03・03・2025
من العدد ١٩
إيران الخمينية ودعوى المقاومة (٢)
مفهوم المقاومة وركائزها

المقاومة هي ردة فعل مجتمعية واعية، ضد واقع مرفوض، أو غير مشروع، أو لمواجهة استبداد، أو استعباد أو ظلم أو تمييز أو احتلال... فإن المقاومة أو حركة المقاومة تعني حركة شعبية لمقاومة الاحتلال تهدف للحرية والاستقلال وتندرج في الفقه والشرعية الدولية في سياق حق الشعوب بتقرير مصيرها والدفاع عن نفسها، وفي السياق التاريخي لظهور مصطلح المقاومة فإن كل جماعة حملت اسم المقاومة كانت حركة تحرر وطني في حالة اشتباك مع جيش الاحتلال، سواء أطلقنا على هذه الحالة تسمية العمل الفدائي أو حرب التحرير الشعبية أو حرب العصابات والمغاوير أو العمل الجهادي. 

على هذا الأساس فإن أية جماعة تحمل السلاح ولا يكون هدفها تحرير أراضيها المحتلة ولا تعبّر عن إرادة الجماهير الشعبية تسقط عنها صفة «حركة مقاومة»، بما يحمله المصطلح من رمزية بل وقدسية واحترام. 

إن المقاومة لا تأخذ معناها الحقيقي إلّا إذا كانت تعبّر عن الإرادة الشعبية وتعمل في إطار استراتيجية وطنية شاملة بحيث لا يجوز احتكار أو مصادرة الحق بالمقاومة من طرف حزب بعينه، كما سيكون من الخطورة داخل البلد الواحد أن تعلن جماعة أنها حركة مقاومة مسلحة وتمارسها بالفعل، بينما بقية الأحزاب وغالبية الشعب لا توافقها الرأي، كما سيكون من الخطورة ممارسة حزب بعينه للمقاومة المسلحة دون إذن أو على الأقل تنسيق مع القيادات الشعبية، سواء كانت حكومة، كما هو الأمر في لبنان، أو كانت سلطة وطنية وحكومة، كما هو الأمر في فلسطين، والأدهى من ذلك أن يتحول سلاح المقاومة إلى أداة قمع وترهيب للشعب أو لمحاربة القوى والأحزاب الأخرى. 

ولا بد أن نذكر أيضًا أهم القواعد التي تُستمدّ منها استراتيجية المقاومة شروط النجاح وهي:

أوّلًا، لا يمكن للمقاومة أن تكون أهدافها البعيدة مُعلنة لأن ذلك يعني أن المقاومين غير صادقين بل هم يحاولون إقناع تابعيهم بصدقهم. فما من أحد حقق هدفًا في الحرب بأن بدأ فأعلم العدو بما يسعى إليه.

ثانيًا، لا يمكن للمقاومة أن يكون لها عدو مطلق معلن، لأن استعمال قوة العدو ضده أهمّ وسائل الغلَبة عليه، فإذا قاطعته بات من الممتنع عليك الاستفادة من هذه القاعدة.

ثالثًا، لا يمكن للمقاومة أن يكون لها حليف مطلق معلن لأن الحليف سيجعلك أداة إذا شعر بأنك تعتبره ملجأك الوحيد الذي لا بديل منه.

رابعًا، مجال المقاومة لا يتعلق بالغايات بل بأدوات تحقيقها ومن ثم فأهمّ مجال للمقاومة هو مجال غلبة العدو في السيطرة على الأدوات، أعني التربية والثقافة وثمراتهما التطبيقية. لذلك فالمقاومة التي تكتفي بما يسمى «الجهاد القتالي» فقط تبقى أهم أسباب الفشل في تحقيق الأهداف.

خامسًا، المقاومة الجادّة غنية عن ميليشيات الإعلام والذُباب الإلكتروني التي من علامات كونها ميليشيات مرتَهنة التظاهرَ بالحماس الزائد عن اللزوم لأنها من علامات الخفّة العقلية.

