03・12・2024
من العدد ١٦
حوار مع علي الأمين
معادلة «حزب الله» حول «الحماية» سقطت والخيَار بالعودة إلى الدولة؛ «ليس وظيفة الشيعة القتال... ولا أن يبقوا في موقع المحارب»
علي الأمين
علي الأمين

علي الأمين مواطن لبناني ابن بلدة شقرا الجنوبية، ينتمي إلى عائلة خرّجت العديد من العلماء والمفكّرين عبر التاريخ، وبسبب أدوارهم الاجتماعية والدينية ذاعَ صيتهم في كل أنحاء لبنان. لا يخجل من المُجاهرة بكونه شيعيًّا ولا يرفض الإجابة على كل سؤال يتعلّق بمستقبل الطائفة التي ينتمي إليها. حمَل همومها في قلبه، وناضل في سبيل رِفعتها من دون كلل أو ملل، وإن كان قد تعرّض لمضايقات مختلفة، لكنه آثر الاستمرار في خوض المعركة بقلمه في سبيل مستقبل أفضل.

كان لـ «الفان رقم ٤» نصيب في لقاء الأمين، للحديث في شؤون الطائفة الشيعية وشجونها، انطلاقًا من الأحداث الملمّة بها، ومن تجربته الخاصة ورحلة تنقّله بين المناطق لتجنّب تداعيات الحرب، فكان هذا الحوار:

أين كنت تقيم خلال الحرب الأخيرة؟

أنا أساسًا من المقيمين في ضاحية بيروت الجنوبية، لكن في الفترة الأخيرة كنت من سكّان حارة حريك، وأقول ذلك باعتبار أنني تنقلت بين مناطق عدة كمعوض وبئر العبد. كنت لا أزال في حارة حريك وكان منزلي مقابلًا للمكان الذي اغتيل فيه مسؤول «حزب الله» فؤاد شكر، وكان الاغتيال بمثابة السبب المباشر لمغادرتي المنطقة والانتقال إلى عين الرمانة، علمًا أن منزلي ليس بعيدًا عن المكان الذي اغتيل فيه الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله.

مكان اغتيال نصرالله، ماذا عنه؟

بصراحة تفاجأت وقتها أن هناك بنايات تابعة للحزب موجودة في المنطقة. أقول ذلك لأنها شُيدت بطريقة معيّنة بحيث لا يمكن اكتشافها بسهولة من قِبل المارة، فالمقرّ شُيّد خلف مجموعة من العمارات القديمة، ولم تكن مداخلُه واضحة ويمكن الولوج إليه من خلال عدد من الأزقّة. وعلى الرغم من السنوات التي قضيتها في المنطقة لم أنتبه لتفاصيل المقرّ، فالشارع القريب منه كنا تشعر بأنه كئيب، لا محلات تجارية ولا زحمة مارّة ولا حتى مظاهر للحياة.

كيف تؤثِّر الحروب على ارتباط الإنسان بالمكان؟

نحن من جيل الحرب في الأساس. بمعنى أننا نشأنا عليها مذ تفتحت أعيننا. ففي العام ١٩٧٥ كنا نسكن في شقرا، ثم انتقلنا إلى صور في ١٩٧٦ وبعدها إلى ضاحية بيروت الجنوبية (حي معوّض)، ولي هنالك ذكريات مع العمارة التي سكنّاها إذ كانت تحتوي على مكاتب جريدة «بيروت» وكذلك مركزًا لحزب البعث العراقي، وأذكر أنه حصلت معركة كبيرة عليها بين «حركة أمل» وحزب «البعث» ما اضطّرنا للنزوح إلى صيدا، وقد سقطت البناية لاحقًا في يد «حركة أمل» التي قامت بتدميرها.

خلال الاجتياح الإسرائيلي ١٩٨٢ كنا لا نزال في صيدا، بعدها في ١٩٨٧ عدنا مجدّدًا إلى بيروت التي لا أزال مقيمًا فيها إلى اليوم. في كل تنقلاتي عايشت أشكالًا مختلفة للحرب، فكل المناطق التي سكنّا فيها كانت تعيش حالة معينة من المعارك، وكل ذلك كانت تختزنه الذاكرة على شكل تأثيرات مختلفة وتنعكس عليّ نفسيًا، خصوصًا في مرحلة الطفولة، فالشخص الناشئ يكون أكثر عُرضة للتأثُّر من الكبير، وطبيعي أن يعيش انعكاسات الحرب وتداعياتها، تحديدًا على مستوى حالة عدم الاستقرار، ففي كل مكان يسكنه الإنسان يعمل على التكيّف معه، وأن يبني صداقات وعلاقات اجتماعية، لكن الانتقال مجدّدًا يفكّك تلك الروابط، فيُضطر لأن يبدأ من الصفر ببناء علاقات جديدة بدلًا من التي خسرها.

