.jpg)
أما وقد سقط النظام في سوريا وفُتحت سجونه، التي كان لمؤسسة «أمم للتوثيق والبحوث» ولـ«منتدى المشرق والمغرب للشؤون السجنية» دور كبير في تتبُّع معالمها وآلياتها ووسائطها وتوصيفها، وحيث كان أهم جوانب هذا التتبُّع الاستماع إلى شهادات نزلاء هذه السجون من اللبنانيين والسوريين، وتسجيلها وتوثيقها وحفظها. في هذا السياق، كان لنا لقاء مع أحد الذين ساهموا في هذا الجهد، صانع الأفلام والمؤرشِف السينمائي والفنان متعدِّد الوسائط، أيمن نحلة، الذي يشارك في إدارة المجموعات السمَعية البصرية في «أمم للتوثيق والبحوث» (Umam D&R).
_ إن الهدف الأساسي من التوثيق وتسجيل الشهادات هو إتاحة الفرصة للمعتقلين للحديث عن معاناتهم وتجاربهم وواقعهم. بالطبع، لا يمكن اختزال هذا الهدف في غاية واحدة، إذ يسعى التوثيق إلى رسم صورة شاملة عن الواقع الذي عاشه كل معتقَل وتسجيله وحفظه. ومع ذلك، هناك إشكالية تتعلق بطبيعة العلاقة التي قد تنشأ أثناء جمع الشهادات أو إنتاج أفلام ومسرحيات مُستوحاة من هذه التجارب. من الأمور السلبية التي يجب العمل على تجنُّبها هي إمكانية تحوُّل العلاقة بين صانع العمل الفني والمعتقلين السابقين إلى علاقة سلطوية، خاصة في لحظة إنتاج فيلم أو مسرحية أو تسجيل شهادة. في هذه اللحظة، قد يُعاد إنتاج واقع المعتقَل بكل ما يحمله من عذابات، وقد تظهر هذه العذابات بشكل مؤذٍ، حتى في التفاصيل الدقيقة.
وهذا يوجّهنا إلى علاقة صانع العمل الفني بكيفية استخدامه لـ«السلطة» التي قد يحملها العمل الفني، وهي سلطة قد تصبح في بعض الحالات نوعًا من السلطة الديكتاتورية التي يفرضها الفنان أو المبدِع على الآخرين. هذا الأمر، بالمناسبة، هو نمط سوفياتي كان يهدف إلى استخدام التروما لإيقاظ الممثل «النائم» في المعتقل، حيث يتمُّ استحضار الفنان الكامن في الضحية عبر عذاباتها. هذه «المدرسة الفنية» كانت سائدة آنذاك، وهي مدرسة الواقعية السوفياتية في الفنون أو في الإخراج السينمائي والمسرحي.
_بالطبع، إن أي فيلم أو مقطع مصوَّر كمنتَج نهائي يمتلك زمنًا محدَّدًا، وذلك لأسباب عملية واقتصادية. من هنا تأتي أهمية وجود مواد أرشيفية غنيّة وقيّمة، حيث يمكن إعادة استخدامها بطريقة إبداعية تُبرز قيمتها من جديد، ليس عبر مجرد إعادة عرضها، بل من خلال إعادة تدويرها لتصبح أكثر وضوحًا وانفتاحًا.
عندما بدأنا العمل على الشهادات التي جُمعت في «منتدى الشؤون السجنية»، ركّزنا على تطوير مفهوم يتناول تجارب المعتقَلين في سجن تدمُر بشكل منهجي ومنظَّم. كانت لدينا مواد خام طويلة، مدّتها تقارب ٨٠ ساعة، وقمنا بتفريغها وتصنيفها بناءً على المواضيع التي تطرّقت إليها الشهادات. على سبيل المثال، قُّسِّمت الشهادات إلى مواضيع متعدّدة، مثل: الحديث عن الطعام، الإضاءة، النظافة، أو أساليب التعذيب.
