.jpg)
«سكان الشريط الحدودي دفعوا الثمن الأكبر لهذه الحرب».
بهذه العبارة بدأ «عدنان» ابن قرية «مارون الراس» المحاذية للحدود الجنوبية للبنان حديثه. وافقه في ذلك مجموعة من أبناء الشريط الحدودي، عادوا بعد الحرب إلى بلدة «صريفا» التي تقع خارج الشريط الحدودي، جلسوا جميعًا قرب أحد المحال التجارية، متحلّقين حول موقِد مشتعل بالفحم اتّقاءً للبرد، مع انخفاض درجات الحرارة في فترة بعد الظهر.
يضيف الرجل الأربعيني: «في القرى خارج الشريط قد تسمع عن عائلة فَقدت أحد أبنائها أو خسرت منزلها، لكننا نحن أهل الشريط أُصبنا بنكبة حقيقية، فبعد أكثر من سنة وشهرين من التهجير، وإثر عودة أهل الضاحية والبقاع ومعظم بلدات الجنوب إلى منازلهم، نتيجةً لقرار وقف إطلاق النار، ها نحن نعيش تجربة التهجير من جديد مرة أخرى، ولسنا واثقين أننا سنعود إلى قرانا؟ معظم العائلات خسرت عددًا من أبنائها في الحرب، وسوّيَت الأحياء في قُرانا بالأرض، ومعها منازلنا وحقولنا الزراعية ومحالنا التجارية وكلّ ما كنا نملكه، حتى لو انسحب الجيش الإسرائيلي بعد انتهاء مدة الشهرين، فإن قُرانا أصبحت خرابًا حقيقيًّا، وربما تحتاج لعدة سنوات لتكون قابلة للحياة مرّة أخرى».
تمتدّ المنطقة المعروفة باسم الشريط الحدودي في جنوب لبنان من الناقورة غربًا وحتى كفرشوبا شرقًا، تضمُّ أكثر من ثلاثين قرية ولا يزال السَواد الأعظم من سكانها مهجّرًا حتى اليوم، ومن الصعب تحديد حجم وماهية الخسارة التي لحقت بسكان الشريط الحدودي. على الصعيد البشري، فإن العدد الأكبر من ضحايا الحرب كان من أبناء تلك المنطقة، بعض القرى كـ«عيترون» مثلًا، خسرت أكثر من ١٠٠ من شبابها، معظمهم من مقاتلي «حزب الله»، بالإضافة إلى عشرات الجرحى، كما أن عمليات التفخيخ والتدمير جرفت أحياء بكاملها في معظم قرى الشريط الحدودي، كذلك لم تعُد الأراضي الزراعية صالحة، مع العلم أن جزءًا كبيرًا من سكان الشريط يعتمدون على الزراعة بشكل أساسي، وسيخسرون عملهم بعد العودة إلى بلداتهم، والعودة غير مضمونة أصلًا في ظلّ تخوُّفهم من قرار إسرائيلي باحتلال الشريط الحدودي مرّة أخرى والبقاء فيه.
قبل توسّع الحرب في أيلول الماضي، أي عندما كانت العمليات القتالية منحصرة بمعظمها في الشريط الحدودي، لجأ عشرات الآلاف من سكان هذه المنطقة إلى القرى والبلدات الأكثر أمانًا وإن كان أمانًا نسبيًّا، في تلك الفترة كانوا يحصلون على مئتي دولار أميركي شهريًّا بالإضافة إلى بدَل إيجار للمنازل التي سكنوا فيها، أما اليوم فالوضع يبدو مختلفًا كلّيًّا، الحرب ألحقت دمارًا هائلًا في الجنوب طال المباني والمحال والمؤسسات التجارية، وكثيرون من أصحاب المنازل المؤجَّرة قبل توسّع الحرب طالبوا باستعادتها، وبالتالي فإن النازحين من أهل الشريط الحدودي يجدون صعوبة كبيرة اليوم في إيجاد منازل تؤويهم، ومع توقّف المساعدات المالية الشهرية، فإن تأمين مدخول يسدّ رمَقهم مع عائلاتهم يبقى التحدّي الأصعب الذي ينتظرهم في الأسابيع والشهور وربما السنوات القادمة.
