتماعية، وإنّما انطلقوا في إحيائهم لهذه الذكرى من منطلق ديني؛ لأنّ هذه المسيرة مظهر لمودّة أهل البيت ومحبّتهم. 

وأُخبرنا أن المسيرة بدأت في اليوم الأوّل من محرّم عام ١٩٧٨ بسبعة أشخاص وجاء اليوم العاشر من العام نفسه كان المشاركون من جميع أهالي بريتال كبارًا وصغارًا، وكانت الشعارات التي يردّدونها قصيرة ومتعلّقة بواقعة كربلاء ومظلومية الحسين».

ما يميّز هذه المسيرة أنّ القيّمين عليها حتى اليوم هم المؤسّسون الذين حرصوا كل الحرص أن لا يتسرّب إليها البدع الجديدة والوسائل العنيفة في إظهار الحزن على أهل البيت عليهم السلام.

فقد عمل القيّمون على المسيرة على رفض الممارسات المتخلّفة وغير الحضارية التي تجعل من الشيعة أضحوكةً للتندُّر والاستهزاء كالضرب بالزناجيل أو التطبير وغيرهما من الطقوس العنيفة والغريبة؛ واكتفوا بالمسير وترديد شعارات دينية أو شعارات متعلّقة بالصراع مع إسرائيل. 

كما رفض القيّمون عليها بثّ الأكاذيب والأخبار المختلقة على أهل البيت، أو نشر السخافات التي لا يقبلها العقل السليم، فكانوا يطّلعون على الشعارات لتصحيحها وعلى الندبيات التي يردّدها الرواديد، وعلى خطب مجالس العزاء التي يذكرها قرّاء العزاء على المنبر الحسيني في حسينية بريتال.

كان من أولويّات المسيرة أو إقامة الشعائر الحسينية في بريتال هو المحافظة على إحياء ذكرى عاشوراء في نمطها الشَّعبي التقليدي من أجل العمل على صيانتها من الشوائب التي لا تنسجم مع المفاهيم الإسلامية الأصيلة على المستوى الفكري والأخلاقي والشرعي.

لا بدّ هنا من ذكر أنّه مع اندلاع المعركة المذهبية في سوريا التي استخدم فيها المشاركون كلّ الأدوات الطائفية والشعبوية لحشد المقاتلين وتشريع القتال وضمان تأييد شيعة لبنان من خلال التوظيف الإيديولوجي لواقعة كربلاء واستشهاد الإمام الحسين(ع) في دخول أتون الفتنة الطائفية، أصدر القيّمون صحيفة على أبواب شهر محرم الحرام، ومع إقامة الشعائر الحسينية لتنبيه المشاركين إلى بعض الأمور المنكرة التي تمارَس في ظلّ إقامة الشعائر الحسينية.

• أولًا: خلال المسيرة الدموية للفتن والحروب التي دارت بين المسلمين، بحكم الصراع على السلطة، واستخدام كل ما له علاقة بالدِّين والمذاهب في هذه المعارك، لم يسلَم دم المظلوم في كربلاء ولا منبره من استخدامه، لتحريض المسلمين على بعضهم، وتأجيج الأحقاد، واستنفار الغرائز، واستباحة الدماء، وشحذ همَم المقاتلين في ساحات حروب الفتن.

ولا زالت المراسم الحسينية في الكثير من دلالاتها وتوجيهاتها تعمل على التحريض الطائفي والمذهبي، وبدل أن يخرج المسلم من مجلس العزاء مفعَم بتقوى الله، وكلّه غيرة على الإسلام والمسلمين. تراه يخرج وهو يتلمّظ غيظًا وحنَقًا على جمهور المسلمين من أبناء السنّة، وكأنهم هم مَن قتل الإمام الحسين، وحارب الإسلام، بينما كلنا نعرف أن جمهور المسلمين سنّة وشيعة يرى مودّة أهل البيت فرضٌ من الله، وطاعتهم هُدى، والكثير منهم كما في مصر وغيرها من بلاد المسلمين يقيمون العزاء على الإمام(ع) ويتفجّعون لمصرعه.

• ثانيًا: للأسف الشديد تحوّل المنبر الحسيني بشكلٍ عامّ ـ إلّا ما رحم ربي ـ إلى حفلات كذب على الله ورسوله وأهل البيت، تُروى من فوقه أقاصيص، وحكايات من محض الخيال. ويُنقل عن رسول الله وأهل بيته الكثير مما لم يصدر عنهم، أو يقع منهم، حتى ليظنّ بسطاء الناس أن هذه الحكايات والروايات صحيحة ومعتمدة.

ويذهب المسلم ليشارك في مجلس العزاء الحسيني قاصدًا الثواب والأجر وإذ به يشارك في حفلة كذبٍ آثم، ثم لا تجد من ينكُر ذلك، أو يعترض عليه، رغم كونه حرام بيّن، وضرره على الإسلام وأهل البيت لا يُخفى على أحد.

