
برَع في الإعلام، وعشِقَ السياسة منذ نعومة أظافره، من الجنود المجهولين في ثورة الأرز (ثورة ١٤ آذار)، آمن بوطنه وأحبّه، على خُطى والده شريف الأخوي، صوت الإنسانية في الإذاعة اللبنانية خلال بدايات الحرب الأهلية اللبنانية، لُيُرشد اللبنانيين الى الأمان على الطرقات أثناء انتقالهم من أماكن سكنهم إلى أعمالهم، من خلال عبارته الشهيرة التي كان يبثّها يوميًّا، وعلى مدار الساعة من الإذاعة اللبنانية الرسمية: «سالكة وآمنة». تمتع بلباقة والدته يمن زيتون الأخوي وكياستها التي رسمت عبر أثير الإذاعة اللبنانية على مدى حوالى الأربعين عامًا عذوبة الكلمات ونسْج النغم في الحِبال الصوتية بصوتها الرقيق.
إنه جاد شريف الأخوي، الرئيس الجديد لائتلاف الديمقراطيين اللبنانيين، وكان معه هذا اللقاء.
_ بدأت علاقتي مع لُقمان في العام ٢٠٠٣ أو ٢٠٠٤، عبر سمير قصير الذي كان صديقًا قريبًا للقمان. قال لي سمير ذات يوم أريد أن نزور، أنا وأنت، شخصًا في الضاحية. أتينا إلى منزله وتحدّثنا في الكثير من الأمور، بخاصَّةً في موضوع مجزرة صبرا وشاتيلا. أنا كنتُ في فترة وقوع المجزرة أعمل مع الصليب الأحمر الدولي حينَها، في مستشفى غزّة داخل المخيّم، وكُنتُ من الذين دفنوا الشُّهداء والضَّحايا الذين سقطوا في المجزرة. وكان لُقمان يعمل على إخراج فيلم وثائقي حول المجزرة.
ثم سافرت أنا وكُنتُ ألتقي بلُقمان كُلَّما أزور لُبنان. دائمًا كانت لديه أفكار متقدّمة بشكلٍ مُلفت. وكنتُ على علم بالنشاطات الثقافية التي تُقيمُها جمعية «أمم»، لكن في فترة تأسيس الائتلاف أنا كُنتُ خارج لُبنان. إلى أن عُدتُ إلى لبنان وحصلت على وظيفة في وزارة الداخلية، والتقيت به عدّة مرات. وأذكر قبل اغتياله بفترة قصيرة كُنّا في عشاءٍ فقلتُ له: «بدّك تنتبه لحالَك»، فقال لي: «إنتَ بدّك تنتبه لحالَك. أنا سقفي عالي كتير، إنتَ ما حدَن سامع فيك فبدّك تنتبه ع حالَك». هذه علاقتي مع لُقمان باختصار.
_ في ٧ حزيران ٢٠٠٧ بدأت تُعقد لقاءات في دارة آل سليم في الغبيري تمخض عنها في ما بعد تأسيس جمعية باسم «جماعة الديمقراطيين اللبنانيين» (جدل)، قامت بالعديد من اللقاءات والندوات التي تسعى الى بلورة خيار شيعي وطني يسعى نحو الدولة المدنية بعيد من الترهيب والتخوين، شارك في هذه اللقاءات العديد من الشخصيات. وفي ١٤ نيسان ٢٠١٤ تمّ تعديل بيان العلم والخبر للجمعية المسمّاة «جماعة الديمقراطيين اللبنانيين» (جدل) وأصبحت «ائتلاف الديمقراطيين اللبنانيين» في محاولة جديدة لمأسسة وتوحيد المواقف اللبنانية الشيعية والعمل كمجموعة موحدة تعمل في أفق وطني ومدني بمواجهة الإرهاب والتطرف واحترام العقد الاجتماعي والدستور، وعدم الانفتاح على تحالفات خارج إطار الدولة اللبنانية.