في بعض القرى خارج الشريط الحدودي، طلبت البلديات من الأهالي الذين يريدون تأجير منازلهم، أن تكون الأفضلية لأهل القرية ممّن فقَدوا منازلهم بسبب الحرب، ما قلّل من فرص أهل الشريط الحدودي في الحصول على منازل تؤويهم مع أُسرهم.
«أبو حسن» من بلدة «ميس الجبل» يقول إنه خسر منزله والمحل المخصّص لبيع الألعاب الذي يملكه في قريته، كما أنه فقَد ثلاثة من أفراد أسرته في هذه الحرب. يعيش الرجل اليوم مع عائلته في بلدة «الشهابية» التي كانوا قد نزحوا إليها أواخر العام ٢٠٢٣، قبل أن ينزحوا مرّة أخرى، بعد توسّع الحرب، إلى إحدى المدارس في العاصمة، ليعودوا من جديد إلى قريتهم بعد سرَيان قرار وقف إطلاق النار. يضيف «أبو حسن» إن الحظ حالفه، بعكس الكثير من المهجّرين الذين يجدون صعوبة اليوم في إيجاد منازل، لأن صاحب البيت «ابن حلال» بحسب تعبيره، حيث سمح لهم باستخدام المنزل من جديد، وتساهَل معهم في موضوع دفع الإيجار ريثما يحصلون على التعويضات التي وُعدوا بها.
يشير «أبو حسن» إلى أنه وعائلته شعروا بفرح كبير بعد الإعلان عن اقتراب وقف إطلاق النار، وهم كانوا يمنّون النفس بالعودة إلى «ميس الجبل» والعيش فيها رغم كل الدمار الذي لحق بها. يقول «كانت غرفة واحدة ستكفينا أنا وزوجتي وأولادنا الثلاثة، المهم أن يكون المرء في بلدته، لكننا تفاجأنا أن قرار وقف إطلاق النار لم يشمل قرى الشريط الحدودي، وعلينا أن ننتظر شهرين إضافيين لنرى ما سيحصل، صحيح أن الحرب طالت البيئة الشيعية برمّتها، لكن أهل الشريط دفعوا الثمن الأكبر بشكل لا يُقارن، ومن الواضح أن معاناتهم ستستمر لفترة طويلة».
مع دخولنا اليوم في الشهر الثاني من مدة الستين يومًا التي أُعلن عنها في الاتفاق الذي أدّى إلى وقف إطلاق النار، تراجع منسوب التفاؤل بشكل كبير لدى سكان الشريط الحدودي في مسألة العودة إلى قراهم وبلداتهم بعد انقضاء المدة، فيما كانت الأخبار المحبِطة تتوارد حول نيّة الجيش الإسرائيلي تمديد فترة بقائه في المناطق التي يسيطر عليها اليوم لأسابيع إضافية. الجنوبيون حتى اليوم لم يفهموا مضمون الاتفاق الذي أوقف الحرب بشكل مؤقت، أو بالأدقّ لم يقُم أحد بشرحه لهم، والجملة التي تتردّد على ألسنتهم أكثر من غيرها في الجنوب، هي: «على شو ماضيين بهذا الاتفاق؟».
يمتلك «مصطفى» فرنًا لبيع المعجّنات في قريته بليدا التي نزح منها قبل أكثر من سنة، يعيش اليوم في بلدة «خربة سلم» مع عائلته. يقول إنه لا يملك أي مدخول باستثناء مبلغ زهيد يحوّله له أحد أقربائه وهو مغترب في «ألمانيا»، مبلغ بالكاد يكفيه لسدِّ رمَق عائلته، فيما تكثر التحديات اليوم، مع دخول فصل الشتاء وارتفاع أسعار المحروقات (سعر صفيحة المازوت ١٥ $ تقريبًا)، ناهيك عن أقساط المدارس والكتب والقرطاسية وبدَل نقل للمدرسة وما إلى ذلك.
