
بدأ عهد حسن نصرالله الذي إذا انغمسنا أكثر في تفاصيل حياته نجد أنه انتقل من البازورية إلى النجف لتلقّي العلوم الدينية في سنٍّ مبكّرة ومن ثم عاد إلى بعلبك برفقة السيد عباس الموسوي ملتحقًا بالحوزة الدينية هناك عام ١٩٧٩ ثم التحق بحركة أمل كنائبِ مسؤولٍ تنظيمي للبقاع ومن ثم عضو مكتب سياسي للحركة إلى حين انقلابه على الحركة ملتحقًا بطلائع الحرس الثوري الذي دخل لبنان مع انتصار الثورة الخمينية في إيران، وبدأ نصرالله بلعب دور فاعل بتقرّبه من قيادات الحرس ومن ثم تقرّبه من مراكز صُنع القرار لدى وليّ الفقيه مع سطوع نجم «حزب الله» في لبنان الذي تدرّج نصرالله ضمن صفوفه من مسؤول ثقافي لمنطقة بعلبك إلى مسؤول تنظيمي في بعلبك ثم مسؤول تنظيمي في بيروت إلى حين ذهابه إلى إيران وخضوعه للعديد من الدورات العسكرية والأمنية وبروز علاقة وطيدة بينه وبين علي خامنئي (المرشد الحالي) فأصبح طفله المدلَّل.
ومع عودة نصرالله إلى لبنان تبوّأ مراكز عسكرية في الجنوب بالاضافة إلى كونه أصبح عضو شورى قرار في الحزب، وازداد تقرّبه من القيادة الإيرانية إلى أن حانت لحظة تسلّمه دفَّة القيادة بعد عملية اغتيال عباس الموسوي (قامت بها إسرائيل عبر طائرات مروحية في منطقة تفاحتا في شباط ١٩٩٢).
مع نصرالله بانت ملامح مختلفة لمرحلة جديدة في تاريخ الحزب. فقد استطاع الأمين العام الثالث أن يُدخل الحزب بشكل مباشر في العمل السياسي اللبناني وأن يتميّز بالبراغماتية أكثر من سابقيه (صبحي الطفيلي وعباس الموسوي) بالرغم من إبقائه هذا الحزب في موقعه الراديكالي المتطرّف وإيمانه المُطلَق بمبدأ الدولة الإسلامية الواحدة أو الأمة الإسلامية واعتباره أن لبنان جزء من هذه الأمة وهذا ما ظهَر جليًّا في العديد من خطاباته قبل تسلُّمه الأمانة العامة.
كان لنصرالله باعٌ طويلٌ في محاكاته للواقع اللبناني عبر اللعب على التناقضات وتحيُّن الفُرص كما اتصف بمرونته في العمل السياسي الداخلي مع دخول الحزب الحياة السياسية في انتخابات ١٩٩٢ البرلمانية. فقد كانت أوّل انتخابات بعد اتفاق الطائف وانتهاء الحرب الأهلية اللبنانية وبالرغم أيضًا أنها المرة الأولى الذي يخوض فيها الحزب انتخابات نيابية فقد لعب خطاب نصرالله التعبوي الديني دورًا في دخول هذه الانتخابات بكل أريحية واضعًا نُصبَ عينَيه تحقيق نتيجة تُريح جمهوره تارة وتعطيه غطاء وشرعية سياسيتين من جهة أخرى. وفي ٣ تموز ١٩٩٢ أعلنت صحيفة «العهد» في المانشيت الرئيسية مشاركة حزب الله في الانتخابات النيابية.
وبحسب «العهد» في العدد ٤١٩، فقد «خطا حزب الله في ذلك الحين خطوة جديدة مميّزة على طريق تدعيم التوجّهات الجهادية، فكانت الغاية والهدف استكمال المدى الحيوي للمقاومة، بجعْل الساحة السياسية أحد الروافد التي تسنُد المقاومة وتعطيها بعداً آخر من شأنه أن يضاعف حركتها ويمنع المتربّصين بها من استغلال المواقع السياسية لحرتقات أصحاب النوايا المغرِضة».