استمر الائتلاف في عقد اللقاءات الأسبوعية والندوات وإصدار البيانات المؤكّدة على الخيار الوطني اللبناني للشيعة والرافض لكل أشكال التبعية للخارج والهيمنة على الداخل. وفي ثورة ١٧ تشرين شارك الائتلاف بفعالية وتعرّض رئيسه لقمان سليم للتخوين والتهديد في ١١ كانون الأول ٢٠١٩ من خلال محاصرة خيمة كان متواجدًا فيها في ساحة الشهداء، ثم من خلال تنظيم تَجَمُّع داخِلَ حديقة دارته في حارة حريك جرى اتهامه ونعتُه خلالها بِعِباراتِ التَّخوين والشَّتيمَة. ثم ليل ١٢ كانون الأول عندما قام الخَفافيشُ أنْفُسُهُم بإلصاق شعاراتِ التَّخوين والتهديدِ بالقتل على سورِ الدارة ومَداخِلِها.
في ٤ شباط ٢٠٢١ تمّ اغتيالٍ جسد لقمان سليم على أيدي مجرمين حاقدين، وانتقل إلى الفردوس الأعلى، لكن أفكاره ورؤياه وأمانيه وتطلعاته، مترسّخة في ما قاله وكتَبه، لا سيّما ما وثّقه في أيام ثورة ١٧ تشرين كبابٍ لخَلاص لبنان من الهيمنة والاستئثار والفساد والقتل والإرهاب والإفلات من العقاب.
وفي سبيل استمرارية هذا المشروع الوطني اللبناني نحن هنا لتحمّل المسؤولية وإكمال العمل وفق المبادئ الرئيسية التي بُني عليها الائتلاف ولا سيما نهائية الكيان اللبناني، فنحن نعتبر أنفسنا أصحاب مصلحة ببقاء هذا الكيان على اعتبار أن الطائفة الشيعية تمّ الاعتراف بها مع تأسيس دولة لبنان الكبير، فنهضنا بلبنان ونهض لبنان بنا، كما نؤكد على احترام الدستور والطائف والبقاء تحت مظلة الشرعية العربية والدولية وتطبيق القرارات الدولية بكافة قراراتها ومندرجاتها.
_ بعد ١٧ تشرين توافقنا على الانتقال من الخيار الشيعي الوطني الى الخيار الوطني إيمانًا منّا بأن لا طائفة أو مذهب يعمل للمساواة بين اللبنانيين. نحنُ أصحاب توجُّه وطني، والذي نُطالبُ به يُطالبُ به كُلُّ مواطن لبناني من كافة الفرقاء والمذاهب والأديان، وهو حق للجميع.
تطبيق الدستور والطّائف هو الأولوية، بعد ١٥ سنة من الحرب وخسارة ما يزيد عن مئة ألف قتيل، و١٧ ألف مفقود ومئات الألوف من الجرحى أنجز اللبنانيون اتفاق الطائف الذي يرتقي الى مستوى ميثاق وطني جديد يضمن المساواة بين جميع اللبنانيين. واعترف المسلمون بلبنان ككيان، كما اعترف المسيحيون بعروبة لُبنان.
لكن اتّفاق الطّائف لم يُطبّق بحذافيره، ولو طُبِّق بحذافيره لما وصلنا إلى ما نحنُ عليه. الذي طُبّق عمليًا هو «الاتّفاق الثُلاثي»، وهو التسمية التمويهيّة للمحاصصة. من هُنا، جاء إصرارنا على تطبيق اتفاق الطائف وجمع أكبر عدد ممكن من اللبنانيين العابرين للطوائف للنهوض بمواطن أولويته الوطن وليس المذهب أو الطائفة.