وإذا أردنا التحدّث عن تأثيرات الحروب التي شهدها لبنان على الطائفة الشيعية؟

أولًا، تأثيرات الحرب ليست محصورة بالطائفة الشيعية، بل هي طالت كل الطوائف الأخرى وعلى امتداد لبنان. لكن إذا أردنا الحديث عن البيئة الشيعية، وبالأخص خلال الحروب الإسرائيلية، فإن الكثير من أبناء الطائفة يعيشون في مناطق «التماس« خصوصًا في الجنوب. وعليه يمكن الحديث عن بعدين للحروب الإسرائيلية، الأول، في مكان ما وربما، يمكن القول بأنه إيجابي والثاني سلبي، وبالنسبة إلى البُعد الأول، فقد دفعت تلك الحروب الكثير من أبناء الطائفة الشيعية في الجنوب إلى النزوح ثم الهجرة، فمناطق الجنوب اللبناني شهدت نسبة عالية للهجرة وكانت وجْهاتها مختلفة بين أفريقيا والخليج العربي والولايات المتحدة الأميركية وكندا وأوروبا، وإلى دول أخرى عدّة. هذه الهجرة أفرزت نوعًا من النهضة، فمجرد هجرة الإنسان إلى عالم آخر، يحقق نوعًا من التطوّر على المستوى الاقتصادي والمعيشي بالدرجة الأولى، ويصبح لديه الكثير من الفرص، كذلك يحظى بمستوى أرفع من التعليم والارتقاء الاجتماعي. لكن تلك الهجرة ارتبطت بميزة تمتّع بها الجنوبيين، والمتعلّقة بارتباطهم بأرضهم، فنحن نلمس ذلك بمجرد رؤيتنا للقصور والفلل والمنازل التي قامَ المهاجرون الجنوبيون بتشييدها، ولم يسكنوا فيها حتى. وهذا الأمر يعدّ إيجابيًا لأنه يعزّز الانتماء للأرض والتمسّك بها.

في المقابل، فإن البُعد الثاني أي السلبي للحروب، يتمثُل في الموت والقتل والدمار. كذلك فإن التدمير الذي شهدته مناطق الجنوب إثر كل الحروب الإسرائيلية أدّى إلى عدم نشوء أي مسار تنموي فيها. وقد أفرز ذلك نوعًا من البطالة المقنّعة في تلك المناطق، والذي أدّى أيضًا إلى جنوح غالبية شبّان الجنوب نحو الأحزاب خصوصًا «حزب الله» الذي عزف على هذا الوتر، واعتمد صيغة الاستقطاب بشكل واضح، فقسم كبير من شبان الجنوب كانوا يستسهلون «التفرغ» في الحزب مقابل ٥٠٠ أو ٦٠٠ دولار شهريًا، وهكذا تحوّلت إغراءات الأحزاب إلى فرصة عمل بالنسبة إلى هؤلاء وليست فرصة نضال، أو لنقل إن فرصة العمل تتقدّم على النضال، حتى لا نظلم الجميع. وهذا كله خُلق نوعًا من السّطوة العسكرية للحزب على الجنوب فباتت مناطقه وقراه تفتقر إلى الحيوية والتنوُّع ولا وجود للاختلافات التي يمكن أن نراها في المناطق اللبنانية الأخرى التي تعيش حالة من الاستقرار وتسود فيها الحالة المدنية لا العسكرية. وقد دفع ذلك في النهاية، أبناء الطائفة الشيعية إلى التقوقع، بعد أن عزّزها النمَط العسكري والخوف من الآخر.