سادسًا، مقاومة العدو هي مهمة مؤقتة، إلّا إذا كانت مجرد ذريعة لاستضعاف البلد والسيطرة عليه والعبَث بمصيره. عندها تصبح المقاومة الحقيقية هي مقاومة منطق الاحتكار والانفراد والاستقواء تحت هذا الشعار أو ذاك.

مفهوم إيران الخمينية للمقاومة (محور الممانعة)

أمّا الحالة الخمينية ونموذج ومفهوم «فيلق القدس» للمقاومة ولجبهة المقاومة والصمود التي يقول الفيلق إنها تمتدّ من إيران إلى «حزب الله» اللبناني إلى «حماس» و«الجهاد الإسلامي» في فلسطين إلى سوريا والعراق واليمن... فإن الأسماء لا تدلّ على المسمّيات بالضرورة والخداع السياسي لم يعُد ينطلي على مَن يبحث عن الحقيقة بموضوعية.

مَن يزايد ويوظف قضايا الأمة العادلة لنيل منزلة معنوية يستغلها لصالح مشغّله وبرنامجه لا يصلُح بأن يُسمى مقاومًا.

إيران وميليشياتها لم يُعدّوا أنفسهم أبدًا للحرب مع إسرائيل بل للسيطرة على الإقليم ولو باقتسامه هم وإسرائيل وأميركا وروسيا. فلسطين وغزة والقدس مجرد أوراق في مشروعهم وليست الغاية من عملهم.

وما كان يمكن لأي نظام عربي أن يخرج عن الصف العربي وأن يُجاهر بالتطبيع والتحالف مع إسرائيل لو لم تذهب العنجهية ببعض الخمينيين وميليشياتهم بالمزايدة على العرب وادّعاء الثورية الثيوقراطية التي صارت تهدِّد وجودهم صراحة.

ليس في ذلك بحث عن عُذر للخذلان العربي لقضايا الأمة بل هو وصف لمزايدات ثورة الخميني المزعومة التي ما كان الغرب ليمكّنها لولا وعدها بما يسدّ حاجتيه: محاربة اليسار في إيران ومحاربة العروبة والإسلام السّني في الإقليم.

ساهمت إيران بأكاذيبها في تخويف الأنظمة العربية بميليشياتها التي مكّنتها من السيطرة على العراق وسوريا ولبنان ثم اليمن. فحاصرت بذلك كل دول الخليج، وخاصة بعد أن جذبت إليها مَن تحالف معها من المقاومة السِّنية باختراقها وتوريطها في ما يلهي الغرب بهم حتى تحافظ على شعار «مقاومة الاستكبار».

وما أخشاه هو أن مكْر الصهيونية قد ورّطها في معاداة أنظمة الإقليم حتى يفرض سلطانه على الإقليم كله لأن جلّ الأنظمة العربية يتحكّم فيها الفساد.

فكانت من حيث لا تعلم هي التي تسند إسرائيل في الإقليم رغم كل الدعاية بالسعي لإنهاء وجودها، وهذا يمثِّل إفراط في الكذب يرتدُّ على تلك الدول، لأنه يخدم كل سرديات إسرائيل التي تجعل الغرب كله يُسارع لحمايتها بصورة تصيب الإقليم كله بالشلل.

يخطئ من يظنّ أن مفهوم المقاومة ومفهوم الممانعة يعنيان نفس المعنى أو قابلان للمشاركة في الغايات والأدوات. وكل الخداع الإيراني تمثَّل في الإيهام بأن المفهومان يفيدان نفس المعنى ويستعملان نفس الاستراتيجية.

وحتى نفهم ذلك فلنقارن مقاومة الحركات الوطنية والحركات الباطنية التي تتحصّن وراء التشيُّع الإيراني الذي يحارب السُّنة ولا يحارب أحدًا آخر منذ نشأته حتى اليوم.

ولهذا كان الاسم في ميليشيات إيران وحروب الوكالة على الأمة الحروب التي تقودها القوتان المتنافستان، على تقاسُم الإقليم خاصة وبلاد المسلمين عامة، أي إيران وإسرائيل، لمشروع يخصّهما، وفي نفس الوقت بدور الأداة لمشروع أعمّ هو سيطرة الغرب على العالم الإسلامي وثرواته وممرّاته.

