03・01・2025
من العدد ١٧
إيران الخمينية ودعوى المقاومة (١)
إيران الخمينية والغرب
الميليشيات المسلحة، اذرع ايران، المصدر أي ام ليبانون
الميليشيات المسلحة، اذرع ايران، المصدر أي ام ليبانون

إبّان الحرب الباردة بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة، كانت الأخيرة تعمل على تحريك المزاج الديني في الشرق لمحاربة الفكر الشيوعي وتمزيق الاتحاد السوفياتي، فتمّ الاتفاق على تعيين بابا الفاتيكان آنذاك من إحدى دول الطوق الحديدي، وهي بولونيا، والقيام بدعم الجماعات الإسلامية في أفغانستان، والحرص على انتصار الثورة الخمينية في إيران وذلك بمنع الجيش من المشاركة في قمع المتظاهرين. وكما نعلم أن أغلب الجيوش في دول الشرق مرتبطة بأميركا وتنفّذ أوامرها. 

لا يصدق أحد أنه عندما قرّر الرئيس الفرنسي فاليري جيسكار ديستان إرسال الخميني في طائرة فرنسية خاصة كان حبًّا في الحضارة الفارسية المزعومة أو الديمقراطية الخمينية، بل هو كان يفعل ما فعلت أميركا مع أحمد بن لادن، في التصدّي للسوفيات الذين كانوا قد احتلوا أفغانستان وكانت إيران على عتبة السقوط لأن الشاه لم يعد في مقدوره التصدي لحزب تودة الشيوعي.

القطب الغربي أدرك آنذاك أن الشاه لم يعد قادرًا على منع سقوط إيران تحت سطوة الاتحاد السوفياتي بواسطة حركات يسارية إيرانية كانت هي المهيمنة على معارضته والمهدِّدة لسلطانه: الخميني لم يؤتَ به ضد الشاه وإنما ضد هذا المدِّ اليساري الذي صفَّتْه حركته لاحقًا بعد التحالف معه للتخلُّص من الشاه.

يقول كامبيز فتاحي، المحلل السياسي الإيراني، في إحدى مقابلاته مع إذاعة (بي بي سي) الفارسية: «عندما نذكر اسم الخميني علينا أن نتذكّر ما تبيّن قبل سنة من ارتباطه بالمخابرات الأميركية، حيث رفعت الحكومة الأميركية شتاء العام الماضي السرِّية عن وثائق تكشف العلاقات الخفيِّة بين الخميني ووكالة الاستخبارات الأميركية (سي آي إي.).

وتثبت الوثائق الأميركية المنشورة أن الخميني كان على صلة بالحكومة الأميركية منذ ستينات القرن الماضي حتى قبل أيام من وصوله إلى طهران، قادمًا من باريس وإعلانه الثورة عام ١٩٧٩، بحسب الوثائق التي أبرزها الخبير الإيراني.

من أبرز هذه الوثائق، التي نشرتها وكالة الاستخبارات الأميركية (سي آي إي)، تبادل رسائل سرية بين الرئيس الأميركي الأسبق جون كينيدي والخميني بعد أشهر من الإفراج عنه من السجن في إيران مطلع تشرين الثاني ١٩٦٣، وأنه طالَب خلالها بألّا «يُفسَّر هجومه اللفظي بطريقة خاطئة، لأنه يحمي المصالح الأميركية في إيران». 

ويقول فتاحي: «تبيّن الوثائق، أن الأميركيين اهتمّوا بالخميني عندما شعروا بأنه هناك شيعة حتى خارج إيران في باكستان وغيرها موالون له وزعموا أنه سيحلّ مكان آية الله بروجردي، فحرصوا على فهم أفكاره ومعرفة ماذا يريد كي يتعاملوا معه، لذا كانت كل خطبه تُترجم في الوكالة المذكورة. 

ويضيف فتاحي، بحسب الوثائق، «إن الخميني لم يرِد في البداية تغيير النظام بقدر ما كان يريد إلغاء قوانين الإصلاح الزراعي وحقوق المرأة التي أقرَّها الشاه في البرلمان وتمَّ العمل بها».