بعد عملية التصنيف، بدأت الخطوة التالية، وهي البحث عن الطريقة الأسرع والأكثر فاعلية لإيصال المعلومات. ولتحقيق ذلك، قُمنا بتقطيع كل مقابلة إلى مقاطع فيديو فردية، بحيث يعالج كل فيديو موضوعًا محدّدًا. أعطينا كل فيديو عنوانًا يعبِّر عن محتواه بوضوح، ليكون كل عنوان مدخلّا لفهم مضمون الفيديو بالكامل.

_ لتقديم المعلومة بشكل سريع وواضح، عملت على تقطيع كل مقابلة إلى مقاطع فيديو مستقلة، بحيث يكون كل فيديو مخصّصًا لموضوع محدَّد. تمَّ إعطاء كل فيديو عنوانًا (تايتل) يعبِّر بدقّة عن مضمونه بالكامل، بحيث يعكس العنوان الموضوع الذي يتناوله الفيديو بشكل مباشر وشامل.
بطبيعة الحال إن الموضوع الأساسي الذي تتحدّث عنه الشهادات هو التعذيب، فإنه يغطّي كافة الجوانب المرتبطة به. المهم في هذا النهج هو أن الشهادات نفسها، بطريقة سردها وأسلوب تقديمها، بقيَت كما هي دون تغيير. وركّزنا على طريقة عرض الشهادة نفسها، لأن التكرار الموجود في المادة كان مسبقًا ومن الواقع.
عملية بسيطة جدًّا وغير معقَّدة، لكنها اعتمدت على الأصالة والواقعية. النتيجة كانت واضحة، خامة حقيقية غير ملتوية أو مُبهمة.
بالطبع، كل الأفلام التي أعمل عليها، سواء مع «أمم» أو مع غيرها، تتَّبع نمطًا بصريًّا محدَّدًا. هذا النمط يركّز على فكرة أن الشخص أو المؤدّي أمام الكاميرا يكون في مواجهة مباشرة مع المشاهِد. بمعنى أنه ينظر مباشرة إلى الكاميرا، وكأنه ينظر إلى المشاهد نفسه. هذا الأسلوب يختلف عن المقابلات التلفزيونية التقليدية، حيث ينظر الشخص عادةً إلى جانب آخر بعيد عن الكاميرا، مما يكسر المحور البصري.
الصورة، كما نعلم، لها لغتها الخاصة ومفاتيحها. على سبيل المثال، إذا تمَّ تصوير الشخص من زاوية عُلوية (Upper Shot)، فإن ذلك يُعطي إيحاءً معيّنًا بالسيطرة أو التفوّق. أما إذا تمَّ التصوير على مستوى العين، فإن ذلك يضع المشاهد والمؤدّي في نفس الخط البصري، مما يخلق تواصلًا أكثر مباشرةً ومساواةً.
هذا النهج البصري يُعتبر بالغ الأهمية، خصوصًا في تقنيات التوثيق، لا سيما عندما نتعامل مع شهادات تتعلَّق بالسجون أو قضايا إنسانية أخرى. الهدف هنا هو خلق علاقة متوازية بين المشاهد والمؤدِّي، مما يعزِّز الشعور بالتواصل والواقعية، ويُتيح للشهادة أن تصل بصدق وتأثير مباشر إلى الجمهور.
المدة الزمنية لكل فيديو كانت خمس دقائق تلخِّص تجربة يمكن أن تمتدّ لـ٢٥ دقيقة أو أكثر. هذه الفكرة تتحدّى النمط التقليدي الذي يعتمد على التركيز على شهادة طويلة مدّتها ٣٠ أو ٤٥ دقيقة لشخص واحد فقط. هنا، لا يتمّ تقديم تقرير صحفي أو ريبورتاج، بل شهادة مختصَرة ومركّزة. من ساعات طويلة من التصوير، أحيانًا تصل إلى أربع أو خمس ساعات، كنت ألخِّص فيديو مدَّته ٢٥ دقيقة، لكن هذه الدقائق كانت مكتملة ومكثَّفة دون الحاجة إلى مراجعة الشخص الذي قدّم الشهادة.