والدليل القاطع على الفرق بين المفهومَين هو مقارنة ما بذلوه في الحرب على سُّنة سوريا وعلى سُّنة الخليج: وهو ما يبيِّن أن الهدف ليس إسرائيل بل استرداد إمبراطورية فارس. وما مناوشاتهم مع إسرائيل إلا بسبب التنافس بين الدولتين على تقاسم النفوذ في المنطقة. فقد استغل أهل النخوة والرجولة من الماء إلى الماء أي أرض وثروة ممرّات يتحكّم بها عملاء مستعدون لبيع كل شيء والتلهّي بحروب عفّا عليها الزمن بينهم سواء في المشرق العربي أو في مغربه.

أعجبُ من الذين ما يزالون مؤمنين بأن إيران تحارب الغرب من أجل قضايا الأمة. إيران لا تخادع الحمقى من العرب فحسب بل هي تخادع شعبها كذلك. وبذلك فهي تحتمي بالمقاومة التي جلّها عربية، ولا تحميها.

لمَن يفهم استراتيجية الملالي يعلم أن الممانعة تمثّل درع استراتيجية إيران التي تدّعي السعي لتحرير القدس وإزالة إسرائيل ومعاداة الغرب. 

هذا ما أثبتته الوقائع في «معركة الأقصى» و«حرب الإسناد» وتعليلات المماطلة الإيرانية في تحديد موعد الحرب الحاسمة التي تُغالط بها أذرعها: فهي اصطنعتهم لحمايتها بدمائهم ولا تُضحي من أاجلهم عندما يتجاوزون ما تطلبه منهم بل تُضحي بهم.

إيران لم تكوّن أذرعها إلّا لتكون الحروب الممكنة خارج أرضها وبغير تضحيات أبنائها تمامًا كما تفعل أميركا في كل حروبها، وتستعين بالمرتزقة بحيث إن ما يسمى بحلف أركان ميليشياتها الإسلامية عامة والعربية الشيعية خاصة. فكانت وهي في حاجة لربح الوقت ومن ثم فهي تطبق استراتيجية المطاولة لتحقيق شروط الممناعة الرادعة فضلًا عن كون نظامها السياسي على شفا حرب اهلية بين الملالي والنخب الحداثية، وهي حرب تُعدّ أهم حجج الاختراق الذي قضى على «حزب الله» وقد يقضي قريبًا على إيران ذاتها.

إيران لم تؤسّس منظومة الأذرع إلّا ليكونوا أدوات للحرب ليس على الغرب وإسرائيل بل على تخريب علاقة العرب بقضاياهم الحاضرة وبماضيهم المجيد، وذلك للثأر من ثورة أنهت إمبراطوريتهم. فكان ذلك يقتضي العمل بعقيدة القائد العسكري الصيني ـ سن تسو ـ الاستراتيجية: كيف تجعل العدو يهدم نفسه بنفسه فيُغنيك عن محاربته وجعله في حرب أهلية دائمة تحول دونه والتفرُّغ للبناء المحقق لشروط السيادة أي شروط المناعة المادية والحصانة الروحية. 

وكان لا بد حينئذ من لعبة تقتضي التعاون تحت الطاولة بين عدوّين للأمة: الغرب من خارج الأمة وإيران من داخلها.

وقد نجحا نجاحًا باهرًا بسبب غباء النخب العربية التي تُسمي مَن يروِّج لها ويتبنّاها، ممانعة لشريكه في تلك المهمة. رغم أن ما حصل في العراق وسوريا ولبنان واليمن كان واضح الدلالة أن إيران تستعمل القضية الفلسطينية غطاء لمشروعها. 