ويشير «مصطفى» إلى أنه حاول البحث عن عمل قبل توسّع الحرب دون نتيجة، وهو اليوم يفكّر جدّيًّا بافتتاح فرن للمعجنات في المنطقة التي نزَح إليها، خاصةً مع زيادة المخاوف من عدم التمكّن من العودة إلى قراهم بعد انتهاء مهلة الستين يومًا، لكن مسألة إيجاد محل تجاري للإيجار أمر في غاية الصعوبة، وخاصةً في ظلِّ الدمار الكبير الذي لحق بالمؤسسات التجارية، ما زاد من الطلب على المحلات بشكل كبير، كما أن الأفضلية ستكون لأهل البلدة وليس للنازحين بحسب «مصطفى»، بالإضافة إلى أنه لا يمتلك رأس المال الكافي للبدء بمشروع يُعيله، مثل إنشاء فرن المعجنات.
قبل توسّع الحرب كان معظم الجنوبيين وبالأخصّ جمهور «حزب الله» يظنون أنهم أمام سيناريو قريب ممّا حصل في حرب تموز في العام ٢٠٠٦، وأن القتال سيتوقف باتفاق دولي وسيعودون إلى منازلهم في اليوم نفسه، وسيحصلون على تعويضات كافية يستخدمونها في إعادة إعمار منازلهم وإصلاح مؤسساتهم التجارية، تطبيقًا لوعد «سنعيدها أجمل مما كانت» الذي كرّره أمين عام الحزب الراحل حسن نصرالله، وأعاده على مسامعهم أمين العام الحالي نعيم قاسم بعد تسلُّمه منصبه إثر اغتيال نصرالله في ٢٧ أيلول الماضي.
إلّا أن الصورة تبدو مختلفة كلّيًّا اليوم، فحجم الدمار وأعداد الضحايا أكبر بكثير ممّا كان الحال عليه في حرب تموز ٢٠٠٦، فيما بدأت ترتفع أصوات متخوِّفة من ألّا يكون هناك تعويضات اليوم، بالإضافة إلى عدم ثقة لدى أهل الشريط الحدودي بالعودة إلى قُراهم.
وقد عزّز هذا الشعور الخطابُ الأول لنعيم قاسم بعد توقّف الحرب، حيث لم يتكلّم بشكل مطمئن عن التعويضات، واكتفى بالتأكيد بأن الذين خسروا منازلهم سيحصلون على بدل للأثاث وللإيجار لمدة سنة مبدئيًّا بعد الحصول على هِبة من إيران لم تتجاوز الـ ١٠٠ مليون دولار.
إذًن، لم يتعهّد نعيم قاسم بشكل واضح لجمهور ما يُسمى بـ«بيئة المقاومة» الذي انتظر خطابه، بأيِّ التزام في ما يخصّ إعادة إعمار المنازل التي تهدّمت بشكل كلّي، ولا عن التعويض لأصحاب المؤسسات التجارية الذين فقَدوا مصدر رزقهم، ورمى الكرة في ملعب الدولة اللبنانية، ملمّحًا إلى مسؤولّيتها عن إدارة ملف إعادة البناء، الأمر الذي استغربه متابعون حتى من داخل ما يُسمّى «بيئة الثنائي» ، باعتبار أن الحزب هو مَن تفرّد بالقرار وفتَح الجبهة دون العودة إلى الدولة اللبنانية، كما أنه هو من تعهّد بإعادة الإعمار في أكثر من مناسبة على لسان مسؤوليه.
كذلك استغرب أصحاب المنازل المتضررة من أن التعويضات لن تشمل ما اعتبرته اللجان المكلَّفة بمسْح الأضرار «كماليات» مثل أنظمة الطاقة الشمسية والعشب الاصطناعي والديكورات داخل المنزل وما إلى ذلك، مع العلم أن الأهالي يعتبرون أنظمة الطاقة الشمسية، اليوم تحديدًا، هي أمر أساسي وليس كماليًّا في ظلّ أزمة الكهرباء، وهم يؤكِّدون على حقّهم باستعادة منازلهم كما كانت على الأقل، رغم أنهم وُعدوا أكثر من مرة بأنها ستعود «أجمل مما كانت».
الأصوات المحتجّة على قيمة التعويضات بدأت تعلو، بعضها إلى العلن والبعض الآخر لا يزال مكتومًا ولم يتعدَّ الاعتراض الشفهي ضمن القرى. رفَض «خليل»، وهو صاحب ميني ماركت في قضاء «صور»، أن يوقّع على ورقة مدوّنٌ فيها ما سُرِق من محله خلال فترة الحرب، وقال إن خسائره تفوق خمسة أضعاف ما ذُكر، وهو اليوم لا يمتلك السيولة الكافية لتجهيز محلِّه من جديد.
