ينشر هذا العدد من «الفان رقم ٤» آخر حلقات ثلاثية تتناول بعض الإشكاليات التأسيسيّة المطروحة للنقاش والتي تخرج إلى العلن على وجه الخصوص غداة قيام أي مشروع سياسي معارض للثنائي «أمل»_ «حزب الله» من داخل الطائفة الشيعية. هذه الموضوعات المتّصلة، الملحّة، الشائكة، تفرض نفسها على بساط البحث ويأخذها بالمقابل بعض المتربّصين والمشكّكين والمناوئين إلى الفضاءات العمومية بغرض المساجلة والمماحكة وتشتيت الانتباه عن القضية الأساسية المتمثلة بإطباق الثنائي أمل_«حزب الله» على العمل السياسي داخل الطائفة الشيعية واختزالها واستبدال ولائها وتغييب ثقافتها وأخذ الحالة الطائفية لدى الجماعة الشيعية في لبنان إلى صورتها القصوى مع احتكار وكالة النطق الحصرية بالقضايا الوطنية كالمقاومة والتحرير والاستيلاء على الأدوار الوظيفية للدولة في الدفاع والأمن والاقتصاد والمجتمع. ثلاثة عناوين نفهم من خلالها متطلبات المشروع السياسي المعارض للثنائي: هل يقدّم البعد الوطني أم البعد الطائفي؟ وهل الحال القائمة في الجماعة الشيعية يمكن اصطلاحها تحت مسمّى «المسألة الشيعية» على وجه التحديد أم أن ما تعاني منه الجماعة الشيعية تعاني منه أيضًا باقي الجماعات الطائفية على وجه الإجمال؟ وصولاً إلى المشروع السياسي المعارض للثنائي؛ هل هو تاريخ يكرّر وجوهه أم خيار يُثبت وجوده؟
الحلقة الأخيرة
المشروع السياسي المعارض للثنائي الشيعي: هل هو تاريخ يكرّر وجوهه أم خيار يثبت وجوده؟
بعد مقاربة جدلية البعد الوطني والبعد الطائفي في العمل السياسي داخل البيئة الشيعية، تبيّن أن رفض الطائفية السياسية الذي ترفعه شعارًا الشخصيات السياسية من ضمن المظلّة اليسارية على الأعمّ وتنتقد تحت لوائه النظام السياسي اللبناني وتوافقاته، وبنَت عليه أحزابٌ وتنظيمات مشروعيتها ونضالها السياسي، كـ«الحزب الشيوعي» و«منظمة العمل الشيوعي» و«منظمة العمل اليساري الديمقراطي العلماني» غير قادر على مواجهة «حزب الله» الضارب عميقًا في تعقيدات الهوية السياسية للشيعة، حيث تتشابك المصالح الوطنية مع الانتماءات الطائفية بطرق تساهم في تشكيل المشهد السياسي بشكل مستمر. يمكن اقتفاء هذا الخطاب لدى النائب «التغييري» الياس جرادي الذي غطّى ترشّحه الحزب الشيوعي اللبناني وما لبث أن ارتمى في أحضان الممانعة وأدبياتها بل امتنع عن ممارسة أي فعل سياسي من شأنه مواجهة «حزب الله»، فانبرى مبرّرًا الحرب المسمّاة بحرب المشاغلة على الحدود الجنوبية ومن قبل رفَض انتخاب مرشّح قوى المعارضة لرئاسة الجمهورية بوجه «حزب الله». ذلك لأن رفض الطائفية السياسية في الحلقة المفرغة لشوارد اليسار يقوم على إنكار الطائفة كواقع حال اجتماعي. هذا الإنكار يمنع أمثال الياس جرادي أو وسيم غندور أو زكي جمعة وغيرهم أيضًا من وعي ما يفعله «حزب الله» في العمل السياسي بأدبيات وأدوات شيعية (المبرّر «الإيماني» للحرب والتكليف الشرعي). وعلاوة على إنكار البعد الطائفي كواقع حال اجتماعي بواسطة طروحات رفض