لذا، عندما شعر الخميني بالتوجُّه الأميركي نحوه، قام مؤسِّس النظام الإيراني بالتواصل مع الرئيس الأميركي بعد معارضته لما عُرف بـ«الثورة البيضاء» في ١٩٦٣.

وتفيد الوثائق بأن الخميني تواصل أيضًا مع إدارة الرئيس جيمي كارتر، عبر وسطاء في ١٩ كانون الثاني ١٩٧٩، أي قبل أسابيع من انطلاق الثورة، وتعهَّد حينها بأنه لن يقطع النفط عن الغرب، ولن يُصدِّر الثورة إلى دول المنطقة، وأنه سيُقيم علاقات ودّية مع الحكومة الأميركية. وعندما سُئل الجنرال الأميركي هایزر، في مقابلة مع تلفزيون الـ(س أن أن) في آخر أيام حكم الشاه عن وجهة نظره حول الخميني قال: «الخميني الآن كل شيء والشاه لا شيء»، في إشارة إلى الاحتجاجات.

ويقول شاهبور بختيار في إحدى مقابلاته «إن هايزر كان يمتنع عن مقابلتي، حيث لم أتمكن من رؤيته طيلة أيام وزارتي قبل مجيء الخميني كما يمنع الجيش الإيراني من اتخاذ قرار حاسم حول الخميني أو منع عودته إلى إيران».

هذه الوثائق تؤكّد التنسيق الخفي والقديم بين الخمينية و«الشيطان الأكبر» _ حسب زعمهم _ وذلك على حساب شعوب المنطقة. 

هذا إضافة إلى اجتماع قادة أميركا وفرنسا وبريطانيا وألمانيا في مؤتمر غوادلوب السري ١٩٧٩ واتفاقهم على قرار إنهاء حكم شاه إيران محمد رضا بهلوي ولزوم مغادرته للبلد.

كما أثبتت تلك الوثائق رعاية الإدارة الأميركية للثورة الإيرانية وكيف أجبر كارتر الشاه على التنحّي واستبدل به نظام وليّ الفقيه. وكيف أن أميركا والغرب تخلّوا عن أكبر صديق وحليف علني لهم في المنطقة وشرطي الشرق الأوسط، لصالح نظام ديني (إسلامي حسب زعمهم) شعاره «الموت لأميركا وللإمبريالية الغربية» و«الموت لإسرائيل»، إذا لم يكن هناك تنسيق أو ترتيب خفيّ لصداقة أقوى، ولو على مصالح مشتركة للطرفين؟!

قبل عودة الخميني، قُتل شريعتي واختُطف موسى الصدر وتبخّرت أحلام الشعب الإيراني في دولة العدل، ليتكشف ما جرى عن دولة دينية بوليسية طائفية، لا تختلف عن البعث، إلّا باستبدال عمامة بطاقة عسكري.

إن الخمينيين من رجال الدين لم يفهموا سرّ اللاعنف في ثورة الشعب الإيراني، فساقهم صدّام إلى حتفهم بالعنف والحرب!! وكان يمكن التخلّص من صدّام، بأسهل من الشاه، وبالتكتيك نفسه، ولكنّه غرام القوة.

وهكذا، وبعد نجاح الثورة، بدأت تلوح معالم كالحة لدولة ثيوقراطية ثيولوجية مكوّنة من رجال الدين بالظهور على مسرح الاستبداد، فخرجت إيران من نفق لتدخل نفَقًا أبشع، وأعمق، وألعن... ألا يا حسرة على أولئك الشباب والفتيات الذين ماتوا غدرًا برصاص «السافاك» وحرس الشاه. لتبدأ بعدها حملات جديدة من الإعدامات!!

الخمينية هي في الحقيقة نكسة في تاريخ الفكر والعمل الإسلاميَّيْن لكونها عودة إلى تأسيس الكنيسة من جديد وتغليب نظرية الحكم من حيث هو جزء من العقيدة فيكون حقًّّا إلهيًًّا للبعض، وليس في صالح العامّة التي يكون علاجها جماعيًّا. 

