
كما هو الحال في مختلف القطاعات، يشهد القطاع التربوي في لبنان معاناة كبيرة، كانعكاس للأزمة السياسية والاقتصادية منذ سنوات، وقد تفاقمت هذه المعاناة وخاصة في الجنوب بعد اندلاع الاشتباك في جنوب لبنان بين «حزب الله» وإسرائيل منذ الثامن من تشرين الأول من العام ٢٠٢٣.
نزح الشاب علي (١٦ سنة) مع عائلته من بلدة العديسة بعدما استهدفت إحدى الغارات مقرًا حزبيًا قريبًا من منزل ذويه في الأسابيع الأولى للحرب، ما اضطرهم إلى اللجوء إلى مدينة النبطية. علي كان يدرس تكنولوجيا المعلومات في معهد بنت جبيل، وقد توقفت الدراسة فيه مع اشتداد حدة الغارات في المنطقة.
ضيق الحال المادية وساعات المَلل والانتظار الطويلة دون القيام بأي شيء، دفعت علي للبحث عن عمل، فوجد ضالّته في إحدى التعاونيات بدوام كامل، الأمر الذي ساعده على تدبّر مصاريفه الأساسية وتقديم الدعم لأسرته المؤلفة من ستة أفراد.
بعد عدة أسابيع، استكمل المعهد دروسه عن بعد، لكن دوام علي الصباحي حال دون حضوره الحصص، بالإضافة إلى بطء الإنترنت وعدم توفّر الكهرباء، والصعوبات المالية التي واجهتها العائلة في ظلّ شحّ المساعدات. كلها عوامل دفعته إلى التضحية بالعام الدراسي والاستمرار في العمل لمساعدة عائلته.
يقول علي إنه يحب اختصاصه، وإنه كان يطمح إلى فتح مشروع صغير بعد تخرجه من المعهد، إلا أن ظروف الحرب حالت دون ذلك.
يخاف علي ممّا يخبئه المستقبل له ولعائلته، خاصةً وأن أمد الحرب قد طال ولا تلوح أي حلول في الأفق، هو لا يشعر بأي تفاؤل عند الحديث عن التقدم في المفاوضات لإيقاف الحرب، بعدما خاب أمله في المرات السابقة. يتمنى علي أن يعود إلى بلدته في أقرب وقت ومعاودة الدراسة في المعهد وتحقيق أحلامه.
تراجع القطاع التعليمي في لبنان بشكل كبير في السنوات الأخيرة، فالأزمة الاقتصادية التي تفجّرت خريف العام ٢٠١٩، وما لحقها من جائحة كورونا ثم أزمة الكهرباء والمحروقات وصولًا إلى الحرب المستعرة اليوم، وقبلها أزمة سلسلة الرتب والرواتب والإضرابات الطويلة والمتكرّرة للأساتذة في القطاع الرسمي، أفرزت مشاكل كبيرة في القطاع دفع ثمنها الطلبة وذووهم والمعلمون على حدّ سواء، وبالتالي فإن اندلاع الاشتباكات على الجبهة الجنوبية سدّدت ضربة قاضية إلى القطاع المترنّح والمتأزم أصلًا وبالأخص في جنوب لبنان.
انطلق الموسم التعليمي في لبنان للمدارس الرسمية في التاسع من تشرين الأول، أي بعد يومين فقط من عملية «طوفان الأقصى»، وقد استمر التلامذة في القرى الحدودية في الذهاب إلى مدارسهم خلال الأسابيع الأولى للحرب، إلا أن اشتداد العمليات العسكرية أدى إلى إقفال عشرات المدارس الرسمية والخاصة في الشريط الحدودي. ومع بدء عمليات النزوح باتجاه القرى والبلدات البعيدة نوعًا ما عن مناطق الحرب، وجد آلاف التلامذة أنفسهم بلا مدارس.
العائلات النازحة واجهت صعوبات كبيرة في تدبّر أمور الحياة في البلدات التي نزحت إليها، فالمساعدات والتبرعات التي كانت تُجمع من المغتربين والمقتدرين والأحزاب المسيطرة في المنطقة، لم تكن لتلبي حاجات هذه العائلات، وخاصة مع اتساع رقعة المواجهات وزيادة أعداد المهجّرين، وفي ظلّ وضع اقتصادي متردٍّ أصلًا في الجنوب حتى قبل اندلاع الحرب، كما هو الحال في كلّ لبنان.
