03・03・2025
من العدد ١٩
بادية هاني فحص: أعادت تعريف الصحافة النسوية
«الدرس الأكبر الذي تعلّمته هو ألا أساوم على حريتي مقابل أي شيء»
بادية فحص
بادية فحص

في عالمٍ تتشابك فيه الهويات والتجارب، تبرز بادية هاني فحص كصوتٍ صحفي نسوي جريء، يتجاوز الحواجز المفروضة على المرأة في المجال الإعلامي، ويفتح أفقًا جديدًا للنقاش حول قضايا الحرية والعدالة في لبنان. وُلدت بادية في مدينة الكوفة العراقية، لكن طفولتها لم تكن ثابتة، فقد عاشت حياة مليئة بالترحال، تنقلت خلالها بين عدة دول بسبب الأوضاع السياسية المتقلبة. ورغم أن الاستقرار كان بعيدًا عن عائلتها، فقد نشأت بادية في بيئة غنية بالحرية والتعلم. كانت ترافق جدّيها في الحقول، حيث كانا يعملان بينما هي تلهو وتركض، تتعلّم دروس الحرية الأولى في رحلاتها الصغيرة.

بينما كان والديها يحرصان على تعليمها، حيث كان الأب يشجع على قراءة الكتب والروايات، والاستماع إلى الموسيقى وحفظ الشعر، كانت والدتها تقرأ لها القصص قبل النوم وتوقظها صباحًا على أنغام فيروز. تقول بادية: «كنت أستيقظ على صوتها وهي تغني 'دقّت على صدري وقالتلي افتحه'، حتى أنني بدأت أعتقد أن فيروز هي أمي».

لكن الحياة لم تكن ثابتة. بعد أن انتقلت عائلتها إلى لبنان بعد سنوات من ولادتها في العراق، لم تستقر الأمور طويلًا بسبب الاجتياح الإسرائيلي عام ١٩٧٨، لينتقلوا بعدها إلى جبل لبنان، ثم إلى إيران بعد اجتياح آخر في عام ١٩٨٢، قبل أن يعودوا إلى لبنان في أواخر الثمانينات. رغم هذه التنقلات، تعلّمت بادية أن تجد الأمل في كل بداية جديدة، حيث كانت كل مرحلة بمثابة درس في التكيُّف مع الواقع.

في سن السادسة عشرة، تزوجت بادية، وهو أمرٌ كان شائعًا في تلك الفترة في المجتمع الذي نشأت فيه. تقول: «كان الزواج المبكر طبيعيًّا حينها، في السنة التالية، صرت أمًّا، طفلة تحمل بين ذراعيها طفلة أخرى». ولكن هذا «لم يمنعني من أن أعيش تجربتي الخاصة. كان تحديًا كبيرًا، لكنني واجهت الحياة بكل قوة». ورغم أن الأمومة في سنٍّ مبكرة قد تكون عبئًا ثقيلًا على الفتاة، فإنها جعلت من بادية امرأة مسؤولة في مواجهة تحديات الحياة.

في ما يتعلق بالكتابة، اكتشفت بادية في البداية أن الصحافة هي مهنة تحتاج إلى التزام، ولكن مع مرور الوقت، أصبح القلم بالنسبة لها أكثر من مجرد وسيلة للإعلام. كان أداة للمقاومة والمواجهة. تقول: «في البداية، اندفعت إلى الكتابة باعتبارها مهنة، كوني صحافية. ومع الوقت والتدريب اكتشفت أن للكتابة أبعادًا أكثر أهمية. لا أقول إنها ملاذ، بل متراس للمواجهة... الواقع الذي أمامك يعتدي عليك، ويظلمك ويقلّل من شأنِك، وأنت لا تملِكين شيئًا من أدوات المواجهة التقليدية. أنت لست رجلًا لكي تُنصفك القوانين أو لتعترف بك الأعراف الاجتماعية. ليس بيدك سوى قلمك لترفعي صوتك، لتدافعي عن نفسك، لتطالبي بحقك، لتكشفي الأكاذيب والأضاليل، و«تعرّي الغصون الزائفة». وهذه رحلة شاقّة جدًا ومكلفة. كثيرات سقطن على الطريق، أما المقاتلات الحقيقيات فتابعن».

«تعرّضتُ كثيرًا لهجمات وتهديدات مباشرة وغير مباشرة، وصلت إلى حد تهديدي بأولادي والاعتداء الجسدي عليّ. في هذه الأيام، يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي لشنِّ هجماتهم. في فترة ما اضطررت إلى الانتقال من النبطية إلى بيروت حفاظًا على حياة أولادي. للأسف، لكنني بالطبع لم أتراجع أبدًا، بل ازددت قناعةً بأنني على حق. على الأقل من حقي أن أعترض، أو يكون لي رأي مخالف».