كما انتشرت على مواقع التواصل في الأيام الأخيرة منشورات لأشخاص يعبِّرون عن اعتراضهم بعد حصولهم على شيكات لقبض تعويضات مالية عن طريق مؤسسة «القرض الحسن» عن الأضرار التي لحقت بمنازلهم. فعلى سبيل المثال نشر أحدهم صورة لشيك بقيمة ٢٠٠ دولار أميركي، فيما أشار إلى أن الأضرار التي لحقت بمنزله في الضاحية الجنوبية تتخطى الأربعة آلاف دولار.
تعود الحياة إلى طبيعتها في القرى الجنوبية خارج الشريط الحدودي بوتيرة بطيئة، مع استكمال أعمال تصليح الكهرباء والمياه وشبكات الهاتف والإنترنت، بينما تُخيّم أجواء الحزن في الأجواء في ظلِّ الخسائر البشرية والمادية الكبيرة التي لحقت بمعظم الأُسر، في وقت يرتفع الطلب على استئجار المنازل والشقق السكنية، كما أن البدَل الشهري للإيجار تضاعَف مرتين أو ثلاثة، في وقت لا يملك فيه معظم النازحين أي مصدر دخل، وهم في انتظار أن يحصلوا على تعويضات بدل الإيواء والأثاث التي وعدهم بها نعيم قاسم.
بحسب مؤسسة «جهاد البناء» التابعة لـ«حزب الله»، فإن المسْح المبدئي للأضرار يُظهر أن حجم الدمار في حرب ٢٠٢٤ يوازي ضعفين ونصف الضعف الأضرار التي لحقت بالمباني والمؤسسات التجارية في حرب ٢٠٠٦، حيث أدّت الحرب إلى تدمير ٤٣ ألف وحدة بالكامل، وتضرُّر أكثر من ٣١٥ ألف وحدة أخرى، وهذه أرقام أوَّلية بانتظار استكمال المسْح، وتتوقّع مصادر «جهاد البناء» أن تحتاج عملية إعادة الإعمار إلى مدة أربع سنوات، كما كان الحال في حرب تموز ٢٠٠٦.
في المقابل فإن المواطنين يشكِّكون بالأرقام التي تنشرها «جهاد البناء» وهم مقتنعون بأن الخسائر أكبر من ذلك بكثير، ويشكّكون أيضًا بقدرة الحزب أو الدولة اللبنانية على إعادة الإعمار خلال أربع سنوات أُسوة بما حصل بعد حرب ٢٠٠٦، خاصةً وأنه لم تظهر حتى اليوم أي بوادر إيجابية حول البدء بالإعمار.
لقد ضاعف سقوط «نظام بشار الأسد» في سوريا، والذي كان يشكّل حلقة وصل بين إيران ولبنان من منسوب التشاؤم، مع زيادة الشكوك بقدرة إيران على تمويل إعادة الإعمار بعدما تغيّرت الظروف الإقليمية وبفعل الضربات العمودية المتلاحقة التي تلقّاها هذا المحور الذي تقوده إيران بنفسها، كما استغربوا الصمت الإيراني في هذه الفترة وتوقّف مسؤوليها عن زيارة لبنان في هذه الفترة كما كان يحصل خلال أيام الحرب.
كما أن الدول التي ساهمت في إعادة الإعمار خلال حرب تموز ٢٠٠٦، وبالأخصّ دول الخليج العربي، لا تبدو اليوم مهتمة بالملف اللبناني.
من العبارات التي تتردد عل أسماعنا هذه الأيام في قرى الجنوب على ألسنة الناس هي: «الظاهر ليس هناك أي تعويضات، راحت علينا!».
نزحت «إم حسن» مع أطفالها الأربعة من بلدتها حولا إلى إحدى القرى في محيط مدينة «النبطية» منذ بدء حرب المساندة التي أعلن عنها الحزب في الثامن من تشرين الأول من العام ٢٠٢٣، وهي عادت اليوم إلى النبطية مرة أخرى بعد سرَيان اتفاق وقف إطلاق النار. تقول «إم حسن» إن أصعب ما واجَهَته هي وعائلتها في هذه الحرب، هو ما شاهدته قبل عدة أسابيع في فيديو إحدى المجموعات، يُظهر قيام الجيش الإسرائيلي بتفخيخ وتدمير الحيّ الذي يقع فيه منزلها في حولا بالكامل، وقد جرَف الدمار معه ذكريات العائلة وصورهم ومنظر الساحة التي اعتاد أولادها أن يلعبوا الكرة فيها مع أترابهم.
