03・12・2024
من العدد ١٦
«أمم» وحفظ الذاكرة اللبنانية في زمن الحرب
مقابلة مع عباس هدلا
غارة جوية أصابت محيط دارة سليم في منطقة الغبيري حيث تقع «أمم»
غارة جوية أصابت محيط دارة سليم في منطقة الغبيري حيث تقع «أمم»

«إانها الحرب... ولكن»، هو أحد أبواب «ديوان الذاكرة اللبنانية» يعلن في ما يعلنه أن الحرب وإن قُرعت طبولها وأطلقت حِممها فإنها لا تقف حاجزًا أمام هموم الناس الثقافية والفكرية، ولا أمام اهتماماتهم بتاريخهم وحاضرهم وتفكيرهم في مستقبلهم، وهو ما نذَرت الجمعية اللبنانية للتعارف الفني والثقافي «أمم» نفسها في سبيل تحقيقه.

حول اهتمام «أمم» في حفظ ذاكرتها وأرشيفها في زمن الحرب، ومن باب الحفاظ على ذاكرة اللبنانيين في حروبهم وسِلمهم، كان لنا لقاء مع عباس هدلا، كبير الباحثين ومنسّق الأرشيف في «أمم للتوثيق والأبحاث»، الذي بدأ العمل مع انطلاقة الجمعية.

بداية هل يمكن إعطاء لمحة عن الجمعية واهتماماتها وطريقة عملها على الأرشيف؟

تأسست الجمعية اللبنانية للتعارف الفني والثقافي «أمم للتوثيق والأبحاث»، في عام ٢٠٠٥، وكان من أبرز أهداف تأسيسها الحفاظ على الذاكرة اللبنانية، خاصة ذاكرة الحرب الأهلية اللبنانية. وعند الحديث عن ذاكرة جماعة أو مجتمع معيّن، يصبح من الضروري العودة إلى الأرشيف الذي يروي قصة هذه الذاكرة. ومن هنا بدأت عملية تجميع الأرشيف الورَقي والسمَعي والبصَري حول الذاكرة اللبنانية بجميع جوانبها.

عند تأسيس «أمم»، كان هناك أرشيف ورَقي يتضمَن كتبًا ومجلات ووثائق، تمَّ تجميع بعضها وشراء البعض الآخر، بينما تمَّ الحصول على جزء مهمّ من أرشيف محسن سليم. وكان لقمان سليم، الذي سار على خطى والده في حفظ تاريخ الذاكرة اللبنانية، هو مَن قام بتوجيه هذا الجهد الكبير، مركّزًا على حفظ ذاكرة المتن الجنوبي بشكل خاص والذاكرة اللبنانية بشكل عام.

إضافة إلى ذلك، عمل لقمان سليم، بالتعاون مع زوجته وشريكته مونيكا بورغمان على إنتاج فيلم بعنوان «ماساكر»، الذي يروي قصة مجزرة صبرا وشاتيلا. وهو الفيلم الأول من نوعه الذي نشاهد فيه القتَلة وهم يسردون تفاصيل ما ارتكبوه من جرائم ضد المدنيين. وخلال عملية البحث والعمل على هذا الفيلم، تمَّ جمع أرشيف شفوي يتضمن شهادات حيّة، بالإضافة إلى فيديوهات تتعلّق بالحرب الأهلية اللبنانية. وبذلك، بدأت «أمم» منذ عام ٢٠٠٥ في تجميع الأرشيفات السمعية والبصرية، إلى جانب الأرشيف الورَقي الذي أتينا على ذكره أعلاه.

متى بدأ التنبّه إلى ضرورة وعي مخاطر الحروب على الأرشيف الموجود في «أمم»؟

الفترة الأساسية التي واجهَتنا كانت خلال حرب تموز ٢٠٠٦، حيث تعرّض المبنى الذي يحوي الأرشيف لأضرار كبيرة، خصوصًا في الطابق الثالث من مبنى «أمم للتوثيق والأبحاث» في منطقة الغبيري. على الرغم من أن الأرشيف لم يتضرّر بشكل كامل، إلّا أن الردميات التي تساقطت على المبنى شكّلت خطرًا كبيرًا عليه. ومن هنا بدأت «أمم» لقمان ومونيكا، التفكير في إيجاد حلول لتأمين المواد الأرشيفية والحفاظ على سلامتها.

في أعقاب هذه الحرب، انطلقت خطة منهجية للحفاظ على الأرشيف، حيث شرعنا في فرز المواد الأرشيفية حسب أهميتها. تمَّ تنظيم ورَش عمل مخصصة لهذا الغرض، وشملت الخطوات تحويل الأرشيف الورَقي والشفَهي والبصَري إلى صيغة إلكترونية عبر عمليات المكننة والرَقمنة. بدأنا بتصنيف الأرشيف وفق أولوياته: الأرشيف الأكثر أهميةً وندرةً، ثم المُهمّ، وصولًا إلى الأقل أهمية. اعتمد التصنيف على مدى إمكانية استعادة الأرشيف في حال تلَفه. على سبيل المثال، الأرشيف النادر الذي لا يمكن تعويضه حظي بأعلى درجات الاهتمام.

تضمّنت عملية الحفظ الموثّقة مسْحًا رقميًّا (سكان) للمواد الأرشيفية وتخزينها في أماكن آمنة. هذه الإجراءات جاءت لضمان حماية هذا التراث الوثائقي الفريد من أية خسائر محتملة.

أما مكننة العمل الأرشيفي في «أمم للتوثيق والأبحاث»، فتقوم على ثلاثة مستويات أساسية:

العمل اليومي: يشتمل على عملية المكننة اليومية للمواد الجديدة.

المستوى الأول: يتضمن إدخال المعلومات إلى قواعد بيانات تُستخدم للوصول إلى المعلومة الأساسية، مثل «ديوان الذاكرة اللبنانية».

المستوى الثاني: يشمل «أمم بيبليو»، وهو قاعدة بيانات للوثائق المرجعية التي توضح المصدر الذي تخرج منه المعلومات. كما تتضمّن مكتبة رقمية تُتيح للباحثين الاطلاع على الكتب وطلبها بصيغة رقمية.

بهذه الطريقة، نجحنا في بناء منظومة متكاملة لحفظ الأرشيف وضمان استدامته في خدمة الباحثين والمهتمين.

هل يمكن القول إن ورشة الرَقمنة هي ورشة للحفظ أكثر ما هي ورشة لإمكانية الوصول؟

الرقمنة هي ورشة تهدف إلى إبقاء المواد الأرشيفية النادرة والأقلّ ندرة في متناول المهتمين، بالإضافة إلى حفظها من الزوال والتلف. تنطوي الرقمنة على مسألة أن الوثيقة النادرة التي كانت موجودة فقط في صورة مادية أصبح لها وجود رقمي، مما يساهم في الحفاظ عليها من التلَف أو الاندثار. ومن خلال الرقمنة، تتحقق عملية الوصول إلى المادة الأرشيفية التي تمَّ الحفاظ عليها. والحفاظ على المادة الأرشيفية يتمّ عبر طريقتين رئيسيتين: التخزين الجيد والتخزين الآمن، حيث يتمّ اتخاذ إجراءات وقائية لمنع تعرّضها لعوامل التلف.

نحن نعمل وفق معايير دقيقة في عملية التخزين لضمان عدم تعرّض المادة الأرشيفية لأي ضرر، مثل وجودها على أسطح عادية كالبلاط أو الباطون والخشب حتى. لذلك، يجب أن تُوضع على منصّات تعلو عن أرضية المكان لحمايتها من أي عوامل طبيعية قد تؤثّر عليها. كما يجب عزل تلك المادة الأرشيفية بشكل صحيح وحفظها في أماكن آمنة.

الأماكن الآمنة تتوزّع إلى ثلاثة أنواع: إما أن تكون المواد في مخزن آمن، أو في مكان محميّ ضمن البيئة المحيطة، حيث تضمن هذه الأماكن شروط الأمان في حال حدوث أي طارئ. بالإضافة إلى ذلك، يتمّ تخزين الأرشيف بطريقة تضمن أن أي صدمة يتلقاها تكون محمية بواسطة طبقات من الكرتون والأوراق التي نحيطها به والتي تمتصّ الضربات.

من خلال هذه الإجراءات، قد نستخدم وسائل بسيطة مثل صناديق من الخشب أو الحديد لحماية هذا الأرشيف. تساعد صناديق الحديد على تقديم حماية إضافية إذا لم تكن مُتهالكة، لأن الورق معرّض للتلف عند تعرّضه للهواء أو الرطوبة أو الحشرات. وبالتالي، تُستخدم صناديق خشب أو حديد لحفظ تلك المادة بشكل آمن، حتى في حال حدوث ضربات أو اعتداءات. على سبيل المثال، إذا سقط شيء على صندوق خشبي، سيكون الضرر أقل، مقارنة مع صندوق الكرتون.

المعايير الأساسية للحفاظ على الأرشيف تتمثّل في تأمين المكان واتّباع طرق حُفظ آمنة تساهم في الحفاظ على المادة الأرشيفية. منذ ما قبل الحرب الحالية، وفي ضوء تجربة حرب ٢٠٠٦ وأحداث أيار ٢٠٠٧، كان من الضروري دائمًا ضمان حماية الأرشيف، الذي يعدُّ في النهاية جزء من ذاكرة لبنان وتاريخه، حتى لو كان يُعتبر ملكًا لـ«أمم».

هل حدثت أي مبادرة من الدولة اللبنانية تجاه «أمم» في هذا المجال؟

نحن نسعى لحفظ الذاكرة اللبنانية التي لا تُوليها الدولة اللبنانية ووزارة الثقافة الاهتمام المطلوب منها. في الواقع، هناك تجاهل لهذا التاريخ ولهذه الذاكرة. بل على العكس، في عام ١٩٩١، عندما تمَّ إصدار قانون العفو، عمل من كان في السلطة آنذاك، في ظلِّ الوجود السوري، على طمْس الذاكرة اللبنانية، وخاصة ذاكرة الحرب الأهلية. تمَّ العمل على محاولة طمس ومحاولة محو هذه الذاكرة أمام اللبنانيين وخاصة منه الجيل الذي لم يُعايش فترة الحرب، بحيث نشأ هذا الجيل على عدم دراية ومعرفة تاريخ أحداث ما جرى خلال الحرب الأهلية. والسبب في ذلك هو أن أمراء الحرب أصبحوا في مواقع السلطة، وبالتالي هم من عملوا على إخفاء وتجاهل هذه الذاكرة، خصوصًا ذاكرة الحرب، حتى لا تُكشف أفعالهم وتاريخهم خلالها.

وما نراه اليوم، بوضوح، هو «المكتبة الوطنية اللبنانية» التي أصبحت في الوقت الحالي مكتبة مهمَشة. كما أن المتحف اللبناني لا يزال في حدوده الدنيا، وكتب التاريخ الواقعية والتي يجب أن تروي للأجيال الجديدة حقيقة ما حدث خلال فترة الحرب الأهلية وتُعمّم على مناهج المدارس اللبنانية، لم تتمّ بعد.

إن الحكومة اللبنانية ووزارة الثقافة، وحتى المجتمعات المحلّية، تنظر بعين الشك والريبة إلى الأعمال التي نقوم بها في «أمم للتوثيق والأبحاث»، فمنذ عام ٢٠٠٥، بدأنا في «أمم» إنشاء قاعدة بيانات تسجّل الذاكرة اللبنانية بجميع جوانبها. في «ديوان الذاكرة اللبنانية»، هناك أقسام تتناول الحرب اللبنانية من مختلف جوانبها، مثل المفقودين، المفقودين في السجون السورية، الحروب اللبنانية، خطوط التماس، المجازر، المقابر الجماعية، الاغتيالات ومحاولات الاغتيال. كما تناولنا مواضيع الأدب والفن خلال الحرب الأهلية وغيرها من المواضيع التي يجب أن تُحفَظ. كما استحدثنا أرشفة المواد التالية: ذاكرة اللجوء، حوار الأديان ومبادرات السلام، وهناك محاولات لتوثيق كل جانب من جوانب الاجتماع اللبناني السياسي والاقتصادي. كما نلفت إلى أنه لدَينا موضوعات مؤرشَفة عن: «ستوديو بعلبك»، و«أوتيل كارلتون» وغيرهما من الموضوعات الخاصة. وهذا كله قائم على مبادرات الجمعية، دون أي مساعدة من الدولة اللبنانية.

وبالإضافة إلى عملنا على الرقمنة، ترانا نحاول إيجاد أماكن آمنة لحفظ هذه الذاكرة. هذا هو الهاجس الأساسي الذي نعمل عليه بشكل مستمر. في الآونة الأخيرة، بعد عملية «طوفان الأقصى» وما سُمّي «حرب الإسناد»، اتخذنا الإجراءات اللازمة لعملية التخزين الآمن، سواء كان الأرشيف الأكثر أهمية أو الأقل أهمية. فقُمنا بعملية الرقمنة وأطلقنا موقع «أمم بيبليو» لتمكين المهتمين من استخدام هذا الموقع. كما قمنا بنقل المواد الورَقية، البصَرية، والسمَعية، والوثائق، والصوَر بطريقة علمية ومدروسة.

المواد التي لم نتمكّن من نقلها إلى أماكن آمنة لغاية اليوم، يتمّ حفظها في المركز الرئيسي في حارة حري، لأنه في حال حدوث أي طارئ، نضمن أنه يمكن استرجاع ما تبقّى منها.

لقد قمنا بكل ما هو مطلوب وفقًا للإمكانات المتوافرة لدينا. بالطبع، الأمان يظلّ مرتبطًا بالموارد المتاحة. إذا كانت هناك إمكانيات أكبر أو شركاء يساعدون في مجال الرَقمنة وتحويل أرشيف «أمم» إلى أرشيف رقَمي، سيكون لدينا القدرة على حفظ هذه المواد في أماكن ومخازن تراعي الظروف الصحية للأرشيف.

كنتيجة، هل أنتم في «أمم» راضون على ما أُنجز في هذا المجال؟

بناءً على الإمكانيات المتاحة، نشعر بالرضا الكبير، لكن كلما كانت هناك مشاريع إضافية في إطار حفظ الأرشيف والرَقمنة، كنا سنكون أكثر سعادة. في النهاية، هذا هو عملنا منذ ٢٠ سنة في عملية المكننة وحفظ الأرشيف وعرضه أمام الجمهور ليتمكّن الجميع من الاستفادة منه وتنمية اطلاعهم على الذاكرة اللبنانية. ونحن من خلال عملنا نهدف إلى السعي للسلام وإبعاد شبح الحرب عن لبنان، وذلك من خلال تمكين اللبنانيين من الوصول إلى المادة التي تُنعش ذاكرتهم وتجعلهم يتجنّبون ارتكاب الأعمال التي أضرّت ببلدنا لبنان سابقًا.

الفكرة الأساس هي الحفاظ على الذاكرة، حتى يتعلّم اللبنانيون من الأخطاء السابقة ولا يُعاد تكرار التاريخ الأسود للحروب. وهذا ما تعمل عليه «أمم» في مشروعها، وهو ما نستمر فيه. وليس هذا العمل مقتصرًا على فترة الحرب فقط، بل «أمم» بدأت في اتخاذ إجراءات منذ عام ٢٠٠٥، وبعد الحادثة الأخيرة، خلال هذه الحرب التي تعرّض لها مبنى «أمم» ومكتبها في الغبيري وبـ«الهنغار»، بدأنا العملية بشكل منظَّم، حيث قُمنا بفرز الأرشيف من الأهمّ إلى الأقل أهمية، وصولًا إلى تأمين الأرشيف المحافظة عليه. وهذه الإجراءات ليست بالشيء الجديد علينا.

هل أصابت الحرب الحالية «أمم» بأضرار مادّية؟
دارة سليم حيث مكاتب «أمم»
دارة سليم حيث مكاتب «أمم»

المنطقة المتواجدة فيها «أمم» تعرّضت لغارات جوية عديدة وقوية أصابت محيط المبنى. وفد أدّى هذا الأمر إلى تعرُّض مخزن المطبوعات الورقية في «أمم» لأضرار خارجية وتهشّم بعضها.

دارة سليم حيث مكاتب «أمم»
دارة سليم حيث مكاتب «أمم»