وأراد الحزب من خلال «العهد» أن يُظهرَ إعلاميًا أن دخوله العمل السياسي ليس إلا استكمالًا لعمَله الجهادي فهو لا يسعى لمناصب دنيوية، والعكس صحيح تمامًا.
شهدَت تلك الانتخابات صعود نجم «حزب الله» الذي انتزع وحركة أمل معظم المقاعد النيابية الشيعية. فقد فاز الحزب بثمانية مقاعد وشكّل كتلة من ١٢ نائبًا، كما فازت حركة أمل بـ٥ مقاعد وشكّلت كتلة من ١٧ نائبًا وأصبح نبيه بري الحليف اللدود للحزب رئيسًا لمجلس النواب اللبناني.
والواضح هنا أن الحزب من خلال دخوله إلى جانب حركة أمل إلى البرلمان أقصى معظم العائلات السياسية العريقة في بعلبك الهرمل والجنوب اللبناني. وفي حديث للرئيس سليم الحص في إحدى الجلسات الخاصة وردًّا على سؤالٍ إذا كان سعيدًا بوصول حلفائه إلى المجلس النيابي قال: «أخشى أن نكون قد تحوّلنا من مرحلة الاقطاع العائلي إلى مرحلة الاقطاع الديني».
أما بالنسبة لرؤية الحزب فكان الهدف الذي أظهَره إلى العلن أنه يريد أن يحمي ظهر المقاومة لا الوصول إلى السلطة. والمفارقة أنه ما زال متربّصًا بتلك السلطة منذ ذلك العام وخاطفًا لأغلبية الأصوات الشيعية.
إن بداية عهد نصرالله اتصفت باستئثاره بالسلطة فاستطاع إبعاد كلِّ مَن كان مرتبطًا بصبحي الطفيلي وعباس الموسوي من مراكز القيادة والقرار وبنى تشكيلًا هرَميًّا مرتبطًا به بشكل مباشر من أسفله إلى قمّته التي يجلس عليها دون منازع:
_ تحجيم دَور كل القيادات البقاعية التي كانت مرتبطة بالشيخ الطفيلي والسيد الموسوي (حسين الموسوي، محمد ياغي وغيرهما).
_ عزْل الشيخ حسن سعيد مشيمش الذي كان في مكتب الشيخ الطفيلي ومن ثم اتهامه بالعمالة.
_ إبعاد السيد محمد حسين فضل الله عن مراكز القرار ومن ثم تخوينه واتهامه بالفِسق والزندَقة عند إعلانه مرجعيته.
كما حاول نصرالله تطوير العمليات العسكرية في الجنوب اللبناني وفتح في بداية عهده معركة مع إسرائيل في العام ١٩٩٣ وسُمّيت بحرب «السبعة أيام» وأسماها الجيش الإسرائيلي بحرب «تصفية الحساب» فقام خلالها باجتياح جوي للبلاد مستهدفًا مواقع لبنانية وفلسطينية وسورية، وفي اليوم السابع، في ٣١ تموز تنفّس الجنوبيون الصعداء وأُعلن وقف إطلاق نار، وأعلن حينها نصرالله أن «حزب الله» أكثر اقتناعًا بخياراته وأسلوبه.
وبينما كانت فرص السلام تعمّ المنطقة، ونذكر هنا قمة شرم الشيخ تحت عنوان «صنّاع السلام» في آذار ١٩٩٦، إلّا أن المشهد في لبنان كان مغايرًا. فالمواجهات المتنقّلة بين «حزب الله» وإسرائيل كانت ستقود حتمًا إلى صدام. وفي ٩ نيسان وغُداة مغادرة الرئيس الفرنسي جاك شيراك بيروت، تدهور الوضع العسكري في الجنوب بشكل كبير بعد قصف «حزب الله» كريات شمونة ونهاريا بحوالى ٣٠ صاروخًا، فأطلق المسؤولون الإسرائيليون في ١١ نيسان حربًا باسم «عناقيد الغضب» وسُمّيت في لبنان «حرب نيسان» وكانت أوسع من نظيرتها في تموز ١٩٩٣ فشهدت بالإضافة إلى الأضرار المادية خسائر بشرية كبيرة، حيث لقيَ ٢٥٠ مدنيًّا مصرعهم، كما بان من خلالها حجم الدعم العسكري واللوجستي الإيراني وخصوصًا باستخدام صواريخ «الكاتيوشا»، بحيث تأكّد وصول أعداد كبيرة منه إلى لبنان من إيران عبر سوريا، وكان سعي «حزب الله» الأساسي، من خلال كثافة الصواريخ، إلى إلحاق أكبرالأضرار البشرية والمادية والاقتصادية بالمدنيين الإسرائيليين علّهم يضغطون على حكومتهم لإيقاف الحرب.