وكانت الخدعة شديدة الوضوح خاصة في ما حصل من دور لميليشياتها في سوريا. لكن خوف الأنظمة العربية قسَّم العرب إلى محتمين بإيران من إسرائيل ومحتمين بإسرائيل من إيران. وما يحصل الآن هو بروز هذا التعاون بين إيران وأميركا، لأن التخلّص من أهم خدم إيران غايته وصولها إلى تفاهم يقضي بتسليم أدواتها الميليشيوية والحشدية مقابل الاعتراف بنظامها وتمكينها مما تُعدّه ليس لمحاربة الغرب وإسرائيل بل لما تُسميه ثأر جبهة الحسين من جبهة يزيد؛ باعتباره رسالة مشفّرة كانت آخر تصريح لمرشدهم الأعلى بمناسبة كلامه على الردّ على اغتيال اسماعيل هنية في عقر دارهم؛ فهو قال ذلك لإقناع الغرب وإسرائيل بأنه ليس معنيًّا بالدفاع عن فلسطين في سعيه لصنع الردع النووي بل لاسترداد إمبراطورية فارس.

حزب الله ومآل المقاومة في لبنان

سأكتفي بمثال واحد للكلام على الظاهرة التي تُسمى محور الممانعة الجامع بين كل ميليشيات إيران ومؤيّديها من النخب العربية وهو «حزب الله» في لبنان. 

فهذا المثال يمكّن من فهم وظيفة ميليشيات إيران العربية عامة بتبيان طبيعة ما حصل فيه وما تُقدم عليه لأنه كون الحزب هو القائد المباشر لهذه الميليشيات في العراق وسوريا ولبنان واليمن حتى في فلسطين نفسها بحضور ممثلي إيران، تحت مسمّى مستشارين، في بعض فصائلها وما ترتب عليه من خدمة المشروع الإيراني وخدمته لمشروع إسرائيل على حدٍّ سواء وإنجازات كانت كلها جرائم إزاء القضية الفلسطينية، وهي لا تختلف عما حصل لها من استغلالها من الأنظمة العربية التي وصلت إلى الحكم بالانقلابات بعد هزيمة ١٩٤٨ ونشأة دولة إسرائيل: أي توظيف القضية وليس الدفاع عنها فضلًا عن تكوّن الفصائل التي هي أمراء حرب جعلت القضية تجارة خدمات لصالح الأنظمة.

وحتى يفهم القارئ الكريم ما أعنيه فليتفكر كيف كانت المقاومة في لبنان وفي الجوار الأسرائيلي المحيط بها:

فقد كانت المقاومة شاملة لكل التوجّهات السياسية العربية في لبنان قبل أن يستفرد بها «حزب الله» فتمّ توظيفها لما هو مدار خلافي مع إيران التي لجأت إلى نفس سياسة الباطنية، أي استغلال التراث الشيعي لتوظيفه في معارك الحاضر. وتوظيف المقاومة لتكون أداة لمشروعها بالمساومات مع الغرب واستغلال بُسطاء الجهاد بحمَق لا يناسب فلسفته.

والمقاومة الفلسطينية خسرت التأييد العربي الرسمي حتى الشعبي، كما حدث في لبنان وفي الأردن، خاصة ما جعل الصادقين من المقاومين السُّنة مضطرين للقبول بالتوظيف الإيراني ليحافظوا على وجودهم بعد أن سُدّت في وجوههم سُبل استعمال الجوار الرسمي والتعاطف الشعبي.

النتيجة: صارت المقاومة التي تهدف إلى تحرير فلسطين، حتى الصادق منها، يعسر تمييزه عن التوظيف الإيراني لحركات المقاومة التي أوجدتها إيران من أجل مشروعها وخاصة بعد ثورة الخميني لاسترداد غمبراطورية فارس في حربها على الأنظمة السُّنية في الإقليم. فهي تزايد عليهم باسم المقاومة التي ظاهرها قضية فلسطين وباطنها المزايدة على الرسميين بالتقرّب من الشعوب. حتى صارت خطة إيران الفرصة الوحيدة لمن يريد أن يقاوم ولكن بالحدود التي لا تُخرجه عن القبول بسيطرة ميليشيات إيران عليه.

مَن كان متابعًا لتاريخ المقاومة قبل الحرب الأهلية ثم بعدها حتى نشأة «حزب الله» والسيطرة على الجنوب فلم يبقَ دور حتى للحركة الشيعية الأولى التي أسّسها السيد موسى الصدر قبل نشوء الحزب. كما كانت كل التيارات الفكرية القومية واليسارية والماركسية وحتى الفوضوية تشارك في المقاومة.

