
صباح الثامن من كانون الأول، عند الساعة السادسة، أذيع في دمشق بيان مفاده «سوريا حرّة من دون الأسد»، عقِب عملية عسكرية شنّتها المعارضة السورية بقيادة «هيئة تحرير الشام» من إدلب وصولًا إلى العاصمة السورية دمشق وهروب الأسد عند الرابعة فجرًا. كان هذا البيان فرحة كبيرة لدى السوريين، مقابل انقسام داخلي لبناني بين من كان مسرورًا لهذا السقوط وآخرون ترقّبوا الحدَث بمخاوف انعكست على الطائفة الشيعية في سوريا، وفي لبنان التي يقودها الثنائي الشيعي «حركة أمل» و«حزب الله»، بسبب مشاركتهم في الحرب ضد الثورة السورية التي اندلعت عام ٢٠١١ ضد نظام الأسد.

هذه المخاوف أتت بعد حركة نزوح كثيفة للشيعة السوريين واللبنانيين عبر المصنع اللبناني، ومعابر لبنانية آخرى، منها قرية القصر في قضاء الهرمل، حيث تجمع الآلاف من اللبنانيين والسوريين من قرى حوض العاصي اللبنانية المتداخلة مع ريف القصير، وينتمون بغالبيتهم إلى الطائفة الشيعية، وبينهم علويون من خارج النسيج المذهبي لقضاء الهرمل مسجّلون في عكار.
من جهة أخرى، نزح آلاف السوريين الشيعة والعلويين من دمشق وضواحيها ممَّن سلكوا معبر المصنع اللبناني، بينما لجأ قسم آخر منهم إلى محافظة بعلبك ـ الهرمل وقرى بقاعية شيعية، بينهم لبنانيون مقيمون في سوريا قبل استلام حافظ الأسد السلطة في سبيعينات القرن الماضي. تجمّع أغلب هؤلاء في مقام السيدة خولة في بعلبك ومناطق خاضعة لسيطرة «حزب الله» في حين كان هناك مقاتلين شيعة مقيمين في سوريا يحملون الجنسيات الإيرانية توجّهوا إلى فنادق بيروت.
وبحسب مصدر في مخابرات الجيش اللبناني صرّح لـ«الفان رقم ٤» بلغ عدد النازحين الشيعة اللبنانيين والسوريين إلى لبنان عبر المعابر الشرعية وغير الشرعية نحو ١٢٠ ألف نازح.

حركات النزوح هذه والمخاوف التي انعكست على الطائفة الشيعية في لبنان وسوريا، كانت نتيجة مشاركة «حزب الله» في الحرب ضد الثورة السورية، حيث بدأت تلك العمليات بشكل غير رسمي من قِبل عناصر الحزب المقيمين بالقرب من الحدود السورية اللبنانية، إلى حين أعلن أمين «حزب الله» سابقًا حسن نصر الله بشكل علني مشاركته في مساندة النظام السوري وحُكم بشار الأسد، حيث أعلن في ١٦ آب من العام ٢٠١٣ في أحد خطاباته استعداده للذهاب شخصيًّا للقتال في سوريا «اذا احتاجت المعركة» بحسب وكالة «رويترز». وحشد كل من إيران و«حزب الله» الشيعة اللبنانيين والسوريين للقتال في سوريا تحت اسم «الدفاع المقدس» وحماية مقامات أهل البيت، حيث شارك في المعركة حوالى ٣٠ ألف مقاتل من الحزب، بحسب تقديرات إعلامية. وبعد ١٤ عامًا سقط نظام الأسد وتمّ قبلها اغتيال الأمين العام لـ«حزب الله» في ٢٧ أيلول ٢٠٢٤ بضربة إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت، فكان على أبناء الطائفة الشيعية أن يتحمَّلوا نتائج هذه الخيارات، بعد زجِّهم في مشاريعهم وسط شعور بتخلّي إيران عنهم.
بطبيعة الحال فإن لكل روايته في الأحداث؛ فها هو محمد دوم الذي يبلغ من العمر ٤٤ عامًا والذي كان مقاتلًا سوريًا في صفوف «حزب الله» من مدينة حمص يروي لـ«الفان رقم ٤» أنه هرب إلى لبنان وسكَن في بلدة بريتال في بعلبك، قائلًا: «قاتلت مع «حزب الله» منذ ١١ عامًا، انخرطت معهم لأمرين: أولًا العقيدة الدينية والدفاع عن المقامات؛ وثانيًا البدل المادي المغري حين تعرّضنا لهجوم في مدينة حمص من قِبل مسلّحي المعارضة، لم يعد لدينا الخيار سوى حماية أنفسنا والدفاع عن أرضنا. نحن لم نكن نقاتل السوريين بل كنا نقتل الغرباء الذين دخلوا مناطقنا، كداعش والنصرة الذين أرادوا ذبحنا ولكن اليوم إيران تخلّت عنا».
