بين الإنسان والفنِّ عِلاقةٌ يصعبُ التأريخُ لبدايتِها بشكلٍ دقيق، لكنَّها تعودُ، بالحدِّ الأدنى، إلى ظهور «المُجتمع الإنساني». وبينَ أنواع الفنِّ وأشكالِه يحظى الفنُّ السَّماعيُّ، الموسيقى والغناء، بالانتشار الأوسعِ بينَ مُختلف فئات المجتمع. ومع تطوُّر الدِّراسات الإنسانيَّة باتَ واضحًا أنَّ الأغنيةَ، والفنَّ عمومًا، تتجاوزُ وظيفتَها الجماليَّة إلى مستوى الوظيفة الدَّلاليَّة؛ فبدراسةِ الفنِّ عندَ شعبٍ ما وتحليلُ أبعادِه الثَّقافيَّة وسياقاتِه التَّاريخيَّة يُمكنُ تشكيل صورة عن ثقافة هذا الشَّعبِ وأنماطِها. وإذْ إنَّ الإنسان كائنٌ سياسيٌّ بطبيعتِه، فإنَّ الوظيفة الدلاليَّة للأغنية تبرزُ بشكلٍ واضحٍ في ما باتَ يُعرفُ اليوم باسم «الأغنية السياسيَّة» التي تَلقى تفاعُلًا كبيرًا في المُجتمع، وبخاصَّةٍ في المجتمعات التي تعيشُ نوعًا من «الحياة السياسيَّة» كالمُجتمع اللُّبناني.
تختلفُ المعايير التي على أساسِها تُصنَّفُ الأغنيةُ بينَ سياسيةٍ وغير سياسيَّة. ويعودُ هذا الاختلافُ، بالدَّرجة الأساس، إلى الاختلاف القائم في تعريف السِّياسة نفسِها، وبالتَّالي في تصنيف الأشياء/ القضايا بين سياسيَّة وغير سياسيَّة. فما نظنُّه أغنيةً غيرَ سياسيَّةٍ قد يكونُ في جوهرِه أغنيةً سياسيَّةً. يضربُ الشَّاعرُ المصريُّ زين العابدين فؤاد، في حديثٍ للعربيَّة، مثلًا موالًا مصريًا يقول: «أنا جمل صُلب لكن عِلِّتي الجمَّال/ غشيم مقاوِح ولا يفهم في هوى الجمال»، هو في حقيقتِه أغنيةً سياسيَّةً تتناولُ إشكاليَّة العلاقة بين الحاكم (الجمَّال) والمحكوم (الجَمل). وقد عرفَ لُبنان الأغنيةَ السِّياسيَّةَ منذُ زمنٍ بعيد، فنرى مثلًا في الفلكلور البعلبكي أغنيةً لم تزل تُغنَّى في الأعراس إلى اليوم، مطلعُها يقول: «يا مية هَلا طَلُّوا من الجُردَيْن سُمرَ اللِّحى مْبَرِشْمِين [أي مُزَيِّنين] الخيل ويا مية هلا». تصِفُ هذه الأغنيةُ تفاعلَ البعلبكيِّين مع فُرسان آل الحرفوش، الذين حكَموا منطقة بعلبك بين القرنين الخامس عشر والتَّاسع عشر، العائدين من إحدى المعارِك مُنتصرين، لتكون بذلكَ من أقدَمِ الأغاني السِّياسيَّة التي لم تزلْ حاضرةً إلى اليوم.
أغنية «يا مية هلا»، علي حليحل وهادي خليل:
كغيرِهم من مكوِّنات المُجتمع اللُّبنانيِّ، تفاعلَ شيعةُ لُبنان مع الأغنية السِّياسيَّةِ التي تفاعلتْ بدورِها معهم بوصفِهم جزءًا فاعلًا في المجتمع اللُّبناني ومُتفاعلًا معه؛ مؤثِّرًا ومُتأثِّرًا بالحياة السِّياسيَّةِ التي كانت الجُغرافيا الشِّيعيَّة فيها تحتَ هيمنة ثلاثةِ تيَّاراتٍ/ أحزابٍ سياسيَّة؛ «المقاومة الفلسطينيَّة» المتحالفة مع اليسار اللُّبناني، «حركة أمل» و«حزب الله». وبُدهيٌّ في مكانٍ أنَّ اللُّبنانيِّين عامَّةً تفاعلوا مع الأحداث السِّياسيَّة في المنطقة قبل فترة توسُّع اليسار اللُّبناني في المناطق الشِّيعيَّة، وبُدَهيٌّ أيضًا أنَّ تفاعُلَهم كان عبرَ الرَّديَّات أو الشِّعر الشَّعبي الذي يتناسبُ مع تلكَ الفترة، فنجدُ مثلًا أنَّ استقبالَ الأمير فيصل أثناء توجُّهِه إلى سوريا لإعلان الحكومة العربيَّة عام ١٩١٨ كان على وقْع رديَّةٍ تقول: «بواريدنا بتردّها، بصدورنا منصدّها/ فيصل أمير بلادنا، باريس تلزم حدّها»، وبعدَ هزيمة فيصل ودخول فرنسا إلى المنطقة، انتشرت ردَّيَّة أخرى تقول: «يا مير وِشْ لَكْ بالحروب، باريس مين قدّها/ هيدي دول بدّها دول، راعي غنم ما يردّها».
شكَّلتْ هزيمةُ العام ١٩٦٧ لحظةَ تحوُّلٍ في الأغنية السياسيَّة العربيَّة كنتيجةٍ منطقيَّةٍ للتَّحوُّلات السِّياسيَّة التي أنتجتْها الهزيمة. وقد ظهرت الأغنية السِّياسيَّة الجديدة في مُقابِل تلكَ التي كان يتبنَّاها الإعلام العربيُّ الرَّسميُّ. ومعَ بدايةِ السَّبعينات وتطوُّرِ نشاطِ «الحركة الوطنيَّة اللُّبنانيَّة» التي انخرطَ الشِّيعةُ فيها بشكلٍ واسِعٍ؛ ومع مجيء الفصائل الفلسطينيَّة منَ الأردن عام ١٩٧٠ وانخراطِ أعدادٍ كبيرةٍ نسبيًّا منَ الشِّيعةِ في مُختلفِ فصائلِها، و«حركة فتح» بشكلٍ أساسيٍّ؛ ومع تحالفِ «الحركة الوطنيَّة» العضوي مع الفصائل الفلسطينيَّة؛ ظهرتْ في لُبنان حركةٌ فنيَّةٌ جديدة أنتجتْ ما صارَ يُعرَف بـ«الأغنية المُلتزمة». تشاركَ هذا التَّحالُفُ الأغنيةَ السِّياسيَّة فغنَّى اليسارُ لفلسطين وغنَّى الفلسطينيُّون لبيروت.