ما منَحني الحرية الكاملة في التصرُّف هو الثقة التي منحَها لي الأشخاص الذين شاركوا بشهاداتهم. عند إجراء المقابلة، كان الحوار يبدأ بعفوية دون وضع أسئلة مُسبقة. لم تكن طريقتي تعتمد على إعداد قائمة أسئلة صارمة، بل كنت أترك الأسئلة تظهر بشكل عفوي بناءً على الحديث الجاري مع الشخص.
الموضوع نفسه كان يتطوَّر تراكميًّا. على سبيل المثال، عندما أطلب من الشخص أن يروي لي تجربته في الاعتقال، أبدأ بالسؤال عن بداية التجربة: «ماذا حدث قبل ذلك؟». ومن هناك يبدأ التراكم الطبيعي للذكريات. كنت أستخدم أحيانًا أسلوبًا مبسطًا، مثل الطلب منه أن يصف لي يومًا كاملًا في المعتقل، بدءًا من الصباح حتى المساء. هذا الأسلوب يسمح لي بالحصول على صورة شاملة عن التفاصيل اليومية بطريقة غير مباشرة وعفوية.
أما على المستوى الشخصي والنفسي، فمشروع شهادات المعتقلين، وخصوصًا الفنانين منهم، كان من أصعب المشاريع التي عملت عليها. تحدّيات المشروع لم تكن فقط في التعامل مع فترة زمنية قصيرة (يومين أو ثلاثة أيام للتعرُّف على الشخص، الحديث معه، والتدرّج معه من أجل أن يفتح قلبه لي)، بل أيضًا في الصعوبة النفسية للتعامل مع حجم الألم الذي تنطوي عليه هذه التجارب. العودة إلى هذه اللحظات كان دائمًا أمرًا شديد الصعوبة بالنسبة إليَّ.
_ لحظة أخذ الشهادة، من المهمّ أن تُدرك أنك لا تمارس دور المعالِج النفسي أو الناصح. هناك حدود لا يمكن تجاوزها، وهذا ما تعلَّمته من خلال الخبرة. من الضروري أن تُظهر احترامًا ووعيًا تجاه طاقة الشخص وقُدرته على المشاركة. إذا شعرت بأن الشخص غير قادر على إعطاء المزيد، فعليك احترام هذا الحدّ وعدم الضغط عليه أو تجاوزه. المحافظة على هذه الحدود أمر أساسي للحفاظ على كرامة الشخص واحترام حالته النفسية.
وهنا نصل إلى فكرة أنه لا يمكنك الحصول على شهادة كاملة بسهولة، لأن ذلك يتطلَّب سياقًا طويلًا جدًّا. يجب أن تؤمِّن للشخص دعمًا نفسيًّا، لأنه من خلال هذا الدعم، قد يبوح لك بأفكار ومواضيعَ حسّاسة خلال الحديث، وهذا ما يُحمُّلك مسؤولية أكبر.
الشهادة، التي ليست شهادة كاملة بالمعنى الدقيق للكلمة، بل هي في الوقت ذاته أداة للتوثيق وأداة للمحاسبة. الهدف منها هو خلْق رأي عام وإتاحة فرصٍ للمحاسبة. على سبيل المثال، عندما أخذت شهادة من إحدى المعتقِلات، ذكَرت كل ما قالته في الشهادة أثناء وجودها في المحكمة، بل وأضافت المزيد. هذا ليس فقط بسبب ما قالته لي، بل أيضًا لأن رُهبة المحكمة دفعتها إلى فتح مواضيع إضافية.