اليوم يتكفل «حزب الله» بالنازحين الشيعة في صفوف مقاتليه وباقي العوائل الشيعية الهاربة من سوريا عبر تقديم لمساعدات لهم، في حين تتكفّل جمعيات أخرى لا علاقة لها بـ«حزب الله» بنفقات قسم آخر من الشيعة السوريين واللبنانيين النازحين إلى لبنان.
ويرى دوم أنه لا «يستطيع العودة إلى سوريا إلّا بوجود ضمانات دولية تحمي الطائفة الشيعية في سوريا وليس فقط ضمانات من قِبل «هيئة تحرير الشام»، ويضيف: «لا نستطيع أن نأخذ فقط بضمانات الشرع ورجال الدِّين الشيعة لأن الوضع الأمني متفلّت بدأت عمليات الأخذ بالثأر لأن دمنا مهدور».
ويفضل دوم السفر إلى العراق بدلًا من إيران لأنها في اعتقاده تخلّت عن الشيعة في سوريا بعدما قاتلوا إلى جانبها بل استخدمتهم من أجل مشروعها؛ ويقول: «هذا بالنسبة لي وعندما هربنا إلى اليوم لم نرَ إيرانيًّا واحدًا ساعدنا أو تحدّث عن أحوالنا، سوى فقط العراقي واللبناني سواء كان مع «حزب الله» أو ضده».
بطبيعة الحال لا يقتصر أمر النزوح من سوريا إلى لبنان بعد سقوط نظام الأسد، فهناك شيعة لبنانيون كانوا يعيشون في سوريا من قبل تسلُّم حافظ الأسد السلطة في سوريا عام ١٩٧١، ولديهم تجارتهم ويحملون الجنسية اللبنانية والجنسية السورية، ومع سقوط الأسد الابن توجّهوا إلى أقربائهم في لبنان، قسمٌ منهم عاد بعد تطمينات رجال الدِّين الشيعة في سوريا وقسمٌ آخر بقي في لبنان.
بين هؤلاء الشيعة اللبنانيين عائلة من آل شمص توجهت إلى أقربائها في قرية شمسطار البقاعية. يقول أحد أفراد العائلة لـ«الفان رقم ٤» مفضلًا عدم الكشف عن اسمه: «عند سقوط الأسد في السادسة فجرًا توجهنا إلى لبنان خوفًا من زجّنا في آتون الحرب السورية، نحن لم نحمل سلاحًا مع «حزب الله» بل لدينا مصالحنا التجارية في دمشق، وتوجّهنا إلى لبنان خوفًا من اتهامنا بالقتال مع الحزب ضد الثورة السورية».
ويضيف: «لا تكفي تطمينات رجال الدِّين الشيعة، بل يجب أن يكون هناك تحرّك إما من قِبل المجلس الشيعي الأعلى في لبنان وبناء علاقات مع الإدارة السورية الجديدة أو تحركات رسمية لبنانية من قِبل الحكومة لضمان عدم التعرّض لنا واتهامنا بالقتال مع «حزب الله» وفي حال تحقق ذلك سنعود إلى دمشق بالتأكيد».
ينتظر هؤلاء النازحين، وخصوصًا اللبنانيين، منهم أي تحرك من قِبل الدولة أو رجال الدين الشيعة، فعلى المستوى السياسي لم يكن هناك أي تحرُّك من قِبل الثنائي الشيعي في البرلمان اللبناني أو أيٍّ من ممثلي الدولة رغم توجّه رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي إلى سوريا ولقائه بقائد الإدارة السورية الجديدة أحمد الشرع في ١١ كانون الثاني ٢٠٢٤.
علّق على هذا الأمر النائب في البرلمان اللبناني إبراهيم منيمنة في تصريح خاص لـ«الفان رقم ٤» قائلًا: إن «البرلمان توجّه فقط بسؤال إلى المجلس الحكومي حول فلول النظام من شخصيات لها ارتباط بالنظام بشكل وثيق وماذا ستفعل الحكومة اللبنانية تجاههم، أما بخصوص النزوح فلا يوجد معطيات حول الأمر».
ويرى منيمة أنه يجب «إيجاد حلول لهم من قِبل الدولة عبر تفاهم وتواصل مع الإدارة الجديدة في سوريا تضمن لهم العودة بأمان، ويجب السؤال عن مصير الشيعة اللبنانيين الساكنين في سوريا، وأن يعودوا إلى بيوتهم وأرزاقهم بشرط أن يلتزموا بالنظام العام واحترام خيارات الشعب السوري».
وأضاف منيمنة: «لا نعلم موقف الإدارة الجديدة في سوريا، ولكن ما رأيته وسمعته إلى حدّ الآن منطقي ومستوى الضبط من قِبلهم مقبول، يوجد هناك بعض الخروقات ولكن الأمر مقبول وبحال الإدارة أعطت ضمانات للشيعة فمن المفروض الالتزام بها، أما بخصوص الشيعة السوريين الذين نزحوا إلى لبنان فهؤلاء يحتاجون إلى معاملة مختلفة، بداية يجب أن نحصل على بيانات كاملة حول أعدادهم وأسمائهم والتنسيق مع الإدارة الجديدة في سوريا حول مصيرهم، فبالدرجة الأولى يجب عودتهم إلى بلدهم وفي حال كانت هناك محاكمات يجب أن يخضعوا لها وفي حال كان هناك خطر على حياتهم فيجب أن يتم البحث أيضًا حول مصيرهم، لكن الهدف الأساسي أن لا يتحول هذا الملف عبئًا على العلاقات اللبنانية السورية الجديدة، دون أن تتعرض حياة أحد ممّن ليس له علاقة بالاقتتال إلى أي خطر».
ووفق إحصاء ذكرته وسائل إعلام مقربة من «حزب الله»، في كانون الأول ٢٠٢٥، بلغ عدد الأُسر النازحة ١٢٣٢٩ (نحو ٦٢ ألف شخص)، نزلت ٥٢٢٤ عائلة منها (نحو ٢٥ ألفًا) في ١٠٩ مراكز إيواء (مساجد وحسينيات وقاعات)، وبلغ عدد الأُسر في المنازل نحو ٧١٠٥ (نحو ٣٧ ألفًا).
هذا الثقل الإغاثي والسكاني، انعكس سلبًا على مناطق البقاع وخصوصًا بعلبك الهرمل، التي تعاني من أزمة اقتصادية حادة بدءًا من العام ٢٠١٩، ما زاد العبء على أبناء تلك المنطقة بعد الحرب الأخيرة على لبنان، والتي دُمرت فيها منازلهم ونزحوا إلى مناطق أخرى.
مع العلم أن نحو نصف النازحين هم من الشيعة السوريين، فيما النصف الآخر (أكثر من ٣٠ ألفًا) هم لبنانيون يقيمون في نحو خمسة آلاف وحدة سكنية في ٣٣ قرية ومزرعة داخل الحدود السورية، وتعود ملكياتهم إلى نحو ٤٠٠ عام قبل وجود سوريا ولبنان، بحسب ما نقلته صحف لبنانية مقربة من «حزب الله».
يشابه هذا الصمت السياسي من قِبل الحكومة اللبنانية على الصعيد الديني من قبل علماء الشيعة أو الأحزاب الشيعية التي زجَّت هذه الطائفة بأتون الصراع والاقتتال مع الشعب السوري وفصل الطائفة عن محيطها السُّني العربي حيث تواصلَ الـ«فان رقم ٤» مع الشيخ علي الخطيب نائب المجلس الشيعي الأعلى للاستفسار حول وجود أي خطوات اتخذها المجلس بخصوص وضع الطائفة في سوريا، ليتمّ الردّ بأن الشيخ غير موجود حاليًّا، كما حاولنا التواصل مع الشيخ عبد السلام شكر، أمين سر المجلس، لكن لم نحصل على أيّ رد.
بعد حوالي سنتين على دخول «حزب الله» بشكل رسمي في معارك سوريا، مساندًا نظام الأسد ضد الثورة، خرجت أصوات مناهضة لهذه الخطوة من قِبل الشيعة المستقلين، عبر تظاهرات في ساحة رياض الصلح في حزيران من العام ٢٠١٥ رافعين شعار «عملًا للوحدة ورفضًا للفتنة وتحييدًا لبنان عن خط الزلازل في المنطقة».
كما رفض عدد من علماء دين شيعة هذا الانزلاق بينهم السيد علي الأمين الذي انتقد تدخّل حزب الله اللبناني في سوريا، وقال الأمين في حديث لـ«العربية» في أيار ٢٠١٥ إن «خطوة حزب الله في سوريا رفعت وتيرة المخاوف والمخاطر على الداخل اللبناني، وصعّدت من موجات الاحتقان الطائفي والمذهبي في المنطقة».