الأغنيَة الفلسطينيَّة:
ظهرتْ «أغاني الثَّورة الفلسطينيَّة» مع انطلاقتِها عام ١٩٦٥، لكنَّها بدأتْ انتشارَها الواسع في لُبنان بعدَ معركة الكرامة عام ١٩٦٨ ومجيء الفصائل الفلسطينية إلى لُبنان عام ١٩٧٠. وحولَ هذا سألنا الكاتب السِّياسي أحمد مطر[١] الذي قالَ إنَّ السِّمةَ الغالبة على الأغاني كانت الأناشيد الثَّوريَّة وأناشيد «حركة فتح» بالدَّرجة الأساس. ويُضيفُ أنَّ «هذه الأناشيد، التي كان يُوزِّعُها الإعلام الجماهيري، كانت بشكلٍ أو بآخر نوعًا من التَّوجيه السِّياسي وللشَّحن المعنوي. وكثيرٌ منها كان يحملُ معاني إنسانيَّة نبيلة كما في أغنية «أنا يا أخي». ولفترة طويلة كُنَّا نفتتحُ ندواتِنا ومهرجاناتِنا ولقاءاتِنا بهذه الأغاني الثَّورية. حتَّى حينَ كُنَّا ننتقلُ بين المواقع العسكرية، من بيروت إلى الجنوب مثلًا، كُنَّا نستمعُ لها طيلةَ الطَّريق. أذكرُ من الأغاني التي اشتُهرت وتركت أثرًا كبيرًا فينا: «فدائي»، «بلادي»، «أنا يا أخي»، «طالِعلك يا عدوِّي»، «غلَّابة يا فتح»، وغير ذلك. وكان هُناكَ شُعراء كبار كتبوا القصائد السِّياسيَّة أذكرُ أشهرَهم؛ محمود درويش، سميح القاسم، معين بسيسو، توفيق زيّاد، والشَّاعر العراقي مظفَّر النَّوَّاب وغيرهم. وعلى العُموم كانت الأغنية السياسية في سياقِها الطَّبيعي وابنةُ واقعها، بل كانت تحملُ نوعًا من التَّحليل السِّياسي للواقع وتسليطًا للضوء على مظلوميَّة الشَّعب الفلسطيني ومُعاناتِه وأحقيَّة نضالِه. فمعَ الأحداث الكبرى التي كانت تقع كانت تنتشر أغنية تُعبِّر عن الحدَث. أذكرُ مثلًا بعدَ معركة الكرامة انتشرت أغنية «غلَّابة يا فتح يا ثورتنا غلّابة غلّابة الإيد اللي تفجِّر دبَّابة». وبعد أحداث الأردن ١٩٧٠ غنُّوا مثلًا أغنية باسم «فلسطين فلسطين» فيها مقطع: «تركوا النَّهر لعْدانا نهر دمانا عليهم هان» والتي كانت تحمل نقدًا سياسيًّا شديدًا للنِّظام الأردني. في الواقع كانت تظهر الأهازيج ذات الكلام الهابط لكنَّها لم تكن تَلقى انتشارًا واسعًا».
أغنية «غلابة يا فتح»:
وقد تمَّ تشكيل فِرق فلسطينيَّة في بيروت، مع حلول العام ١٩٧٧، كانت أشهرَها «فرقة العاشقين» التي يقودُها اللُّبناني حسين مُنذر المولود في بعلبك، رغم أنَّه لم يكن من المؤسّسين لها. وقامت هذه الفرق بجولات حولَ العالَم. وقد شاركَ اللُّبنانيُّون أيضًا في صناعة الأغنية السياسيَّة الفلسطينيَّة إذ غنَّى مارسيل خليفة، أحمد قعبور، خالد الهبر، حاتم ملاعب وغيرهم لفلسطين وقضيَّتِها، كما كان بين أعضاء الفرق الفلسطينيَّة لُبنانيَّين ولُبنانيَّات أيضًا. يذكرُ مطر «أنا أعرف سيِّدة لُبنانيَّة شيعيَّة كانت ترقصُ مع إحدى الفرق وكان زوجُها في «حركة فتح»، ثمَّ أصبحَ لاحقًا في «حزب الله».
نشيد «بلادي بلادي»:
عبرَ استعراض أبرز الأغاني التي شاعَتْ في تلكَ الفترة ولاقت تفاعُلًا واسعًا بين النَّاس أن نُكوِّنَ صورةً عن أبعاد التَّوجُّه السِّياسي القائم. فبالإضافة إلى جانب التَّعبئة والشَّحن المعنوي الذي يُمثِّلُ جانبَ القُوَّةِ والإرادة، ثمَّة بُعدٌ آخر وهو البُعد الإنساني النَّبيل الذي يُمثِّل المأساةَ والمُعاناة. فنرى مثلًا في أغنية «بلادي بلادي بلادي/ فتحُ ثورة ع الأعادي/ فلسطين يا أرض الجدود/ إليك لا بُدَّ أن نعود/ فتحُ ثورة ستَسُود/ والعاصفة أمل بلادي». هذه الأغنية، المُستوحاة من «بلادي بلادي لكِ حبِّ وفؤادي» التي اعتُمدتْ نشيدًا وطنيًا لمصر، تُصوِّرُ الحُلم الفلسطيني بـ«العودة والتَّحرير». ويَظهرُ من كلمات هذه الأغنية أنَّها كانت في المرحلة التي كانت «حركة فتح» لم تزَل تتبنَّى «الكِفاح المُسلَّح» طريقًا للتَّحرير. وفيها مقطعٌ يقول: «إليك لا بُدَّ نُعيد/ عِزَّة الشَّعب الطَّريد/ تحتَ رايةِ الجِهاد/ فلسطين شعبُكِ لن يموت/ وهو لن يرضى السكوت/ والعاصفة دايمًا تكون/ يدها فوق الزِّناد». ويُمكن أن نجدَ «الكفاح المُسلَّح» في عددٍ من أشهر الأغاني، ومنها على سبيل المِثال: «طلّ سلاحي من جراحي/ يا ثورتنا طلّ سلاحي/ ولا يُمكن قوَّات الدُّنيا/ تِنزع من إيدي سلاحي» و«طالِعْلَكْ يا عدوِّي طالِع/ْ من كُل بيت وحارة وشارعْ/ بسلاحي وبإيماني طالِعْ/ حربِنا حرب الشَّوارِعْ». بينما نجدُ في أغنية «أنا يا أخي» أنَّها تُركِّزُ على البُعد الإنساني لمُعاناةِ الشَّعب، وتُنظِّرُ سياسيًّا للمُقاومة فتعتبرُها وسيلةً من أجل الحياة ومن أجل بناء مُجتمعٍ مُنتِجٍ اقتصاديًّا حيثُ تقولُ الأغنية: «أنا يا أخي آمنتُ بالشَّعبِ المُضيَّعِ والمُكبَّلْ/ وحملتُ رشَّاشي لتحملَ/ بعدَنا الأجيالُ مِنجَلْ/ وجعلتُ جرحي والدِّما/ للسَّهل والوِديانِ جدوَلْ/ دينٌ عليكِ دماؤنا/ والدَّينُ حقٌّ لا يؤجَّلْ». فنجدُ مثلًا أنَّ الجيل الذي حملَ «الرَّشاش» يسعى إلى بناء دولة ومجتمع يحملُ أبناؤه «المِنجل».
أغنية «فلسطين ضيعوكي البياعين»:
ومع اجتياح العام ١٩٨٢ بدأت الأغنية السياسية الفلسطينية تخفُت في لبنان. ويؤكّد مطر: «بعد أن هُزمنا وانهارت طموحاتُنا خفُتت الأغنية الفلسطينية، حتّى صارَ من النادر أن تسمعَ في المخيمات أغنيةً ثورية. والواقع أنّنا بعدَ الاجتياح صار اهتمامُنا الأكبر مُنصبًّا على الموضوع السياسي. بطّلنا هوبرة إذا بدّك».
الأغنية اللُّبنانيَّة اليساريَّة:
على المُستوى اللُّبناني بدأت تظهر الأغنية الوطنيَّة ذات المحتوى الاجتماعي والتوجُّه الجماهيري مع بداية السَّبعينات تقريبًا مع خالد الهبر، مارسيل خليفة، أحمد قعبور، أسامة الحلّاق وعصام الحاج. وحولَ عِلاقة الأغنية والفنَّان المُلتزمِ بالجمهور ينقلُ رجب أبو سريّة في كتابِه «الأغنية السياسية الجديدة في الوطن العربي» عن خالد الهبر قولَه: «الفنَّان يتحرَّك مع جمهورِه المُتحرِّك بالضَّرورة»، أي أنَّ الأغنية لا بُدَّ أن تُولدَ من مُعاناة المُجتمع/ الجُمهور وأن تُحاكي آلامَه وآمالَه وتطلُّعاتِه. بينما يُعبِّرُ مارسيل خليفة عن ذلك بقولِه: «نحنُ نُغنِّي دراما النَّفس العربيَّة المشروخة». ويُمكنُ اعتبارُ أغنية «الشَّيَّاح» لخالد الهبر بمثابة «مانيفِستو الأغنية السِّياسيَّة الجديدة». قبل بدءِ الأغنية يقولُ الهبر: «لئلَّا يحسبوا أنَّ الأغاني لا تُنشدُ إلَّا في كهوف العربدة (...) لئَّلَّا يحسبوا أنَّا نزعنا من ذاكرتِنا صوَر همجيَّة أعداء التَّاريخ». والشَّيَّاح، ذات الأغلبيَّة الشيِّعيَّة، اكتسبت رمزيةً كبيرةً خلال فترة الحرب الأهليَّة، حيث شكَّلتْ مع عين الرمَّانة، ذات الأغلبيَّة المسيحيَّة، خطَّ التَّماس الأشهر خلال الحرب. أمَّا كلماتُ الأغنية نفسَها فتحملُ نوعًا من التَّعالي ليسَ على الواقع وحسب، بل حتَّى على التَّاريخ حينَ يقولُ مثلًا: «روما لم تحترق بل كانت في عيد»، «المسيحُ لم يُصلَب... النَّبيُّ لم يَمُت». يُمكنُ اعتبارُ هذه الأغنية مِثالًا على واقعِ أنَّ الطُّروحات السِّياسيَّة التي تبنَّاها اليسارُ اللُّبنانيُّ آنذاك لم تكن تنسجمُ مع الواقع اللُّبناني. ولعلَّ هذا يعودُ إلى أنَّ اليسار، كعموم الأطراف اللُّبنانيَّة، لم يكنْ قد حسمَ بعدُ رؤيتَه للوطَن. إضافةً إلى أغنية «يا طير الجنوب» التي كتبها رئيس حركة أمل نبيه برِّي عام ١٩٨٤ ولحَّنها وغنَّاها مارسيل خليفة، وهي مكتوبة لبلال فحص، الذي فجَّر نفسَه في تجمُّع لقوَّات الاحتلال «الإسرائيلي» في الزَّهراني.
أغنية «طير الجنوب»، مارسيل خليفة:
ورغمَ هزيمة «الحركة الوطنية» و«المُقاومة الفلسطينية» في العام ١٩٨٢ استمرَّت أغنية خالد الهبر ومارسيل خليفة وغيرهما بالتَّفاعُلِ مع النَّاس ما يؤشِّر على التّوجّه الذي كان قائمًا آنذاك عندَ فصائل اليسار بأنّه «لا بدَّ أن نفصل بين وطن الأنظمة القابل للتفريط والإذعان والإحباط، وبين وطن الجماهير الكادحة الرافضة للإذعان(...) وهو الوطن الأكثر إنسانية وحرية وديمقراطية». ويُرجع أبو سريّة الأمر إلى أنّ الهبر والأغنية السياسية اليسارية كانت أكثر اهتمامًا بالبُعد الإنساني وأكثر قدرة على تفجير الطاقات الإبداعية لدى الفنانين هو الفلسفة التي يحملُها المُغنّي الملتزم؛ حيث يتناول التُراث بمفهومه الإنساني والأممي وهذا مردّه إلى كون اليسار اللبناني الشيوعي كان ذا نزعة أممية ويهتم بالبُعد الأممي للأغنية السياسية أكثر من بُعدها القومي. ونجدُ البُعد الأممي حاضرًا في أغنية مارسيل خليفة «شدُّو الهمَّة» التي غنَّاها عام ١٩٧٦ ويقولُ فيها: «خلفَ القلعة قلعة نحنا/ ساحات الدِّنيِة مطارِحْنا». وتُعدُّ هذه الأغنية من أبرز الأغاني التي دمجت بين الحركة المطلبيَّة التي كان معروف سعد (ريِّس هالمينا) من أبرز روَّادِها وبين المُقاومة المُتمثِّلة بـ «قضية الجنوب» في مقطع: «صوت جنوبي جنوبي بسمع/ وجنوبي للنَّخوة مقلع/ وشريط الخيانة بِقْبع».
أغنية «يا بحرية»، مارسيل خليفة:
يُمكن مُلاحظة ثلاثَ سمات أساسيَّة في أغاني اليسار اللُّبناني خلال فترة الحرب؛ القضيَّة الفلسطينيَّة كقضيَّة مركزيَّة، المطالب الشَّعبيَّة المعيشيَّة واستعمال العُنف في سبيل الوصول إلى السُّلطة. نجدُ دعمَ اليسار للقضيَّة الفلسطينيَّة بشكلٍ واضحٍ في عددٍ كبيرٍ من الأغاني، وبخاصَّةٍ عندَ مارسيل خليفة الذي ارتبطت أغانيه بالشَّاعر الفلسطيني محمود درويش. وكذلكَ عندَ خالد الهبر في أغنية «ما تنسوا فلسطين» و«كفركلا» التي يقول فيها: «كفر كلا تغرس في الأرض بندقيَّة لتحميَ القضية». والواقعُ أنَّ اليسار اللُّبناني، بحسب الأمين العام السَّابق لمنظَّمة العمل الشيوعي محسن إبراهيم، بالَغَ في دعم القضيَّة الفلسطينيَّة على حساب المصلحة الوطنيَّة وهذا ما اعترفَ به في أربعين الأمين العام الأسبق للحزب الشيوعي جورج حاوي حين قال إنَّ «الحركة الوطنيَّة ارتكبت خطأين: أولهما أنها استسهلت الحرب الأهلية مِعبرًا لتغيير بُنية النظام الطائفي، وثانيهما أنها أباحت لبنان للمقاومة الفلسطينية ممَّا حمّله فوق طاقته». وكثيرةٌ أيضًا هي الأغاني التي تتناولُ المشاكل المعيشيَّة اليوميَّة للُّبنانيِّين كأغاني مارسيل؛ «أولاد البحر»، «شدُّوا الهمِّة»، «يا علي». ويُمكنُ أن نجدَ في أغنية «إنِّي اخترتُكَ يا وطني» (١٩٨٤) فكرة اللجوء إلى العمل المُسلَّح من أجل التَّغيير السياسي والاجتماعي في لُبنان حيثُ يقول: « دائم الثورة يا قلبي وإن صارت صباحاتي مسا/ جئتُ في زمنِ الجزْرِ جئتُ في عزِّ التَّعب رشَّاشَ عُنفٍ وغضب». وهذا ما يذكرُه مطر الذي يؤكِّدُ أنَّ اليساريين اللُّبنانيين «كانوا ينطلقون من مُنطلق تغيير الواقع الاقتصادي الاجتماعي لكن بعقليَّة انقلابيَّة عبرَ استخدام عالي القوة الموجود لوصول اليسار إلى السلطة، وهذه برزت خلال الحرب من خلال قرار عزل الكتائب الذي صدر عن المجلس السياسي للحركة الوطنية وإن كان كمال جُنبلاط يقف وراءَه بشكلٍ أساسي».
أغنية «يا علي»ن مارسيل خليفة:
[١] كاتب وباحث سياسي لبناني انخرط باكرًا في صفوف «حركة فتح» وتولى فيها مناصب عدة قبل العام ١٩٨٣؛ كان «عضو لجنة منطقة» وأمين سر شعبة المقاطعة الرَّابعة التي تضمُّ وادي أبو جميل، الصنايع ورأس بيروت. وكان المُشرف العام على القوات المشتركة في منطقة النبعة حتى سقوطها عام ١٩٧٦ إضافةً غلى كونه مسؤول الأرشيف الخاص في مكتب الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات. كما كان عضو قيادة لُبنان في «فتح_ الانتفاضة» بعد العام ١٩٨٢.
إنَّ تناولَ الحِزبَيْن الشِّيعيَّيْن، «أمل» و«حزب الله»، لا يُمكنُ أن يكونَ بمَعزِلٍ عن حقيقةِ أنَّهما فرعان عن «الإسلام السِّياسي» بشقِّه الشِّيعي، بعيدًا من الاختلافات الجوهريَّة بينهما. وقد أثَّرتْ العقيدةُ الدِّينيَّةُ عندَهما في صياغة المشروع السِّياسيِّ الذي ينعكسُ في الأغاني السياسيَّة التي تتَّخذُ، لأسبابٍ دينيَّةٍ، أسماءَ عدَّة مثل؛ أناشيد، لطميَّات وغير ذلك.
أغاني حركة أمل: من الجنوب إلى «عين التِّينة»
انطلقت الأغنية السِّياسيَّة عندَ أمل بعد غياب السَّيِّد موسى الصَّدر عام ١٩٧٨. قبل ذلك، لم تكُن أمل، بحسب أبو علي[١]، قد «استكملتْ تشكيل أُطرِها التَّنظيميَّة، والمهمَّات لم تكن موزَّعةً بشكلٍ كامل». ويُضيفُ: «في بداية الثَّمانينات كان هناك إشكال شرعي حول الأناشيد، إذ كان رجال الدِّين مُتشدِّدين في مسألة الموسيقى. وكانت الأغنية بحاجةٍ إلى إذنٍ شرعيٍّ يُحدِّدُ طبيعةَ الآلات الموسيقيَّة المُستعمَلة. ثُمَّ ظهرَ الألبوم الأوَّل من أناشيد الحركة والذي كان من كلمات الشَّاعر نزار الحُر ويضمُّ نشيد حركة أمل الرَّسمي، «حيَّ على خير العمل»، وأغاني للسَّيِّد الصَّدر مثل «عاصي ع الدَّهر» وأغاني للجنوب. عمومًا كانت أناشيد الحركة تدور حول السَّيِّد الصَّدر والجنوب».
نشيد «عاصي ع الدهر»:
نشأت حركة أمل في أجواء الاحتقان السِّياسيِّ بين الاعتراف بعروبة لُبنان والاعتراف بكيانيَّته. ونرى المشروعَيْن حاضرَيْن في نشيد أمل الذي يقولُ: «نحمي الأهداف الوطنيَّة»، «لبنان لنا وطن واحد نَحياه حُرًّا عربيًّا». وفي الواقع، يُمثِّلُ النَّشيدُ توجُّه الحركة في فترة الصَّدر الذي لم ينخرط مع أيٍّ من أطراف الحرب بشكلٍ كاملٍ، وكذلك الرَّئيس حسين الحسيني، في حين أنَّ الحركة مع رئيسِها نبيه برِّي تماهَت بشكلٍ كاملٍ مع سياسة النِّظام السُّوري في لُبنان. ويُحدِّدُ النَّشيدُ المجالَ الحيوي لنشاطِ الحركة ويحصرُه بالجُغرافيا اللُّبنانيّة التي هي جزءٌ من الجغرافيا العربيَّة. على أنَّ هذه التَّعابير الوطنيَّة لم تمنع حركة أمل من إبراز هويَّتها الشِّيعيَّة في عبارة «حيَّ على خير العمل» التي يحملُها مَطلعُ النَّشيدِ وعُنوانُه، وهي عبارةٌ مأخوذةٌ من الآذان بصيغتِه الشِّيعيَّة. ولعلَّ تأكيد الهويَّة الدِّينيَّة للحركة كان جُزءًا من التَّنافُسِ على استقطاب النَّاس بينَ اليسار «المُلحد» وأمل «المؤمنة»؛ وهو تنافسٌ جاء بعدَ حوالى سبع سنوات من حركة الصَّدر التي بدأت بتأسيس المجلس الإسلامي الشِّيعي الأعلى عام ١٩٦٧.
نشيد «حركة أمل»:
يُظهرُ النَّشيدُ أيضًا أنَّ الحركة تدمجُ بين الدِّيني والسِّياسي على أنَّ تُركِّزُ على الجانب الاجتماعي من الدِّين أكثر من الجانب العقائدي فيه، فنرى مثلًا: «على اسم الله مسيرتُنا» و«نعملُ للدُّنيا والدِّين ولخير اللُّبنانيِّين». وتقديمُ «الدُّنيا» على «الدِّين» لا يُمكنُ، من حيثُ إنَّه نشيدٌ لحزبٍ سياسيٍّ، أن يُبرَّر بالضَّرورة الشِّعريَّة. والجديرُ بالذِّكر أيضًا أنَّ أمل، وهي فصيلٌ عسكريٌّ «مُقاوِم»، لا تُحدِّدُ في نشيدِها أنَّها أُسِّستْ لمُقاومة «إسرائيل»، بل لا تذكرُها أبدًا. وتقريبًا يخلو النَّشيدُ من أيٍّ من أدبيَّات «المُقاومة» التي كانت سائدةً في تلك الفترة؛ فالنَّشيدُ يقولُ عن لُبنان إنَّه «يظلُّ على الدَّهر أبيًا وإرادتُه شعبٌ رائد»؛ فنرى استعمالَ كلمة «رائد» في حين أنَّ كلمة «صامد»، مثلًا، ستكونُ أكثر انسجامًا مع أدبيَّات تلك المرحلة، فضلًا عن كونِها لا تؤثِّرُ على الوزن الشِّعريِّ للنَّشيد. وتعكسُ لُغةُ النَّشيدِ أنَّ أمل تُريدُ أن تتبنَّى المُقاومةَ ودعم القضيَّة الفلسطينيَّة من جهة، والمصالح الوطنيَّة من جهة أخرى. ولعلَّ هذه «الوسطيَّة» تأتي أيضًا في سياق التَّنافُس مع اليسار اللُّبناني الذي ذهبَ في الدِّفاع عن القضيَّة الفلسطينيَّة إلى تغليبِها على المصلحة الوطنيَّة. وقد انعكسَ موقفُ الحركة بشكلٍ واضحٍ في التَّصريح الأوَّل للصدر بعدَ اجتياح ١٩٧٨ والذي تمثَّل بالدَّعوة إلى «الالتفاف حول الشَّرعية المتمثِّلة بالحكومة اللبنانية» آنذاك، وبتحميل الفلسطينيين مسؤوليَّة التَّسبُّب بالاجتياح حيثُ يقولُ الصَّدر إنَّ «المقاومة الفلسطينيَّة (...) كان لا بدَّ من أن تتحفّظ في تحرّكاتها عندما ترى أنّ هذه التّحركات قد تنعكس على جنوب لبنان».
نشيد «طوّل غيابك»:
ورغمَ أنَّ لأمل أناشيدَها الخاصَّة إلَّا أنَّها، بحسب الكاتب عبد الحليم حمّود في مقالٍ له في «موقع مناطق» الإلكتروني، لم تكن لها «أي خصوصيَّة». فنرى مثلًا أنَّ أغاني الجنوب والمقاومة عند أمل لم تخرج عن النَّمط السَّائد آنذاك، كما في أغنية «أنا ثائر جنوبي» التي تحكي عن مُعاناة الجنوب ومُقاومته. مطلعُها؛ «أنا ثائرٌ جنوبي فليحكي التراب، أنا ثائرٌ جنوبي فليبكي السَّحاب، أحمل رشَّاشًا وأقاوم، أزرع بستانًا وأقاوم، أرسم دربًا للثُّوار، أحمل منهاجًا وطنيا». فنرى أنّ المقاومة عندَ أمل تأتي في سياق طبيعيٍّ كنتيجةٍ للاحتلال، ومن موقع الدِّفاع كما يقول النَّشيد: «اضربُ أعداءً وأدافع». إضافةً إلى أغاني الصَّدر التي اشتُهرت؛ «عاصي ع الدَّهر»، «طوَّل غيابك» وغير ذلك.
أغنية «نبيه بري أقوى زلمة»، حسن علامة:
وبعد انتهاء الحرب الأهلية وبروز «حزب الله» كمُنافس لحركة أمل على الجغرافيا الشيعية السياسية والعسكرية بدأت الأغاني السِّياسيَّة لـ«حركة أمل» بالتَّحوُّل تدريجيًّا إلى الاكتفاء بالغناء لرئيسها نبيه برِّي، بخاصَّةٍ مع بروز جيل جديد من المُنشدين مثل حسن علامة وعلي قبيسي وغيرهما، إلى أنْ باتَتْ اليوم الأناشيدُ التي تَلقى التَّفاعُل الأوسع بين جمهور أمل هي الأغاني التي تمجِّدُ رئيسَها نبيه برِّي، والتي تعكسُ فائض القوَّة التي صار يعيشُها ما بات يُعرف بالثُّنائي الشِّيعي؛ «أمل» و«حزب الله»، بعد العام ٢٠٠٦. على سبيل المثال لا الحصر؛ أغنية «نبيه برِّي أقوى زلمي بكل العالم» التي انتشرت أثناء الانتخابات الأخيرة وفيها مثلًا؛ «يا نبيه برِّي هالطَّبع البَرِّي بدّو هيك أسود متلك يا برِّي». و«شيعة شيعة حركة أمل ما منبيعا»، «الغلط معنا مش مسموح بتغلط معنا بتاكُل سحسوح». حتَّى النشيد الذي يُغنَّى لبرِّي؛ «يا قائد الله معك» هو بالأصل مكتوب للرَّئيس العراقي الأسبق صدَّام حسين، وقد غنَّاه المغنِّي الأردني فؤاد حجازي في بغداد غير مرَّة.
أغنية «يا قائد الله معك»، فؤاد حجازي:
أمَّا أبو علي، فيُرجِعُ هذا التَّقديس إلى «النّكايات. حب الشَّخص صار نكايات. إنو أني نكايةً بفلان لأنو هيداك عمل هيك أني بعمل أغنية بقدّسو فيها. وطبعًا في إلها مردود. والآن كل ما واحد حمل قلم وصار شاعر سياسي ويكتب أغاني. لم يعد هناك وزن للكلمة، بينما كان في أناشيد تترك أثر وتحرّك المشاعر وحماسية. هلأ ما بتنسمع الأغاني». وفي الواقع ثمَّةَ جانبٌ آخرٌ في هذه الأغاني وهو أنَّ شخصيَّة القائد _ برِّي، هي الشَّيء الوحيد الذي يربطُ جمهور الحركة بالحركة، وعلى وجْه الخصوص الجيل الذي وُلد بعدَ العام ٢٠٠٠ ولم يعِشْ قضيَّة الجنوب والصَّدر.
«حزب الله»: بين كربلاء و«حارة حريك»
بعد سقوط نظام الشَّاه في إيران عام ١٩٧٩ وتولِّي الخميني السُّلطة، ومع الاجتياح الثَّاني للبنان عام ١٩٨٢ أمَر الخميني بإرسال مقاتلين إيرانيِّين إلى لبنان. ورغم المعارضة اللُّبنانيَّة عامَّةً والشِّيعيَّة على وجه الخصوص، وصَل مُقاتلون من الحرس الثَّوري إلى منطقة البقاع اللُّبناني، عبر سوريا، وشكَّلوا مع «حركة أمل الإسلاميَّة» المُنشقَّة عن أمل بقيادة حسين الموسوي، إضافةً إلى مُنشقِّين عن الفصائل الفلسطينيَّة كـ«حركة فتح» والأحزاب اللُّبنانيَّة كالحزب الشُّيوعي، ما عُرفَ لاحقًا بـ«حزب الله».
مرثية «يا روح الله»:
بدأ الحزبُ مسيرتَه الإنشاديَّة باللَّطميَّات والنَّدْبيَّات والمرثيَّات، إذْ كانت الأغاني لم تزَل تواجهُ بعض المحاذير الشَّرعيَّة لِكَوْن «حزب الله» حزبًا دينيًّا. ومع العام ١٩٨٣ بدأت تدخلُ أناشيدُ حزب الدَّعوة الإسلاميَّة إلى لُبنان. وهذا ما يؤكِّدُه لنا أبو علي إذْ يُضيفُ أنَّ «الأغنية السِّياسيَّة عندَ «حزب الله» بدأتْ باللَّطميَّة والنَّدبيَّة. وكان هُناك المرثيَّات أيضًا. أذكرُ مثلًا المرثيَّة المشهورة عندَ وفاة الخميني: «يا روح الله». وكان هُناك فرقٌ كبير بين اللَّطميَّات التي تأتي من إيران وتلك التي كانت تأتي من العراق. كان بإمكاني أن أعرف من كلمات اللَّطميَّة إلى أيِّ مرجعيَّةٍ يتبع الكاتب. الشُّعراء الحسينيِّين العراقيين كانوا لا يضعون أيَّ اسمٍ لأيِّ زعيمٍ دينيٍّ أو سياسيٍّ إلى جانب أسماء أئمَّة أهل البيت والإمام الحسين تحديدًا. بينما عندَ الشُّعراء الإيرانيِّين أو المؤيِّدين لإيران فنجد أنَّ أسماء الزعماء، كالخميني والخامنئي ونصرالله وغيرهم، موجودة في اللَّطميَّات التي يُفترض أنَّها حسينيَّة». وبحسب ما ذكَره الكاتب حمّود في «موقع مناطق» الإلكتروني، فإنَّ السَّيِّد عبَّاس الموسوي هو الذي أمَّن الغطاء الشَّرعي والمالي للأناشيد، ولفرقة الولاية على وجه الخصوص، مع الإبقاء على منع استعمال بعض الآلات.
نشيد «أخي سوف تبكي عليك العيون»، علي بركات:
وقد رافقت النَّدبيَّة/ اللَّطميَّة الكثير من تجمُّعات «حزب الله» وعلى وجه الخصوص مراسم التَّشييع التي كانت تتمُّ على وقع اللَّطميَّات والمرثيَّات. وأشهرُ الأناشيد التي انتشرت، ولم تزل حتَّى الآن، هو نشيدُ «أخي سوف تبكي عليك العيون» والتي رافقت الكثير من «شهداء «حزب الله»». والجدير بالذِّكرِ أنَّ هذا النَّشيد، بحسب حمّود، من كلمات الشَّاعر العراقي ذو النون يونس مصطفى؛ أحد شعراء الإخوان المسلمين، والنَّشيدُ كان ردًّا على نشيد «أخي أنت حُر» لسيِّد قُطُب، وكِلاهُما يُغنَّى على اللَّحنِ نفسِه. ولعلَّ هذا يعودُ إلى تأثُّر الحركة الشِّيعيَّة في إيران بالإخوان المُسلمين، وبكتابات سيِّد قطب على وجه الخصوص، وبالتَّالي تأثُّر «حزب الله» بذلك.
نشيد «أخي أنت حر»:
لو بدأنا بنشيد «حزب الله» الرَّسمي «مشَينا إلى النَّصر يوم الكفاح»، الذي قدَّمَته فرقة الولاية، والذي يُظهر فيه «حزب الله» عقيدته الدِّينوسياسيَّة من خلال المقطع الذي تمَّ تثبيتُه في النَّشيد بـ«مباركة» السَّيِّد حسن نصرالله، الأمين العام السابق لـ«حزب الله». يقولُ المقطع: «ونمضي على نهج قرآننا ألا إنَّ «حزب الله» هم الغالبون». ويُعبِّرُ هذا المقطعُ ليسَ فقط عن انتماء «حزب الله» لتيَّارات الإسلام السِّياسي، وإنَّما عن أنَّ «حزب الله» يُركِّزُ على الجانب العقائدي في الدِّين أكثر من الجانب الاجتماعي. ونرى أيضًا في النَّشيد الغيابَ التَّام للُبنان، إذ لا يُحدِّدُ النَّشيدُ صورةَ لُبنان الذي يريدُه الحزب، ولا يُحدِّدُ أيضًا المجالَ الحيوي له، كما نرى عندَ أمل مثلًا. بعبارةٍ أُخرى، إنَّ هذا النَّشيد يصلُحُ لأن يكونَ نشيدًا لحزبٍ عسكريٍّ، أو ميليشيا، وليس لحزبٍ سياسيٍّ قد يدفعُه احتلالُ الأرض إلى «المُقاومة».
الجهاد تحت لواء الفقيه:
لطمية «في درب الحسين»، حسن حرب:
يتبنَّى «حزب الله» «ولايةَ الفقيه» كعقيدةٍ دينوسياسيَّة. وقد انعكسَ هذا في أغانيه السِّياسيَّة التي رافقت سنواته الأولى. ولعلَّ الرَّادود الإيراني المعروف باسم «الرَّادود عساكري» من أشهر «الرَّواديد» الذين لاقوا تفاعُلًا واسعًا بين الرَّعيل الأوَّل من جمهور «حزب الله»، فهو مثلًا الذي أدَّى ندبيَّة «أين راغب حرب أين». ومن أشهر ندبيَّاتِه التي تعكسُ ولاء «حزب الله» لإيران هي ندبيَّة «يا عاشقَ الجهاد في كربلاءِ/ ميدون قد أرعبتَ الأعادي» التي قدَّمها بعدَ معركة ميدون في أيَّار ١٩٨٨، والتي يعتبرُها «حزب الله» إحدى أهم ملاحمه ضدَّ الاحتلال الإسرائيلي. ومن مقاطعِها مثلًا: «يا ناصر الحسينِ بالقلبِ واليدَيْنِ/ بايعتَ بالدِّماء بمُهجةِ الفداءِ روحَ الله الخُميني/ في ساحاتِ الجِهادِ». والجديرُ بالذِّكرِ أنَّ هذه اللَّطميَّة بالتَّحديد رُدِّدَت كثيرًا في تشييع عناصر «حزب الله» وقياداتِه قبل اتِّساع «الحرب الإسرائيليَّة» على لُبنان في ٢٣ أيلول ٢٠٢٤. وثمَّة أيضًا عددٌ كبيرٌ من اللَّطميَّات التي لم تزَل ترافقُ «حزب الله» والتي استُعيدتْ في الحرب الأخيرة، مثل: «بالدَّمِّ الحسيني نحفظ نهج الخميني»، «يا أبا عبدالله نحن أمَّة حزب الله»، «في درب الحسين نعشقُ الشَّهادة بايعنا الخميني لأمر القيادة»، «هنيئًا قد فُزتم بجنان الله يا جنود المنتظَر أنتم حزب الله».
لطمية «هنيئا قد فزتم بجنان الله»:
تعكسُ هذه الأناشيدُ التزام «حزب الله» بأمر القيادة المُتمثِّلة بالوليّ الفقيه؛ الخميني ثمَّ الخامنئي. وتُركِّزُ على استخدام مُصطلح «البَيعة» الذي يمنحُ الشَّخصَ المُبايَع قُدسيَّةً تجعلُه أقربَ إلى «التَّابو» منه إلى زعيمٍ سياسي. وهذه القُدسيَّةُ نتيجةٌ لمُقدِّمَتَيْن؛ الأولى أنَّ الوليَّ الفقيه هو نائب الإمام المُنتظَر ويحملُ قُدسيَّةً، عندَ أتباعِه، لا تقلُّ عن قدسيَّةِ المهديِّ نفسِه. والثَّانية أنَّ البَيعةَ في العقل الجمعي للشِّيعة تذهبُ مباشرةً إلى «يوم الغدير» الذي يُشكِّلُ إحدى أهمِّ ركائز المذهب الإثنَيْ عشري. من هُنا، فإنَّ أوَّل سمات الفكر السياسي لـ«حزب الله» وأنصارِه أنَّه فكرٌ تقديسيٌّ لا يتقبَّلُ نقدَ القائد لأنَّ نقدَه نقدٌ للمهدي المُنتظر، وتاليًا فإنَّه فكرٌ إقصائيٌّ كمُعظمِ تيَّاراتِ الإسلام السِّياسي التي لا تكون مُتَّسِقةً مع طرحِها إنْ لم تكُنْ إقصائيَّةً.
شكَّلت الفترة الأولى لـ«حزب الله» تبدُّلًا في المزاج الرَّافض للواقع عندَ الشِّيعة، إذ تحوَّلَ من رفضِ «الحِرمان» إلى رفض «الاستضعاف». ورغمَ أنَّ «الحرمان» شكَّل محوَر السَّرديَّة التي قدَّمها الصَّدر وبنى مشروعه السياسي عليها، نرى أنَّ أغاني أمل لم تأتِ على ذكر الحِرمان والإهمال في حين أنَّ أغاني «حزب الله» السِّياسيَّة صارت تتوجَّه إلى «المُستضعَفين» وتدعوهم إلى «الجهاد»، وقد ظلَّ هذان المُصطلحان مُتلازمَيْن لا يُذكَرُ أحدُهما دون الآخر، ونجدُهما يُذكَران في العديد من أناشيد الحزب ولطميَّاته. نرى ذلكَ في أنشودة «الجهادَ الجهادَ» لعساكري، والتي يقولُ مطلعُها: «الجِهادَ الجِهاد ولَّى يوم الرُّقادْ فيا مُستضعفين حيَّ على الجهاد». والجِهادُ هُنا شكَّل أوَّل مشروعٍ خارجيٍّ للشِّيعةِ في لُبنان من أجل مصالح إيران وسياستِها مع الولايات المُتَّحدة، إذ إنَّ الخطاب السِّياسي لـ«حزب الله» كان دائمًا يدعو إلى الجهاد ضدَّها، وقد تُرجم هذا في العمليَّات الانتحاريَّة التي استهدفت القوَّات الأميركيَّة في بيروت وأيضًا في قضيَّة الرَّهائن التي كانت إيران تفاوض الأميركيين عليها.
لَبْنَنَةُ الفقيه:
مع وصول السيِّد نصر الله إلى الأمانة العامّة عام ١٩٩٢، بدأ «حزب الله» مرحلةً جديدةً من مسارِه السِّياسي. لكنَّ اللَّحظةَ التي شكَّلتْ الانطلاقةَ الحقيقيَّة للحزب في لُبنان كانت في انسحاب الجيش السُّوري من لُبنان عام ٢٠٠٥ حين أصبحَ الحزبُ القوَّةَ المسلَّحةَ الوحيدةَ خارج إطار الشَّرعيَّة؛ وفي حربِ تمّوز عام ٢٠٠٦ التي أظهرتْ الحزب، وأمينَه العام تحديدًا، بصورة «المارد العربي الجديد»، ومع بروز الجيل الجديد من المنشِدين، أبرزهم علي العطَّار الذي أقفلَ صفحةَ «الإشكال الشَّرعي» في الأغنية حيث دخل الإيقاع الشعبي في كثير من أغانيه، بدأ القليلٌ من أغاني «حزب الله»، التي تَلقى انتشارًا واسعًا، تلبسُ لباسًا وطنيًّا، كما نرى في أغاني: «نصرك هزّ الدِّني» التي تُعدُّ من الأغاني القليلة التي لا يُذكرُ فيها سوى لُبنان، «عزّ العرب»، «لبنان بالشُّهدا انتصر»، «يا وطني يا وطن النُّور»، «نصرك لبنان انكتب» وغيرها من الأناشيد.
