03・02・2025
من العدد ١٨
العنف ضد النساء في ظلال الحرب
العنف ضد النساء، المصدر: كن مواطن
العنف ضد النساء، المصدر: كن مواطن

خلال الحروب والنزاعات، تتضاعف أوجه المعاناة، حيث تجد الأسر المهجّرة نفسها في مساحات ضيقة تزيد من الضغوط النفسية والاقتصادية، ما يخلق بيئة خصبة لتصاعُد العُنف الأُسري. في ظلّ انعدام الخدمات الأمنية والاجتماعية، تصبح النساء ضحايا للصمت والعجز. لقد كانت الحرب الأخيرة على لبنان الأعنف على النساء، إذ لم تقتصر أوجه العُنف على الجسدي منه فقط، بل تعدّته لتطال العنف المعنوي والعاطفي والإقصائي، إضافة إلى ما لم تُبِح به النساء جهرًا. فهل حظيت النساء بأي حماية خلال الحرب؟ وهل وفّر القانون مظلّة أمان لهن داخل مراكز النزوح؟

على الرغم من الجهود القانونية لتوفير الحماية، مثل قانون ٢٩٣/٢٠١٤  في لبنان، فإن الواقع يعكس قصورًا واضحًا في تطبيق هذه القوانين. الإحصاءات تشير إلى تسجيل ٦٢٣ شكوى متعلّقة بالعنف الأُسري في لبنان حتى تشرين الأول ٢٠٢٤، معظمها عُنف جسدي ومعنوي. ومع ذلك، فإن بطء الإجراءات القضائية، نقص الكوادر المتخصصة، وتدخل المصالح السياسية والطائفية يجعل تحقيق العدالة أمرًا بالغ الصعوبة. أضف إلى ذلك، فإن هذه الأرقام لا تعكس الواقع الحقيقي للعنف خلال فترة الحرب، إذ تخشى النساء غالبًا التبليغ بسبب غياب ملاجئ الحماية أولًا، وبسبب حالة الفوضى واللامبالاة التي تفاقمت خلال الحرب.

ويتفق الخبراء القانونيون على أن العقبات الإجرائية تشكل أحد أبرز التحديات أمام حماية النساء. من صعوبة تقديم الشكاوى وصولًا إلى التأخر في إصدار الأحكام وتنفيذها، تواجه النساء الناجيات سلسلة من العراقيل التي تدفعهن أحيانًا إلى الصمت والتراجع عن متابعة قضاياهن. الضغوط العائلية والنفسية التي تتعرّض لها النساء، إلى جانب الخوف من حرمانهن من أطفالهن أو أن يُصبحن بلا مأوى أو معيل، تشكّل رُعبًا كبيرًا يدفع الكثيرات إلى التسامح مع العنف أو التعايش معه. هذا ويمتدّ العنف ليطال النساء في المجالين السياسي والاجتماعي.

تُمارس ضد النساء أشكال عديدة من العنف، منها التهديد والابتزاز، كوسيلة لعزلهن عن المشهد السياسي ومنعهن عن التعبير عن آرائهن أو اتخاذ أي موقف ضد الحرب أو ضد الوضع الراهن، ما يخلق حالة من انحصار النشاط النسائي خلال الحرب بعناوين عائلية ولا يُسمح لهن التقدُّم باتجاه عناوين سياسية أو وطنية. وغالبًا ما تخضع النساء لهذه الحملات كونهن لا يحتملن حجم الخسائر التي يمكن أن تنتج عن مواجهة هذه الضغوطات.