وكان من بين الرافضين لفكرة تدخل «حزب الله» في سوريا وزجّ الطائفة الشيعية في هذه الحرب الشيخ ياسر عودة، الذي كشف خلال حديث أدلى به لـ«الفان رقم ٤» أنه سبق وأن توجّه برسالة عام ٢٠١٩ إلى رئيس مجلس النواب نبيه بري وأمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله، قال فيها: «اليوم أنتم أقوياء وفي حال دار الدولاب ماذا يفعل أولادنا ماذا نفعل بمستقبلنا إلى أي مشاريع تأخذوننا»؟
وتابع عودة «لم يكن هناك أي جواب بل كان يتمّ تخويننا واتهامنا بالعمالة وما كنا نخافه حصل، ونحن وقود حروب خصوصًا في لبنان بل ورّطنا الآخرين، معتبرًا أن علماء الشيعة هربوا إلى النجف خلال الحرب واليوم يأتون إلى لبنان يريدون أن يفرضوا رأيهم، يجب توجيه المجلس الأعلى لأنه الواجهة الدينية لأن يحاول أن يجد قنوات مع القيادة الجديدة في سوريا وأن يحمي طائفته».
وأكد الشيخ عودة في سياق حديثه لـ«الفان رقم ٤» أنه «من حق الشعوب أن تختار ما تريد ولكن يجب أن يكون ذلك قائم على العدل والإنصاف ولا يؤخذ أحد بجريرة أحد آخر، أما مصير الشيعة لا أحد يعلم ولا يوجد عندي معطيات أو تواصل مع القيادة الجديدة في سوريا».
ويضيف: «يجب على الدولة ضمان الشيعة النازحين اللبنانيين، والتفاهم بشأن الشيعة السوريين النازحين وما وصلنا إليه نتيجة مطالبتنا بعدم دخول «حزب الله» الحدود عام ٢٠١٣ بل ضبط الحدود، وعندما طالبنا بذلك تمّ تخويننا وما حصل طبيعي بسبب القرارات الخاطئة للثنائي الشيعة والدولة اللبنانية ونأمل من الحكومة الجديدة في سوريا أن لا تتعاطى مع أي مواطن بالاستناد إلى مذهبه بل على أنه مواطن.
وغدًا عندما يجلس الكبار مع بعضهم يُتفق كل شيء». مشيرًا إلى أن المنطق يقول إننا نحن أقليات في محيطنا وهذه الأقليات لا تُستعمل في مشاريع كبرى فيجب الحفاظ عليها وليس القضاء عليها ونحن نعيش ببحر كبير محيط بأغلبية سنّية فلا حاجة لهذا الصراع».
رغم العديد من التطمينات من قِبل الإدارة الجديدة حول حماية الأقليات في سوريا بعد استلامها زمام السلطة، لكن لا تزال عمليات الاقتتال في مناطق ريف حمص وغيرها مستمرة، بينها أحداث لا تبعث على الاطمئنان، راح ضحيتها أشخاص لا علاقة لهم بحمل السلاح حتى سقوط نظام الأسد، والتي أُدرجت ضمن أخطاء فردية.
هذه الأحداث تتزامن مع انعدام الاستقرار الأمني، ولا تنفصل عن مشهدية اقتحام مقام السيدة زينب بريف دمشق من قِبل عناصر من الإدارة الجديدة بالتكبيرات، ما انعكس خوفًا على الشيعة، إضافة إلى حرق شجرة عيد الميلاد بريف حماة والاعتداء على إحدى المقابر للطائفة المسيحية، ما أدّى إلى خروج تظاهرات ندّدت بهذه التصرفات من قِبل عناصر مجهولة، تلاها تظاهرة غاضبة للعلويين جاءت على خلفية إحراق مقام «أبو عبدالله الحسين بن حمدان الخصيبي»، في حلب أحد رموز الطائفة العلوية، ما دفع «هيئة تحرير الشام»، الإدارة الجديدة إلى نشر مسلّحين لحماية المراكز الدينية، بالتزامن مع مبادرة قيادي الإدارة الجديدة إلى التواصل مع وجهاء ورجال دين تابعين للأقليات في سوريا، عبر نشر رسائل تطمين وتأمين بال السكان.
ورغم التطمينات التي أدلى بها قائد الإدارة الجديدة أحمد الشرع خلال مقابلة مع قناة «سي.إن.إن. » الأميركية في السادس من كانون الأول، حيث قال الشرع إن «هدف المعارضة إسقاط الرئيس بشار الأسد، وتشكيل حكومة قائمة على المؤسسات ومجلس يختاره الشعب السوري، مؤكّدًا على الالتزام بحقوق الأقليات الدينية والعِرقية»، وبالرغم من ذلك لا يزال المشهد السوري بحالة ترقّب وتخوّف من قِبل جميع الطوائف حول مصيرهم، خصوصًا دون وجود أي دستور أو قانون يحمي حقوقهم، فهل تنجح سوريا الجديدة بالامتحان الدولي والعربي بحماية الأقليات والانتقال من الثأر إلى بناء الدولة؟