_ أنا أنطلق من أمر أساسي أنّ الأحزاب الموجودة احتاجت إلى وقتٍ طويل لتصل إلى ما هي عليه الآن. لذلك طريقنا طويلة وصعبة جدًا لنُغيِّر العقلية والذهنية وهذا يحتاج إلى جهد كبير. فإذًا، أنا برأيي الانتخابات مهمّة لكن ليست أولويّة لنا الآن. الأولوية في الوقت الحاضر هي تثقيف المجتمع حول أهمية الانتخابات والدور الذي يجب أن يقوم به النائب وهو التشريع. ثانيًا هي مساعدة المواطن على محاولة إيجاد وخلْق فُرص عمل. لكن لا نُريد أن نُساعد بغاية الاستقطاب، وإنّما نحن بطور العمل مع مؤسسات وأشخاص لإيجاد هذه الفرص وهذه مسألة صعبة لكن قابلة للتحقّق. ونحن بدأنا في هذا التّوجّه بخلْق فُرص عمل في المناطق. وإذا استطعنا تقديم هذه الخدمات للمواطنين فنستطيع أن نخلق جدّية في التّعاطي وجدّيّة في تفعيل الائتلاف. نحنُ هدفنا في الائتلاف ليس إنشاء حزب فقط، بل هدفنا هو بناء وطن واستعادة دولة تسهر على راحة الفرد وتؤمّن له فرصة تأمين عيشه بطريقة مُحترمة. نحن لا نعمل طمعًا في الانتخابات وإنّما للوصول إلى مجتمع قادر يقبل التّغيير، فالانتخابات هي نتيجة تراكمات جُهود وقفزات متواضعة.
_الذي حصل في العام ٢٠٠٥، وقبله قرنة شهوان والبريستول، وصولًا إلى قوى ١٤ آذار، كان هناك دور مهم للبنانيين الشيعة. لكن الاتفاق الرباعي قضى على كل تحرُّك شيعي وطني، وصار التفكير بناءً على الاتّفاق الثلاثي وعلى مبدأ مسايرة الأطراف الأخرى. وصار هناك تهميش للقوى الوطنية الشيعية في الوقت الذي كانت هي القوى الأكثر نشاطًا. الآن بعد مرور ١٩ سنة يبدو أنّهم انتبهوا إلى أنّ هناك مكوّن شيعي لم يهتموا به، من هُنا، يأتي تفكيرنا بأن نكون مكوّنًّا وطنيًّا لنا مكاننا على الطاولة.
_ نحنُ لسنا طلّاب ألقاب، كرئيس ونائب رئيس وغير ذلك، بل نؤمن بالتنظيم. أنا أؤمن بالإدارة عبر المثل: You Lead by Example. الذي حصل أنّنا نعرفُ بعضنا بعضًا ونعرف خلفيّات الجميع. هُناك أمر مشترك أنّنا مؤمنون بالذي نقوم به. ونحن منفتحون على الجميع. أنا ليس طموحي أن أكون رئيس ائتلاف وإنّما أطمح بإعطاء الدور للشباب.
هناك بعض اللوم على الشباب في ١٧ تشرين وهي أنّهم لا يؤمنون بتجارب الأجيال التي سبقتهم. يُفترض أن يستمعوا إلى خبرة الأجيال السابقة. هناك تراكمات وتجارب وتضحيات ومحطّات وصلنا إليها لا يمكن أن ندير لها ظهرنا. هذا نوع من العدمية. ونحن دفعنا ثمن الدولة العميقة المكوّنة من الأحزاب، لأنّ الطائف أنهى الحرب وألبسَ رؤساء الميليشيات ربطة عنقٍ وسلّمهم السلطة، وتمّ تطبيق الاتفاق الثلاثي دون تطبيق الطائف. من هنا توجهوا إلى تحريفات بالدستور بما يتناسب مع مصالحهم، وحين وصلوا إلى مرحلة لا يستطيعون معها التعديل أو التغيير نادى البعض بتغيير الطّائف، وآخرون نادوا بمؤتمر تأسيسي وآخرون بالفدرالية. طيّب طبّقوا الطّائف وعلى ضوء التطبيق نرى ما يجب تعديله وما يجب المحافظة عليه. لأنّ الطائف هو الوحيد الجامع لكل الأطراف. لا أحد يستطيع الرفض. على أساس التطبيق نتناقش حول التعديل، لكن ليس حين يكون فريق يضع سلاحه على الطاولة، وإنّما بشكل ديمقراطي ودستوري.
_ كلا، نحن نتوجّه إلى كل النّاس. لم تنجح الحركات النخبوية. هناك عدّة أحزاب كانت نخبوية وفشلت. فنحنُ نقوى أكثر بقدر ما نستطيع أن نكون إلى جانب اللبنانيين ومعهم.