الإرهاب والطائفية والحروب الأهلية في الإقليم متزامنة مع دولة الخميني واتفقت أكثر مع دولة داعش. إذا اعتبرنا داعش خطة غربية ألا تكون الخمينية أول نسخة عنها؟ فإذا كانت ولاية الفقيه تقريبًا للإمامة من الخلافة أفلا تكون دولة داعش تقريبًا للخلافة من الإمامة؟ ألم يدّعِ البغدادي أنه من آل البيت كذلك؟

إن الخمينية أول خطة غربية للاستفادة من تاريخ المنطقة في حربه مع السوفيات واليسار الإيراني: فما يُسمى «ثورة» كان داعش الأولى بلون شيعي قبل داعش الثانية (الحالية) بلون سنّي.

فهذه الفرضية ليس فيها قول بنظرية المؤامرة بل فيها قول باستراتيجية الوقاية الملازمة لكل إمبراطورية تحاول محاصرة أعدائها.

قدوم الخميني من باريس لم يُجارِ في الإقليم ثورة سنّية أو صراع الحضارات ولا الحادي عشر من أيلول، بل تحالف مع ثورة يسارية في إيران، والخوف من عجز الشاه عن التصدّي لها. وكانت الثورة المدنية ستنجح منفردةً لولا قضاء الخميني عليها. وقد تمّ القضاء على الربيع العربي بنفس الخطة.

الخمينية هي داعش الأولى والبعثية هي داعش الثانية وكلتاهما فاشية قومية أولاهما تنكّرت في التشيع والثانية في التسنُّن، ولا علاقة لأي منهما بالإسلام شيعيًّا كان سنّيًّا، إلّا العلاقة التوظيفية. وهو تسابق بين فاشيّتين كلتاهما تهادن الثانية لاستغلالها ضد ما تتنكّران باسمه. فوليّ الفقيه والخليفة كلاهما قناع واحد يخدع الأمة.

لا ننسَ أن إنشاء القاعدة واستقدام الخميني كانا متزامنين. وكلاهما كان أداة صدٍّ للسوفيات في الإقليم. أمّا الآن فدولة الملالي ودولة داعش لهما نفس الطبيعة ولكن ليس ضد السوفيات بل ضد الربيع العربي والاعتدال الإسلامي. فهما يريان الإسلام عدوًّا أخطر عليهم من الماركسية متوِّهمين المعركة من نفس الطبيعة...

إن الغرب لا يصارع الأنظمة بل هو يستعملها وهو الذي أنشأ داعش وهو الذي يوظف الملالي، لعلمه أن الفرس كانوا منذ اغتيال الخليفة الثاني في خدمة أي عدو يحارب العرب والإسلام، من المغول إلى أميركا مرورًا بالصليبيين والاسترداديين.

منذ القرون الوسطى مع الحركات الباطنية عامة، وبدءًا من تأسيس الدولة الصفوية خاصة، اقتنع الغرب بأن التشيُّع أفضل حليف يمكن أن يساعده في طعن الخلافة السنّية من الخلف وإضعافها، وهو يعلم أن القوة الحقيقية التي حاربته وهزمته مرتين:

الأولى بقيادة العرب للأمة بتحرير الإقليم من بيزنطا وفارس.

والثانية بقيادة الأتراك لها بحماية ما تحرّر وتحرير ما حوله في آسيا وأوروبا، ليتبّيّن لنا أنهما رمزا القوة التي يخشاها الغرب في علاقته بالإسلام. وإلى الآن هذه الاستراتيجية متواصلة وهم غير مستعدِّين لضرب إيران كي لا يُفقدهم حليفًا مهمًّا... 

لا أحد يستطيع نفي الحقائق التاريخية عن الفرس التي بدأت باغتيال الخليفة عمر بن الخطاب (الفاروق) ثم دورهم في الفتنة الكبرى ثم كل الأحلاف مع الصليبيين والمغول والاسترداديين ومع أميركا في أفغانستان وفي العراق، والآن في كل البلاد العربية التي يتقاسمون معهم استعباد العراق فسوريا فلبنان فاليمن وأخيرًا غزة.

