03・11・2024
من العدد ١٥
نكبة شيعة لبنان في الزمن الإيراني
الدمار في الضاحية الجنوبية لبيروت، المصدر الجزيرة
الدمار في الضاحية الجنوبية لبيروت، المصدر الجزيرة

لم يكن واردًا على الإطلاق أن تتمَّ كتابة هذا المقال في ظروف متحوّلة بصورة مُذهلة.

عند الشروع في إعداد المقال في الأسبوع الأخير من أيلول المنصرم اتجه تفكيري إلى العنوان الاتي: «الجنوب في الزمن الإيراني الحالي _ النوافذ والأبواب مشرّعة على الأخطار التاريخية». وجاء في مسوّدة مقدمته قبل أكثر من شهر: «عندما يصدر هذا المقال من العدد الجديد لـ «الفان رقم ٤»، تكون جبهة المشاغلة في الجنوب قد اجتازت عامها الأول...». وها هي التطورات المتلاحقة منذ ذلك الحين تجعل عنوان هذه المطبوعة «الفان رقم ٤» تعود لزمن خلا. وقد ورد في افتتاحية العدد صفر من هذه المطبوعة في ٣ أيار ٢٠٢٣ والتي حملت عنوان «لماذا الفان رقم ٤ ؟» هذه الفقرة: «أحاديث الفان هي حوارات أزقّة وأحياء الضاحية المتنقلة ذهابًا وإيابًا الى المدينة والضاحية «قلب» شيعة لبنان وحضنهم. هي موضعهم كنازحين ومحرومين وأقوياء وظالمين ومظلومين».

اختفى في هذه الأيام «الفان رقم ٤» الذي هو فعلًا وسيلة النقل الشهيرة التي كانت تخترق الضاحية ذهابًا وإيابًا ناقلة الركاب بين الضاحية وبيروت. وأتى اختفاءه بعدما فرغت الضاحية نفسها، تحت وطأة الحرب الإسرائيلية التي شملت أيضًا الجنوب والبقاع الشمالي، ما أحال أكثر من مليون ونصف مليون مواطن جلّهم من الطائفة الشيعية نازحون في الوطن ومهاجرون في أصقاع العالم.

انطلق المقال الذي كان معدًّا في الأصل للنشر قبل بضعة أسابيع، من فكرة «الزمن  الإيراني» الذي بدأ مع وصول الإمام الخميني الى السلطة في ايران عام ١٩٧٩. وسرعان ما اصبح لبنان عمومًا ومواطنيه الشيعة يدورون في فلك هذا الزمن بدءًا من العام ١٩٨٢ ولغاية اليوم حيث بات هذا الوطن في مهبِّ إعصار زمنَين هما: الزمن الإيراني والزمن الإسرائيلي في وقت واحد.

وتبقى في مسوّدة ذلك المقال فائدة مرجوّة للقراءة والمعدُّ للنشر. ومما جاء فيه:

«بدت الأيام الأخيرة من هذا العام شديدة الوطأة في الميدان. وتوالت الأحداث في الشهر الأخير (أيلول) من العام الأول للمشاغلة لتشير إلى أن لبنان دخل فترة اختبار خطيرة ولا مثيل لها لجهة الأحداث الأمنية وتمثّلت بتفجير آلاف أجهزة المُناداة (البيجرز) والتواصل (التوكي ووكيز) إضافة إلى موجة الاغتيالات التي نفّذتها إسرائيل بحق قادة «حزب الله» وكانت ذروتها اغتيال الأمين العام للحزب حسن نصرالله. والحملة الجويّة التي بدأتها إسرائيل في ٢٣ أيلول والتي أدّت إلى تهجير أبنائه وتدمير المئات من منازل الجنوبيين. فهل قدَر الجنوب (ومعه حاليًّا الضاحية الجنوبية لبيروت والبقاع الشمالي) أن يمضوا إلى عام جديد في ظلّ هذه الأوضاع المأساوية؟

لا تبدو المؤشرات مشجّعة على الإطلاق بما يسمح بالقول إن محنة الجنوب ومعه لبنان على مشارف الخلاص. وما يُطيل أمَد هذه المحنة، أنها لخّصت في وقت واحد جملة مِحن تتقدّمها محنة غياب الدولة التي تمثّل سياج هذا البلد ومرجعيته في هذه المرحلة من التاريخ التي تعصف بلبنان والمنطقة.

لكن أين لبنان في هذه الأيام في ضوء تجربة العمل المسلح الذي يقوده «حزب الله» منفردًا منذ العام ٢٠٠٥، أي في العام الذي شهِد نهاية الوجود العسكري السوري بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، في ظلّ قرار مجلس الأمن الدولي الرقم ١٥٥٩؟

يمكن القول إن لبنان يمرّ الآن بمرحلة هي الثانية من نوعها بعد حرب عام ٢٠٠٦. ففي الحرب السابقة التي استمرت ٣٣ يومًا وانتهت بقرار مجلس الأمن الدولي الرقم ١٧٠١، انفرد «حزب الله» بقرار اجتياز الخط الأزرق الذي رسم الحدود بين لبنان وإسرائيل إثر الانسحاب الإسرائيلي عام ٢٠٠٠. وقد اعتبرت الأمم المتحدة قبل ٢٤ عامًا أن هذا الانسحاب أتى تطبيقًا لقرار مجلس الأمن الدولي الرقم ٤٢٥ الصادر عام ١٩٧٨ بعد الاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان ضمن عملية حملت اسم «الليطاني». وبالتالي فإن هذا الخط الأزرق جاء ليؤكّد أن القرار ٤٢٥ قد نُفِّذ. وعند العودة إلى وثائق حرب ٢٠٠٦، اشتهرت هذه الحرب بأنها «حرب لبنان الثانية» على أساس أن الحرب الأولى كانت عام ١٩٨٢ عندما اجتاحت إسرائيل لبنان من أجل القضاء على الوجود الفلسطيني المسلح. وفي الوقت نفسه،

كان من أبرز ما حفظته هذه الوثائق أن الأمين العام للحزب حسن نصرالله أطلق خلال حرب ٢٠٠٦ عبارة «لو كنت أعلم» وأتت هذه العبارة في سياق حديث تلفزيوني قال فيه نصرالله إنه لم يكن يتوقّع أن تؤدّي عملية اجتياز الخط الأزرق واختطاف ٨ جنود وقتل جنديين، صيف ذلك العام إلى إشعال هذه الحرب.

الدمار في الضاحية الجنوبية لبيروت، المصدر الجزيرة
الدمار في الضاحية الجنوبية لبيروت، المصدر الجزيرة

في التجربة الأولى عام ٢٠٠٦، اختبر فيها لبنان معنى أن يكون «حزب الله» هو صاحب قرار السلم والحرب. فقبل ذلك، وتحديدًا في عام ٢٠٠٥، كان سلوك «حزب الله» خاضعًا للقرار السوري. لكن اغتيال الرئيس رفيق الحريري في ذلك العام كان التطوّر الحاسم في إنهاء الوجود العسكري السوري في لبنان والذي استمر قرابة ٣٠ عامًا.

ومنذ انتهاء النفوذ العسكري السوري المباشر، قبل ١٩ عامًا من اليوم، أصبح «حزب الله» مرتبط كلّيًا بقرار طهران. ويتباهى الحزب بهذا الارتباط انطلاقًا من أنه فصيل في «فيلق القدس» التابع للحرس الثوري الإيراني.

كانت حرب عام ٢٠٠٦ هي التعبير الأول عن انفصال «حزب الله» عن قرار دمشق وارتباطه فقط بقرار طهران. وها هي اليوم جبهة المشاغلة في الجنوب التي انطلقت في ٨ تشرين الأول العام الماضي هي التعبير الثاني لهذا الانفصال عن النفوذ السوري وبالتالي تأكيد الارتباط بالنفوذ الإيراني. وفي ظلّ هذا الارتباط، صار من الأجدى من الآن فصاعدًا التركيز على ما يريده النظام الإيراني من لبنان كي ندرك مآل الأمور المصيرية التي تحكم حاضر لبنان ومستقبله.

عانى لبنان من حرب إسرائيل الثانية عام ٢٠٠٦ واختبر أهوالها التي لن تُمحى من ذاكرة الأجيال. فهل تخبّئ له الأقدار الحرب الثالثة التي انطلقت فيها إسرائيل فعلًا؟

في العودة إلى الحرب الأولى عام ١٩٨٢، رأينا أنها أدّت إلى إنهاء الوجود الفلسطيني المسلح ومعه اتفاق القاهرة الشهير عام ١٩٦٩، والذي منح السلاح الفلسطيني حرية العمل انطلاقُا من مناطق محدّدة في الحدود الجنوبية. كما أدّت هذه الحرب التي هي الأولى من نوعها في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، إلى نهاية تجربة الكفاح الفلسطيني المسلح خارج فلسطين. وفي هذا المضمار من المفيد العودة إلى كتاب رشيد الخالدي «حرب المائة عام على فلسطين» والذي نُشر لأول مرة في بريطانيا عام ٢٠٢٠. يقول الخالدي: «إذا كانت أسباب انتصار إسرائيل الحاسم في حزيران ١٩٦٧ واضحة، فإن العوامل التي أدّت إلى الحرب أقلّ وضوحًا. وكان السبب الرئيسي هو صعود جماعات الكوماندوز الفلسطينية المسلحة».

وأضاف: «بدأت الحكومة الإسرائيلية في الستينات من القرن الماضي في تحويل مياه نهر الأردن إلى وسط البلاد على الرغم من الضائقة الشعبية العربية الكبيرة والعجز الأكبر من جانب الأنظمة العربية.

وفي ١ كانون الثاني ١٩٦٥، شنّت حركة «فتح» بزعامة ياسر عرفات، هجومًا لتخريب محطة ضخّ المياه في وسط إسرائيل. كان القصد من ذلك أن يكون ضربة ذات أهمية رمزية، وهي الأولى من بين العديد من الضربات، التي تهدف إلى إظهار أن الفلسطينيين يمكنهم التصرّف بفعالية عندما لا تستطيع الحكومات العربية ذلك، وإحراج تلك الحكومات وإجبارها على التصرّف. كان المسؤولون المصريون ينظرون إلى «فتح» بعين الرّيبة باعتبارها مدفعًا فضفاضًا، يستفزّ إسرائيل بتهوّر في وقتٍ كانت فيه مصر منخرطة بشدّة في التدخّل العسكري في حرب أهلية في اليمن وفي بناء اقتصادها».

وتابع الخالدي: «ومع ذلك، شهد عام ١٩٦٧ انبعاثًا غير عادي للوعي الوطني الفلسطيني ومقاومة إنكار إسرائيل للهوية الفلسطينية، وهو إنكار أصبح ممكنًا بفضل تواطؤ الكثير من المجتمع الدولي. وعلى حدّ تعبير أحد المراقبين المخضرمين «المفارقة المركزية في عام ١٩٦٧ هي أنه من خلال هزيمة العرب، أحيَت إسرائيل الفلسطينيين».

وخلص الخالدي إلى القول: «من الآن فصاعدًا، اضطُرت الدول العربية إلى الأخذ في الاعتبار وجود فاعل، سياسي فلسطيني مستقل، مقرّه بشكل رئيسي في البلدان المجاورة لإسرائيل، وهو وضع ثبُت بالفعل أنه إشكالي لهذه الدول وسيصبح في نهاية المطاف مصدر ضعف كبير للحركة الفلسطينية. وقد زاد صعود هذه الجهة الفاعلة المستقلة من تعقيد الوضع الاستراتيجي للدول الحدودية، ولا سيما مصر وسوريا، في حين شكّل مشكلة داخلية خطيرة للأردن ولبنان، وكلاهما يضمّ أعدادًا كبيرة من اللاجئين الفلسطينيين المضطرِبين».

عندما نشر الخالدي كتابه قبل أربعة أعوام، كان يمتلك عُصارة تجارب العمل الفلسطيني المسلح خارج فلسطين على مدى أكثر من نصف قرن. وما زالت ماثلة أمامنا، المآسي التي رافقت هذا العمل في الأردن أولًا عام ١٩٧٠ وما أُطلق عليه تسمية «أيلول الأسود». ثم ما حصل في لبنان خلال الاجتياح الإسرائيلي عام ١٩٨٢ والذي أدّى إلى مجازر صبرا وشاتيلا المروّعة التي لن تنساها الأجيال الفلسطينية والعربية على مرِّ الأجيال.

ومنذ رحيل المنظمات الفلسطينية المسلحة عن لبنان صيف عام ١٩٨٢، يتقدّمها الزعيم التاريخي للمقاومة الفلسطينية ياسر عرفات، بدأت تجربة غير مسبوقة للعمل الفلسطيني المسلح داخل فلسطين. ونشأت بفعل اتفاقية أوسلو سلطة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة ثم انقلبت حركة «حماس» على السلطة وطردتها من القطاع ووضعت يدها عليه واستولت على مقدّراته السياسية. وستكون هناك حاجة إلى التوسّع في استخلاص العِبر من حقبة السلاح الفلسطيني داخل فلسطين وللمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية. ولكن المسألة الملحّة حاليًّا، هي تجربة العمل المسلح التي خاضتها حركة «حماس» والتي بلغت الذروة في عملية «طوفان الأقصى» في ٧ تشرين الأول من العام الماضي.

عاد العمل الفلسطيني المسلح بكل تلاوينه إلى فلسطين بعد اجتياح إسرائيل للبنان عام ١٩٨٢. وهو عاد حاليًّا إلى لبنان من نافذة جديدة هي النافذة الإيرانية متجسّدة بـ«حزب الله».

يمكن العودة إلى محطّتين تمثّلان افتتاحًا للزمن الإيراني في لبنان عمومًا، وجنوبه خصوصًا.

المحطة الأولى كانت في أيار عام ٢٠٠٠ عندما أعلنت إسرائيل عن إنهاء وجودها المسلح في جنوب لبنان، تطبيقًا للقرار الدولي ٤٢٥.

والمحطة الثانية كانت في ٨ تشرين الأول ٢٠٢٣ عندما فتح «حزب الله» جبهة المواجهة مع إسرائيل لمساندة حركة «حماس» في غزة حيث تخوض حربًا مع إسرائيل منذ ٧ تشرين الأول الماضي؟.

من أجل الإضاءة على هاتين المحطتين لا بدَّ من العودة إلى مواقف الأمين العام لـ«حزب الله» حسن نصرالله بصفته القيادي الأول في هاتين المحطتين.

في المحطة الأولى، وفي إطلالة هي الأولى والأخيرة من جنوب لبنان في مهرجان بنت جبيل في ٢٦ حزيران ٢٠٠٠، أي بعد أيام من إكمال إسرائيل انسحابها من الجنوب بعد احتلال لشريط استمر٢٢ عامًا، قال نصرالله: «اليوم باراك (رئيس الوزراء الإسرائيلي في ذلك التاريخ) يدعو لبنان إلى اعتبار الانسحاب رسالة سلام! هذا خداع... هو خرج من دون خيارات، ثم يدعونا إلى اعتبار الانسحاب سلامًا بعد قتل عشرات الآلاف من المدنيين، وما لا يقلّ عن ١٢٧٦ شهيدًا من «حزب الله»، وإذا ضمّينا إليهم آلاف الشهداء من بقية الأخوة في القوى الإسلامية والوطنية اللبنانية ماذا تكون المحصلة؟وبعد عشرات الآلاف من المدنيين الذين قُتلوا في لبنان، وبعد أن دُمّر بلدنا واقتصادنا، وهو ما زال يحتجز أسرانا في سجونه، وما زال يحتل أرضاً عزيزة علينا هي مزارع شبعا، وهو في الوقت الذي يستقبل فيه المهاجر اليهودي الروسي رقم مليون ويُعلن استعداده لتستقبل فلسطين مليون مهاجر في السنوات المقبلة يرفض أن يعيد اللاجئين الفلسطينيين في لبنان وغيره إلى ديارهم وبيوتهم وحقولهم...

