03・08・2024
من العدد ١٢
ثقافة «السحسوح»
حينَ يَغدو «السَّحسوح» ثقافةً مُمانِعةً
الاعتذار من علي حسن خليل، المصدر: وسائل التواصل الاجتماعي
الاعتذار من علي حسن خليل، المصدر: وسائل التواصل الاجتماعي

تُشكِّلُ القُوَّةُ، بكافَّةِ صُوَرِها، إحدى أهمِّ المُرتكزاتِ التي تَقومُ السِّياسةُ عليها. وقدِ اعتادَ المَعنيُّونَ بالسِّياسةِ ولُغاتِها التَّمييزَ بينَ «قُوَّة المنطق» و«منطق القُوَّة» الذي يُعَدُّ مُرادِفًا للعُنف، إذْ إنَّه إفراطٌ في جعلِ القُوَّةِ مِحورًا أساسيًّا، ووحيدًا أحيانًا، للخطاب والأداء السِّياسيَّيْن. وبالتَّالي، قد يتحوَّلُ «منطقُ القوَّة» نفسُه إلى أداةٍ من أدواتِ العمل السِّياسي التي تدلُّ بدورِها على طبيعةِ المشروع السِّياسيِّ من جهة، وعلى رؤيةِ الحِزبِ السِّياسيِّ لنفسِه وللآخر من جهةٍ أخرى. وبطبيعةِ الحالِ، يحتاجُ منطقُ القُوَّةِ إلى وجودِ «قائدٍ/ زعيمٍ» قادرٍ على مُمارسةِ هذا النَّوع من المنطق. ورغمَ أنَّ المؤهِّلاتِ الموجودة لدى أيِّ قائدٍ تلعبُ دورًا مُهمًّا في صناعةِ شخصيَّةِ القائد في ذهنِ المؤيِّدين والمُعارضين له على حدٍّ سواءْ، إلَّا أنَّ هذه المؤهِّلاتِ لا تُغني عن الحاجةِ الضَّروريَّةِ إلى الدِّعايةِ المُستدامة، إنْ جازَ التَّعبير، والتي تختلفُ بشكلٍ كُلِّيٍّ عن البروتوكولاتِ المُتعارفةِ بينَ القادة، إذْ إنَّ الدِّعايةَ تلعبُ الدَّورَ الأهمَّ في صناعة «الشَّخصيَّة المُتخيَّلة للقائد».

تلعبُ شخصيَّةُ القائد دورًا لعلَّه الأكبرُ في السُّلوكِ السِّياسيِّ للجماعةِ، أو الشَّعبِ، في المنطقةِ العربيَّةِ، إذْ إنَّ السِّياسةَ عندَ العربِ لم تزلْ ترْتَبطُ ارتباطًا عُضويًّا بشخصِ القائد في ظِلِّ التَّماهي الحاصل بينَ مَفهومَيْ الدَّولةِ والسُّلطةِ من جِهة، وفي ظِلِّ غيابِ مفهوم دولة المُؤسَّساتِ بشكلٍ شِبه كُلِّيِّ. من هُنا، إنَّ شخصيَّةَ القائد نفسَها قد تتحوَّلُ إلى أداةٍ من أدواتِ طرحِ المَشروع السِّياسيِّ والحِفاظِ عليه من جهةٍ، وإلى وسيلةِ إقناعٍ للـ«جماهير» من جهةٍ أُخرى.

يُمكنُ لمَن يُراقب الحالة السِّياسيَّة القائمة في لُبنان أن يَخلُصَ إلى أنَّها لم تخرُجْ، حتَّى اليوم، عن هذا المَعنى. وإذا كانَ لكُلِّ حِزبٍ نصيبُه من منطقِ القوَّةِ وخطابِ الاستعلاءِ على الآخر، فإنَّ الحصَّةَ الأكبر، خطابًا كان أو مُمارسةً، هي من نصيبِ «حزب الله» الذي باتَ منطقُ القُوَّةِ عندَه سِمةً دالَّةً عليه أكثرَ من غيرِه. ويَعودُ هذا الواقعُ إلى عوامِلَ موضوعيَّةٍ وأخرى ذاتيَّةٍ أهمُّها؛ أنَّه حزبٌ يملكُ ترسانةً ضخمةً منَ الأسلحةِ التي تجعلُه، شاءَ أم أبى، ينظرُ إلى العالَمِ من فُوهَةِ مدفعِه. والعاملُ الثَّاني أنَّه حزبٌ عقائديٌّ يُماهي، في خطابِه على الأقلِّ، بينَ الدِّينِ والسِّياسةِ وهذه المُماهاةُ تحملُ، بطَبْعِها، بُعدًا إقصائيًّا للآخرِ المُختلِف. وتاليًا، إنَّ اجتماعَ هذَيْن العاملَيْن عندَ «حزب الله»، وعندَ قاعدتِه الشَّعبيَّةِ على وجْه الدِّقَّةِ، جعلَ منَ المنطِقيِّ أن تؤولَ شؤونُ «حزب الله» إلى ما هي عليه الآن.