 داعش ونظام الملالي وجهان لعملة واحدة وهما وُظِّفا لتهديم التراث والمعالم التي من دونها تفقُد الأمة كل معاني تاريخها.

وما يصارعه الغرب وما يدركه استراتيجيوه هو الشعوب التي لم تتخلَّ أبدًا عن الطموح الطبيعي في ثقافتها العميقة للدّور الكوني الذي بدأ عربيًّا وتمثُّله عزّة الأمة وكرامتها. 

إذن فالغرب كان يبحث عن حليف في الشرق الأوسط. لكنه لم يكتفِ بإسرائيل لأن هذه قد تنجح في التطبيع مع الحكّام ونُخَبهم التابعة لكنها لا تستطيع التطبيع مع الشعوب بخلاف إيران التي تدّعي الإسلام وحبِّ آل البيت ليسهُل عليها مخادعتهم، رغم أن المطلعين على تاريخ التشيُّع الفارسي يعلمون أنه العدو الألدّ للإسلام ولكل ما هو روحي، لأن فكره العميق ليس إلّا خليط من الزرادشتية واليهودية جَمعا بين عقيدتي الأسرة المختارة وشعب الله المختار.

حالة إيران الخمينية فريدة من نوعها لأنها في الظاهر إسلامية ومن نفس الحضارة مثل السنّة، لكنها في الحقيقة النفي المُطلق لكل قيَم الإسلام وذلك بإعادة ما حرَّر الإسلام الإنسانية منه، أي الوساطة الروحية والوصاية السياسية.

لذلك فإن الغرب سيحافظ على إيران لحاجته إليها، ولكن في الحدود التي لا تعرِّض إسرائيل للخطر والتي تمنع سيطرتها على طاقة الخليج وخطوط إمداد النفط.

الغرب يحتاج لإيران ويحافظ عليها في الحدود التي لا تصل إلى تهديد إسرائيل ليس لحماية القدس كما توهَّم الحمْقى من أدعياء المقاومة وحب القدس بل لأنها تريد سهمًا أكبر من الإقليم الذي تنافسها عليه إسرائيل. 

إن استرايجيي أميركا لا ينسون تاريخ الجغرافيا الإسلامية وما قد يغيب عنهم يذكِّرهم به رموز الاستشراق الذين درَسوا دور الفِرق المُغالية التي برزت بعد سقوط دولة الباطنية التي جاءت من المغرب العربي واحتلت مصر فتحالفت مع الصليبيين والمغول.

ما يعني أن فتات الدولة الفاطمية التي هزَمها صلاح الدين الأيوبي وانتشروا في لبنان ومنها تكوّنت الدولة الصفوية وبهما معًا يؤسس الغرب أداة القضاء على استئناف دور الإسلام في التاريخ الحالي، وفي ذلك تلاقٍ مصلحي مع إسرائيل بحيث إن إيران تقاسِم إسرائيل في الاستحواذ على أرض قلب الأمة الإسلامية، أي بلاد العرب في المشرق والمغرب لمنع الاستئناف.

وأخيرًا، فإن كل هذه التعقيدات تبدو مجرّد خيال لا حقيقة له في الواقع عند مَن يتصوَّر أن نسيان التاريخ يمكن ألّا يُفقد الإنسان البصيرة، فيكون الواقع مجرّد ما تدركه العين.

فمنذ الفتنة الكبرى وحتى قبْلها، أي منذ اغتيال عمر بن الخطاب (الفاروق) ثم اغتيال عثمان بن عفان (ذي النورَين) كان الحلف بين الباطنية والسبئية من محرّكات التخريب الداخلي لوحدة جغرافية الإسلام، بالتحالف مع الغزو الخارجي بدءًا بالغزوات الصليبية فالمغولية فالاستردادية فالاستعمارية إلى يومنا هذا، ليتلازم الحلف بين شرطيَّي الإقليم. وهذا التحالف كان بين الشاه وإسرائيل بصورة علنيّة ثم صار بصورة أكثر حذَقًا وسرّية بين نظام الملالي وإسرائيل مع إضافة عاملَين مهمَّين يقومان ليس على الطائفية فحسب بل على العرقية أي سايكس _ بيكو ثانٍ هو مزيد التفتيت. 