«حزب الله»، بمعاونة إيران وسوريا في عهد حافظ الأسد، أخرجوا الجميع ليتفرّد الحزب بما يسمّيه «مقاومة» وهو في الحقيقة جعلها مجرّد أداة إيرانية. إذ إنّ من مصلحته تحويل القضية إلى دعم حجة أن مَن يقاوم هو من تموّله إيران، كما أنّ إيران وإسرائيل بحاجة للسردية التي تواصل حمل القضية لأنها شرط قِسمة العرب إلى المحتمين بإحداهما ضد الأخرى حتى يبتلعا الإقليم في غياب التحرك الشعبي والاكتفاء بالصواريخ «الفاشينك» للحركات التي جعلت المقاومة المسلحة مجرّد ورقة في المفاوضات التي تجري من وراء الشعوب. عندما تحاول شرح ذلك تصوّرونك بأنك ضد المقاومة وليس ضد المقاومة التي توظفها إسرائيل لإقناع الشعوب الغربية بأنها في حالة دفاع شرعي وتوظفها إيران لإقناع الشعوب بأنها تريد تحرير فلسطين وهي في الحقيقة تحول دون تحريرها لأنها بحاجة إلى غطاء لاحتلال كل الهلال العربي واليمن.

ليس كل الناس أغبياء ليفرحوا بظاهرة المقاومة التي تحوّلت إلى تجارة على شاكلة مثالها الأعلى «حزب الله»: تتحرك عندما تحتاج إيران في مفاوضاتها لتبيان أذرعها. فهؤلاء مافية تسيطر على الشعب بالخطة التي طبقها «حزب الله» عندما قضى على المقاومة التي كان الجميع مشاركًا فيها ليستفرد بها ويصبح طاغيًا أكثر من الأنظمة الفاشية التي كانت تتحكّم بشعوبنا ثم يتحوّل إلى حقيقته التي كان يخفيها وهي محاربة السُّنة وإضعافهم.

مَن كان له دراية بما كان يُسمى مقاومة في لبنان قبل أن تنحصر في «حزب الله» يعلم أنه كان مسار الحزب يهدف إلى القضاء على مقوّمين اثنين من مقوّمات النهوض الوطني خاصة والعربي عامة:

١ ـ المقوِّم الأول، هو مقوِّم الدولة التي تحتكر الشرعية الجامعة لكل القوى السياسية التي تملك شرعية حمل السلاح؛ حيث كان الجميع مسلَّحًا للدفاع عن السيادة الوطنية والهوية، ولكن في حدود المحافظة على العنف الشرعي بيد الدولة.

٢ ـ المقوّم الثاني، هو حصر النضال في مقاومة العدو، الذي يتمثّل في المعتدي الأجنبي وليس في الشريك في الداخل، بحيث إن الشعب مُجمع على أن كل الأحزاب التي كانت موجودة في لبنان، لبنانية سواء كانت يسارية أو قومية أو إسلامية سنّية أو شيعية أو مسيحية بحسب المذاهب والفُرق العديدة. ولا يمكن لأي مُدّعٍ أن ينكر أن ذلك كله قد انتهى منذ أن  أصبحت المقاومة المزعومة حكرًا على «حزب الله» الذي تبيَّن أنه لا يمثل إرادة الشعب اللبناني بل إرادة خارجية هي إرادة الخمينية وملاليها في طهران.

مرحلة الإسناد وفشل استراتيجية إيران الخمينية

كانت مرحلة إسناد جبهة غزة مبنيّة على رؤية إيرانية: لا بد من تحقيق خمس غايات:

١ـ إثبات تبعية «حماس» لها حتى لا يحصل «انتصار» بدونها. 

٢ـ تمكين إيران من المشاركة في المفاوضات بعد انتهاء الحرب. 

٣ـ المزيد من ابتزاز الأنظمة العربية وإحراجها أمام شعوبها. 

٤ـ تمتين موقع إيران في التفاوض مع الغرب. 