محوريَّةُ الشَّخصيَّةُ المُقدَّسَةُ:

التَّقديسُ، اصطِلاحًا، هو التَّنزيهُ؛ تنزيهَ المُقدَّسِ عن كُلِّ عيبٍ وخطأ. ويُمكنُ تحديدُ العامِ ٢٠٠٠ كبدايةٍ لانتشار فكرة تقديسِ القائد بينَ جمهور «حزب الله»، فشخصيَّةُ الأمينِ العامِّ السَّابقِ السَّيِّد عبَّاس الموسويِّ لم يُنظرْ إليها، قبلَ اغتيالِه، كشخصيَّةٍ مُقدَّسَةٍ رغمَ أنَّه من أبرزِ مؤسِّسي الحِزبِ وثاني أمينٍ عامٍّ له. بينما لا كبيرَ حاجةٍ إلى البحثِ والتَّحليلِ لتأكيدِ أنَّ شخصيَّةَ الأمينِ العام الحاليِّ، السَّيِّد حسن نصرالله، يُنظرُ إليها مِنْ قِبَلِ أنصاره على أنَّها شخصيَّةٌ مُقدَّسَةٌ. وحولَ هذا يقولُ الدَّكتور في عِلم النَّفس داود فرج أنَّ «الشَّخصيَّةَ المُقدَّسَةَ هي البوصلة والطَّريق بالنِّسبةِ للمُقدِّسين. فحياتُهم العامَّة مُرتبِطَة بهذه الشَّخصيَّة التي تجمعُهم وتضمنُ تماسُكَهم وتُحدِّدُ سلوكَهم وحياتَهم». ويَضربُ مثلًا مُجتمعَ النَّمل حيثُ لا يتمُّ التَّواصُل بينَ النَّمل بشكلٍ مُباشرٍ وإنَّما هو «تواصلٌ كيميائيٌّ عبرَ المَلِكة التي تُشكِّلُ نُقطة ارتكازٍ للكُلِّ».

مُقدِّماتُ التَّقديسِ وتجلِّياتُه:

لعبتْ عِدَّةُ عواملَ دورًا مُهمًّا في صناعةِ هذه القُدسيَّةِ. فإضافةً إلى القُدراتِ الشَّخصيَّةِ التي يمتلكُها السَّيِّدُ نصرالله والجِهازِ الإعلامي الهائل المُرافق له وقابليَّةِ التَّقديسِ لدى الجمهور الذي يُماهي بينَ الدِّينيِّ والسِّياسيِّ؛ إضافةً إلى ذلكَ كُلِّه كانَ هُناكَ عِدَّةُ عوامِلَ خارجيَّةٍ لعبتْ دورَها أيضًا مثل: الانسحابِ «الإسرائيليِّ» من جنوب لُبنان، وفاةِ الرَّئيس حافظ الأسَد، الانسحاب السُّوري من لُبنان، حرب تمُّوز وغير ذلكَ من الأحداث. 

وتلعبُ هذه القُدسيَّةُ دورًا في تقديمِ شخصيَّةِ القائدِ والحِفاظِ عليها، إذْ يقولُ الدَّكتور فرج إنَّ «الحِفاظَ على وضعيَّةِ القائد يتطلَّبُ إظهارَه كشخصيَّة عظيمة تفعلُ ما لا يفعلُه سائرُ النَّاس. والغُموضُ الذي يُحيطُ بالشَّخصيَّةِ يلعبُ دورًا مُهمًّا في ذلك. فشخصيَّة القائد؛ هذه الشَّخصيَّة العُظاميَّة، تُشكِّلُ مرتكزًا أساسيًّا للعلاقة اللاواعية بين الجماهير، وهي لا يُمكن أن تؤدِّي دورَها بدون هذه القَداسَة».

وأوَّلُ ما تتجلَّى فيه هذه القُدسيَّةُ هو اعتبارُ النَّقدِ مُرادفًا للشَّتيمةِ، إذا كانَت هذه الشَّخصيَّةُ المُقدَّسَةُ هي مَحَلَّ النَّقد. وغالبًا ما تكونُ نتيجةُ هذا النَّقدِ أن يتمَّ «تأديبُ» المُنتَقِدِ تأديبًا شديدَ اللَّهجةِ يبلغُ حدَّ الاعتداء بالضَّربِ العنيف والمُبرِّح بهدفِ إجبارِه على العودة عن رأيه بعدَ تقديمِ اعتذارٍ بالصَّوتِ والصُّورة. حينَ تنجَحُ هذه الوسيلةُ ويَعتذرُ المُنتقِدُ فإنَّ ذلكَ يُسمَّى في اللُّغةِ المَحكيَّةِ عندَ مَنْ خَبَرَها أو سَمِعَ بخَبَرِها منَ اللُّبنانيِّين بالـ«سحسوح». وبِغْيَةَ التَّأكيدِ على فاعليَّةِ «السَّحسوح» في الإقناع، انتشرت بينَ النَّاسِ، مؤيِّدين ومُعارِضينَ، مُقارنةٌ تَقومُ على تحقيبِ الموقفِ المُعلَنِ وفقَ ثُنائيَّةٍ يكونُ «السَّحسوح» حدثًا مِفصليًّا فيها؛ «قبل السَّحسوح.. بعد السَّحسوح». ورغمَ ما يحملُه مُصطلحُ «السَّحْسُوح»، ومُشتقَّاتُه، من دلالاتٍ ويُعيدُه إلى الأذهانِ مِنْ صُوَرٍ وحوادِثَ أدنى ما تُوصَفُ به أنَّه مِثالٌ للتَّجرُّدِ منَ الأخلاقِ والقِيم، إنَّ استعمالَ هذا المُصطلحِ في مَتنِ هذا النَّصِّ ليسَ إلَّا مِنْ بابِ إرادةِ المَعنى والدَّلالاتِ التي تلزمُ عنه، فقط لا غير.

«السَّحْسُوحُ» تاريخًا ومآلاتٍ:
لحظة الاعتذار بعد شتم الأمين العام لحزب الله، المصدر: قناة الجديد
لحظة الاعتذار بعد شتم الأمين العام لحزب الله، المصدر: قناة الجديد

إنَّ عِلاقةَ «حزب الله» بالعُنفِ تَعودُ إلى بداياتِ نشوئه في ثمانينات القرن الماضي. فـ«حزب الله» وَليدُ الحربِ الأهليَّةِ بكُلِّ تعقيداتِها، ومنَ البَدَهِيِّ أنْ كانَ له نصيبُه منها وكانَ لها نصيبُها منه، سَواءٌ أكانتْ مُشاركتُه كطرفٍ في الأعمالِ القِتاليَّةِ أم كانتْ أعمالُه العُنفيَّةُ تستهدفُ شخصيَّاتٍ عامَّةٍ من مُثقَّفين ومُفكِّرين من أبناءِ الطَّائفةِ الشِّيعيَّة، أو حتَّى أفرادًا من عُمومِ أبنائها. ويذكرُ بعضُ كِبارِ السِّنِّ الذين شهدوا بدايةَ صعودِ الحزبِ في البقاع أنَّ النِّساءَ «المُتبرِّجات» كُنَّ تتعرَّضْنَ لمُضايقاتٍ من قِبَلِ عناصر «حزب الله». كما إنَّه ليسَ غريبًا في جوِّ الحربِ أنْ يَعمدَ «حزب الله»، كغيرِه منَ الأحزابِ، إلى الاعتداء على المُعارضينَ له منَ النَّاس، وبخاصَّةٍ في المناطق الشِّيعيَّةِ التي تُشكِّلُ مجالَه الحيويَّ في بلدٍ يُعاني من انقساماتٍ طائفيَّةٍ تُحاولُ فيه الأحزابُ الطَّائفيَّةُ إحكامَ سيطرتِها على الطَّائفةِ التي تنتمي إليها أكثرَ من محاولاتِها السَّيطرةَ على «مناطق» الطَّوائف الأخرى. ورغمَ أنَّ الحزبَ يَحرصُ على احتكار تمثيلِ الطّائفةِ الشِّيعيَّةِ في السُّلطةِ، حتَّى على حساب حركة أمل؛ ورغمَ أنَّ الحِزبَيْنِ الشِّيعيَّيْنِ يتقاسمان حصَّةَ الشِّيعةِ منَ التَّمثيلِ الطَّائفيِّ، إلَّا أنَّهما لم يكونا يومًا مُمثِّلَيْنِ وحيدَيْن للطَّائفةِ التي تضمُّ، بحُكمِ البداهةِ، مُعارضينَ ومُؤيِّدين. 

للـ«سحسوح» تاريخٌ طويلٌ نسبيًا عندَ أبناءِ الطَّائفةِ إلى حدٍّ باتَ فيه جُزءًا من الثَّقافةِ الجَمعيَّةِ إنْ جازَ التَّعبير. فإضافةً إلى التَّرهيبِ الذي يُرتكبُ بحقِّ المُعارضينَ السِّياسيِّينَ للحزبِ، وخاصَّةً خِلال الانتخاباتِ، يقومُ الحِزبُ بمُمارسةِ العُنفِ على المواطنين العاديِّين بمَنْ فيهِم المؤيِّدون له والذين يخرجونَ في لحظةِ غضبٍ، أو اقتناعٍ، عن الطَّاعةِ والولاء. ومنَ الجديرِ بالذِّكرِ عندَ التَّعاطي مع «السَّحسوح»، كمُصطلح، أن نُحدِّدَ تعريفَه بأنَّه نجاحُ القمعِ في تغيير رأي المَقموع. إذ إنَّ عددًا، قليلًا أو كثيرًا، منَ المُعتدى عليهم لم يُبدِّلوا مواقفَهم نتيجةَ هذا الاعتداء، وتاليًا فإنَّه لا يَجوز أنْ يُطلقَ على هؤلاء فعلُ «السَّحْسَحَةِ» إنْ جازَ الاشتقاقُ.

كانتْ فاتحةُ كِتابِ «السَّحسوح»، أو تحوُّلُه إلى ظاهرةٍ واسعةِ الانتشار، في أحداثِ حيِّ السُّلُّم في الضَّاحيةِ الجنوبيَّةِ لبيروت عام ٢٠١٧ حينَ تمَّت إزالة السُّوق والدَّكاكين الشَّعبيَّة المُخالِفة في المنطقة المعروفة بـ«موقف حيِّ السُّلُّم». اعتصمَ أصحابُ المحلَّاتِ المُزالَةِ  وحمَّلوا «حزب الله» مسؤوليَّةَ ذلكَ، وقد تمَّ التَّعرُّضُ بالنَّقْدِ والاتِّهامِ للأمينِ العام لـ«حزب الله» شخصيًّا الذي تعرَّضَ أيضًا للسَّبِّ والشَّتْمِ في سابقةٍ لعلَّها الأولى التي تخرُجُ على وسائل الإعلام، إذ إنَّ ذلكَ كانَ موجودًا قبلَ تلكَ الحادثة. وعندَ مُتابعةِ تصريحاتِ أصحابِ الدَّكاكين يُمكنُ مُلاحظةُ أنَّ مُعظمَهم لا يتحدَّثونَ من بابِ العداءِ لـ«حزب الله» وإنَّما من بابِ الشكوى إلى المَعنيِّين المُفترض بهم رعايةُ مصالحِ الطَّائفة، حتَّى إنَّ البعضَ منَ المُعتصمينَ لم يقبلْ بالشَّتيمةِ، ومُعظمُ، إن لم يَكُنْ كُلُّ الذينَ تحدَّثوا إلى الإعلامِ مُخاطبينَ الأمينَ العام لم يُخاطبوه إلَّا بـ«سماحة السَّيِّد». بعدَ هذا بأيَّامٍ قليلةٍ خرجَ الأشخاصُ أنفسُهم مُجدَّدًا على الإعلامِ ليُقدِّموا اعتذارَهم منَ السَّيِّد نصر الله بملامحَ وأصواتٍ مُنكسِرَةٍ وذليلة.

توالَتْ بعدَ ذلكَ مِثلُ هذه الحوادِثِ، وبخاصَّةٍ خلال أحداث ١٧ تشرين ٢٠١٩ وبعدَها. وممَّنْ سُجِّلَتْ أسماؤهم على لائحةِ المُعتذرينَ؛ علي شمص (حيِّ السُّلُّم، ٢٠١٧)، لؤي شبلي (صيدا، ٢٠٢٠)؛ وليد مشيك (جسر الرِّينغ، ٢٠٢٠). كما وقعتْ في العام ٢٠٢٣ أحداثٌ مُشابهة لأحداث حيِّ السُّلُّم في قرية عين قانا الجنوبيَّة التي انتفضتْ لأسبابٍ معيشيَّةٍ و«تبرَّأتْ» من النَّائبَيْن محمَّد رعد وهاني قبيسي.