وجود إيران وقوتها المشروطة بعدم تجاوز إسرائيل شرط ضروري لاستعادة دور الشرطيين والتخويفيين: فالعرب ينقسمون إلى صفَّين أحدهما متحالف مع إسرائيل خوفًا من إيران وآخر متحالف مع إيران خوفًا من إسرائيل.

إسرائيل وإيران كاذبتان في ما يُظهرانه من عداوة بينهما للتغطية على مشروعَيهما الذي يستهدِف دول الإقليم، من عربيَّهُ وتركية وكردية وبقية أمم الإسلام السنّي وخاصة فلسطين، لأنهما أداتان في استراتيجية الغرب والشرق للإبقاء على الهيمنة على دار الإسلام بالكامل في استعدادهم لمواجهة الصين. 

إن كل مَن يعتبر التنافس بين إيران وإسرائيل عداوة بنيوية، تهدف إلى أن أيًّا منهما تريد زوال الثانية لهو دليل سذاجة في منطق الاستراتيجيات.

لعل الخدعة مدارها دائما التظاهر بالصراع بين إيران والغرب لكن الهدف يبقى واحدًا وهو تقاسُم نهب موارد البلاد العربية واستتباع شعوبها.

إيران الخمينية ومشروعها الإقليمي
الحرس الثوري الايراني، المصدر اندبندنت عربية
الحرس الثوري الايراني، المصدر اندبندنت عربية

إن العلاقة بين إيران والعرب، ليست سليمة أو صحية. ولم تكن يومًا كذلك، لا في الماضي ولا في الحاضر. بل كانت علاقة ملتبسة، متوتّرة، تحكمها إرادة الصراع ومشاريع الهيمنة.

إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية تستعمل تخويف الأنظمة العربية عامة والخليجية خاصة بإيران لإجبار تلك الدول على عدم الاستغناء عن القواعد الأميركية وشراء الأسلحة والعمل على تثبيت التطبيع مع إسرائيل: إيران هي العصا التي تؤدّب أنظمة العرب الذين جلَّ قياداتهم يقضون ليال سوداء في هذا الكرنفال والمهزلة التي يعلم الجميع أنها ذرٌّ للرماد في العيون، لأن البنتاغون لن يغامر في معركة فائدتها حاصلة وهو بالغنى عنها.

هم يلجأون لإسرائيل مُحتمين بها. ولا يعلمون أن آخر هموم إسرائيل حمايتهم لأنها هي بدورها محميّة غربيًّا وهي تريدهم حطب لحروبها عندما تحصل حتى تكون بمنأى عن الدمار الذي يحصل. هي تبحث عمن يتلقّى الضربة الأولى قبلَها لأنها لا تمانع في اقتسام الكعكة، لعلمها أن إيران لا تنوي محاربتها وليست قادرة، حتى لو كانت عندها النيّة أو الإمكانات، أن تصنع قنبلة نووية، فلديها قنابل مثل الغرب، وهو معها... 

إسرائيل تعلم أن إيران ليس هدفها تهديدها، ومثلها يعلم الغرب، أنها لا تنوي تهديده، بل هدفها تهديد باكستان وتركيا حتى تصبح مسيطرة على الإسلام السنّي حُلم الفرس الأبدي منذ اغتيال عمر بن الخطاب ولا يُضيرها تقاسمه مع إسرائيل والغرب، كما كانت تفعل طيلة تاريخ الإسلام، من العبيدية إلى الباطنية إلى الصفوية إلى الخمينية الحالية، وما أتوا به حبًّا في حرية الإيرانيين. لذلك فكل من يتصوَّر أن إيران بلغت العظَمة التي تجعلها قادرة على مناطحة أميركا يصدق كذبتين: 

الأولى: هي توهم أميركا بأنها تناطحها حقًّا لأن ساعة الحقيقة لم تأتِ بعد. 