فإنّ الجلوس تحت منابر الكذابين، والاستماع إليهم إغراء لهم، وتشجيع على الإثم. والمجالس التي هذا شأنها مجالس يحارب فيها الله ورسوله وأهل البيت، فإن إحياء ذكر آل محمد لا يكون بالقول الكاذب وإنما بصدقه، فإنّ الكذب يُميت ذكرهم، ويُبعد الناس عنهم، ويمحو أمرَهم، رحم الله من أحيا أمر محمد وآل محمد بصادق القول لا بكاذبه.

• ثالثًا: يمارس تحت عنوان التفجيع على الإمام الحسين وأهل بيته بعض أنواع العذاب الجسدي، الذي يضرّ بسمعة أتباع أهل البيت، وينفّر الناس منهم، ومن مذهبهم، ويقدّم للمسلمين ولغير المسلمين صورة مرفوضة عن مذهب أهل البيت وأتباعهم تتسبب في إبعاد الناس عن نهجهم ومذهبهم وهو مما يدخل في دائرة مقاصد الآية الكريمة {أرأيت الذي ينهى عبدًا إذا صلّى}. ومما قصده الإمام الصادق(ع) حينما قال: لا تكونوا شينًا علينا.

• رابعًا: برزت في السنوات الأخيرة أساليب آثمة في النواح على أهل البيت، ومدحهم في مناسبات وفيّاتهم ومواليدهم، أُدخلت هذه المناسبات في سباق مع مجالس الطرب والغناء، سواء في استعمال الآلات الموسيقية، والألحان، والاختلاط، وفي ما تعارف عليه أهل الفسق من حلقات الطرب وحركاته، وقد شكل حضور مَن هم في سمت أهل الشرع والعمائم هذه الحفلات، وعدم النهي عنها، ونشرها عبر الفضائيات التي يديرها من يُتوقَّع منه أن لا يتجاوز حدوده الشرعية قناعة لدى الجهلة بجواز ذلك وأنه مما يسمح الشرع به ويثيب الله عليه. وهو في الحقيقة من بلاء آخر الزمان الذي يصبح فيه المعروف منكرًا والمنكر معروفًا كما ورد عن رسول الله(ص).

• خامسًا: كثيرًا ما نشاهد رجالًا ليس لهم علاقة بالدِّين والإيمان، وهم أبعد ما يكون في مسلكهم ومنطقهم عن الإسلام وأهل البيت، يستغلّون المناسبات الحسينية لجمع الناس، ومخاطبتهم من على المنبر الحسيني لتضليلهم، وإبعادهم عن دين الله، وكأنهم يكمّلون ما بدأه يزيد بن معاوية في كربلاء.

والجمهور الحاضر في هذه المجالس أيضًا لا يُدرك أنه يشارك في محفل يحارب فيه الإمام الحسين(ع)، وفكره، وأن المشاركة في هذه المجالس لا تدخل في دائرة إحياء ذكر أهل البيت، وإنما في دائرة إماتة ذكرهم وذكر جدّهم صلوات الله عليه وعليهم.

ومَن عاش قد يرى أشكالًا جديدة من هذه الأعمال المنافية للشرع الشريف، والمعادية لأهل البيت والتي تُمارس باسمهم، وعلى منابرهم.

إنّ بعض ما نسمعه، ونراه على منابر أهل البيت مما حرّمه الله عزّ وجلّ يدخل في دائرة الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف، ويُبعد الناس عن أهل البيت، وفكرهم، وجهادهم، ويُحرم المسلمين وغير المسلمين من التعرّف على سيرتهم، وجهادهم، ويجعلهم بنظر الآخرين زعماء لطائفة صغيرة منبوذة، وجاهلة تصدّق الأكاذيب، ولا تتورّع عن المنكرات، وفي ذلك كل الإساءة لرسول الله(ص) ودينه وآله الكرام، وهو أعظم على الإمام الحسين(ع) مما أقدَم عليه يزيد بن معاوية في كربلاء.

ولهذا نلفت نظر الأحبة المؤمنين الكرام إلى أن الإصرار على هذه الممارسات التي تُشين وتُضر، وعدم المبالاة بالآثار المترتبة على ذلك عند الله، وبين الناس، يخرج الشيعة أو مَن يقبل منهم بهذه الأعمال عن دائرة الأمّة الملتزمة بالشرع الشريف، والحريصة على دعوة الناس إلى الله بالحكمة والكلمة الطيبة، ويدخلهم في دائرة الطائفة والقبيلة التي تجمعها العصبية الجاهلية، والتي تستخدم ما تحمله من عقائد في خدمة الطائفة والقبيلة ومصالحها الدنيوية، وتسخّر الدِّين لخدمة التنافس بين الدول والقوميات والطوائف، كما هو شأن أغلب أو كل الدول العربية والإسلامية اليوم، وهو ما أضلَّ الأمم السالفة وأهلكَها من قبلنا.

ولا إشكال أن ما هذه نتائجه هو من أكبر المحرّمات، التي يجب تجنّبها، والنهي عنها، لهذا يجب على أخواننا المؤمنين حفظهم الله:

• أولًا: أن لا يقبلوا بكل المظاهر الغريبة عن الإسلام والظالمة لأهل البيت(ع) التي تمارَس في المراسم الحسينية.