أغنية «وطن النور»، محمد رمّال:
ومع تأزُّم الخلافات بين «حزب الله» وما كان يُعرف بـ «١٤ آذار»، بدأتْ أغاني «حزب الله» تأخذُ المنحى الذي أخذتْه أغاني أمل، فصار التَّفاعُلُ الأكبرُ من نصيب الأغاني التي تُمجِّدُ «حزب الله» عمومًا، وأمينه العام بشكلٍ أَوْلى، وترافَقَ ذلكَ مع بروباغاندا إعلامية هائلة رافقت شخصيَّة نصرالله. ورغمَ أنَّ «حزب الله» لم يتخلَّ عن ولايةِ الفقيه، إذ إنَّ السَّيِّد نصرالله صرَّح في العام ٢٠١٩ بما نصُّه: «نحنُ هنا من لُبنان نقول للعالَم كلِّه؛ إنَّ إمامَنا وقائدنا وسيِّدَنا وعزيزَنا وحسينَنا في هذا الزَّمان هو (...) الإمام السِّيِّد علي الحسينيِّ الخامنئي»؛ وفي تصريحٍ سابقٍ للأمين العام الحالي لـ«حزب الله» نعيم قاسم عام ٢٠١٦، يقولُ إنَّه «هل يجوز أن نزُج هالشَّباب في عمليَّة القتال التي تؤدِّي إلى الموت؟ فإذًا أنا بسأل الوليّ الفقيه تحتَّى يُجيز لي أن أتعرَّض للقتل». رغمَ ذلك، وباستثناء نشيد «سلام يا مهدي»، لم تعُدْ أغاني الحزب تُولي اهتمامًا كبيرًا لمسألة ولاية الفقيه وتوجَّهتْ إلى الأغاني التي تعكسُ فائضَ القوَّةِ الذي يشعرُ به «حزب الله» تجاه الأطراف اللُّبنانيَّة الأخرى، بل حتَّى تجاه «العالَم». ويُمكنُ أن يلمسَ المستمعُ لأغاني «حزب الله» أنَّها أغاني ليست ابنةُ واقعِها، بل هي مُحاولةٌ لفرضِ واقعٍ مُتخيَّلٍ يُقدِّمُ الحزب على أنَّه جيشٌ لا يُهزمُ وحزبٌ سياسيٌّ لا يُخطئ.
نشيد «سلام يا مهدي»:
مع بروز «حزب الله» كقوَّة مُهَيمنة في لُبنان، بعد العام ٢٠٠٦، بدأت هذه «القوَّة» تنعكس في الأغاني السِّياسيَّة الجديدة التي انتشرت في المرحلة بين العامين ٢٠٠٦ و٢٠٢٣، والتي شكَّلت العصر الذَّهبي لهيمنة «حزب الله» على القرار السياسي في لبنان. بدأَ ذلكَ من «مين قدَّك لمَّا تطل» بعدَ الحرب التي أكسبت شخصيَّة نصرالله بُعدًا أسطوريًّا أُضيفَ إلى قدسيَّته كونه «رجل دين» ينتسب إلى سُلالة النبي محمَّد. ثمَّ تدرَّجت الأغاني في شكلها ومضمونها إلى: «رمي غضبك نار وبارود»، «كل ما يهبّ الغضب»، «اضرب والرِّيح تصيح»، «سنخوض البحر معك»، «الله معك نحنا معك»، «يا نصرالله إذا جاء»، «منبصملك بالدَّم»، وأغنية «هزّ العصاية بإيدك» التي تُمثِّلُ ذروةَ الاستقواء والتَّهديد للآخر حيثُ تقول مثلًا: «هزّ العصاية بإيدك واحد واحد ربّيهن، نحنا رصاص بواريدك نحنا الموت الْجاييهن/ ما تغلطوا معنا/ معنا الغلط ممنوع نحنا اللي ما ركعنا إلا لـ الله ركوع/ خلّيكن طقّوا من القهر وضلّوا عدو نجوم الضُّهر، نحنا علّمنا عالدهر وعنا الحروب مشاوير (...) هاتوا أكبر راس ووَدُّوا حتى يتكسّر تكسير».
أغنية «هز العصاية بإيدك»، علي بركات:
وقد ترافقَت أغاني القوَّة مع خُفوت مُصطلح «المستضعَفين» إلى درجة أنَّه لم يعد يُستعملُ إلَّا نادرًا. حتَّى في الإصدار الجديد لأنشودة «الجهاد الجهاد» ضمن فعاليَّات «الأربعون ربيعًا»، تمَّ استبدال مطلع الأغنية فصار: «الجهادَ الجهادَ ولَّى يوم الرُّقاد، أربعون ربيع ودربُنا الجهاد» بدلًا من «فيا مُستضعفين حيَّ على الجهاد»، وأُضيفَ عليها ذكرُ؛ الشَّيخ راغب حرب، السَّيِّد عبَّاس الموسوي، عماد مغنيَّة وقاسم سليماني في مقطع: «فدائيُّو الحسين هم خيرةُ العباد، راغبٌ دربُهم وعبَّاسُ الجهاد/ عزمُهم قاسمٌ وسيفُهم عماد». والمُلفتُ أنَّه تمَّ حذف المقطع الذي يُعلن الولاء للخميني في الأنشودة الاصليَّة وأُضيفَ: «جُندٌ لنصرالله والنَّهجُ عاشوراء». وهذا يعكسُ أيضًا تحوُّلَ نصرالله إلى الشَّخص الثَّاني في المحور الإيراني بعدَ الخامنئي، بخاصَّةٍ عندَ الجيل الذي وُلدَ بعدَ التَّحرير عام ٢٠٠٠، ولم يكُن في صُلب السياق الذي أدَّى إلى نشوء «حزب الله» وصعودِه، وإنَّما نشأ وتربَّى في مدارس «حزب الله» وبيئته الحاضنة على سرديَّات «حزب الله» التي لم يعِشْها بتفاصيلِها، على عكس الجيل الأوَّل الذي عادةً ما يكون إيمانُه بالفكرة أكبر بكثير من إيمانِه بصاحبِها. كما أنَّ الحضور الإيراني عندَ «حزب الله» بدأ يتحوَّل تدريجيًّا من الحضور المباشر، سواءً بالمُقاتلين أو بالرَّواديد، إلى الحضور السِّياسي والعسكري غير المُعلَنَيْن بعدَ أن دخل «حزب الله» صُلب الحياة السِّياسيَّة اللُّبنانيَّة.