الحرب التي كانت تبدو في البداية مضبوطة وضمن قواعد الاشتباك المرسومة، أخذت تتفلّت من عُقالها شيئًا فشيئًا، فجمعت العائلات ما سهُل حمله وغلا ثمنه، وهامت على وجهها بحثًا عن سقف يؤويها في القرى والبلدات المجاورة، حيث يكون الخطر على الحياة أقلّ نسبيًا. ففي الحروب لا توجد أماكن آمنة تمامًا.
أكثر من عشرة آلاف طالب في المراحل الابتدائية والمتوسطة والثانوية موزّعين بين القطاعين الرسمي والخاص، وجدوا أنفسهم بلا مدارس فجأة، قلة منهم أسعفها الحظ فالتحقوا بمدارس في القرى التي نزحوا إليها، وخاصة في مدارس القطاع الخاص.
في المقابل فإن ما يقارب ألفي تلميذ في التعليم الرسمي أمضوا الفصل الأول الدراسي من الموسم التعليمي ٢٠٢٣ _ ٢٠٢٤ في منازلهم دون أن يحصلوا على أي خدمات تعليمية، إلى أن قامت وزارة التربية وبعد تلقّيها دعمًا من اليونيسيف بقيمة مليوني دولار، باستحداث عشرة مراكز تعليمية في مناطق النزوح، مزودة بالكهرباء والانترنت، ليتاح للتلامذة التواجد فيها ومتابعة دروسهم من بُعد. وقد عملت وزارة التربية على تدارك الأمر، فأنشأت مراكز إيواء تعليمية في بعض المناطق التي تحوي الكثير من المهجّرين مثل صور والنبطية، كما وزّعت على الطلاب أجهزة كومبيوتر صغيرة «تابليت» وبطاقات شحن إنترنت لمتابعة التعليم من بُعد، إلا أن تردّي خدمة الإنترنت والازدحام في البيوت والمراكز التي استقبلت المهاجرين، بحيث كانت تقطن أكثر من عائلة في البيت الواحد، مما جعل عملية المذاكرة شبه مستحيلة.
تقترب الحرب اليوم من شهرها العاشر، معظم المهجّرين نزحوا عن منازلهم في الخريف، وأمضوا الشتاء القارس في المنازل التي فُتحت أبوابها لهم، وغير المجهزة بالحد الأدنى من أسباب الحياة، قبل أن يدهمهم الصيف مع الحرارة والرطوبة، كلها عوامل تجعل العملية التعليمية أكثر صعوبة.
الأستاذة هناء ضاهر تعمل في سلك التعليم منذ سنوات طويلة، تسكن في بلدة حولا الحدودية وتدرّس مواد الاجتماعيات في مدرسة البلدة الرسمية بالإضافة إلى مدارس أخرى خارج الشريط الحدودي.
اضطرت إلى النزوح مع عائلتها بعد اندلاع الحرب، وقد واجهت صعوبة كبيرة في إيجاد سكن في البداية، ثم سكنت مع شقيقها وعائلته لمدة شهرين. خلال هذه الفترة كان التعليم الرسمي في المناطق الحدودية معلّقًا بشكل كامل، وقد بقي الوضع على حاله لمدة شهرين إلى أن ارتأت وزارة التربية استكمال التعليم من بُعد كما ذكرنا أعلاه.
تروي الأستاذة ضاهر معاناتها مع التعليم من بُعد. ففي البداية لم يتوفر للطلاب متطلبات التعليم من بُعد من كهرباء وانترنت وأجهزة إلكترونية، وحتى بعد تأمين الوزارة بعض المستلزمات وبطاقات الانترنت فقد استمرت المشكلة، فبعض العائلات فيها أكثر من تلميذ، يجب أن يدرسوا جميعًا بواسطة جهاز واحد، وهو أمر يُعيق العملية التعلّمية، بالإضافة إلى رداءة خدمة النت وعدم توفّر التيار الكهربائي إلا في ساعات محدودة في اليوم.