هذه الرهبة التي يشعر بها الشخص عند الحديث قد تكون جزءًا من تجربته. نعم، الشخص الذي كان معتقَلًا، على الأرجح، لا يمكنه أن يحكي كل شيء عن تجربته دفعة واحدة. وحتى من موقفي كشخص لم يختبر الاعتقال، أستطيع أن أقول إن مَن مرّ بهذه التجربة يجد صعوبة بالغة في سرد كل التفاصيل في لحظة واحدة، لأن التجربة معقَّدة وتتطلَّب وقتًا لفهمها وإعادة سردِها بشكل كامل.
وحتى عندما يكون الشخص تحت التعذيب أو بعد خروجه من فترة الاعتقال، تبدأ المخيَّلة بالاشتغال بطريقة مختلفة. هذا ليس أمرًا يمكن تحليله بعمقٍ كامل وفقًا لمبادئ التحليل النفسي فقط، لكنه نتيجة طبيعية للصدَمات النفسية التي تعرَّض لها هذا الشخص. هذه الصدمات تؤدّي إلى تفعيل طبقات أخرى من المخيَّلة، مما يجعل من الصعب تقديم شهادة كاملة ودقيقة بنسبة ١٠٠%.
لا يمكن لأي شخص معتقَل، سواء في السجون السورية أو اللبنانية، أن يقدِّم شهادة مكتملة تمامًا. هذا لا يعني أن شهادته تفتقر إلى الصدق، بل إن تعقيد التجربة النفسية والصدَمات يجعل من المستحيل أن يُسرد كل شيء بدقة مطلقة.هنا يأتي دور الشخص الذي يُعدّ المقابلة، سواء كان المخرج أو الشخص الذي يجمع تلك الشهادات، وكيفية تعامله مع الشخص الذي يقدِّم هذه الشهادة. هنا تكمن الصعوبة. بالنسبة لي، أعتقد أنني كنت محظوظًا لأن الأشخاص الذين قابَلتهم كانوا مرتاحين معي. لا أعرف لماذا، لكنني تخيَّل معي أنني أحمل أغراضي متوجِّهًا إلى جنوب شرق ألمانيا، إلى مدينة صغيرة تضم حوالى ٣٠٠ شخص على الأكثر، وعندما تفتح لي إحداهن، أبدأ في أخْذ شهادتها. كانوا يتفهَّمونني، حتى أن إحدى المعتقلات السابقات دعتني إلى الغداء وعرّفتني على زوجها وأولادها. وكان الأمر يومها أكثر من مجرد لقاء؛ كان نوعًا من التواصل العميق.
لكن في الوقت نفسه، كان هناك شيء صعب في هذا السياق. كان هؤلاء الأشخاص في حاجة إلى أن تُسمَع أصواتهم، وكانوا يقدِّرون هذا كثيرًا. بالنسبة لهم، كان الأمر بمثابة فرصة، حتى لو كانت شهادة صغيرة، ربما نقطة واحدة فقط، لكنهم شعروا أن ذلك قد يساعد في تقديم لحظتهم للعالم.
حتى إذا لم تكن الشهادة كاملة أو شاملة، فإن قيمتها تكمُن في أنها تساهم في توثيق جزء من الحقيقة. فليس هناك شيء اسمه الكمال في هذه العملية. الكمال يأتي فقط مع سقوط النظام الذي قام بكل هذا المسار من الاعتقال. سقوط بشار الأسد كان الحقيقة، هذا هو الهدف النهائي بالنسبة لهم، ولكن حتى لو لم يكن هناك استنطاق كامل، فإن كل شهادة تُعتبر خطوة مهمة.
النقطة الأساس هي كيف تُكمل الشهادة. تُكمل باللحظة الواقعية، وهي تتجلّى في فتح السجون أو في لحظة انكشاف الحقيقة. هذه هي لحظة التجلّي، اللحظة التي تُكمل الشهادة فعليًا. فعندما نعمل على توثيق الشهادات، نحن لا نجزّؤها، لكننا لا نقدم شهادة كاملة أيضًا، لأنه دائمًا هناك شيء ناقص. لا يوجد شيء كامل. حتى في السينما، عندما تحكي عن الأحداث، أنت تتحدّث عن تصوّراتك، ورؤيتك الخاصة.