أغنية «جبنا الانتصار»:
بطبيعةِ الحال، كانت تنتشرُ بعضُ الأغاني خلال فتراتٍ تشهدُ أحداثًا سياسيَّةً مهمَّة. فمثلًا بعدَ مُشاركته في الحرب السُّوريَّة عام ٢٠١١، خاض الحزب إلى جانب النِّظام السُّوري معارك عديدة وسقطَ له عددٌ كبيرٌ من العناصر، بخاصَّة في الفترة التي سبقت دخول الجيش الرُّوسي إلى المعركة عام ٢٠١٥. فبعد انتصار الحزب في معركة يبرود (٢٠١٤) انتشرت أغنية «جبنا الانتصار»، وهي على لحن أغنية «غيرِك ما بختار لو حرقوني بنار» للمُغنِّي السُّوري حسين الدِّيك. تقول الأغنية: «جبنا الانتصار، لعيونك بشَّار، وبمعركة يبرود فجَّرنا الإعصار/ سيِّد نصرالله مين متلك مين، بالدَّم حمَينا كل المظلومين، تمُّوز بتكتب كل العناوين/ من أرضِك يبرود فجَّرنا الإعصار/ لأجلِك مولاتي زينب الحوراء، منفديكِ بأرواحنا وبدم الشُّهداء». هذه الأغنيةُ تُعادلُ أحد أوَّل الشعارات التي رفعها «حزب الله» لتبرير دخولِه في الحرب السُّوريَّة ولتعبئة جمهورِه وتجييشِه باستخدام الورقة الطَّائفيَّة وهو شعار «لن تُسبى زينب مرَّتَيْن» وفكرة الحرب المُقدَّسة، واستلزمَت هذه العودة إلى الحرب المُقدَّسةِ أن استُعيدَتْ أنشودة «بالدِّمِّ الحسيني» خلال حرب القصير (٢٠١٣)، وتمَّتْ إضافة: «نُقاتِلُ في القصير بالرُّوحِ واليدَيْنِ». وانتشرتْ أغنيةٌ أيضًا كانت تُغنَّى في بعضِ الأعراس، لكنَّها خفُتت فجأةً، تقولُ في إحدى مقاطعها: «هَيْ هِيِّي هَيْ هِيِّ/ شيعة علي القويَّة/ بس نحرر سوريا/ بدنا نولِّع السعودية». والجديرُ بالذِّكر أنَّ الأغاني السِّياسيَّة ليسَ بالضَّرورةِ أن تكونَ صادرةً عن الحزب نفسِه أو بتوجيهٍ منه، بل قد تكونُ عملًا فرديًّا. إنَّما لا بُدَّ من التَّأكيد أنَّ تفاعلَ الجمهور مع الأغنية السِّياسيَّة، وبخاصَّةٍ الجمهور العقائدي، واستحسانُه لأغنيةٍ وتركُه لأخرى هو نتيجةٌ للخطاب والسُّلوك السِّياسيَّين اللذَيْن يصدران عن الحزب. فعلى سبيل المِثال، إنَّ التَّحشيد السِّياسي الذي يُمارسُه «حزب الله» ضدَّ العرب ستظهرُ مفاعيلُه في الأغاني التي تُعبِّرُ عن التَّوجُّه القائم لدى الجُمهور.
في الحرب الأخيرة التي سُمِّيت بـ«حرب إسناد غزة» اندلعت في لُبنان يومَ ٨ تشرين الأوَّل ٢٠٢٣، ومع بدء «حزب الله» بتشييع شهدائه، بدأت النَّدبيَّات واللَّطميَّات تعود إلى الواجهة من جديد، وبصورةٍ أقوى مع بروز رواديد جُدُد من جهة، وبروز نوع جديد من اللَّطميَّات التي تحتوي على بعضِ الألحان. ومن أكثر النَّدبيَّات التي انتشرت والتي كانت تُعدُّ تلاوتُها من مراسم التَّشييع الرَّسمي هي ندبيَّة «سلامٌ على إخوتي الشُّهداء» التي تحملُ معاني الحُزن و«العهد بأن نصون اللِّواء». والمُلفتُ أنَّه بعدَ اغتيال السَّيِّد نصرالله في ٢٧ أيلول ٢٠٢٤، وإلى اليوم لم يتمَّ بعدُ إنشادُ أناشيد ولا مرثيَّات حول الحدَث، باستثناء مرثيَّة «سيِّد حسن» العراقيَّة التي تُشكِّل محاولةً لاستعادة خطاب المحور الإيراني المُعادي للعرب، والتي تصفُ حُكَّام الخليج بشكلٍ ضمنيٍّ بـ«أبي لهَب» في مقطعٍ منها يقولُ عن نصرالله: «أحرَقتَ تطبيع العرب/ أعطيتَ عمرك ما وجَب/ حتَّى مضيتَ شهيدَ درب/ فضحَتْ دماك أبا لهب». ورغمَ أنَّ الحزب لم يزَل مشغولًا بحربِه، لكن يُمكن القولُ إنَّ اغتيال نصرالله خلَقَ فراغًا ليسَ في جسم «حزب الله» وفي جمهورِه فحسب، بل بسرديَّتِه التي كانت تعتبرُ أنَّ نصرالله سيكونُ من الجيل الذي سيشهدُ تحرير فلسطين و«الصَّلاة في القُدس»، وهذا ما ذكرَه نصرالله نفسُه في إحدى خطاباتِه حيثُ أكَّد أنَّه سيكونُ من هذا الجيل. وقد انعكسَ هذا الفراغُ على الأغاني السِّياسيَّة للحزب، إذ كان يُفترضُ أن يأخذ نصرالله حيِّزًا مهمًّا من الأغاني.
نشيد «سيد حسن»:
قد يكونُ غيابُ الأناشيد مُحاولةٌ لترسيخ فكرةٍ موجودةٍ عندَ كثيرين من جمهور الحزب مؤدَّاها أنَّ نصرالله لم يزَل حيًّا، إذْ إنَّ انتشار الأناشيد يُعزِّزُ فكرة الاغتيال؛ أي أنَّها مُحاولةٌ لاستغلال شخصيَّة نصرالله لإعادة شدِّ العصَب حول الحزب، بخاصَّةٍ في التَّصريح الأخير لمحمود قماطي الذي قالَ إنَّ تشييع نصرالله سيكونُ استفتاءً على خَيار «المقاومة». لكنَّ يبقى هذا الاحتمالُ ضعيفًا أمام الواقع الذي يقول إنَّ هزيمة «حزب الله» في هذه الحرب تُشبه إلى حدٍّ بعيدٍ هزيمة منظَّمة التَّحرير في بيروت عام ١٩٨٢ والتي انعكستْ في خُفوت الأغنية السِّياسيَّة عندَها.
[١] عضو سابق في «حركة أمل».
لقد تحوَّلتْ الأغنيةُ السِياسيَّةُ، مع الحزبَيْن الشِّيعيَّيْنِ، من الوطنيَّة إلى الحزبيَّة. ففي حين أنَّ أغاني اليسار اللُّبناني لم تزَل تَلقى تفاعُلًا عندَ غير اليساريِّين، ونرى أنَّ مارسيل خليفة مثلًا لا زال يُقيمُ حفلاتٍ حاشدةٍ في الكثير من دول العالم ويطلب الجمهولا ترداد البعض من أغانيه، فإنَّ الأغنية السياسيَّة عندَ أمل و«حزب الله» لم تعدْ تَعني أحدًا سوى جمهورِهما. فعلى سبيل المثال لا الحصر، إنَّ أغنية «الله معك يا بيت صامد بالجنوب» لوديع الصَّافي، تَلقى تفاعُلًا من كافَّةِ فئات المجتمع اللُّبناني، بمن فيهم جمهور أمل و«حزب الله». والسَّببُ وراء ذلكَ هو أنَّها تتناولُ معانٍ إنسانيَّةٍ نبيلةٍ تُحاكي كُلَّ إنسانٍ دونَ اعتبارٍ لخلفيَّتِه السِّياسيَّة، وأنَّها تُشبه في لحنِها التُّراث الغنائي اللُّبناني على عكس الأغاني الحزبيَّة التي صارتْ ذاتَ لحنٍ خاص أقرب إلى اللَّحن العسكري منه إلى اللَّحن الغنائي. وأهمُّ ما في الأمر أنَّها تُقدِّمُ المُقاومةَ والصُّمود، من حيثُ هُما سلوكان سياسيَّان، كجُزءٍ مُتَّصلٍ بحياةِ الإنسان؛ بماضيه وذكرياتِه من جهة، وبمُستقبلِه من جهةٍ أُخرى.