أما في الشقّ السياسي فكان للرئيس الراحل رفيق الحريري (الذي اغتيل في بيروت في شباط ٢٠٠٥ وأصدرت المحكمة الدولية الخاصة بلبنان حكمًا على ثلاثة من العناصر المرتبطة بـ«حزب الله» متهمة إياهم بتنفيذ عملية الاغتيال)، كان له دور بارز في إنهاء حرب نيسان ١٩٩٦، كما ساهم بشطب اسم «حزب الله» كمنظمة إرهابية من لوائح الاتحاد الأوروبي.
واذا تعمّقنا في هيكل الحزب الإلهي فقد نرى أن كبرياء نصرالله وتكبّره بدأ يتضاعف مع تضاعف نفوذه وربط كل قيادات الصف الأول بقراره الشخصي. وهنا بدأ نفور بعض الرؤوس الحامية التي تعتبر نفسها أنها أولى بالقيادة منه، وقد تجلّى هذا النفور في محاولة الشيخ صبحي الطفيلي التغيير من داخل الجسم وإطلاق حركته في العام ١٩٩٦ فأعلن عن اسمها في ٢٦ تشرين الاول ١٩٩٧ «ثورة الجياع» ودعا الطفيلي حينذاك إلى العصيان المدني في البقاع والتمرّد بوجه السلطة الحاكمة إلى حين تحقيق مطالب الشعب. كما أصدر قرارًا بمنع النواب والوزراء من دخول منطقة بعلبك الهرمل ثم عاد واستثنى في ٦ تشرين الثاني النواب منه مبقيًا الحظر على الوزراء في مقابل وعد برّي له بمتابعة مطالب «ثورة الجياع»، وفي الوقت الذي لم تسجل الأوساط الإعلامية والسياسية أي اتصال بينه وبين «حزب الله»، بدأ يتردّد صدى «الثورة» في جميع أنحاء لبنان مع ازدياد شعبية الطفيلي على صعيد الوطن.
وعندما شعرت السلطة السياسية بقوة الحركة الانفصالية التي يقودها الطفيلي والتفاف آلاف المطلوبين للعدالة والمطارَدين حوله، قامت بإصدار عفو عام عن الجرائم المرتكَبة قبل ٣١ كانون الأول ١٩٩٥ (نشر في الجريدة الرسمية في ٣٠ كانون الأول ١٩٩٧).
وبالرغم من أن هذه «الثورة» كانت في الشكل ضد السلطة والسياسات الاقتصادية والمالية لرئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري إلّا أنها شكّلت في المضمون حركة تصحيحية داخل جسم «حزب الله»، فالكثير من القيادات والكوادر والعناصر التحقت بها وبايَعت صبحي الطفيلي وشكّل الأخير مجلس أعيان من زعماء العائلات والعشائر ومن النُخب السياسية والاجتماعية في بعلبك الهرمل، وعندما وجد الحزب أن دائرة الثورة بدأت تتوسّع وأن إيران بدأت تفقد السيطرة على صنع القرار في معظم المناطق الشيعية البقاعية وفي الضاحية الجنوبية لبيروت، وبعد فشل الوَساطات بلغت الأمور خواتيمها عندما دعا الطفيلي إلى إقامة مراسم «يوم القدس العالمي» في نفس المكان الذي يحيي فيه «حزب الله» المناسبة حينها استعان الحزب بالاحتلال السوري الذي أعطى الأمر للجيش اللبناني بلجمها.
لم يرضَ «حزب الله» عن إعلان العصيان المدني فاتخذ قرارًا يوم ٢٤ كانون الثاني عام ١٩٩٨ بفصل الشيخ الطفيلي من الحزب، وحدثت اشتباكات مسلّحة بين أنصار الأخير وبعض أفراد الحزب في حوزة عين بورضاي يوم ٣٠ كانون الثاني ١٩٩٨، بعد اعتكافه في الحوزة العلمية التي أنشأها مع العديد من المناصرين.
وصلت الاشتباكات إلى ذروتها وقام الجيش اللبناني بفرض طوْق أمني وجعلَ منطقة بعلبك الهرمل منطقة عسكرية، وقد قُتل خلال الاشتباكات الشيخ خضر طليس (نائب سابق) ومواطن آخر من آل اسماعيل مقرّب من الشيخ الطفيلي وضابط في الجيش اللبناني واعتُقل العشرات من مناصري الشيخ. وانتهت ظاهرة الطفيلي المطلبية بعدما صدرت في حقه أحكام قضائية، إلّا أنه لم يُعتقل ولا يزال يُقيم في منزله في البقاع، أنظر/ي، كتاب تاريخ شيعة لبنان، الجزء الثاني ـ من ١٩٥٩ حتى ترسيم الحدود البحرية اصدار «أمم».
إذَن نستطيع القول إن نصرالله قام بوأد «الثورة» التي أنهكته.
بعيدًا عن السياسة والداخل اللبناني اتخذ «حزب الله» منحًى آخر مع بداية عهد نصرالله. فقد ظهَر إلى العلن أنه ذراع إيرانية متقدّمة وعابرة للحدود والجغرافيا وليس كما ادّعى مؤسّسوه إن هدفه مقاومة إسرائيل فقط، إنما أخذ مساره في سياقه الطبيعي المرتبط بـ«الحرس الثوري» وهو مناصرة المستضعَفين في العالم، حسب مبدأ تصدير الثورة في إيران. وفي شهر تشرين الثاني من العام ١٩٩٢ أرسل الحزب العديد من الخبراء على حدِّ قوله، وبطلب من إيران للالتحاق بالقتال الدائر في البوسنة بوجه القوات الصربية. وهذا ما أكده نصرالله في خطابه في ٢٥/٥/٢٠١٣ حين قال إن مجاهديه ذهبوا إلى البوسنة والهرسك لمناصرة أخوانهم السنَّة هناك! وأتى هذا الخطاب لنصرالله في مجال تبرير دخول قواته إلى سوريا (ما زالت حتى اليوم تُقاتل في الحرب الأهلية إلى جانب النظام)، وردًّا على اتهامه بارتكاب مجازر بأهل السنَّة في سوريا.
وفي سياق مشاركة الحزب في البوسنة نجد أن «الحرس الثوري» الإيراني والحزب كانا يشكلان فريق عمل مشترك وذلك بعد مساندة نظام علي عزت بيغوفيتش في البوسنة الذي كان قد اختار الاعتماد على إيران التي زارها في أيلول ١٩٩٢، مع إرسال إشارات بالتقرّب الإيديولوجي منها.
وبحسب أرشيف الموقع الإلكتروني «مستقبل ويب» فقد دخل مقاتلو «حزب الله» وإيران إلى البوسنة بعد نزولهم في مطار العاصمة الكرواتية زغرب، وتطلّب ذلك ضوءًا أخضر من إدارة بيل كلينتون الذي كان يسعى إلى إنشاء تحالف بين الكروات الكاثوليك والمسلمين البوشناق لصدِّ التوسُّع الصربي في البوسنة، وهي سياسة ينتقدها فيبيس بشدّة ويعتبرها مسؤولة إلى حدٍّ كبير عن مجازر سيريبرنيتشا التي اقترفها صرب البوسنة ضد مسلميها. وبطبيعة الحال كان التسليح الإيراني يتدفّق لكل من الكروات والبوشناق عندما كان ذلك ممكنًا، أي عندما كان الكروات والبوشناق المسلمون متحالفين، ليتوقف هذا الإمداد ساعة يتقاتل الطرفان، ثم يُستأنف ساعة تنجح السياسة الأميركية في إعادة ترميم التحالف.