كما أشارت ضاهر إلى المشكلة الكبيرة التي عانى منها المعلمون والطلاب على حدّ سواء، بسبب أصوات المدافع والغارات المتزامنة مع الحصص التعليمية والخرق شبه اليومي لجدار الصوت وما يرافقه من دويّ مرعب، الأمر الذي كان يعيق العملية التعليمية بسبب ما يصاحبه من قلق وخوف لدى الطلاب فيضطر المعلمون إلى إيقاف الحصة.
ألغت وزارة التربية الامتحانات الرسمية للشهادة المتوسطة هذا العام، وهو أمر غير مرتبط بالوضع في الجنوب، فقد تمّ إلغاء الامتحان أكثر من مرة في السنوات الماضية، لأسباب مختلفة مثل الإضرابات أو عدم الجاهزية اللوجستية لإجراء الامتحان.
وقد كانت هناك مطالبات لإلغاء امتحانات الشهادة الثانوية العامة هذا العام في ظلّ الأوضاع الأمنية الاستثنائية التي تعيشها البلاد وخاصةً مع توسّع رقعة الغارات وزيادة وتيرة خرق جدار الصوت في أكثر من منطقة.

وزير التربية عباس الحلبي أصرّ على إقامة الامتحانات الرسمية للشهادة الثانوية العامة وامتحانات البكالوريا الفنية والتقنية، معتبرًا أن إلغاء الامتحانات وإعطاء الطلاب إفادات من شأنه أن يؤثّر على الطلاب سلبًا في المستقبل، خاصةً إذا أرادوا استكمال تعليمهم في الخارج، كما رفض الحلبي فكرة سلخ طلاب الجنوب عن الباقين واستثنائهم من الامتحانات، باعتبار أن الأمر سيعود بالضرر عليهم لاحقًا بحسب رأيه.
وقد دعا الحلبي اللجّان المكلفة وضع الامتحانات الرسمية للشهادة الثانوية العامة بفروعها الأربعة والتعليم المهني، بالتساهل في الأسئلة لإعطاء الفرصة لأكبر عدد ممكن من الطلاب للنجاح.
وعن التحضير للامتحانات الرسمية، تقول الأستاذة ضاهر أنهم واجهوا كمعلمين مشاكل كبيرة، أولًا بسبب ضيق الوقت حيث توقّف التعليم بشقيه الحضوري ومن بُعد لمدة شهرين، بالإضافة إلى التوتّر الكبير الذي عاشه الطلاب بسبب التخبط طوال العام حول مصير الامتحانات الرسمية، ناهيك عن صعوبة الدراسة والمذاكرة في ظلّ الظروف القاهرة المذكورة.
خلال تقديم الامتحانات الرسمية، حصل أكثر من خرق لجدار الصوت، ما أثر على تركيز الطلاب وخلَق جوًّا واسعًًا من التوتّر لديهم، بالإضافة إلى صعوبة التنقل والوصول إلى مراكز التقديم البعيدة، كل هذا في ظلّ أزمة اقتصادية خانقة تعيشها أُسر الطلاب التي نزحت من قراها ووجدت نفسها بلا مداخيل، وتلاشت المبالغ التي كانوا ادّخروها سابقًا بسرعة، وهي مبالغ قليلة غالبًا باعتبار أن لبنان يعيش أزمة اقتصادية واجتماعية منذ عدة سنوات، والمساعدات التي تحصل عليها الأُسر من الأحزاب الفاعلة والجمعيات الأهلية، بالكاد تكفي لسدّ الرمق وتأمين الاحتياجات الضرورية والملحّة.
عدد من المهجرين من قرى الشريط الحدودي، اشتكوا من التمييز الطبقي والحزبي بين الطلاب النازحين، فالطلاب المسجّلين في المدارس التابعة للمؤسسات الحزبية، والتي تمتلك عدة فروع وفي أكثر من بلدة جنوبية، كمؤسسة «المهدي» التابعة لـ«حزب الله» التحقوا ببساطة في فروع هذه المدارس القريبة من المكان الذي تهجّروا إليه، بعد توقف الدراسة في الفروع المتواجدة داخل الشريط، بينما عانى الطلاب من المدارس الأخرى في إيجاد مدارس بديلة، خاصة وأن الموسم الدراسي كان قد انطلق قبيل اندلاع الحرب، بينما دفع طلاب القطاع الرسمي الثمن الأكبر، وبقوا لمدة شهرين بلا أي تعليم.
وضع طلاب الجامعات لم يكن أحسن حالًا. فالجنوبيون يعانون بالأساس من قلة الجامعات والكليّات في القطاعين الرسمي والخاص، ويضطر سكان القرى القريبة من الشريط، لتسجيل أبنائهم في جامعات في النبطية وصور وصيدا، مع ما يترتّب عليه الأمر من كلفة مالية كبيرة، سواءً لتأمين المواصلات إلى الجامعة في الأيام الدراسية، أو في حال استئجار غرف لأبنائهم قرب الجامعات أو في حرَمها.
الحرب فاقمت الأزمة بطبيعة الحال، فبالإضافة إلى التهجير وتكلفته المادية المرتفعة، وقلة المساعدات التي تحصل عليها الأُسر، كان على هذه الأخيرة تأمين تكلفة إرسال أبنائهم إلى الجامعات البعيدة، مع ما يترتب على الأمر من تكلفة مادية كبيرة، في الوقت الذي خسرت فيه الأُسر مداخيلها، خاصة وأن معظم سكان الشريط الحدودي يعملون في الزراعة أو يمتلكون مؤسسات تجارية صغيرة، وليس لديهم أي مصادر دخل أخرى.
محمد ن. (١٩ سنة) من قرية حولا الحدودية، نزح مع أهله إلى إحدى قرى قضاء بنت جبيل خارج الشريط الحدودي.
يدرس محمد في جامعة «فينيسيا» الخاصة المتواجدة عند الساحل الجنوبي، وهي تتبع لـ«حركة أمل» أحد أهم الأحزاب الفاعلة في المنطقة، وتبعد عن منزل محمد في حولا أكثر من ٥٠ كلم.
يقول محمد إنه انتسب لهذه الجامعة بالأساس، بسبب غياب فروع الجامعة اللبنانية في القرى الجنوبية، وبسبب التكلفة العالية للانتقال والعيش في بيروت بحال أراد ان يدرس اختصاصه في العاصمة بيروت.
اضطر والد محمد لتقديم التماس عند مسؤول حزبي في قريته، ليحصل على حسم على رسوم الجامعة، ومع ذلك بقي المبلغ كبيرًا. قبل الحرب كان محمد يعمل في التدريس الخصوصي بالإضافة إلى أعمال يومية اخرى تساعده على تحمّل مصاريف الجامعة.
اليوم، وبعد النزوح من حولا، أصبحت الأمور أصعب بشكل لا يقارن، فلم يعد باستطاعة محمد تأمين أي مدخول إضافي لمساعدة ذويه، يقول إن تكلفة النقل إلى الجامعة تتخطى المئة دولار أميركي شهريًا، أي أكثر من نصف المساعدات التي تحصل عليها عائلته، ولذلك فقد اضطر للامتناع عن الذهاب إلى الجامعة في الكثير من الأيام لتوفير المصاريف.
يقول محمد إن الجامعة رفضت إعطاء المحاضرات (أو جزء منها) وإجراء الامتحانات من بُعد، كما كان يحصل فترة جائحة «كوفيد ١٩»، رغم طلبات الطلاب المتكررة وخاصة أولئك المهجرين من قراهم الحدودية.
السيدة مريم ك. أم لثلاثة أطفال، نزحت مع زوجها وأولادها من قرية عيتا الشعب في القطاع الغربي، ولجأوا إلى إحدى القرى في قضاء صور خارج الشريط الحدودي، تقول مريم إن الحظ حالفها مع أسرتها، إذا جاز التعبير، لأنهم نزحوا في الأيام الأولى للحرب، إثر سقوط صاروخ قريب من بيتهم ملحقًا ضررًا نفسيًا كبيرًا بأطفالها.