الطائفية السياسية (هذا الرفض شكلي هو الآخر لأنه يتمّ بتصنيفات على أسس طائفية أيضًا)، فإن حلقة اليسار مهيّأة ببنيتها الإيديولوجية القاعدية للتأقلم مع بنيات إيديولوجية وافدة أو مسقطة كالعقيدة الدينية التي أقام عليها «حزب الله» مشروعه السياسي. مقابلات الياس جرادي المتكرّرة تحضن سرديّة «حزب الله» وتتوخّى نفس نواتجها وتتموضع على قاب تماسٍ مع مواقع جذب مشروع الممانعة ومنطلقاته. في أحد اجتماعات لائحة التغيير في دائرة الجنوب الثانية مع مجموعات اغترابية في الولايات المتحدة، جاهر مرشّح الحزب الشيوعي في لائحة التغيير في الزهراني أيمن مروه بأن «أميركا هي العدو». إذن، فالمشروع السياسي المعارض للثنائي الشيعي من حلقة اليسار لا يوفّر الوجوه المطلوبة لخيار التغيير الذي يثبت وجوده، وسيفشل اليسار بمقارعة «حزب الله» جذريًّا أي الوقوف بوجه «المسألة الشيعية» وتفكيكها، بل سينقاد تلقائيًّا لمواقع جذب في مشروع الممانعة على حساب المشروع البديل.
تنازعتها الوجوه الوريثة للعائلات التقليدية، أو تنظيمات حزبية ظرفية لم تقدّم فكرًا سياسيًّا شاملاً وجذريًّا بقدر ما قدّمت برامج ظرفية لاستحقاقات الانتخابات ثم خمدت بعدها، فضلاً عن تنظيمات علمائية دمجت بنجاح البعد الوطني والبعد الطائفي. لن يتمّ في ما يلي عرض كلّ تجربة على حِدة، بل ستتمّ الإحاطة ببعض الوضعيات التي تسمح بتقييم هذه التجارب والوقوف عند أسباب تعثّرها. وفي معرض التقييم، يتبدّى الخيط الرابط لمقالتنا المتمحورة حول إشكالية تكرار وجوه الاعتراض بمقابل ثبات المشروع السياسي للتغيير المنشود وديمومته.
لمرات ثلاث، طفق أحمد الأسعد يستفتي الجنوبيين، آخرها من خلال حزب تيار الانتماء اللبناني، منذ اعتكاف رئيس مجلس النواب الأسبق كامل الأسعد عن الترشّح في انتخابات عام ٢٠٠٥، دون أن يستنهض القاعدة الأسعدية بمشروع مستدام ينفض الغبار عن فكر سياسي يمكن أن يكون الندّ للممارسة السياسية للثنائي أمل_«حزب الله»[١] اكتفى بالشعارات الانتخابية: «تغيير الواقع نحو مستقبل زاهر ودولة تحتضن طاقات الشباب والشابات وأحلامهم» ولم يتعرّض بشكل جذري لحالة «حزب الله»، وما اصطلحناه تحت مسمّى «المسألة الشيعية». ترافق مع تجربة أحمد الأسعد السياسية المقتصرة على انتظار محطات الانتخابات، الحملات الدعائية والأموال الطائلة التي أنفقها في انتخابات ٢٠٠٩ بدل الاستثمار بمشروع سياسي مستدام (يقدّر مقرّبون بنحو ٣٠ مليون دولار ما حصل عليه أحمد الأسعد من المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأميركية).
من جهته، يرفض رياض الأسعد تصنيفه ضمن زعامة آل الأسعد التقليدية ولكنه لم يشكّل المرشح المعارض الجذري لـ«حزب الله» في الجنوب بل شتّت أصوات المعارضة في دائرة الجنوب الثانية بتسجيل لائحة غير مكتملة في انتخابات ٢٠٢٢، وهو دأب على الترشّح مرارًا في إطار ترسيم حدود نفوذ محلية لعائلته في الدائرة الثانية بمقابل النفوذ التقليدي للعائلة الأسعدية في الدائرة الثالثة.