والثانية: هي توهم بأن قدرة إيران الفعلية انعكاس لخطاباتها المنبرية... 

وما يدعو إلى العجب هو أنه كلما ثار الشعب الإيراني كلما هدّأت أميركا المسرحية الهزلية للمحافظة على النظام الذي يُظَنّ نفسه مهدّدًا منها.

ومَن يرَ تراخي أميركا أحيانًا يظنُّ أنها قد خافت من إيران وأن إيران قوة عظمى تُخيف من تخافَه الصين وروسيا وهزَم اليابان وهتلر وقادر على محوِها من على وجه الأرض لو كان ذلك يحقق أهدافه ومصالحه. وإيران طبعًا تستفيد من هذا الإيهام وخاصة في الخطاب والتصريحات الرسمية... 

رغم ذلك فالجميع يعلم أن إيران حاليًّا، في خطابها الدبلوماسي الخفيّ وحتى العلني عن العراق، تُثبت لإسرائيل قبل أميركا أنها لا تنوي تهديد مصالحهما لأن أعداءها هم العرب، والسنّة بالتحديد، لا هما. وقد عايَشنا مرّتين على الأقل بداية ثورة شبيهة بالربيع العربي في إيران، ولم يكن في وسع النظام السيطرة عليهما من دون مناورة مضاعفة من أميركا والغرب كله.

أولاهما هي المبالغة في إظهار النقمة على النظام حتى يسهُل عليه اتهام الثوار بالخيانة، والثانية التخلِّي عن الثوار في ذروة احتجاجاتهم ضد النظام فييسهل ضربهم. وحتى مناورات أوروبا في مسألة النووي تندرج تحت هذا التأويل.

إيران لا تتعامل مع الدول العربية عن طريق سلطاتها الرسمية وبمقتضى القانون الدولي، في حين أنّها تتعامل مع الأقليات والميليشيات المتشيِّعة فتخرِّب الدول ولا تساعدها لأنها تسعى إلى احتلالها وتغيير بُنيتها الديموغرافية والمذهبية. 

إيران الخمينية لا تتعامل مع الأنظمة الشرعية بل تتعامل مع الميليشيات وتبشِّر بمذهبها، لتكون عامل فتنة بين الفئات الشعبية التي تتعامل معها.

إيران تتسلل من القاعدة توظيفًا للـ«العامة» وتحضيرًا للتحشيد، وبتوظيف قضايانا العربية، والتي تدّعي الدفاع عنها رغم أنها تكون من أشدِّ المعتدين عليها (نماذج الأحواز والعراق وسوريا واليمن...)، وادّعاء الحفاظ على الأصالة وإن كانت مخادِعة، إعدادًا لاختراقٍ باطنيّ؛ والعلامة هي تكوين الحشد الشعبي والميليشيات التي تخترق صفوف قوى الأمن والجيش والاستخبارات لتسيطر بواسطتها على الشعب الذي يصبح خاضعًا لسياساتها خضوع العبيد لطغيان المافيات والحمْقى.

إنّها الحشدنة: الاستحواذ على القوة وتحييد الجيش وقوى الأمن؛ ففي لبنان صار الجيش والأمن تابعين لميليشيا «حزب الله» التي أصبحت أقوى من الدولة. 

فهما سيكونان أول ضحايا الحشدنة لأن الحشد الشعبي مثاله هو ما نراه في العراق وسوريا وخاصة في لبنان واليمن: تحولهما إلى القوة الفعلية 

وجعلهما تابعَين لقوة فوق قوة الدولة مع الحفاظ على دولة شكلية كغطاء دبلوماسي ومواجهة الشرعية الدولية.

كما أنّ تكوين ميليشيا تحت مسمّى الحشد الشعبي في العراق لتثبيت الاحتلال الإيراني بموافقة أميركية إلى الآن، ولجعل العراق محكومًا مباشرة من الملالي، بصورة تقضي على كل إمكانية لقيام دولة عراقية، وتلك كانت خطة الإرهاب مع بدء احتلال الموصل وتخريب المراقِد الشيعية، في سامراء خاصة، بهدف تكوين الحشد الذي هو مجرّد ذيْل للحرس الثوري الإيراني الذي يحكم في مسرحية الأحزاب والبرلمان والحكومة والجيش والقضاء وكل ما يوجد في العراق من مؤسّسات صوَرية، وهي عينها التي توجد في إيران في ما يسمى الحكم الذي يديره الولي الفقيه بـ«الحرس الثوري» وكل المافيات التي تستعبد الشعب الإيراني وتستعبد العراقيين والسوريين واللبنانين والعديد من دول الخليج.

مقالات مشابهة
13・03・2026
وذكِّر، إن نفعت الذكرى: تقدّم «المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى» بإخبار في ٢٧ آذار ٢٠٢٥ «ضدّ مطلقي الصواريخ».
المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، الذي صرّح اليوم، على لسان نائب رئيسه، راميًا على «الدولة» مهمة الاهتمام بالنازحين، نفضًا عنه أي مسؤولية، وهو الذي لم يُعوّدنا أساسًا على التصدّي لهذه المهمة أو على الاهتمام بأبناء الطائفة الشيعية. كان قد تقدّم، عندما دعت الحاجة، بإخبارٍ ضدّ «مطلقي الصواريخ» بقصد خرق الاتفاق ١٧٠١.
08・03・2026
رحلة الهروب من الموت: يوم كامل من الجنوب إلى بيروت
أحمد خواجة
احتاج الأمر لأكثر من ٢٣ ساعة للانتقال بالسيارة، من بلدتنا الجنوبية في قضاء «بنت جبيل» إلى بيروت، حوالى ١٠٠ كلم استغرق قطعها كل هذا الوقت، معدل سرعة سيْر الإنسان على قدميه خلال التنزّه يتراوح بين ٤.٨ و٥ كلم في الساعة، ما يعني أن رحلة سيرًا على الأقدام بين بلدتنا وبيروت ما كانت لتحتاج إلى ٢٣ ساعة.
14・11・2025
التحوُّلات السياسية في الجنوب بعد الحرب: من زمن الهيمنة إلى أفق التعدُّدية
علي مراد
ما بعد الحرب ليس مجرد مرحلة زمنية جديدة، بل هو اختبار وجودي للبنان ككل، وللجنوب على وجه التحديد. فقد جاءت حرب أيلول ٢٠٢٤ لتكشف عمق التحوّلات التي كانت تتراكم بهدوء منذ سنوات، ولتُعيد طرح الأسئلة التي لطالما جرى التهرّب منها ...
أيضاً للكاتب/ة
03・03・2026
بين النجف وقُم: أيُّ دورٍ للمرجعية في زمن الدول المتصدّعة ؟
عادل إسماعيل
ليست الأحداث الكبرى مجرّد وقائع عابرة، بل لحظات كاشفة للفروقات العميقة التي كانت كامنة تحت السطح. وحين اهتزّ الإقليم باغتيال شخصيات عسكرية ارتبطت بالمشروع الإيراني العابر للحدود، بدا واضحًا أن الخلاف ليس سياسيًّا فحسب...
03・07・2025
انتخابات بريتال توافُق بلدي أم تسوية مفروضة؟
عادل إسماعيل
شهدت منطقة «بعلبك - الهرمل» في الاستحقاق البلدي الأخير مشهدًا سياسيًّا معقّدًا، حمل في طيّاته الكثير من التناقضات، حيث طُرحت شعارات «التوافق» و«المصلحة العامة» كواجهة لتحالفات غير متجانسة، جمَعت بين بقايا المعارضة الشيعية، بعض العائلات، و«الثنائي الشيعي» – حزب الله وحركة أمل.
03・07・2025
الصراع الإيراني - الإسرائيلي: تحالف الهيمنة وخديعة العداء الوظيفي
عادل إسماعيل
في المشهد الجيوسياسي المعاصر، تتكرّر المواجهات الخطابية والتكتيكية بين إيران والكيان الصهيوني، ويُروَّج لهذا الاشتباك على أنه صراع وجودي، بين مشروع «الممانعة» وكيان الاحتلال.