وتضيف «إم حسن» بأن عقود الإيجار الموقّعة قبل الحرب أُلغيت بكاملها، ويتمّ العمل اليوم على تنفيذ عقود إيجار جديدة، معظم العائلات ستدفع في الفترة الأولى من مالها الخاص، في انتظار الحصول على بدَلات الإيواء التي وُعدوا بها.

خسرت «إم حسن» في هذه الحرب شقيقها واثنين من أبناء أختها، فيما لا يزال زوج أختها مفقود، وتقول: إن هذه الحرب هي نقطة تحوّل مفصلية في حياتهم نحو الأسوأ، ولن يمحو أي شيء الأضرار المادية والنفسية التي لحقت بهم.
في السنة الماضية بقي أبناؤها بلا مدرسة، أما اليوم فهي تبذل جهدًا لإيجاد مدرسة ليلتحقوا بها، متخوّفة من أن يخسروا عامًا دراسيًّا آخر، فمعظم المدارس تخطَّت طاقتها الاستيعابية، وهي لا تملك القدُرات المادية لتسجيلهم في مدارس خاصة، كما أن ابنها الأوسط يُعاني من مرض الربو، وهي بالكاد تستطيع تأمين سعر الدواء له.
بدوره خسر «أبو عباس» من قرية عيناتا المبنى الذي يملكه في قريته، ويضمُّ منزلًا مكونًا من طبقتين ومحل لتصليح السيارات في الطابق الأرضي. يقول الرجل الستيني إنه فقَد كل مدّخراته خلال رحلة التهجير الطويلة، خاصةً بعد استئجاره منزلًا في منطقة «بشامون» مقابل ٩٠٠ دولار شهريًّا مع إجباره على دفع خمسة أشهر مسبَقًا.
لا يمتلك «أبو عباس» اليوم، شأنه في ذلك شأن الآلاف من سكان الشريط الحدودي، أي مصدر دخل ثابت ليُعيل أسرته المؤلفة من زوجة وخمسة أولاد، ثلاثة منهم في المدرسة وأكبرهم يدرس في الجامعة اللبنانية في «النبطية».
يقول الرجل إن الحال كان أفضل نسبيًّا قبل توسّع الحرب، حيث كانوا يحصلون على مساعدة بقيمة مئتي دولار شهريًّا تُعينهم على مصاريف الحياة، وكان يتمّ إعفاؤهم من دفع بعض الرسوم والتكاليف مثل اشتراك الكهرباء التابع للبلدية وأقساط المياه وما إلى ذلك، كما أنهم كانوا يحصلون على الخدمات الصحية بشكل شبه مجاني في المستشفيات والمستوصفات.
الوضع مختلف اليوم كلِّيًا، يضيف «أبو عباس»، فهم يدفعون ثمن كل شيء، وهو يفكّر الآن باستئجار محل والعمل بمهنتة تصليح السيارات، لكن عليِه أولًا أن يؤمِّن رأس المال اللازم للأمر، وهو ينتظر الحصول على التعويض للبدء بمشروعه. هي قفزة في المجهول، لكنه ليس عنده خيارات أخرى، ويشير إلى أنهم كـ«مهجّرين» يواجهون اليوم بعض المضايقات من سكان البلدات الأصليين، خاصةً في حال قرروا العمل بمصالح خاصةً يمارسها هؤلاء. ويُقرّ «أبو عباس» بأنهم محقّون في ذلك، لأن الوضع الاقتصادي صعب على الجميع، وأهل القرى التي نزحوا إليها عانوا كثيرًا بسبب الحرب وهم أيضًا نزحوا لمدة شهرين وخسروا الكثير من الأموال، وتضرّرت منازلهم ومحالهم التجارية، كذلك خسروا الموسم الصيفي الذي كان يؤمّن لهم مردودًا كبيرًا، في ظلِّ غياب المصطافين والمغتربين الذين عزَفوا عن قضاء الصيف في قراهم بسبب الحرب.