_ الشباب هو الأساس. إجمالًا في كل اللقاءات التي تجري دائمًا هناك مجموعة من الشباب معنا. وفي كل النشاطات التي تجري أو اللقاءات أكون أكثر فرحًا حين أرى الشباب موجودون في هذه اللقاءات. وحتى في اللقاءات الكبيرة أنا أعرّف عن نفسي وأفسح المجال للشباب ليناقشوا ويتحدّثوا. لأنّ الشباب هم الفئة الحقيقية التي يجب الرهان عليها، لأنّهم يعيشون بين الناس ويعرفون المجتمع ويعرفون كيف يُخاطبونه بعيدًا عن التنظير. وهذه المسألة تلقى نوعًا من الاستقطاب عندَ الناس. فكرة وجود الشباب الواعي والمُدرك والمثقف. نحن تركيزنا على الشباب أكثر.
_ نحن نرى لبنان بلدٌ قابل لأن نعيش فيه بالتساوي في دولة يحكمها القانون. والأولوية هنا هي لاستقلالية القضاء التي تضمن الاستقرار على كافة المستويات، لأنّه يصبح هناك مرجعية. ولتحقيق هذا الأمر لدينا صِراع طويل.
لا بد أن نعترف بوجود طرف يحمل السلاح ويدعو للتفاوض معه. لا يمكن لهذا التفاوض أن يكون إلّا بعد تطبيق الدستور ووضع سياسة دفاعية موحّدة، وحين يكون قرار الحرب والسلم حصرًا بيد الدولة، حينذاك يمكننا أن نبني وطنًا وقضاءً ونُجري انتخابات على أساس قانون انتخابي سليم وليس مفصّلًا على مقاس الأطراف الموجودة. حينذاك يمكن أن ينظر المجتمع الدولي إلى لبنان كدولة محترمة. لكن مع الأسف كل الطبقة السياسية التي تعمل في هذا البلد هم هُواة، الجميع يفكّر على مستوى ضيّق وليس على مستوى الوطن. يجب على الجميع التعاطي تحت مظلّة القانون. ثانيًا وهو الأهم، الثقافة السياسية الموجودة في المجتمع اللبناني ضعيفة جدًا. المواطن لا يُدرك أن مهمة النائب هي التشريع وليس التعزية. والنوّاب الموجودون يعملون كل شيء إلّا التشريع. هناك مجموعة تتحكّم بالمجلس وتتلاعب بالقانون. مثلًا تقع حرب؛ وزارة الدفاع ورئاسة الحكومة لا يعلمون بذلك، المجلس النيابي لم يجتمع مرّة لمناقشة ما يجري. مع الأسف أنّ جزءًا كبيرًا من النواب لا يعرفون ما هو دورهم. هذا ما أعنيه بالثقافة السياسية؛ أن تعرف دورك كمشرّع في البرلمان. فنحن بحاجة إلى عمل جدّي في هذا المجال. أمّا موقع لبنان عربيًّا فهو أساسي جدًا، شئنا أم أبينا، ورغم كل الانفتاح الذي يجري في بعض الدول العربية، لكن لبنان له خصوصيته وميزته من خلال التفاعل والانفتاح على الغرب والعرب. المجتمع اللبناني متفاعل وقابل للتطوّر وقابل لاستقطاب الأفكار الجديدة التي قد لا تجدها في غيره من المجتمعات العربية. لُبنان بحاجة ضرورية إلى الانفتاح على العالم العربي بالدرجة الأولى، وعلى العالم الغربي أيضًا. لا نستطيع أن ننسى فضل الدول العربية على لبنان، بخاصّة مساعدة لًبنان بعد الحروب.
_ يجب أن نتوحّد مع الجميع تحت مظلّة خطاب وطني واحد. بغير خطاب وطني موحّد لا نستطيع القيام بأي شيء، وهذه أهمية اللقاءات التي يجب أن نعمل عليها لخلْق هذا الخطاب. سنقاوم بالثقافة، سنقاوم بالفن، سنقاوم بالفكر، سنقاوم بإحقاق العدالة وأخيرًا سنقاوم بالحرية وحرية التعبير. وحرية التعبير لا يمكن أن نفرّط بها أبدًا.