_ أبدًا، كل شهادة لا تُشبه الأخرى. كل جملة، كل شهادة صغيرة هي قصة في حدِّ ذاتها، قصة كبيرة جدًا. هنا تكمن مهمّتي في الغوص في التفاصيل. كنت أطلب منهم أن يُخبروني عن يومٍ كامل، مثلًا: «خبِّرني عن يومك في المعتقل، من الصباح حتى المساء». إذا كانوا يستطيعون تذكُّر ذلك اليوم، من الصباح إلى المساء، أطلب منهم أن يرووا لي تفاصيله. أبدأ بالتركيز على الجو العام لهذا اليوم، ثم أبدأ في الغوص في التفاصيل. بالطبع، يعتمد هذا على ما يمرُّ به الشخص الذي أتحدّث معه.
الأشخاص لا يُشبهون بعضهم، فكل واحد لديه تجربته الفريدة. أما بالنسبة إلى السجّان، فإن الهدف يكون واضحًا: خلْق واقع معيّن. يريد أن يفرض عليك فكرة أنك مجرّد كائن مقهور، وأنك لا تستحق الحياة، بل فقط التعذيب. «أنتم لا تملكون الحق في الحياة، كل ما يجب أن تعيشوه هو العذاب».
إلّا أن المميّز في الكاميرا هو أنها تفتح أُفق الشهادة، تفتح أفُق الحديث. تجعل الشخص يحكي، ليس فقط لأنها موجودة وأنه يتحدّث أمامها، بل بسبب الخط التواصلي الذي يَنشأ بينك وبين الشخص بوجود الكاميرا. هذا الخط يربط بين الشهادة وفكرة التسجيل والتوثيق. أنت تسجِّل الشهادة مرة واحدة، وإذا تغيّرت الفكرة أو ظهرَت فكرة جديدة، يمكنك تعديلها وتغييرها. إنها عملية تراكمية، لأننا نتحدّث عن الشهادات، عن معاناة الناس الذين تعرَّضوا للاغتصاب، عن الشباب الذين مرّوا بتجارب مؤلمة. هناك ألم، وهناك ذُلّ، سواء كان ذلًا جسديًّا أو نفسيًّا. هذه التجارب تأخذ وقتًا لتُروى وتُكرّر.
«احْكِ لنا أكثر، احْكِ أكثر». هذه هي الطريقة التي تعلَّمتها بشكل غير مباشر، من خلال عملي على الشهادات وقراءتي حول فكرة العظام كذاكرة. العِظام تشبه الذاكرة أو بطاقة الذاكرة (Memory Card)، فهي تُحفظ. كنت واثقًا أن هذه الفكرة صحيحة، حتى لو لم تكن بيولوجيٍّا واضحة في البداية. لكن مع دخولي في هذا المشروع، تأكَّدت أن العظام تُحفظ، وتخزِّن التعذيب. في لحظة وجود المعتقَل، يتذكّر الجسم، بمساعدة الكاميرا، موقع الضربة في جسَده. حتى شكل الجسم يتأثر؛ مثلًا، انحناءة الظهر التي كانت تحدث للمساجين عندما كانوا يُجبرون عليها عند التنقُّل بين أقسام السجن، أثَّرت فيهم على المدى الطويل. إذا تخيَّلنا شخصًا جالسًا لعدة سنوات يعمل على الكمبيوتر ١٢ ساعة يوميًّا، ستجد أن الجسم يتعوّد على هذه الوضعية أيضًا.