بالمحصلة، عائلات الزين وعسيران والأسعد، في مقدّمة تجارب الاعتراض المعتمدة على استثمار إرث عائلي بأبعاده السياسية والاجتماعية، وبالتالي يمكن أن يشكل اجتماعها أرضية شعبية ضرورية[٢] ولكن ينقصها الفكر السياسي والطرح الشامل والعمل السياسي التنظيمي المستدام ونظرتها الصريحة لحالة «حزب الله» و«المسألة الشيعية».
في ما خلا النشاط السياسي المحض، تقدّمت إلى الواجهة تجارب اعتراض علمائية جمعت بين البعد الوطني والبعد الطائفي في معارضتها. وتألفت من بعض رجال الدين «المستقلين» في الوسط الشيعي. كان منها «اللقاء العلمائي المستقل» العامل من أجل فتح حوار والانفتاح على المرجعيات الشيعية داخل الطائفة في لبنان، ونسج أفضل العلاقات معها وسائر المرجعيات اللبنانية. ولم يقم اللقاء على منطق الضدية حيال أي طرف أو إطار شيعي. لكن تفاوتت ردود الفعل منه ولم يسعَ بدوره لتأكيد مشروع بديل قابل للاستحقاق بوجه مشروع «حزب الله». وهذا ما يمكن استشفافه لاحقًا من اللقاء الجامع والمهيب الذي أعلنه العلامة السيد محمد حسن الأمين، ولكنه لم يطرح مثلاً مشروع الحياد أو السلام فدفع ثمن مقايضات لعبة المحاور وإبرام التسويات والصفقات مع الطرف الأقوى وذي السطوة، أي «حزب الله». وهذا ما يجدر أن يشكّل مصدر دروس مستفادة لمستقبل مشروع الاعتراض الشيعي الناشئ.
[١] فكر كامل الأسعد وممارسته السياسة يشكلان مصدرًا مهمًّا للاستلهام بمواجهة «حزب الله»ببديل سياسي وثقافي واجتماعي إذ كان يطرح مشروع الحياد خلال الحرب الأهلية وتجاه الاحتلال الإسرائيلي، متمسكًا بثوابت الوحدة الوطنية اللبنانية.
[٢] لا تزال وجوه في عائلة الزين تقدّم حتى اليوم خدمات اجتماعية في نطاق النبطية ومنطقتها في سياق تاريخي ابتداء من جرّ المياه إلى المنازل في الستينيات إلى تأسيس جمعية المقاصد الإسلامية في المنطقة وافتتاح المدارس وتمكين الأهالي.
من خلال الاطلاع على الوثيقة الأساسية لإطلاق حركة تحرُّر الشيعية المعارضة يمكن تلخيص أهم البنود في مشروعها السياسي والفكري ومنها:
• أولاً: هي حركة سياسية معارضة للشيعية السياسية أي «حزب الله» و«حزب الله» وتريد مواجهة سيطرة الفريقين على الطائفة الشيعية.
• ثانيًا: تؤمن بنهائية الوطن اللبناني والتنوع الديني واحترام حقوق الانسان وتؤكّد على التنوّع داخل الطائفة الشيعية مع تأكيد الوحدة الوطنية.
• ثالثًا: تدعو لإقامة النظام وتطبيق الدستور وترفض ممارسات الشيعية السياسية بالالتفاف على الدستور والانقلاب عليه.
• رابعًا: تعتبر المقاومة حالة ظرفية غير دائمة وتنشأ بمواجهة المحتل ولا يكون لها أي دور آخر (لم تُلزم الحركة نفسها بمقاومة دائمة لا تنتهي مع إسرائيل).
• خامسًا: تعتبر الحركة التديّن شأنًا فرديًّا وترفض الممارسات القائمة على نسق «التشيّع الصفوي».
• سادسًا: تؤمن الحركة بالحداثة وترفض تقييد الممارسات السياسية أو الفكرية أو الاجتماعية لاعتبارات دينية. (يمكن القول إن ذلك تبني للعلمانية ولو دون تسميتها).
• سابعًا: تؤكّد الحركة على انتماء لبنان إلى جامعة الدول العربية والأمم المتحدة وترفض عزل لبنان عن انتمائه العربي.
• ثامنًا: تسعى الحركة لتطبيق الدستور وتلتزم بمبادرة السلام العربية وتدافع عن الحريات وتدعو لتطبيق القرارات الدولية.
هذه أبرز مواقف الحركة وهي اعترضت على فتح جبهة الجنوب لدعم الشعب الفلسطيي وتطالب بعدم الانجرار إلى الحرب مع إسرائيل وهي تتبنّى الحملة الإعلامية والإعلانية ضد الحرب.
بهذا المشروع السياسي والمواقف المُعلنة، تعقد الحركة جدواها وتحدّد موقعها في خريطة المعارضة الشيعية. وهي انطلقت عشية معركة طوفان الأقصى والحرب الإسرائيلية على قطاع غزة ونشطت بشكل مستمر إعلاميًّا وثقافيًّا وسياسيًّا وهي تحاول إطلاق تيار سياسي شيعي معارض لـ«حزب الله» و«حزب الله»»، ومواقفها السياسية تركّز أكثر على دور الحزب ورفضه. ويظهر مدى تجاوب الرأي العام اللبناني مع حركة تحرّر واعدًا، في مختلف المناطق والرأي العام الشيعي خاصة، في ظلِّ تفاقم الأزمات في لبنان والمنطقة ولا سيما الحرب على قطاع غزة والجبهة الجنوبية. ويتبيّن من خلال الرسوم البيانية لقاعدة بيانات الهيئة العامة الناشئة لـ«حركة تحرّر» بحسب متغيّر العضوية الرسمية في الحركة عن طريقة الانتساب أو الصداقة أو التأييد (الرسم رقم ١) وبحسب التوزيع الجغرافي على الدوائر (الرسم رقم ٢) ومتغيّر مصادر الدعم (الرسم رقم ٣) والأنشطة المتنوّعة (رسم رقم ٤).



وتدعو الحركة لعقد مؤتمر عام لقوى الاعتراض الشيعي وتحاول الاستفادة من أخطاء المعارضات الشيعية السابقة، وتسعى الحركة للتعاون مع بقية الأطراف اللبنانية المعارضة في الطوائف الأخرى ومجموعات المجتمع المدني.
وتحتاج هذه الحركة الوليدة والمؤلَّفة من نُخب ثقافية وفئات شابة وناشطة على مواقع التواصل الاجتماعي جهودًا وإمكانيات كبيرة من أجل التحول إلى تيار شعبي وسياسي فاعل على الأرض.
في ختام هذه الحلقات، يمكن أن يخرج من الطائفة الشيعية مشروع سياسي مناهض للثنائي الشيعي؛ يواجه بأدبيات الشيعة وأدواتهم مشروع «حزب الله» الإيديولوجي ويكون في الوقت نفسه جزءًا من مشهد وطني جامع منسجم مع طبيعة العقد الاجتماعي اللبناني القائم على ائتلاف الطوائف الدينية ودون إنكاره. إن ما يمكن اصطلاحه تحت مسمّى «المسألة الشيعية» لا ينسجم مع العقد الاجتماعي اللبناني وتقتضي مواجهته من خارج مشروع إلغاء الطائفية السياسية على وجه الحصر إذ إن ما تعاني منه الطائفة الشيعية على وجه التحديد لا تعاني منه باقي الجماعات الطائفية على وجه الإجمال. إن تجارب الاعتراض الشيعي مستقلّة عن مقاربات اليسار التي تخدم ببنيتها القاعدية إيديولوجيا «حزب الله» وعناصر جذب مشروع الممانعة، وحاضنة العائلات التقليدية الشيعية مهمّة على صعيد الواقع الاجتماعي القائم ولكنها غير كافية للإطلالة على مشروع سياسي شامل ومنظّم ومستدام. كما ينبغي مخاطبة الفئات الشابة والالتقاء مع طروحات الحداثة ويكون المشروع السياسي البديل أكثر جذرية لناحية تبنّي خيار الحياد والسلام كبديل جدّي لمشروع حزب الله القائم على استمرارية المواجهة والحرب.