أهالي عين قانا يحتجون قبل دفعهم إلى الاعتذار عن ذلك، المصدر: موقع الكتائب الإلكتروني
أهالي عين قانا يحتجون قبل دفعهم إلى الاعتذار عن ذلك، المصدر: موقع الكتائب الإلكتروني

في المُقابل لم ينجحِ العُنفُ، الجسدي أو المعنوي، في كثيرٍ منَ الحالاتِ التي حاولَ فيها «حزب الله» استعمال العُنف لثَنِيِ المُعترِضين أو إسْكاتِهم. ولا يَقتصرُ القمعُ الذي يُمارَسُ على المُعارضين السِّياسيِّين والمُواطنينَ ممَّن يَجهرون بمُعارضتِهم أو بنَقَدِهم للـ«قيادة». إذْ يطالُ الاعتداءُ أيضًا رجال الدِّين الخارجين عن الخِطابِ الدِّينيِّ الذي يفرضُه «حزب الله» كما جرى في آب منَ العام ٢٠٢٣ حينَ أصدرتْ «هيئةُ التَّبليغ الدِّيني» في المجلس الشِّيعيِّ بيانًا طالبتْ فيه بتجريدِ ١٥ رجلَ دينٍ من الزِّيِّ الدِّيني وعدمِ الاعترافِ بهم في المحاكم الجعفريَّة. وأبرزُ رجال الدِّين هؤلاءِ وأشهرُهم كان ياسر عودة الذي يتعرَّضُ هو وأبناؤه لحملاتِ تشويهٍ مُنظّمة ومُضايقاتٍ مُنذُ العام ٢٠١٧. إضافةً إلى الاعتداءات التي تطالُ الإعلاميين كما جرى في العام ٢٠٠٦ حين تمَّ إيقافُ برنامج «بس مات وطن» على خلفيَّةِ تقليدِ الأمين العام لـ«حزب الله»؛ وما جرى مع المُصوِّر الصحفي حسن شعبان في بلدة بيت ياحون الجنوبية عام ٢٠٢٢ على خلفيَّة تغطيتِه لاحتجاجات البلدة على انقطاع المياه، حيث تعرَّضَ له أنصار الحزب بالضَّربِ. 

لائحةٌ طويلةٌ منَ الأسماءِ والمناطقِ التي لاقَتِ المصيرَ نفسَه، ولا يبدو أنَّ اللائحةَ قد أُقفِلتْ بعدُ. والسُّؤالُ الضَّروريُّ هُنا هو عن دلالاتِ «السَّحْسُوح» لا بوَصفِه عملًا عُنفيًّا وحسب، بل بوصفِه عملًا سياسيًّا من جهة وثقافةً عندَ مُجتمعِ «حزب الله» من جهةٍ أخرى.

«السَّحسوح» ثقافةً ودلالاتٍ:

إنَّ تحوُّلَ ظاهرةٍ ما إلى ثقافةٍ يَعني، في ما يَعنيه، وجودُ أرضيَّةٍ نفسيَّةٍ تسمحُ بذلك. من هُنا، إنَّ انتشار مُصطلح «السَّحسوح» بسُرعةٍ في المُجتمعِ ودخولَه إلى البناء الثَّقافي للنَّاس يَرجعُ إلى أنَّ البناءَ النَّفسيَّ للمُجتمعِ مؤهلٌ لذلك. وتعليقًا على هذا يَقولُ الدُّكتور فرج إنَّ «الولد في الحَيِّ حينَ يحْلقُ شعرَ رأسِه فإنَّ أصدقاءه يُسَحْسِحون له. وأيضًا يُمكن أن يحدثَ ذلكَ على سبيلِ «المَوْنِة» أو المِزاح. فالمَفهوم الاجتماعي للسَّحسوح حاضِرٌ ولَه بُعدٌ رَمزيٌّ أيضًا؛ فحينَ يَسكُتْ الشَّخص على السَّحسوح فهذا يعني الخضوع للسُّلطة الاجتماعيَّة ولسُلطة المجموعة التي تُسَحْسِحْ لَه. فسكوتُه هو نوعٌ من تقديم الطَّاعةِ للجماعة». والأخطر في المسألة هو الدُّونيَّة التي يُنظرُ بها إلى المُسَحْسَحْ لَه، إذْ يُضيفُ الدُّكتور فرج: إنَّ الذي يتلقَّى «السَّحسوح» يُمثِّلُ «الشَّخصَ العاقّ والأدنى الذي لا يرفعُ رأسَه أمام الضَّاربِ، لأنَّ السَّحسوح يكونُ حين يُحني المَضْروبُ رأسَه إلى أسفل. «توطيةُ الرأس» هي تأديةُ للطَّاعة. والذي يُوسَمْ بالسَّحسوح هو شخصٌ أدنى بنظَر النَّاس. حتَّى على سبيل المِزاح حين يُقالُ: «سَحْسَحتْ لفُلان، فإنَّ فيها نوعًا من الازدراءِ له». من هُنا إنَّ تغيير الموقف بعدَ «السَّحسوح» يعني الرُّضوخ والدُّونيَّة عندَ النَّاس لأنَّ «الرَّجُل بالمفهوم المُتعارَف عليه بينَ النَّاس، أي «الزَّلمة» أو «الرِّجَّال»، لا يُغيِّر موقفُه بسَبب الضَّغط. فالسَّحْسَحَة فيها نوعٌ من الإذلال المعنوي للشَّخص أمام المُجتمع الذي يُقاربُ المسألة بهذه الطريقة. كما أنَّ السُّحسوح هو رسالة ونموذجٌ حَيٌّ لِمَنْ يُفكِّر بإشهار اعتراضِه في المجتمع؛ «للِّي بَدُّو يِحكي يكون عارف شو ناطْرُو». فالمسألة فيها جانبٌ رَدعيٌّ لتربية الآخرين أيضًا». ومن هُنا فإنَّ الدَّلالة الرَّمزيَّةَ للـ «سحسوح»، بوصفِه وسيلةً قمعيًّة، تكونُ أكثرُ إيلامًا لأنَّها تطالُ الجانب المعنوي من شخصيَّةِ المُسَحْسَحْ لَه.

يرتبطُ مفهومُ «السَّحسوح» بفكرة التأديب، أو «القصاص»، التي ينشأ الفردُ عليها في المدرسةِ أو حتَّى في المنزل. ففي المَدرسةِ هُناكَ قصاصٌ وتأديبٌ للتَّلميذ المُشاغِب، وأحدُ أنواعِ القصاص هي الضَّربُ. من هُنا، يحملُ «السَّحسوحُ»، من حيثُ هو ضَربٌ، بُعدًا تأديبيًّا يُلخِّصُ الدُّكتور فرج مسارَه بأنَّ المُنتقِد، فضلًا عن الشَّاتِمِ، يُنظرُ إليه على أنَّه «شخصٌ يتطاولُ على مَنْ هُم أعلى منه فهو إذًا غيرُ مؤدَّبٍ ومرفوضٌ ويَخرجُ عن السِّرب. بالتَّالي لا بُدَّ من تأديبِه. فالسَّحسُوح إذًا هو نوعٌ من التَّأديبِ الاجتماعي أيضًا». أمَّا الأسبابُ التي تستوجِبُ «السَّحسوح» فكثيرةٌ نسبيًّا لكنَّ أهمَّها على الإطْلاقِ هو التَّعرُّضُ إلى شخصِ الأمين العامِّ بشكلٍ مُباشرٍ، سواءٌ بالنَّقدِ وتحْميله المسؤوليَّةَ بشكلٍ مباشرٍ أو بالتَّجريح. وهذا يرجِعُ، بحسب الدُّكتور فرج، إلى كونِ «الزَّعيم تابو والمسُّ به هو مسٌّ بالمُقدّسات. فهذه الشَّخصيَّةُ، المُقدَّسَةٌ بكُلِّ المقاييس، تُعطي للفرد قيمتُه المعنويَّة والمَسُّ بها هو مسٌّ بالفَرْد شخصيًّا. من هُنا يُمكن للسَّحسوح أن يأتي بمُبادرةٍ فرديَّةٍ. على أنَّ هذا لم يكن ليتكرَّر لولا المُباركة من الكِبار. فإذًا هو قد يكون مُبادرةً تتبعُها مُباركةٌ. هذا على مُستوى الأفراد، أمَّا على مُستوى الحزب نفسِه فهو يعتمدُ على العدديَّة في إظهار قُوَّتِه على المستوى الاقتصادي والسياسي والعسكري وغيرها». ويُشبِّهُ الدُّكتور فرج هذا التَّوجُّه بمُجتَمعِ الضِّباع «الذين يعتمدون على الكَثرة والعدَد لإظهار القُوَّة فهُمْ لا يُهاجمون الفريسةَ إلَّا في جماعة، على عكس الأسُُود مثلًا. والحالةُ العدديَّةُ تصنَعُ نوعًا من التَّهويل حيثُ يقدِّمون أنفسَهم ككيانٍ ضخمٍ ومتجانسٍ. هذه طريقتُهم في إظهار القُوَّة حتَّى في المهرجانات وفي المُساعدات حيثُ يُبالغون في الإنفاق».