صحيح أن الطريقة واحدة، ولكن الأهمّ هو كيف تلقّاها الشخص بينه وبين نفسه. هذه التجربة فريدة، تختلف مع كل شخص. كل شخص يعبِّر عنها بشكل مختلف. مثلًا، في بعض الأحيان يتمُّ تهديد المعتقَلين بأمهاتهم أو أولادهم أو زوجاتهم، وكل تهديد يُؤثِّر بشكل مختلف على الشخص، مقارنة بتهديد آخر. هناك دائمًا أحاسيس تختلف، ولكن في النهاية هناك قالب عام، لكن الخاص جدًّا يكون مختلفًا. كل تجربة هي فريدة من نوعها، ومختلفة عن الأخرى.
_ في اللحظة التي بدأت الأخبار تتوالى حول فتح المعتقَلات وعندما شغّلت الكمبيوتر وبدأت بمشاهدة الفيديوهات، اختفى صوتي، خاصةً عندما شاهدت الفيديوهات الخاصة بصيدنايا، اختفى صوتي تمامًا. فتحت الكمبيوتر، فلم أتمكَّن من الكلام. شعرت وكأنني اختنقت. اختنقت لأن هذا يرتبط أيضًا بنقطة مهمّة جدًا تتعلّق بالشخص الذي يوثّق، وبالشخص الذي يُقيم علاقة مباشرة مع الشهادة. كيف يطرح الأسئلة، وكيف يستقبل الإجابات. كيف يتلقّى الشهادة. كان هناك شخص يصوِّر، وآخر يقوم بالتحرير، وآخر يعمل على تقديم المنتَج النهائي. فأنت تدخل في عالمهم. وكل مَن يعمل في مجال السينما والأفلام، يقوم بذلك لأن لديه خبرة في هذا المجال، ولديه خيال يمكِّنه من تصوُّر الواقع في ذهنه وبناء عوالم حوله. فكنت أركِّب العوالم التي تخصُّ المعتقَلين في عقلي، ولكنني رأيتهم، رأيت الفيديوهات الخاصة بهم، وصُدِمت.
في النهاية، يعمل صنّاع الأفلام على تنشيط هذا الخيال البصَري، لكن هذا الخيال في هذا السياق يكون مؤذيًا. أنت، وخصوصًا في هذا النوع من المشاريع، لا تقوم بإنتاج شيء ترفيهي. أنت تعمل على توثيق معاناة ناس تعرَّضوا للتعذيب. وهؤلاء الأشخاص منَحوك ثقتهم الكاملة، وفتحوا لك قلوبهم ليحكوا لك قصصهم.
هناك أمر آخر، بخلاف التأثير الشخصي، وهو أنه في تلك اللحظة، عندما رأيت هذا الشيء، كان واقعيًّا جدًا. ما سمعته وصوّرته كان واقعًا ميدانيًّا حقيقيًّا. لذلك، كنت منصفًا في نقل شهاداتهم، والشهادات كانت كاملة بعد فتح السجون. هذا يُعيدني إلى النقطة التي تكمل بعضها البعض. كان هناك شيء ناقص، لكن عندما فُتحت السجون، انفتح العالم. أصبحت القصة متكاملة. كل هذه الشهادات ليست مجتزأة ولا حتى بنسبة واحد بالمئة. هي شهادات حقيقية، واكتملت. لم يعد في الإمكان أن تقف مكتوفًا أمامها. كنتَ تواجه واقعًا حقيقيًّا. كيف نستهلك الصورة والصوت؟ كيف نراهما في الحقيقة؟ بينما كنت تعمل على شهادات حقيقية غير مستهلكة، شهادات تعني تعذيب البشر. كمُخرج، أنت تبني هذه العوالم في ذهنك. بالطبع، بنَيتها، وطبّقتها، ولكن عندما فُتحت السجون، عُدت إلى نفس الوضع الذي كنت فيه: حُبست، وحُبست، ولم أتمكن من الكلام. اختفى صوتي.