فالتهجير المبكر ساعدها في إيجاد مدرسة بديلة لأطفالها، حيث لم يكن قد مضى وقت طويل على بدء العام الدراسي، فالتحق أبناؤها الثلاثة في مدرسة خاصة مستفيدين من صداقة قديمة تجمع زوجها مع مدير المدرسة.
تقول مريم إن أطفالها وجدوا في البداية صعوبة في الاندماج في المدرسة الجديدة، فكلّ شيء كان جديدًا عليهم، ولم تجد الوقت والفرصة الكافيين لتجهيز أطفالها نفسيًا لهذه الخطوة، وهو الأمر الذي يحصل عادة في الحالات الطبيعية.
تقرّ مريم بأن إدارة المدرسة ومعلميها وحتى الطلاب، لعبوا دورًا إيجابيًا في مساعدة أولادها على الاندماج في عالمهم الجديد، إلا أن الصعوبة الأساسية كانت في تغيّر المنهج التعليمي على أولادها، فتراجع مستواهم بشكل ملحوظ، وما يزيد الأمور صعوبة بالنسبة للأم، هو أنها تجهل ما سيحصل في الأشهر القادمة، فهل تتوقف الحرب ويعودون إلى بلدتهم عيتا الشعب؟ وهل سيكون هناك فرصة لعودة التعليم في مدارس البلدة المدمّرة في القريب العاجل؟ هل تتوسّع الحرب ويتهجرون مرة أخرى إلى مكان أبعد؟ هل سيجد أولادها الفرصة مرة أخرى للحصول على الخدمات التعليمية؟ كلها أسئلة تؤرّق بال مريم وزوجها اليوم.
معاناة تغيير المدرسة لم تقتصر على أبناء الشريط الحدودي، تسكن منى ف. مع زوجها وابنتيها في قرية السلطانية خارج الشريط الحدودي، وتدرس ابنتاهما في مدرسة بعين إبل داخل الشريط الحدودي.
توقّف التعليم الحضوري في المدرسة بعد أيام فقط من انطلاقة العام الدراسي بسبب اندلاع الحرب، واعتمدت المدرسة نظام التعليم من بُعد، إلا أن المشاكل التقنية وبطء الإنترنت، بالإضافة إلى عدم إيمان الوالدين بجدوى التعليم من بُعد، دفع بهما إلى اتخاذ قرار صعب من مختلف النواحى المادية والنفسية، ونقلا ابنتيهما إلى إحدى المدارس المعروفة في مدينة صور.
منى التي تعمل كأستاذة ثانوية، تقول إن ابنتها الصغرى خسرت في السابق عامين دراسيين كاملين بسبب جائحة كورونا، وهي لا تريد أن تخسِّر ابنتها عامًا إضافيًا.
القرار كان صعبًا للغاية، فأولًا هو استلزم جهدًا لإقناع مدير المدرسة بالسماح للفتاتين بالالتحاق بالصفوف الدراسية بعد أكثر من ثلاثة أشهر على انطلاقة العام، وثانيًا بسبب بُعد المسافة بين السلطانية وصور (حوالى ٢٢ كلم)، مما كان يضطر الفتاتين للاستيقاظ بشكل مبكر جدًا، والذهاب مع والدهما إلى منطقة في منتصف الطريق إلى المدرسة، والركوب بأحد الباصات التي تصل إلى المدرسة في صور.
بالإضافة إلى بُعد المسافة وصعوبة التأقلم مع المدرسة الجديدة والخوف من المستقبل المجهول، كانت منى تشعر بقلق على ابنتيها بسبب خطورة الطرق مع تزايد ظاهرة استهداف السيارات وخاصة في ساعات الصباح المبكر.
بالنسبة للعام القادم، لا يعرف الوالدان ما سيكون مصير تعليم ابنتيهما، فبحال توقف الحرب، ربما سيكون من الأسهل من الناحيتين المادية والجسدية إعادة ابنتيهما إلى مدرستهما القديمة في عين إبل، لكنهما يريان في الوقت نفسه أنه هناك حاجز نفسي أمام العودة، وهما لا يريدان إعادة التجربة المُرّة التي عاشاها مع الفتاتين هذا العام.