• ثانيًا: عليهم أن يعترضوا على مَن يمارسها، ويقبَل بها، يلفتوا نظر العاملين في هذا الميدان إلى حرمة ما يفعلون، وإلى حجم الأضرار الناتجة عن ذلك، وما يلحق أهل البيت(ع) من ظلم جرّاء هذه الأعمال.

وعليهم أن يتجنّبوا مجالس الكذابين، لأنه ليس تحت منابرهم إلّا الإثم والإساءة لأهل البيت(ع)، وعليهم أن لا يشاركوا مَن يريد أن يستغل المناسبات الحسينية لأغراض دنيوية آثمة، ليس لها علاقة بأهل البيت ودين جدّهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، لأن المشاركة في مثل هذه المحافل إماتة للحق وأهله وتأييد للباطل الذي حاربوه.

وأخيرًا فإنّ فكر الإمام الحسين(ع) ودمه الطاهر ليسا للتحريض على الفتن بين المسلمين، وتمزيق صفوفهم، وإضعافهم في مواجهة أعدائهم الذين يحتلون بلادهم، وإنما كان ولا يزال وسيلة لوحدة الصف، وجمع الكلمة في سبيل الله، ونبذ الفتن، وللدفاع عن دين الله وعن المسلمين، وهذا ما يجب أن تحرص عليه المنابر الحسينية وتلتزم به.

مقالات مشابهة
13・03・2026
وذكِّر، إن نفعت الذكرى: تقدّم «المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى» بإخبار في ٢٧ آذار ٢٠٢٥ «ضدّ مطلقي الصواريخ».
المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، الذي صرّح اليوم، على لسان نائب رئيسه، راميًا على «الدولة» مهمة الاهتمام بالنازحين، نفضًا عنه أي مسؤولية، وهو الذي لم يُعوّدنا أساسًا على التصدّي لهذه المهمة أو على الاهتمام بأبناء الطائفة الشيعية. كان قد تقدّم، عندما دعت الحاجة، بإخبارٍ ضدّ «مطلقي الصواريخ» بقصد خرق الاتفاق ١٧٠١.
08・03・2026
رحلة الهروب من الموت: يوم كامل من الجنوب إلى بيروت
أحمد خواجة
احتاج الأمر لأكثر من ٢٣ ساعة للانتقال بالسيارة، من بلدتنا الجنوبية في قضاء «بنت جبيل» إلى بيروت، حوالى ١٠٠ كلم استغرق قطعها كل هذا الوقت، معدل سرعة سيْر الإنسان على قدميه خلال التنزّه يتراوح بين ٤.٨ و٥ كلم في الساعة، ما يعني أن رحلة سيرًا على الأقدام بين بلدتنا وبيروت ما كانت لتحتاج إلى ٢٣ ساعة.
14・11・2025
التحوُّلات السياسية في الجنوب بعد الحرب: من زمن الهيمنة إلى أفق التعدُّدية
علي مراد
ما بعد الحرب ليس مجرد مرحلة زمنية جديدة، بل هو اختبار وجودي للبنان ككل، وللجنوب على وجه التحديد. فقد جاءت حرب أيلول ٢٠٢٤ لتكشف عمق التحوّلات التي كانت تتراكم بهدوء منذ سنوات، ولتُعيد طرح الأسئلة التي لطالما جرى التهرّب منها ...
أيضاً للكاتب/ة
03・03・2026
بين النجف وقُم: أيُّ دورٍ للمرجعية في زمن الدول المتصدّعة ؟
عادل إسماعيل
ليست الأحداث الكبرى مجرّد وقائع عابرة، بل لحظات كاشفة للفروقات العميقة التي كانت كامنة تحت السطح. وحين اهتزّ الإقليم باغتيال شخصيات عسكرية ارتبطت بالمشروع الإيراني العابر للحدود، بدا واضحًا أن الخلاف ليس سياسيًّا فحسب...
03・07・2025
انتخابات بريتال توافُق بلدي أم تسوية مفروضة؟
عادل إسماعيل
شهدت منطقة «بعلبك - الهرمل» في الاستحقاق البلدي الأخير مشهدًا سياسيًّا معقّدًا، حمل في طيّاته الكثير من التناقضات، حيث طُرحت شعارات «التوافق» و«المصلحة العامة» كواجهة لتحالفات غير متجانسة، جمَعت بين بقايا المعارضة الشيعية، بعض العائلات، و«الثنائي الشيعي» – حزب الله وحركة أمل.
03・07・2025
الصراع الإيراني - الإسرائيلي: تحالف الهيمنة وخديعة العداء الوظيفي
عادل إسماعيل
في المشهد الجيوسياسي المعاصر، تتكرّر المواجهات الخطابية والتكتيكية بين إيران والكيان الصهيوني، ويُروَّج لهذا الاشتباك على أنه صراع وجودي، بين مشروع «الممانعة» وكيان الاحتلال.