
تحدَّث الشيخ نعيم قاسم، نائب الأمين العام لـ«حزب الله» آنذاك وأمينه العام الحالي، في ليلة الثاني من محرّم، أيلول ٢٠١٧ في مُجَمّع سيّد الشهداء في الضاحية الجنوبيَّة، بشكل حصريٍّ عن المشروع التربوي لحزبِه في مدارسه. استهلّ خُطْبتَه بالقول: «إنَّ التربيةَ العاشورائيَّة مدرسةٌ قائمة بذاتها، متنوّعةٌ في كيفيَّةِ تأصيل شخصيَّة الإنسان رجلاً كان أم امرأة [...] التربية الحُسينيَّة أنجَبَت مُجاهِدِين ومُجاهِدات ورفَعَت من قيمةِ استعدادات التضحية والعطاء». هذا هو ما سمَّاه «الإسلاَم المحمّدي الأصيل »، وعاشوراء «صوّبَت المسارَ وحدَّدت معالِم الطريق، وعاشوراء مشروع الحياة الإسلاميَّة السعيد [...] عاشوراءء مدرسةٌ تُوصِل الإنسان إلى أعلى المراتِب في الطاعة وهي التي جعَلَتْنا ننتقلُ من حالٍ إلى حال: من ذُلٍّ إلى عزّ، ومن جهلٍ إلى عِلْم، ومن ضَياع إلى هُدًى [...] هذه هي المدرسةُ الحقيقيَّةُ لتربيةِ الأجيال».
وبما يشبهُ إلى حد بعيد الإسقاط الواعي، تابعَ قاسم عرضَ المشروع التربوي لـ«حزب الله» ، تحت عنوان «التربية العاشورائيَّة» وفصّله في خمسة عناوين:
الأوّل: «العملُ على النفس الإنسانيَّة التي تتحرّك نحو صلاحِها أو فَسادِها، فيقتضي توجيهها من خال التربية ». وهذا بحاجةٍ لقُدْوَة، «كما الأنبياء والرُّسُل ينقلون عن الله»، ـ«إنْ لم نُربّيهم [كذا في الأصل] نحن سيُربّيهم شياطين الأرض [...] نأخذُ الطفلَ من أوّل حياته كي لا يملأ غيرنا الفراغ ». التربية هي «كيف يكون الإنسان مؤمنًا: يختار الحال من الطعام والشراب، ويتفادى الانحراف والمعْصِيَة في مرحلة المراهقة ».
وأضافَ: «علينا بالأحداثِ لتعبئتِهِم، شبابُ المقاومة وهم أحداثٌ وفي مرحلة المراهقة وما بعدها، شبابٌ تعبّأ بطاعَةِ الله [...]».
«الأخَوات المحَجّبات يَدْفَعْنَ الشباب للقتال ويتقبّلن شهادَتَهُنّ: رجال الله ونساء على طريق الله [...] هذه هي التربية والتعبئة في سبيل الله .».
الثاني: إيجادُ بيئةٍ تساعِدُ الأولاد على الطاعة. عنها قال: «مَن يدخُل الضاحية فيراها كأنَّها إيران والنَّجَف، أفضل ممّن يسعى لتحويلها إلى لوس أنجلُس وباريس ]...[ تلك بيئتُنا نريدُها كذلك لأنَّها ضروريَّةٌ لمتابعة وتأصيل وتخريج وتربية الأطفال على الطاعةِ الحُسينيَّة والتربية الحُسينيَّة ». ثمَّ تطرّق إلى أوضاع «اللاجئين السوريين في ألمانيا حيث البيئة لغسلِ أدمغة الأطفال »، على حدِّ تعبيره، أو «قِيَم الجمهوريَّة الفرنسيَّة حيث ليس هناك دينٌ بين الناس ولا حِجاب ».
ثمَّ أعطى أمثلةً عن «الرياضةِ والتسلية الشريفة والبحر والمنتزه والكشاف وتداول الأمور للشباب» و «التسليةِ المشروعة والاستِئْناس وتضييعِ بعض الوقت للفتيات». وتحدّث عن «لحمٍ شرعيّ وشرابٍ طاهِر لا لحَمَ خنزير ولا مشروب مُسْكِر».
الثالث: إمساك مفاتيح التربية الأربعة:
• المفتاح الأول: الصُّحْبَة: «مَن يُعاشِر هذا الشاب ومَن تُعاشِر هذه البنت؟ » واعتبر قاسم أنَّ «مشهدَ البنات والزّينة » يُعيد إلى الذّهن مشهدًا من يوم القيامة.
• المفتاح الثاني: ماذا تفعل مدارسُنا تربويًّا في وقت الفراغ، الرحلات، النُّزُهات، المسابح، عدم الاختاط. وتساءل: «كيف ستُخاطِبُ معلّمةٌ مطلَّقةٌ البنات وما هي النصيحة التي ستُسديها وهي في الخراب؟».
• المفتاح الثالث: وسائل الاتصال، ويَقْصِد بها التواصل، وعنها قالَ: «إنَّها يمكنُ أنْ تكون حالً ويمكن أنْ تكون حرامًا». لذلك «يجبُ ضبطُ الأولاد كي لا يقعوا في الحرام». وتطرَّق إلى ما يمكن أنْ يحدُث على الفايسبوك، كـ«المحادثة والمراسلة بين شاب وبنت، وهو سيؤدّي إلى ما هو معروف. الخُلْوة [...] وما يتْبَعُها بَلاءات: امرأة متزوّجة تتحدّث مع شاب، أو شاب مدّعٍ يُوقِعُ بفتاة» وانتهى إلى أنَّ «قواعد الانضباط الشرعي تتقدّمُ على قواعدِ وسائل الاتصال».
• المفتاح الرابع: المؤثِّرون من قادَةِ الرأي. هنا طرحَ مشروعه التربوي من خال تبنّي «نموذجٍ إسامي لانتشار الحِجاب وارتفاع عدد المؤمنين، لأنَّ الإمام المهدي يُريدُهم معه ونحن نهيّئ له ». الرابع: المسؤوليَّة الجَماعيَّة كما في مشهَد عاشوراء. وذكرَ: الطفل الرضيع، القاسم، الشاب علي الأكبر، أبا الفضل زينة الرّجال، حبيب بن مظاهر الشّيخ، العبد جون، زينب الإعلاميَّة، الرباب وأم وَهَب، وعلى رأس الجميع القائد الملهم/قائد الأمّة. وعمَدَ إلى إسقاط هذا المثال التاريخي على الواقع الراهن.
• المفتاح الخامس: المرجعيَّة التربويَّة هي «عاشوراء الحسين والإسام المحمّدي ». وأكّد أنَّ «قلةَ الدِّين ليست من الوطنيَّة».
طغت على خطابِ قاسم التصنيفات، على قاعدة التمييز والإقصاء بحق الآخر المختلِف، وعدمِ التسامُح مع الاختاف، بل النظرُ إليه بازْدِراء على قاعدةِ حصريَّةِ امتلاكِ الحقيقة وخيرُ ما يمكنُ أنْ يكونَ من المعارف والمهارات والقِيَم والسلوكيّات. فتمَّ تقديمُ المضمونِ العقائدي للمشروعِ التربوي على أنَّه يستندُ إلى «إسلام محمّدي أصيل »، أي أنَّ هناك تصنيفًا لأكثرَ من إسلام، وأنَّ ما تحدَّث عنه نائب الأمين العام لـ «حزب الله» هو الإسلامُ الأصيل الذي يحْتَكِر وكالتَه والنُطْق باسمِه. إنَّ تقديمَ المشروع التربوي للحزب على أنَّه الممثِّل الحَصْري للإسام المحمّدي، يعني أنَّه ليس مشروعًا مِن بين المشاريع التربويَّة، إنَّما يقدِّمُ نفسه على أنَّه هو المشروع.
إنَّ هذا الخطاب المعياري مناقضٌ للقانون الدستوري، في ما يخصُّ بالتحديدِ قِيمَ الحريات لا سيَّما منها الاعتقادُ الدِّيني، وذلك من خلال النُّطقِ باحتكارِ الإسلام بنزعةٍ تفضيليَّة. والخطابُ حافلٌ كما رأينا ببثِّ النّعَرات الطائفيَّة والمذهبيَّة التي يُعاقِبُ عليها قانونُ الجزاء اللبناني، عبر ذمِّ عادات الآخرين من أفرادٍ وجماعاتٍ وطوائف دينيَّة، لمجرّد أنَّ الشيخ نعيم قاسم وحزبَه ومرجعيَّتَه لا يحبّذونَها. وحَفَلَ بِسِمات اللاعقلانيَّة، وقِيَمِ التبعيَّة ومُجافاةِ الحقائق العلميَّة والاجتماعيَّة، كما يتبيّن في الجدول أدناه:

إنَّ ما يقدمه المشروع التربوي لـ «حزب الله» يَخرُجُ تمامًا عن مِظلَّةِ النظام التعليمي ومؤسَّسَاته ولا يتطابقُ مع مُخرَجاتِه لأنَّه ينفرد بالتنشئة ذات الأُطُر المُغلَقة والمُغايرة للاجتماع اللبناني.