٥ـ دفع العرب إلى مواقف تفيدهم في المشاركة في التفاوض النهائي حول شكل الإقليم بعد انتهاء الحرب، لأن موقفهم تجاوز الخذلان إلى التنكُّر لشروط دورهم في الإقليم كون بعضهم كان يريد القضاء المطلق على المقاومة الفلسطينية بأقصى سرعة.

لكن صمود «حماس» دون تدخُّل العرب ودون دور يُذكر للإسناد وتأخّر انتهاء الحرب جعل إيران تعي أنه عليها التنصُّل من هذه السردية وشرعت في لعب دور حمامة السلام وبدأت تغازل أميركا، وخاصة بعد اليأس من الاعتماد على الحوار الخفيّ مع الديموقراطيين.

فهي اضطُرت للتنصّل حتى من مليشياتها وخاصة من «حزب الله» الذي مكّن نتنياهو من أن يصبح بطلًا قوميًّا كونه استفاد من الهدف الثاني الإيراني الذي كلّفت بإنجازه «حزب الله»، فتبادل الردود بين إيران وإسرائيل كان لصالح الأخيرة، أي إيقاف اهتمام العالم بما يجري في غزة لنقله إلى ما يجري بينهما بمسرحية الردود الصاروخية التي حققت الغرض منها رغم كونها كانت متفق علبها.

لكن نتنياهو وجدها فرصة لكي ينقل المعركة إلى إنهاء كل اهتمام بغزة وفلسطين والذهاب إلى تحقيق الغرض البعيد الذي ظنّت إيران أنها تحميه بمواصلة لعبة التخويف ولو مسرحيًّا.

فضرب «حزب الله» الضربة القاضية، حتى يُنهي مهمته في فلسطين دون انتباه العالم فصارت القضية شبه منسية وأصبح الكلام على المسألة اللبنانية التي صار لإسرائيل وجه قانوني فيها رُسِّخ منذ هزيمة «حزب الله» سنة ٢٠٠٦ أي قرار إيقاف القتال ١٧٠١، ثم أرفَدته بترسيم الحدود البحرية بينها وبين لبنان.

وهكذا، فإن «حزب الله» وإيران أخطآ الحساب في التعامل مع إسرائيل لأن حساباتهما صارت كلها لصالح الأخيرة: لم يتحقق ضمان كرسي التفاوض بلغة المساندة ولم يتحقق ضمان مدّ اليد لإسرائيل بمنطق حمامة السلام والمساعدة في التغطية على جرائمها في غزة بلغة الردود المتبادلة التي أنست العالم قضية غزة.

إن النكبة التي حلّت بـ «حزب الله» لا علاقة لها بقوة إسرائيل ولا بتقدّمها العلمي والتقني؛ فذلك كله استعملته مع «حماس» ولم تستطِع طيلة سنة من تحقيق ما حققته معهم في أقل من أسبوعين ولم تزل. 

وإذا كانت إسرائيل مع عدم خذلان الغرب لها قد عجزت طيلة سنة فإن «حزب الله» قد يحتاج إلى قرن ليستعيد أنفاسه ومن ثم فهو قد انتهى لأن خصومه في لبنان أولًا وفي الإقليم ثانيًا وتنصّل إيران منه تعني نهايته لأن مَن يستأجر ميليشيا يحتمي بها يتخلّى عنها ولا يحميها.

ما جرى في الحرب الأخيرة ليس نهاية محور الممانعة فحسب بل هو نهاية طموح موظفيها بالتذرّع بفلسطين. والدليل هو الفرق الجوهري بين صمود «حماس» سنة ونيّف وانهيار «حزب الله» في بضعة أيام ولن تقوم له قائمة بعدها.

محاولة انبعاثه كانت تكون ممكنة لو لم يفضح نجاح «حماس» بالطوفان رغم محدودية إمكانياتها الدفاعية وفشل «حزب الله» بترسانته وتباهيه بصواريخه التي لا تُحصى ومسيّراته الانقضاضية. فهذه المقارنة أنهت المشروع الإيراني الذي تمكّنت قيادات كذبة الممانعة من التعمية عليه رغم اعتدادها في كلامها على احتلال العواصم الأربع: بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء غزة.