_ هذا هو الشغل الشاغل حاليًّا. كل هذه الشهادات يجب أن تُكمَّل مع الوثائق التي يُفترض أن تُجمع وتُعرض مع ما سبَقها. نحن لا نتحدّث هنا فقط على المستوى السوري، بل يجب أن تُقدَّم هذه الشهادات إلى المؤسّسات المعنيّة. هي موجودة على الإنترنت، ويجب أن تُرسل إلى تلك المؤسّسات كدليل مادي وفعلي. بمعنى آخر، هي دليل حقيقي على أن هذا الواقع موجود، وأن ما تمَّ التحدّث عنه كان حقيقة. الشهادات تُكمل بعضها البعض مثل قطعة في لغز، لتكتمل الصورة. المكان أصبح مفتوحًا، وأصبح واقعيًّا. عندما تَجمع هذه الروايات وتضعها جنبًا إلى جنب، تُصبح لديك قصة واحدة مكتملة. كل جزءٍ يُكمل الآخر.
في البداية، هناك فكرة تتوارد وهي فكرة المتحف، الموضوع يختلف. المتحف يأتي في مرحلة لاحقة، ولن أتطرَّق الآن إلى التفاصيل. لكن من ناحية الأرشفة، فهي تأتي من الغرب، وليست جزءًا من ثقافتنا الشرقية. الأرشفة هي شيء غربي تاريخيًّا، مرتبط بالتاريخ الاستعماري، لكن ليست لديَّ مشكلة مع ذلك. بالنسبة لي، الأرشيف لا حدود له. في أي لحظة، يمكن أن يتمَّ استخدامه. الآن، أصبحت هذه الوثائق مستندات. نحن نتحدّث هنا عن قانون، هذا مستند قانوني، وهذه الشهادة قانونية. ما أفتخر به هو أنني كنت جزءًا من هذا المشروع، وأعتقد أنني ما زلت جزءًا منه، لكن هناك تحدٍّ شخصي. عندما نذهب لزيارة دمشق، هناك أشخاص مهمّين نتحدث معهم، لكن إذا كنت تريد امتلاك الأوراق والوثائق، ما نحتاجه لنعرضه في معرض الآن، قد فعلناه. لكن أنا قُمت بهذه الشهادة، وضعتُ فيها طاقة، ويجب أن تُرسل للأشخاص المهتمّين بهذا المشروع. وبتلك الطريقة، يُصبح المستند جزءًا من المستندات القانونية، وليس مجرّد شهادة، لأنه يقدِّم تفاصيل ويتعامل مع الحقائق التي تمّ اكتشافها بعد السَّجْن.
الشهادة تكون مفيدة للمحاسبة وتُستكمل بسقوط النظام، وتستمر بفتح السجون. أما مَن يُكمل الصورة، فليس هناك شيء بعد ذلك. الشهادات تظلُّ ناقصة، والعمل عليها سنوات طويلة هو عمل مستمر. هل هو عمل غير مكتمِل أو قيد الإنجاز؟ أنت لا تملك مفاتيح الصورة النهائية. قدَّمت ما تملُك، قدَّمت قدر ما تستطيع، والشخص المعتقَل قدّم شهادته بقدر ما استطاع. ولكن ما يُكمل الصورة العامة ويُثبتها هو فتح السجون. تخيَّل أن هناك كتلتين منفصلتين، وكل كتلة تروي قصة. لقد جلبت قصة كاملة لكن إحدى الكتلتين انفصلت عن الأخرى، وكنت تبحث عن هذه الكتلة المحصورة في مكان واحد، وتناضل، كأنك في صراع مستمر مع التعذيب للوصول إلى المحاسبة. وهذه الشهادات ساعدت في محاسبة بعض الأشخاص في دول أوروبية. لو لم يكن هناك شهادات، لما وصلنا إلى المحاسبة. لكن للأسف، هؤلاء الذين عانوا من التعذيب غير مقتنعين بأن هذا الأمر مهمّ للآخرين هناك، بل يهمّهم أن يتمَّ التعامل مع هذه القضية على أرضنا وفي بلادنا.
للإطّلاع على المشروع:



