لطالما كان لبنان ساحة لتجاذبات سياسية وطائفية عميقة أثّرت على بنية الدولة الوطنية، ما أدّى إلى نشوء كيانات داخل الدولة نفسها، اصطُلح على تسميتها بـ«الدويلات»، التي تتمتع باستقلالية نسبية على حساب سيادة الدولة المركزية. واحدة من أبرز هذه الظواهر كانت «دولة حزب الله»، التي أصبحت تمثل تحديًا كبيرًا أمام استعادة الدولة اللبنانية لدورها السيادي.
منذ نهاية الحرب الأهلية اللبنانية واتفاق الطائف، برز «حزب الله» كقوة سياسية وعسكرية مؤثرة في لبنان، ليصبح نموذجًا بارزًا لما يُعرف بـ«الدويلة داخل الدولة». الحزب الذي بدأ كحركة مقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي، تطوّر ليصبح كيانًا يمتلك نفوذًا عسكريًّا، سياسيًّا، واجتماعيًّا واسعًا. يدير «حزب الله» مؤسّسات خاصة به، سواء كانت خدماتية أو تعليمية أو إعلامية، ولديه جناح عسكري يُعتبر أقوى من الجيش اللبناني في بعض النواحي.
كان هذا النفوذ عقبة في وجه سيادة الدولة اللبنانية، خاصة في ظلِّ قيام الحزب بتعزيز ترسانته العسكرية واستخدامها خارج حدود لبنان، مثل تدخله في النزاع السوري. إضافة إلى أن مشاركة الحزب في الحكومة كانت ترتبط دائمًا بمنطق الاستقواء وتعزيز دوره ككيان شبه مستقل داخل الدولة.
في ٢٣ شباط ٢٠٢٥، شهد لبنان، والشيعية السياسية، حدثًا استثنائيًّا بتشييع الأمين العام السابق لـ حزب الله، حسن نصرالله، الذي قُتل في غارة إسرائيلية في ٢٧ أيلول ٢٠٢٤. كانت هذه المناسبة ليست مجرد تشييع لشخص، بل كانت بمثابة تشييع لمرحلة تاريخية مليئة بالنزاعات والمناكفات السياسية، فضلًا عن الانتصارات الوهمية التي أطلقها الحزب.
جرت مراسم التشييع في مدينة كميل شمعون الرياضية بحضور حشود ضخمة من مناصري الحزب، وسط أجواء مشحونة بالأزمات الإقليمية، خصوصًا مع تحليق للطائرات الإسرائيلية في المنطقة. ورغم التوترات، أكّد قادة الحزب على استمرار نهج «المقاومة» ضد التهديدات الإسرائيلية. هذا الحدث أظهر قدرة الحزب على حشد جماهير واسعة، مما يعكس مدى عمق نفوذه وتأثيره داخل فئة من المجتمع اللبناني، وفي الوقت نفسه، يُسلّط الضوء على التحديات التي تواجه الدولة اللبنانية في فرض سيادتها الكاملة في ظلِّ وجود كيان موازٍ يملك قُدرات عسكرية وسياسية كبيرة.
بعد التشييع، تواجه «الشيعية السياسية» في لبنان منعطفًا حاسمًا، حيث تتجه الأمور إلى واحدة من ثلاث سيناريوهات رئيسية:
١- تعزيز النفوذ والتمدد السياسي لـ «حزب الله»: بوصفه القوة المهيمنة على الشيعية السياسية، قد يستغلّ الحزب الحدث لتعزيز حضوره السياسي والعسكري. ومن المتوقع أن يسعى الى تثبيت قيادته داخليًّا، خصوصًا بعد مقتل نصرالله، عبر إعادة هيكلة مؤسساته وإبراز زعيمه الجديد كزعيم قادر على المحافظة على وحدة الصف الشيعي. كما سيحاول تقوية تحالفاته المحلية مع «حركة أمل» وحلفائه لضمان استمرارية نفوذه.
٢- تصاعد الضغوط الإقليمية والدولية: بعد التشييع الذي شهد حضورًا جماهيريًّا واسعًا ورسائل واضحة عن استمرار «نهج المقاومة»، قد تؤدّي هذه التحركات إلى زيادة الضغوط الدولية، التي قد تدفع نحو فرض مزيد من العقوبات على الحزب أو حتى على لبنان ككل. في ظلِّ هذا المشهد، قد تجد الشيعية السياسية نفسها في مواجهة خيارات صعبة، بين الحفاظ على استقلالية قرارها أو التفاوض ضمن إطار تسويات إقليمية قد تقلّص نفوذها.