أحد أهم الأسئلة التي تتبادر إلى ذهن الناس اليوم: «ماذا عن اليوم التالي للحرب؟»، نذكر بعد انتهاء حرب تموز في العام ٢٠٠٦ كيف عاد المهجرون إلى قراهم فور إعلان وقف إطلاق النار، وعادت الحياة إلى طبيعتها بشكل سريع مع انطلاق ورشة الإعمار في ظلّ توفّر أموال التعويضات، كما أن الدمار لم يكن كبيرًا يومها كما هو الحال الآن، ولم تستمر الحرب لأكثر من ٣٣ يومًا.
أما الحرب التي تدور رحاها اليوم في جنوب لبنان، والتي ظنّ كثيرون في البداية أنها لن تدوم لأكثر من شهر أو شهر ونصف على أبعد تقدير، فها هي تقترب الآن من شهرها العـاشر، آلاف المنــازل والوحدات السكنية دمّرت أو تضرّرت بشكل يجعلها غير صالحة للسكن، بالإضافة إلى مئات المؤسسات التجارية والصناعية ومساحات شاسعة من الأراضي الزراعية لن تكون صالحة للزراعة في المدى الكبير بسبب القنابل الفوسفورية.

الأضرار الكبيرة لحقت أيضًا بالمؤسسات التعليمية من مدارس ومعاهد ومراكز تدريس، فبعض المؤسسات أصيبت بشكل مباشر ما جعلها غير قابلة للترميم، فيما تعرض قسم كبير منها للتصدع والتشظّي بفعل سقوط صواريخ بالقرب منها.
عدد كبير من المهجرين شرعوا في تسجيل أبنائهم للموسم الدراسي ٢٠٢٤ _ ٢٠٢٥ في مدارس ضمن المنطقة التي نزحوا إليها، في ظلّ ارتفاع منسوب التشاؤم باقتراب العودة إلى الديار، الأمر الذي حتى وإن تمّ، فمن المستبعد انطلاق العام الدراسي في القرى الحدودية قريبًا في ظلّ الدمار الهائل الذي لحق بالبنى التحتية فيها ما يجعل انطلاقة عام دراسي جديد في القريب العاجل أمرًا شبه مستحيل.
بالتوازي مع معاناة طلاب جنوب لبنان وذويهم والمستقبل القاتم الذي يلوح أمامهم، وفي ظلّ تراجع جودة الخدمات التعليمية في الجنوب خلال الحرب، وهو قطاع أصيب أصلًا بتصدعات كبيرة في السنوات الأخيرة بفعل الخضّات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها البلاد إضافة إلى جائحة «كوفيد ١٩»، كان الناشطون والمؤثرون والإعلاميون الذين يدورون في فلك الثنائي الشيعي أي «حزب الله» و«حركة أمل»، يحتفون بحصول طلاب من الجنوب على بعض المراكز الأولى في الامتحانات الرسمية المهنية، ويحشرون مناشيرهم بعبارات لا تخلو من المذهبية والمناطقية أحيانًا، ويبالغون في الإضاءة على ما يرونه إنجازًا كبيرًا، في وقت يعرف الجنوبيون واللبنانيون أن الامتحانات الرسمية هذا العام شابَها الكثير من الشوائب، لناحية التساهل في المراقبة والتصحيح، ناهيك عن تعديل المناهج وتخفيفها، بالإضافة إلى فضائح خرجت إلى الإعلام متعلّقة بتسريب أسئلة بعض الامتحانات قبل ساعات من موعدها.
طلاب الجنوب وكل الطلاب في لبنان والعالم لهم الحق في الحصول على خدمة تعليمية جيدة، ضمن معايير صحية وآمنة، تتيح لهم الوصول إلى المعلومات والخضوع لامتحانات عادلة وفق معايير علمية ودقيقة.
الحرب في الجنوب حرمت الطلاب فيه من حقهم في الحصول على العلم والمعرفة، وهذا أمر يتحمل مسؤوليته كل مَن وقف خلف اندلاع هذه الحرب، أما الاحتفال بحصول تلميذ جنوبي أو أكثر على درجة متقدمة في اختصاص ما، فما هو إلا تعمية وحرفٍ للأنظار عن المشكلة الأساسية.