ممَّا تجدرُ دراستُه بعنايةٍ عندَ مُعالجةِ هذه المسألة هو تفاعُلِ بيئة «حزب الله» مع «السَّحسوح». بطبيعةِ الحال يُوجدُ بينهم مَن لا يرضى بهذا الواقع، بيدَ أنَّ نسبةً كبيرة منهم يتفاعلون مع «السَّحسوح» بالمُباركةِ والتَّهليل، أو بالرِّضى على الأقلِّ. في جولةٍ سريعةٍ على مواقعِ التَّواصُلِ الاجتماعيِّ يظهرُ أنَّ «السَّحسوح» يَلقى ترحيبًا واسعًا ليسَ لدى جمهور الحزب وحسب، بل حتَّى لدى بعضِ مَن ينتمون إلى شريحة «النُّخبةِ» كالإعلاميين مثلًا. وفي ما يلي عيِّنَةٌ عن هذا التَّفاعُلِ نُوردُها حرفيًّا دونَ ذكرِ الأشخاص المَعنيِّين بالحديث:

«عملولك كم سحسوح جاييك هالمرّة خازوء». «حدا يمدّ إيدو ويعبّرو..... بمصافحة أو سحسوح». «... إقرأوا التاريخ جيداً واعتبروا. هالمرّة مش سَحسوح، هالمرة سنؤدّبِكم إلى يوم الدِّين». «نسيت هيدا يا كراكوز التويتر سحسوح مرتب صحتين». «تسلم الأيادي وبيِرْبَح معنا سحسوح الموسم». «أكل سحسوح واعتذر متل التوتو». «جاييك الدور تاكل سحسوح». إضافةً إلى عدد كبيرٍ نسبيًّا من مقاطع الفيديو التي انتشرت تحت عُنوان «قبل السحسوح... بعد السّحسوح». 

ويُمكن مُلاحظة أنَّ التَّبريكِ والرِّضى بارتكاب «السَّحسوح» يسبقهُما اتِّهامٌ، مُباشرٌ أو غيرُ مُباشرٍ، بالعَمالة أو الخيانة كتبريرٍ لاستحقاقِ هذا العقاب أو التأديب. وهذه نتيجةٌ منطقيَّةٌ لمُعادلةٍ خطيرةٍ تسودُ السَّوادَ الأعظمَ من بيئة الحزب مفادُها: «إمَّا أن تكونَ معنا أو أنتَ خائنٌ/ عميل»، وهذه المُعادلةُ بدورِها نتيجةٌ منطقيَّةٌ أيضًا لحالةِ التَّماهي القائمة بين الدِّيني والسِّياسي عندَ هذه البيئة، إذْ إنَّ القضايا السِّياسيَّةَ التي تُؤسَّسُ على أُسُسٍ دينيَّةٍ، أو آيديولوجيَّة بشكلٍ عامٍّ، ستؤدِّي إلى مثل هكذا مُعادلات إقصائيَّةٍ بُحكمِ طبيعتِها ودونَ اعتبارٍ لإرادةِ الحزبِ أو عدم إرادته. فمُعظمُ أحزاب الإسلام السِّياسيِّ، بحسب آراء المُفكِّر الفِلسطيني عدنان إبراهيم، كما يعبّر عنها في محاضراته، لديها «شعورٌ مُطلق بالحقَّانيَّة» وتعيشُ عُقدة «أُستاذيَّة العالَم». بالمعنى نفسِه ترى بيئةُ الحزبِ نفسَها ذاتَ حقٍّ في مُحاكمة الآخرين وتأديبِهم ليسَ من موقِع القَمْع بل من موقِع أنَّهم وحدَهم القيِّمينَ على «القضيَّة» المُحقَّةِ المَبنيَّةِ على الغيبيَّاتِ في حين يُفترضُ بها أن تكون قضيَّةً سياسيَّةً تقومُ على مُعطياتٍ واقعيَّةٍ محسوسة. فإلغاءُ الآخر، بالتَّالي، هو نتيجةٌ لـ«نزعة الحقَّانيَّة» هذه، إذ إنَّها تُؤسِّسُ ليسَ ليَلعبَ حاملُها دَورَ المُكلَّفِ من الله وحسْب، بل دَورَ الله نفسِه في الحُكمِ على ظواهرِ النَّاسِ وبواطنِهم على حدٍّ سَواء. 