٣- إعادة تشكيل العلاقة مع الدولة اللبنانية: في ظلِّ التحديات الداخلية المتزايدة، مثل الأزمة الاقتصادية والانقسامات السياسية، قد تجد الشيعية السياسية نفسها مضطرة للبحث عن تسوية مع بقية الأطراف اللبنانية، سواء عبر تقليل دورها العسكري أو المساهمة بشكل أكثر فاعلية في إعادة بناء مؤسسات الدولة. وهذا قد يعني تحولات في استراتيجية «حزب الله»، إما بالتراجع أو بدمج بعض عناصره داخل الجيش اللبناني أو الأجهزة الرسمية لضمان استمرارية دوره ولكن بشكل أقل استفزازًا للمجتمع الدولي.
أما المستقبل القريب للشيعية السياسية، فسيعتمد بشكل كبير على خلَف نصرالله، الزعيم الجديد نعيم قاسم، وما إذا كان هذا الزعيم سيحافظ على نفس النهج أم سيتّجه نحو تعديلات استراتيجية جديدة. بالإضافة إلى ذلك، ستلعب طبيعة الردود الإسرائيلية والدولية على تصاعد المشهد الشيعي السياسي بعد التشييع دورًا محوريًّا في تشكيل المستقبل. كما أن قدرة الدولة اللبنانية على استعادة زمام الأمور في ظلِّ الأزمات المتفاقمة اقتصاديًّا وأمنيًّا ستكون عاملًا حاسمًا في تحديد المسار القادم.
ومع أن المشهد السياسي اللبناني شهد تغيّرات على صعيد رئاسة الجمهورية والحكومة، إلّا أن الدولة اللبنانية ما زالت تواجه تحديات كبيرة تتمحور حول استمرار نفوذ قوى الأمر الواقع، مثل «حزب الله»، التي تستفيد من ضعف الدولة، بالإضافة إلى تداخل المصالح الإقليمية والدولية في الشأن اللبناني.
في ظل هذا المشهد المعقد، يبقى السؤال الأساسي: هل حان الوقت لعودة الدولة اللبنانية إلى مركز السيادة الوطنية؟ ولتحقيق ذلك، لا بد من اتخاذ عدة خطوات حاسمة:
- إصلاح النظام السياسي: يجب إنهاء المحاصصة الطائفية التي تُضعف مؤسسات الدولة وتسمح بظهور مراكز قوى متنافسة، ما يساهم في بناء دولة حقيقية وقوية.
- حصر السلاح بيد الدولة: من المستحيل قيام دولة حقيقية في ظلِّ وجود سلاح خارج إطار المؤسسة العسكرية الشرعية. يجب أن يكون السلاح الوحيد في يد الجيش اللبناني والقوى الأمنية الرسمية.
- إصلاح القضاء: ضمان استقلالية القضاء بعيدًا عن الضغوط السياسية، ما يعزّز ثقة المواطنين في المؤسسات الرسمية ويُعيد للعدالة مكانتها.
- دعم المجتمع المدني: ينبغي أن يكون المجتمع المدني والحراك الشعبي رافعة أساسية لبناء دولة حديثة تستند إلى سيادة القانون.
إن التحولات الجارية في لبنان توفر فرصة ذهبية لاستعادة الدولة لسيادتها على جميع أراضيها ومؤسّساتها. ومع تراجع نفوذ «الدويلة» نتيجة الضغوط الداخلية والخارجية، لا بد من تحرّك وطني جامع يدعم بناء دولة مدنية قوية قائمة على سيادة القانون، بعيدًا عن الحسابات الطائفية والمذهبية. فبعد عقود من تغييب الدولة، قد يكون الوقت قد حان فعلًا لعودتها بقوة.
ومع أن التشييع شكّل مشهدًا مهيبًا لشخص يُنظر إليه من قِبل الشيعة على أنه استثنائي في تاريخ معاناتهم الطويلة، فإن المرحلة المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كانت الشيعية السياسية ستبقى «دويلة» داخل الدولة أم ستندمج تدريجيًّا ضمن مشروع دولة لبنانية أكثر توازنًا.