لكن ذلك لا يكفي لأن انهيار المشروع الإيراني تسارع كون إيران تعيش صراعًًا داخليًّا صامتًا وعلاماتها متعدّدة، ولعل أبرزها كانت بدايته مقتل قائد «فيلق القدس» ثم قتل الكثير من علمائها وخُتمت بمقتل رئيس جمهوريتها وكل مَن كان معه ثم نجاح صفّ من يُسمون بالإصلاحيين وهي العلامة الأساسية لبداية نهاية «الثورة الخمينية».

مقالات مشابهة
13・03・2026
وذكِّر، إن نفعت الذكرى: تقدّم «المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى» بإخبار في ٢٧ آذار ٢٠٢٥ «ضدّ مطلقي الصواريخ».
المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، الذي صرّح اليوم، على لسان نائب رئيسه، راميًا على «الدولة» مهمة الاهتمام بالنازحين، نفضًا عنه أي مسؤولية، وهو الذي لم يُعوّدنا أساسًا على التصدّي لهذه المهمة أو على الاهتمام بأبناء الطائفة الشيعية. كان قد تقدّم، عندما دعت الحاجة، بإخبارٍ ضدّ «مطلقي الصواريخ» بقصد خرق الاتفاق ١٧٠١.
08・03・2026
رحلة الهروب من الموت: يوم كامل من الجنوب إلى بيروت
أحمد خواجة
احتاج الأمر لأكثر من ٢٣ ساعة للانتقال بالسيارة، من بلدتنا الجنوبية في قضاء «بنت جبيل» إلى بيروت، حوالى ١٠٠ كلم استغرق قطعها كل هذا الوقت، معدل سرعة سيْر الإنسان على قدميه خلال التنزّه يتراوح بين ٤.٨ و٥ كلم في الساعة، ما يعني أن رحلة سيرًا على الأقدام بين بلدتنا وبيروت ما كانت لتحتاج إلى ٢٣ ساعة.
14・11・2025
التحوُّلات السياسية في الجنوب بعد الحرب: من زمن الهيمنة إلى أفق التعدُّدية
علي مراد
ما بعد الحرب ليس مجرد مرحلة زمنية جديدة، بل هو اختبار وجودي للبنان ككل، وللجنوب على وجه التحديد. فقد جاءت حرب أيلول ٢٠٢٤ لتكشف عمق التحوّلات التي كانت تتراكم بهدوء منذ سنوات، ولتُعيد طرح الأسئلة التي لطالما جرى التهرّب منها ...
أيضاً للكاتب/ة
03・03・2026
بين النجف وقُم: أيُّ دورٍ للمرجعية في زمن الدول المتصدّعة ؟
عادل إسماعيل
ليست الأحداث الكبرى مجرّد وقائع عابرة، بل لحظات كاشفة للفروقات العميقة التي كانت كامنة تحت السطح. وحين اهتزّ الإقليم باغتيال شخصيات عسكرية ارتبطت بالمشروع الإيراني العابر للحدود، بدا واضحًا أن الخلاف ليس سياسيًّا فحسب...
03・07・2025
انتخابات بريتال توافُق بلدي أم تسوية مفروضة؟
عادل إسماعيل
شهدت منطقة «بعلبك - الهرمل» في الاستحقاق البلدي الأخير مشهدًا سياسيًّا معقّدًا، حمل في طيّاته الكثير من التناقضات، حيث طُرحت شعارات «التوافق» و«المصلحة العامة» كواجهة لتحالفات غير متجانسة، جمَعت بين بقايا المعارضة الشيعية، بعض العائلات، و«الثنائي الشيعي» – حزب الله وحركة أمل.
03・07・2025
الصراع الإيراني - الإسرائيلي: تحالف الهيمنة وخديعة العداء الوظيفي
عادل إسماعيل
في المشهد الجيوسياسي المعاصر، تتكرّر المواجهات الخطابية والتكتيكية بين إيران والكيان الصهيوني، ويُروَّج لهذا الاشتباك على أنه صراع وجودي، بين مشروع «الممانعة» وكيان الاحتلال.