إلّا أنه يبقى الأساس: في البوسنة، كان مقاتلو «حزب الله» من جملة قوة إيرانية أُرسلت لكبح النفوذ التركي، مستفيدة من خَيار كلينتون بإنشاء تحالف كرواتي _ إسلامي لمواجهة الصرب، ما أدّى إلى تسعير حدّة الصراع القومي والديني. ونذكر هنا بعض الأحداث المرتبطة بهذا التدخّل:
ــ في ١١/١١/١٩٩٢، تمّت مصادرة طائرة إيرانية في مطار زغرب واكتشاف كميات ضخمة من الأسلحة كانت في طريقها للبوسنيين.
ــ في ١٥/٢/١٩٩٦، اقتحم رجال الكوماندوس الفرنسي شاليه ـ معسكر معزول في البوسنة، ليكتشفوا أنه مركز تدريب يزخر ببنادق للقناصة وقاذفات صواريخ ومتفجرات في زيّ لُعب الأطفال.
ــ في شهر شباط من عام ١٩٩٢، اعتقل ثلاثة إيرانيين من قِبل القوة الفرنسية التي أرسلها حلف شمالي الأطلسي.
تكرّرت تلك الحوادث ما بين سنة ١٩٩٢ و١٩٩٦ فأوقفت السلطات التركية باخرة إيرانية متوجّهة إلى سراييفو محمّلة بالأسلحة.
• بالإضافة إلى تدخله في حروب أهلية خارج النطاق الجغرافي للحدود اللبنانية (البوسنة والهرسك) وبعيدًا من محاربته إسرائيل متذرّعًا بتحرير الأراضي اللبنانية المحتلة، كان عهد نصرالله زاخرًا بالعمليات الأمنية المرتبطة باسم «حزب الله» والتي جابت العالم، ونذكر من هذه العمليات: تفجير السفارة الإسرائيلية في بوينس آيريس في الأرجنتين والتي أودت بحياة حوالى ٨٥ شخصًا. وكانت أعلى محكمة جنائية في الأرجنتين قد أنحت باللائمة، في نيسان الماضي، على إيران في الهجوم، قائلة إن جماعة «حزب الله» اللبنانية نفّذته استجابة لـ«تصميم سياسي واستراتيجي» من إيران.
وتنفي طهران التورّط في الهجوم وترفض تسليم مشتبَه بهم، ولم تجدِ أيِ تحقيقات سابقة ومذكّرات اعتقال من منظمة الشرطة الدولية «الإنتربول».
وبحسب قناة «france ٢٤» بتاريخ ٢٤/٤/٢٠٢٤ فقد طلبت الأرجنتين من الإنتربول توقيف وزير الداخلية الإيراني أحمد وحيدي، بتهمة ضلوعه في التفجير الذي استهدف مركزًا يهوديًّا في بوينس آيريس في ١٩٩٤.

• كما أن إيران و«حزب الله» اتُّهما بتفجير إرهابي في أبراج تابعة لشركة «أرامكو» النفطية في مدينة الخبر السعودية في حزيران ١٩٩٦ وقد تبنّى هذه التفجيرات مجموعة أطلقت على نفسها اسم «حزب الله الحجاز» وقد اتهمت الولايات المتحدة الأميركية إيران و«حزب الله» اللبناني بالضلوع في هذا التفجير.
في المحصّلة استطاع نصرالله بعد كل هذه الأحداث أن يُثبت وجوده كقائد أوحد للحزب ولم تعد الفرصة تسنح لأيٍّ كان على مخالفته في أي رأي، وكان لعماد مغنية المسؤول العسكري والأمني للحزب آنذاك الفضل الأكبر برفع قدسيّته وجعله القائد الخارق بالإضافة إلى الحمَلات الإعلامية التي جعلته بمقام الأنبياء والقديسين والأولياء خصوصًا بعد مقتل ابنه البكر هادي في مواجهة مع الجيش الإسرائيلي جنوب لبنان واحتجاز جثته لفترة لدى الإسرائيليين.