في المُقابل، يُناقشُ الدَّكتور عدنان إبراهيم مسألةَ أحزاب الإسلام السِّياسيِّ، من حيثُ هي، ويُشيرُ إلى أن التركيز على تربيةِ الحزبِ الإسلاميِّ لجماعتِه تَقومُ على نَزْعِ التَّفكيرِ النَّقديِّ من أذهانِهم، ويزدادُ خطرُ التَّفكير النَّقديِّ على الأحزاب التي تُمارِسُ نوعًا منَ الغموضِ والسِّريَّة. وتاليًا، يكونُ استخدامُ العُنفِ والقمعِ المُمنهجَيْن يَعودُ على هذه الأحزابِ بمزيدٍ منَ السَّيطرةِ على النَّاس، إذْ إنَّ التَّفكيرَ النَّقديَّ حينَ يتحوَّلُ إلى مُمارسَةٍ جماعيَّةٍ، إنْ جازَ التَّعبير، يَعني، بالضَّرورةِ، خروجَ الجماعةِ عنِ الطَّاعة.

شُيوعُ ثقافةِ «السَّحسوح»:

إنَّ استخدام دلالات مُصطلح «السَّحسوح» لم تَعُدْ تقتصِر على بيئة «حزب الله» إذْ إنَّ بعض المعارِضين يسْتخدِمون هذا العُنوان إمَّا من باب السُّخرية وإمَّا من باب الرَدِّ بالمِثِل. وحول هذا يَقول الدُّكتور فرج إنَّ «السَّحسوح صار مَضرِب متَل لأنَّه شائع وفاقِع ومصدَر سُخرية وتهكُّم لدى كثيرين من المُعترضين على الفكرة، لأنَّ التَّهكُّم على الفكرة يعني أنَّها مرفوضة لدى المُتهَكِّم».

بطبيعةِ الحالِ، ليسَ المُرادُ منَ الحديثِ أعلاه تشريعَ الشَّتمِ والسُّبابِ ولا تَبريرُ «السَّحسوح» مُمارسةً وتَنظيرًا. بعبارةٍ أُخرى؛ إنَّ الشَّتْمَ مَرفوضٌ بالقَدْرِ نفسِه الذي يُرفضُ فيه أنْ يَكونَ «السَّحسوحُ» رَدًّا عُرفيًّا، إنْ جازَ التَّعبير، على الشَّتْمِ فضلًا عن أن يكونَ رَدًّا على النَّقد. لكن في ما يبدو أنَّ «السَّحسوح» حينَ يتحوَّلُ إلى ثقافةٍ شائعةٍ فإنَّ وسائلَ الخَلاصِ منه تتعدَّى حُدودَ الوسائلِ القانونيَّةِ إلى شبكةٍ واسعةٍ منَ الوسائلِ الثقافيَّةِ، النَّفسيَّةِ والعِلميَّةِ تُسَاهِمُ في مُعالجةِ الإشكاليَّةِ القديمةِ الجديدةِ في لُبنان؛ إشكاليَّةِ الأنا والآخر.

مقالات مشابهة
13・03・2026
وذكِّر، إن نفعت الذكرى: تقدّم «المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى» بإخبار في ٢٧ آذار ٢٠٢٥ «ضدّ مطلقي الصواريخ».
المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، الذي صرّح اليوم، على لسان نائب رئيسه، راميًا على «الدولة» مهمة الاهتمام بالنازحين، نفضًا عنه أي مسؤولية، وهو الذي لم يُعوّدنا أساسًا على التصدّي لهذه المهمة أو على الاهتمام بأبناء الطائفة الشيعية. كان قد تقدّم، عندما دعت الحاجة، بإخبارٍ ضدّ «مطلقي الصواريخ» بقصد خرق الاتفاق ١٧٠١.
08・03・2026
رحلة الهروب من الموت: يوم كامل من الجنوب إلى بيروت
أحمد خواجة
احتاج الأمر لأكثر من ٢٣ ساعة للانتقال بالسيارة، من بلدتنا الجنوبية في قضاء «بنت جبيل» إلى بيروت، حوالى ١٠٠ كلم استغرق قطعها كل هذا الوقت، معدل سرعة سيْر الإنسان على قدميه خلال التنزّه يتراوح بين ٤.٨ و٥ كلم في الساعة، ما يعني أن رحلة سيرًا على الأقدام بين بلدتنا وبيروت ما كانت لتحتاج إلى ٢٣ ساعة.
14・11・2025
التحوُّلات السياسية في الجنوب بعد الحرب: من زمن الهيمنة إلى أفق التعدُّدية
علي مراد
ما بعد الحرب ليس مجرد مرحلة زمنية جديدة، بل هو اختبار وجودي للبنان ككل، وللجنوب على وجه التحديد. فقد جاءت حرب أيلول ٢٠٢٤ لتكشف عمق التحوّلات التي كانت تتراكم بهدوء منذ سنوات، ولتُعيد طرح الأسئلة التي لطالما جرى التهرّب منها ...