ماذا عن إعادة ترتيب البيت الداخلي للطائفة الشيعية بالاستناد إلى حرب ٢٠٢٤؟

في هذا الإطار، يمكن الحديث عن المسار الذي قد تتّجه إليه الأمور التي من المفترض أن تتشكّل على طريق المعالجة. فالمسار سيكون مرتبطًا بنتائج الحرب، فهل ستفرز تكريس فاعلية وتأثير «حزب الله» والنفوذ الإيراني في المعادلة السياسية اللبنانية، أم ستنتهي إلى خلاصات مفادها تراجع الدور الإيراني و«حزب الله»؟ بمعنى هل ستفقد هذه الحالة، الإيديولوجية السياسية والأمنية والعسكرية، حضورها وتتراجع؟ هذه أسئلة جوهرية في هذا السياق. فنحن نسمع أنه حتى لو تمكنت إسرائيل من ضرب مواقع وقُدرات ومصادر قوة الحزب في لبنان، إلّا أنه لو بقيت نُواة واحدة موجودة فقد يُتاح لها ظروف خاصة قد تمكّنها من إعادة النشوء والتمدّد مستفيدة من الوضعية المتعلّقة بكيفية انتهاء الحرب، وبالتالي يمكنها أن تُعيد بناء ما تهدّم عسكريًا وأمنيًا وإيديولوجيًا وما يترتب عليه من إعادة السيطرة. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن إيقاف الحروب لا يكون من خلال وضعية الطائفة الشيعية وحدها والمعالجة الداخلية فقط، بل يتطلّب نوعًا من المعادلات الإقليمية والدولية التي تساعد على الخروج من منطق الحروب. وهذا يقودنا إلى جملة أسئلة، انطلاقًا مما يمرّ به لبنان حاليًّا، منها: هل سيكون «حزب الله» وإيران جزءًا من تلك المعادلات أم خارجها؟ أو بالمعنى العسكري الأمني، هل سيبقى «حزب الله» يمتلك السلاح أم لا؟ وهكذا فإن كل نتيجة للحرب سيكون لها ترتيبات مختلفة عن الأخرى.

من وجهة نظرك؟

اليوم نحن أمام سقوط تجربة لها علاقة بـ«حزب الله». فمنذ العام ٢٠٠٠ عمل الحزب على ترسيخ معادلة القدرة على حماية لبنان بالحد الأدنى وتحرير فلسطين بالحد الأقصى. لكن هذه المعادلة التي لم تكن وليدة مبادرة فردية، بل تمّ تعزيز نفوذها بعوامل إقليمية وغطاء دولي أثبتت فشلها. وبالتفسير فإنه منذ ما بعد حرب ٢٠٠٦ حاول «حزب الله» القول دائمًا إنه يستطيع منع الاعتداءات الإسرائيلية وحماية لبنان، مدّعيًًا أن هذه هي معادلة القوة في هذا البلد الضعيف. لكن مع ما شهدناه في حرب الـ٢٠٢٤ فإن هذه المعادلة انهارت، وفي الوعي العام لم يعد سلاح «حزب الله» يشكّل مصدر أمان للمجتمع اللبناني أو الشيعي، وفقَد ميزته في هذا المجال. فـ«حزب الله» الذي كان دائمًا يوحي للجنوبيين بأنه لولا سلاحه لما تمكّنوا من البقاء في أراضيهم، لم يعد قادرًا على إقناعهم بذلك بسهولة. وتجب الإشارة هنا أيضًا إلى أن «حزب الله» رسّخ فكرة الحماية مقابل الولاء، وأدّى ذلك إلى نوع من الطمأنينة لدى سكان الجنوب الذين كانوا على قناعة بأن وجود الحزب على طول الحدود يشكّل مظلّة أمان لهم. لكن كل هذه المعادلة انهارت وسقطت لأن الذي تبيّن هو أن كل ما حاول «حزب الله» الترويج له لم يكن صحيحًا، بمعنى أن السلاح وحده لا يشكّل مصدر حماية. وعليه نحن أمام السؤال: كيف ستكون عودة الجنوبيين إلى أراضيهم ووفقًا لأي شروط؟ وكيف ستتم إعادة الإعمار؟

اليوم يسود بين أبناء الطائفة الشيعية تنازع لأفكار متفاوتة، منها ما يرتبط بأهمية وجود الدولة، ومنها ما يتعلّق بالاتجاه نحو المزيد من الانكفاء والتقوقع، وأصحاب هذا التوجه يفضلون التمسّك بالسلاح باعتباره عنصر الحماية لأنهم يرون أن الخطر لا يتصل بإسرائيل فقط، بل يتعلق بالطوائف الأخرى التي تستعدّ للانقضاض عليهم، كما يتعلّق بما يرونه خطرًا عربيًا عبر سوريا بالوجهين: نظام بشار الأسد الذي قد ينقلب عليهم في أي لحظة، والمجتمع السوري الذي يمكن أن يبتهج بما حصل. ويقابل هذه الأفكار خيار آخر يقوده تيّار يشدّد على إعادة الاعتبار للدولة واللجوء إلى حاضنتها. أما شخصيًا، فأنا مع منطق الدولة، لأنني أعتقد أن هذا الخيار سيترسخ أكثر فأكثر في المرحلة المقبلة في ظلِّ الوعي بسوء المخاطر التي قد تُحدق بالطائفة الشيعية إن هي ذهبت إلى خيار التقوقع والتفرُّد والمغامرة. فإذا كان السلاح فشل في تحقيق الحماية فإن لمنطق الدولة إضافة جديدة، ذلك أن قوة الدول لا تكون عسكرية فقط، وهنا لا بد من التأكيد على أن الوصول إلى التوازن العسكري مع إسرائيل لا يمكن أن يتحقّق، فمهما امتلكنا من أسلحة لن نجاري إسرائيل التي تستند في قوتها على دعم دولي وأميركي غير محدود. إذًا، إن عناصر القوة لا يمكن حصرها بالجانب العسكري فقط، ونحن لا نقلّل من أهمية هذا العنصر، لكنه ليس كافيًا في حالة مواجهة مع عدو بهذه القوة والمقدرة العسكرية والاقتصادية.

وبالاستناد إلى ما سبق فإن الدولة لها شرعية تتضارب مع شرعية الحزب أو الميليشيا. وهذه الشرعية بحدِّ ذاتها هي عنصر قوة. وهناك أمر آخر يدخل في تشكيل القوة ويرتبط بالعلاقات العربية والدولية وفي طريقة بناء السياسة الخارجية. ويضاف إلى ذلك ما يتصل بالداخل على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي والقضائي والأمني، ومدى تماسك المجتمع وتوحّده حول القضايا الوطنية. إن هذا يسخِّف السؤال الدائم الذي يطرحه البعض: ماذا فعلت لنا الدولة؟ أصلًا، أن نكون دولة هو عنوان نضالي بحدِّ ذاته. وبالتالي فإن طريق الدولة هو الأفضل أو الأقل سوءًا من أن تتولّى جهة معيّنة أمور الدفاع وتقاتل منفردة في ظلِّ غياب الشرعية.

كيف يمكن ترميم العلاقة مع الطوائف الأخرى؟

نعود لنقول إن هذا الأمر منشؤه منطق الدولة، إذ لا يمكننا أن نستمر بالاعتماد على المصالحات «الطوائفية»، بل يجب أن نعمل على إعادة الاعتبار للدولة والدستور والقانون والمؤسسات. فهذا المدخل يشكل عنصر تفاعل مع الآخرين ويخلق مساحات مشتركة بينهم، ويُخرج الانقسام والاختلاف في المجتمع عن بُعده الطائفي ليتّخذ شكلًا آخر يتعلّق بالسياسة والاقتصاد والمصالح. وأرى أننا يجب أن نستفيد من كل التجارب السابقة التي أدّت إلى صراعات واستقطابات طائفية، والتي تعدُّ إغواءً للكثير من القوى لأن تستثمر فيها لأنه يوفّر لها الحماية خلال ممارستها للسرقة والعمالة للخارج والمغامرة. لذا يجب أن يلتفت اللبنانيون جميعهم إلى هذا الخلل ويعالجوه، من دون أن يعني ذلك إلغاء الطوائف، بل عدم بناء السياسات على أساس تحالفات طائفية يتحكَّم فيها حزب من هنا أو تيّار من هناك، أو فرد من هنا أو زعيم من هناك. فالتجارب التاريخية تُثبت كيف انجرّت الطوائف إلى مغامرات قاتلة. لذلك فإن المخرَج لكل الطوائف هو الركون إلى الدولة على أن يكون الولاء لها أولًا لا إلى الطائفة أو المذهب أو الخارج أيًّا كان.

ماذا عن «حزب الله» ضمن هذه العلاقات؟

حتى اليوم يرفض «حزب الله» أن يكون ضمن الأحزاب التي تحظى بالترخيص اللبناني. وكأنه يشكِّك بذلك بهويته اللبنانية أو لا ينظر إليها باعتبارها المظلّة الأساسية التي يمكن أن ينضوي تحتها، فالحزب يمكن أن يكون له هوية شيعية أو حتى قومية لكن يجب أن تكون تحت مظلة الوطن. نحن لا نقول إن الحزب ليس لبنانيًّا، لكن التحدّي أمامه هو في كيفية إعادة الاعتبار لانتمائه اللبناني، لأن هذا الأمر من شأنه أن ينعكس عليه، وعلى مستقبل الطائفة الشيعية برمّتها، فهل هي مسلوخة عن البيئة اللبنانية ويشكّل ارتباطها بالعالم الشيعي الذي تقوده إيران مثلًا هو الأساس؟ وبالتالي فإننا نرى الأنسب هو في أن يكون الولاء للبنان ونظام مصالحه. 

أتيت على ذكر إيران، فماذا عنها؟

عندما نشبت حرب الـ٢٠٢٤ شدّدت إيران على أنها لن تذهب إلى حرب مع إسرائيل ولن تمنحها الذريعة لخوض مثل هذه الحرب، وقد برز ذلك على لسان أكثر من مسؤول إيراني، حتى على لسان المرشد الأعلى للثورة الإسلامية، وذلك باعتبار أن المصالح الإيرانية لا ترى حاجة لمثل هذه الحرب. وهنا نقول إن الهوية الشيعية المشتركة وولاية الفقيه لم تشكّل إلزامًا لإيران لأن تشارك في حرب يُقتل فيها شيعة جنوب لبنان أو مؤيدين لولاية الفقيه فيه، لماذا؟ الجواب هو: لأن الدولة الإيرانية رأت أن مصلحتها ونظامها لا يسمحان بدخول الحرب وذلك على الرغم من أن عقيدة ولاية الفقيه تتجاوز الحدود. وفي رأيي أن النموذج الإيراني يجب أن يطبّق في لبنان، ففي بعض الأحيان قد يكون لإيران مصلحة ما في الحرب ولبنان لا مصلحة له فيها. وعليه فإن الحزب من موقع إعجابه بإيران يجب أن يتبع سلوكها في ما يرتبط بالمصلحة، أي أن يقدِّم مصلحته ومصلحة لبنان على مصلحة ولاية الفقيه أو الهوية المذهبية الشيعية. هذا الأمر يجب أن يأخذه الحزب في الاعتبار، فبعد كل هذه الحصيلة للحرب وفشل السلاح في منع الدمار وتحقيق الحماية فإنه لا بد من التفكير بطريقة مختلفة، لأن النهج المتّبع من قِبل الحزب أثبت أنه لم يحقّق المبتغى، لذلك لا يمكن تكراره وانتظار نتائج مغايرة منه. 

كيف يكون الخلاص بالنسبة إلى الطائفة الشيعية... وماذا عن المستقبل؟

إن المسار المعتمَد قاد إلى ما وصلنا إليه اليوم. فالطائفة الشيعية اليوم أمام خطر إسرائيلي وداخلي، وأمام مخاطر ابتلاع من محيط عربي، لذا فإن وسيلة الدفاع الأوّلية يجب أن تكون بإعادة التشكّل والتكوُّن ضمن مشروع الدولة بحيث لا يبقى هناك من يتصرّف ويأخذ القرارات منفردًا. وبالنسبة إلى السلاح، على افتراض أنه بقيَ بيد الحزب، فلا بدَّ أن يكون ضمن سقف الدولة، إذ لا يمكن لهذا السلاح أن يبقى خارج نطاقها وخاضعًا لقراراتها السياسية والعسكرية. ومن وجهة نظري، فإن هذا الأمر يجب أن يُحسم على المستوى الوطني وبمشاركة كل الأطراف، لأن النتيجة ستكون تحرير الشيعة من حصريّة حماية الجنوب. فمَن قال إن الدفاع عن الجنوب هو مسؤولية الشيعة وحدهم؟ هذا يجب أن يكون مسؤولية وطنية عبر الدولة. ولمن يزعمون أن الدولة ليست قادرة على حماية الجنوب عليه أن يعود إلى الأضرار التي تسببت بها إسرائيل من سنة ١٩٤٨ وحتى ١٩٦٩ ومقارنتها بنظيرتها بين ١٩٦٩ و٢٠٠٠ ليكتشف أن الدولة قادرة على الأقل الحدِّ من الأضرار وإن كانت عاجزة عن منعها بالمطلق. لذا فإن الدولة تمثّل الشعب اللبناني وتتحدّث باسمه واستنادًا إلى التجارب التاريخية فإنها الأقدَر على الحدِّ من الأضرار الإسرائيلية. وبالتالي فإن هذا الخيار يحرِّر الشيعة من عبء القتال والحرب. ذلك أنه على الرغم من أنها معنية بالمعركة مع إسرائيل، نتيجة تواجدها على الحدود معها، إلّا أنها كانت تتحوّل إلى أدوات في صراع أوسع يشمل إيران حينًا وسوريا حينًا آخر، أي تحت عنوان أوسع من العنوان اللبناني. كما لاحظنا في فترات سابقة أن الجنوب كان عُرضة للعبة مساومات إقليمية ودولية لم تصبُّ في مصلحة اللبنانيين أو الشيعة.

إن كل ما جرى يجب أن يمنحنا دروسًا للاستفادة منها، فمن غير المنطقي الاستمرار في جبهة مفتوحة، فليست وظيفة أبناء الطائفة الشيعية أن يبقوا حمَلة سلاح وأن تكون وظيفتهم القتال، لأن ذلك يتنافى حتى مع تاريخ الطائفة الشيعية التي لم تكن على الدوام في موقع المحارب.

مقالات مشابهة
13・03・2026
وذكِّر، إن نفعت الذكرى: تقدّم «المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى» بإخبار في ٢٧ آذار ٢٠٢٥ «ضدّ مطلقي الصواريخ».
المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، الذي صرّح اليوم، على لسان نائب رئيسه، راميًا على «الدولة» مهمة الاهتمام بالنازحين، نفضًا عنه أي مسؤولية، وهو الذي لم يُعوّدنا أساسًا على التصدّي لهذه المهمة أو على الاهتمام بأبناء الطائفة الشيعية. كان قد تقدّم، عندما دعت الحاجة، بإخبارٍ ضدّ «مطلقي الصواريخ» بقصد خرق الاتفاق ١٧٠١.
08・03・2026
رحلة الهروب من الموت: يوم كامل من الجنوب إلى بيروت
أحمد خواجة
احتاج الأمر لأكثر من ٢٣ ساعة للانتقال بالسيارة، من بلدتنا الجنوبية في قضاء «بنت جبيل» إلى بيروت، حوالى ١٠٠ كلم استغرق قطعها كل هذا الوقت، معدل سرعة سيْر الإنسان على قدميه خلال التنزّه يتراوح بين ٤.٨ و٥ كلم في الساعة، ما يعني أن رحلة سيرًا على الأقدام بين بلدتنا وبيروت ما كانت لتحتاج إلى ٢٣ ساعة.
14・11・2025
التحوُّلات السياسية في الجنوب بعد الحرب: من زمن الهيمنة إلى أفق التعدُّدية
علي مراد
ما بعد الحرب ليس مجرد مرحلة زمنية جديدة، بل هو اختبار وجودي للبنان ككل، وللجنوب على وجه التحديد. فقد جاءت حرب أيلول ٢٠٢٤ لتكشف عمق التحوّلات التي كانت تتراكم بهدوء منذ سنوات، ولتُعيد طرح الأسئلة التي لطالما جرى التهرّب منها ...
أيضاً للكاتب/ة
03・02・2026
عن قضايا الطائفة الشيعية بعد حرب ٢٠٢٤
أدهم جابر
حتّى اليوم لم تنتهِ تبِعات الحرب التي بدأت منذ ٨ تشرين الأول ٢٠٢٣. هذا الوضع القائم الذي يمكن اختزاله بحالة «اللاحرب، واللاسلم»، شكّل أساس الرأي العام الذي تبلوَر لدى أبناء الطائفة الشيعية وسواهم من أبناء الطوائف الأخرى الذين يعيشون في مناطق سيطرة «حزب الله».
03・07・2024
مؤسسات الضاحية الجنوبية وشركاتها: رزقٌ مِن فضل مَن؟
أدهم جابر
بدراسات جدوى حملت عنوان «الرزق على الله»، شهدت ضاحية بيروت الجنوبية افتتاح مؤسسات وشركات ومحال تجارية فرّخت كـ«العشب» على حين «فرصة». الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يعيشها لبنان منذ العام ٢٠١٩، والتي أدّت إلى إغلاق العديد من المؤسسات والشركات التجارية في البلاد.
03・05・2024
مشاعات برج البراجنة وقضايا الرمول
أدهم جابر
تُعدّ الأراضي من الموارد الهامة التي تمتلكها الدول، لذلك تعمل الدول المتحضرة والنامية على العناية بها وجعلها الركن الأساسي في أي تخطيط مهما كان نوعه وهدفه.