حلَّ العام ٢٠٠٠ وكانت هذه السنة مفصلية بالنسبة لـ«حزب الله» ولأمينه العام. فقد قام إيهود باراك (رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق) بتنفيذ وعده الانتخابي لجمهوره بالانسحاب من جنوب لبنان وطبّق القرار الأممي الرقم ٤٢٥، فغادر أغلب القرى والمدن الجنوبية المحتلة من إسرائيل، بعد تسليمها لجيش «لبنان الجنوبي» والذي ما لبث أن انْهار واستسلم من استسلم من عناصره ولجأ من لجأ إلى إسرائيل خوفًا من ردّات فعل «حزب الله» بعد الانسحاب الإسرائيلي الذي جاء مفاجئًا لأفراد هذا الجيش.

ودار جدل كبير حول ارتباط الأمر بالقرار الدولي الرقم ٤٢٥. ففي حين أن إسرائيل تعتبر أنها نفّذته بالكامل وكانت تضغط باتجاه انتشار الجيش اللبناني عند الحدود، وهو ما أيّده أمين عام الأمم المتحدة كوفي أنان في ١٦ حزيران ٢٠٠٠، رفض لبنان ذلك وبقي يطالب إسرائيل بالانسحاب من باقي الأراضي اللبنانية كمزارع شبعا وتلال كفرشوبا، أنظر/ي، كتاب تاريخ شيعة لبنان، الجزء الثاني من ١٩٥٩ حتى ترسيم الحدود البحرية اصدار «أمم».
إذًن، هي المرة الأولى التي يشعر بها نصرالله بنشوة النصر. فجمهور الحزب اعتبر أن هذا الانسحاب نصر للمقاومة الإسلامية في لبنان وما كان ليحدث لولا الضربات الموجعة التي تلقّتها إسرائيل من هذه المقاومة، في حين يرى آخرون أن مضمون الانسحاب بالإضافة إلى وعود باراك الانتخابية يجعله أقرب إلى صفقة سياسية قامت بها إسرائيل. ويرى محلّلون أنه وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي وانتهاء الحرب الباردة ونشوء خريطة سياسية عربية جديدة بعد حرب الخليج الثانية تكوّن اتجاه جمْعي للتفاوض السياسي بين العرب وإسرائيل، وبدا الحزام الأمني، كما وصفه «زئيف شيف» المعلق العسكري في صحيفة «هآرتس» مثل طَوق نجاة مثقوب ويشكّل عبئًا عسكريًّا تسعى إسرائيل إلى إنهائه، وكانت المفاوضات التي أطلقت في مؤتمر مدريد للسلام عام ١٩٩١ فرصة للانسحاب من خلال اتفاق يجري توقيعه، ولكن لم يتمّ التوصل إلى مثل هذا الاتفاق وتعثّرت المفاوضات.
وبحسب موقع «الجزيرة نت» في مقال نشر في ١٥/٣/٢٠١٢ فإن الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان كان يفسّر على أنه توسّع إسرائيلي يستهدف مصادر المياه وتكوين عمق جيواستراتيجي وجيوبوليتيكي، فهل تخلّت إسرائيل عن هذه الإستراتيجية؟ أم أن تكاليفها كانت أكثر من مكاسبها؟ ويرى محلّلون أيضًا أن الولايات المتحدة بدأت بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وحرب الخليج الثانية تؤدّي دورًا ستراتيجيًّا مباشرًا في المنطقة ولم تعد في حاجة إلى دور غير مباشر تقوم به إسرائيل لأنها غدَت أكثر قدرة على ذلك، ولم يعد دورها المباشر مُكلفًا ولا يواجه بتحدٍّ ورفضٍ كما كان الأمر في أثناء قوة الاتحاد السوفياتي وقدرته على المواجهة والمنافسة.





لم يكن سرًّا ولا مستغربًا أن ثنائي «أمل - حزب الله» قد استأثرا بالحكم لمدة عشرين عامًا، وشكّلا أحادية القرار الصادر من الولي الفقيه في إيران والمنفَّذ في الداخل اللبناني، ضاربين عرض الحائط بكل مفاهيم الشراكة الوطنية التي كرّسها الدستور اللبناني.