كما تواجه النساء خلال الحرب ضغوطًا نفسية مضاعفة تفوق تلك التي يواجهها الرجال نتيجة للدورالمعقّد الذي يطلّعن به، فبالإضافة إلى ما ذُكر أعلاه من وضعية غير عادلة للنساء تتمثّل في إمكانية تعرّضهن للتعنيف في ظلِّ الحروب فإنه يتمّ تحميلهنّ مسؤولية إضافية يتمّ إضفاء صفة جوهرية عليها، تتمثّل في «إنتاج مجتمع مقاوم وصامد»، هذا الدور المفروض يضع النساء تحت ضغط نفسي هائل لتحويل مشاعر الفقد والحزن الطبيعية إلى مشاعر الفخر والاعتزاز، مما يدفعهن لإظهار مواقف قد تتعارض مع طبيعة أمومتهن ومشاعرهن الإنسانية، فيصبح الحزن المكبوت سعادة ظاهرة بخسارة أبنائهن والتضحية بهم لصالح قضية عقائدية أو سياسية. وهكذا يُدفع بهنّ إلى تبنّي مواقف تعكس «القوة» المفروضة، مما يضاعف من التوتر النفسي الذي يعِشنه. علاوةً على ذلك، يساهم هذا الدور في خلق حالة من الإنهاك النفسي والاجتماعي، حيث تجد النساء أنفسهن مضطرات لتحمّل عبء تثبيت الروح المعنوية للأسرة والمجتمع بأكمله، وهكذا، يتحوّل الحزن الشخصي إلى مسؤولية عامة، مما يزيد من تعقيد تجارب النساء خلال الحروب والصراعات.

أما الجانب الأمني الرسمي، فقد شكّل عائقًا بارزًا خلال الحرب الأخيرة على لبنان. أهمها غياب مراكز التبليغ وعدم توفير الدولة أي بدائل لحماية النساء جعلهن عُرضة للخطر دون أية وسيلة فعالة للدفاع عن أنفسهن. استجابة الأجهزة الأمنية لحالات العنف غالبًا ما تكون روتينية وغير كافية، إذ يتمّ التعامل مع الشكاوى دون الأخذ بعين الاعتبار خطورة الوضع أو حالة الطوارئ التي تعيشها الناجيات. وفي مناطق النزاع، تصبح هذه التحديات أكثر تعقيدًا، حيث تنعدم إمكانية الوصول إلى المراكز الأمنية أو الخدمات العاجلة.

على سبيل المثال، خلال الحرب الأخيرة في لبنان، وقعت حادثة مأساوية راحت ضحيتها دارين الأحمر، وهي أم لتسعة أطفال نزحت من قريتها كفركلا إلى منطقة خلدة بحثًا عن الأمان. تعرّضت دارين للعنف المتكرّر على يد زوجها، لكنها لم تلجأ إلى أحد بسبب الظروف الاجتماعية والنفسية التي كانت تعيشها. انتهت حياتها على يد زوجها وأخيه في جريمة صادمة تُظهر مدى هشاشة الحماية المؤمَّنة للنساء في مثل هذه الظروف.

هذه المأساة، وغيرها من الأحداث المماثلة، تؤكّد الحاجة إلى مراجعة شاملة للنظامين القضائي والأمني، لضمان سرعة الاستجابة لشكاوى العنف وحماية النساء من الانتهاكات. لكن الحل لا يتوقف عند تحسين القوانين والإجراءات الأمنية فقط؛ إذ إن العنف ضد النساء هو انعكاس لثقافة مجتمعية تُبرر الهيمنة الذكورية وتُجبر النساء على الصمت.

لذلك، فإن التوعية المجتمعية، تعزيز التعليم، ودعم النساء في الأدوار العامة والقيادية هي خطوات أساسية لتفكيك هذه الثقافة وإرساء قواعد مجتمع عادل ومتكافئ.

حكاية دارين الأحمر ليست مجرد حادثة عابرة؛ بل هي مرآة تعكس أزمة عميقة تحتاج إلى إرادة جماعية لحلّها. من الواجب علينا، كأفراد ومؤسسات، أن نكون الصوت الذي يطالب بالعدالة ويعمل على كسر دائرة الصمت. فمجتمع يغضّ الطرْف عن هذه الجرائم لا يمكن أن يزدهر أو يتقدّم.