تؤكّد بادية أن كل المؤسسات التي عملت فيها كانت «معادية» باعتبارهم، لذلك كانت مستهدَفة دومًا. «أظن أن الخلفية السياسية هي السبب الأساسي، أما كوني امرأة فهو يسهّل لهم الهجوم والتشويه والأذيّة. في عالم العنف، عادةً ما يكون المعنّف أقل مداراة وأكثر اندفاعًا إذا كانت الفريسة امرأة».

حول النسوية في العالم العربي، تعتبر بادية أن الطريق طويل رغم ما تحقق من تقدُّم. تقول: «التجربة النسوية في العالم العربي، تجربة عظيمة، برغم بعض سقطاتها التي لا تُغتفر، ولا يمكن توصيفها في سطور قليلة، أحيانًا أجد الخطاب النسوي العربي، تشوبه بعض الفوقية، ولا يعدو كونه عبارة عن صالون ثقافي أرستقراطي. إضافة إلى أنه ظلَّ بعيدًا جدًا عن الهموم الثقيلة للمرأة العربية، كما أنه لم ينجح في جذب المهمّشات والضحايا الحقيقيات، ولم يشكّل لهن مظلّة حماية متينة ومتماسكة».

«وأحيانًا أخرى أجد أن كل ما يحصل، أو كل ما تحقق عظيم حتى الآن، ففي التفاتة إلى الخلف قليلًا، أرى فارقًا كبيرًا بين وضع المرأة العربية سابقًا ووضعها حاليًا، يعني تطوّر نحو الأحسن... صحيح أنه يمشي ببطء، ولكنه يؤسِّس لتحوّل ما لا بد أن يحصل مستقبلًا... كل شيء بالتراكم والتجربة».

أما في سياق السياسة، فتعتقد بادية أن النساء في الأحزاب الأيديولوجية يعانين من الاستغلال المستمر، حيث تقول: «إن ما نراه ليس نمطًا جديدًا، هذا نمط سعى «حزب الله» إلى بنائه وتعميمه منذ نشأته، ربما برز أكثر في الآونة الأخيرة بسبب الحرب، أم الشهيد وأخته وزوجته وبناته حاضرات بشكل يومي وطاغٍ في يوميات مجتمعنا الشيعي، أحيانًا يظهرن كطبقة اجتماعية لها امتيازاتها الخاصة، وأحيانًا أخرى يظهرن على شكل ضحايا». 

وتكمل حديثها: «العلاقة بين «حزب الله» ونسائه، علاقة تفاعلية، أنا أقدّم ابني وأنت تمنحني مكانة معنوية اجتماعية... وهذا يحتاج إلى شرح طويل، لأن نقطة قوّته متأتية من عقدة اجتماعية وسياسية تمييزية ضد المرأة».

وتشير بادية: «أنا أميل إلى اعتبار نساء الأحزاب الأيديولوجية ضحايا مستلبات، وفي الوقت نفسه رافعة جبارة لها... من دون استمالة النساء وأدلجتهن، لا يمكن أن يخرج مقاتل إلى الحرب، ولا يمكن أن تُعلّق صور الشهداء بـ«فخر» على الجدارن، ولا يمكن أن تصمد أية فكرة سياسية أو دينية أو قوة عسكرية»؛ إذ يُستَخدم دورهن الاجتماعي بشكل يتناقض مع قيم المساواة. وتشير إلى أن «نساء الأحزاب الأيديولوجية هن ضحايا في كثير من الأحيان، ولكنه من دونهن لا يمكن أن تستمر الأيديولوجيات السياسية، ولا يمكن أن ينجح أي مشروع».

في النهاية، تؤمن بادية أن دروس الحياة لا تأتي إلّا بالتجربة، وأن المرأة، بالأخصّ، تُصنع من معاناتها. تقول: «كل يوم هو درس، وكل فكرة جديدة، أو تجربة تمرّ بها، هي درس في حد ذاته. أما الدرس الأكبر الذي تعلّمته فهو ألا أساوم على حرّيتي مقابل أي شيء».

وبفضل هذه القيَم، باتت بادية فحص أكثر إصرارًا على المضيّ قُدُّمًا، فهي تدافع عن لبنان، وتؤمن بأن خلاص الوطن لا يكون إلّا من خلال بناء دولة عادلة.