هذا النصر نقدّمه لشعبنا المظلوم في فلسطين المحتلة ولشعوب أمتنا العربية والإسلامية.

هذا النصر الذي وضع الأمة كلها على بوابة مرحلة الانتصارات الآتية ووضع إسرائيل على بوابة مرحلة الهزائم الآتي».

في المحطة الثانية، أي انطلاق جبهة المشاغلة التي افتتحها «حزب الله» في ٨ تشرين الأول ٢٠٢٣، أطلّ نصرالله وللمرة الأولى بعد فتح الجبهة في كلمة متلفزة يوم الجمعة ٢٣ تشرين الثاني ٢٠٢٣، خلال «الاحتفال التكريمي للشهداء الذين ارتقوا على طريق القدس».

أي أن هذه الكلمة أتت بعد نحو أربعة أسابيع من بدء المشاغلة جنوبًا وسقوط عشرات العناصر من «الحزب» في غارات إسرائيلية بواسطة المسيّرات في وقت قصير نسبيًّا في صورة لم يعهدها الحزب منذ انطلاقه في النصف الأول من ثمانينات القرن الماضي.

قال نصرالله يومها: «لقد مضى أبناؤكم وأعزاؤكم في معركة (هي الأهم) اليوم على وجه الأرض، لو أردنا أن نبحث، دائمًا كُنا نقول هذا في الماضي، لو أردنا أن نبحث عن معركة كاملة الشرعية من الناحية الإنسانية، من الناحية الأخلاقية، من الناحية الدينية، لن نجد معركة كمعركة القتال مع هؤلاء الصهاينة والغزاة المحتلين لفلسطين، هذه معركة لا غبار عليها، على المستوى الإنساني، على المستوى الأخلاقي، على المستوى الشرعي، ولذلك هي من أوضح وأعظم وأبيَن مصاديق القتال في سبيل الله سبحانه وتعالى، هذا ما يجب أن نعرفه جميعاً...

المقاومة الإسلامية في لبنان منذ ٨ تشرين الأول تخوض معركة حقيقية لا يشعر بها ‏إلّا مَن هو موجود بالفعل في المنطقة الحدودية، مِن المقاتلين ومِن السكان، معركة ‏حقيقية مُختلفة عن كلّ المعارك التي خاضتها المقاومة في لبنان، سواءً قبل عام ‏‏٢٠٠٠ أو في عام ٢٠٠٦ وما بعدها، معركة مختلفة من نوع آخر، في ظروفها، في ‏حيثياتها، في عناوينها، في أدواتها، في استهدافاتها، في إجراءاتها.

معركتنا لم تصل إلى مرحلة الانتصار ‏بالضربة القاضية، ما زلنا نحتاج إلى وقت، حتى نكون واقعيين، ولكنّنا ننتصر ‏بالنقاط، ننتصر ونغلب بالنقاط، هكذا انتصرت المقاومة في لبنان عام ١٩٨٥ وفي ‏عام ٢٠٠٠ وفي عام ٢٠٠٦، وهكذا انتصرت المقاومة في غزة وهكذا حقّقت ‏المقاومة في الضفة إنجازات‎ ‎وهكذا انتصرت المقاومة في العراق وهكذا انتصرت ‏أفغانستان، بالصمود، بالصبر،‎ ‎بالقدرة على التحمّل...

‏وأنا أقول لكم أولًا إيمانًا بالوعد الإلهي الذي وعد المؤمنين الصادقين الصابرين ‏المجاهدين بالنصر، هذا وعد الله ولم يُخلف الله معنا في يوم من الأيام وعده، عندما ‏وجدنا حقًّا وحقيقة صابرين صامدين ثابتين نُقاتل في سبيله مهما بلغت التضحيات، ‏التضحيات هي دليل الصدق والإخلاص الذي يستجلب النصر الإلهي، هكذا كنا في ‏كل الحروب السابقة. وأنا شخصيًّا أيضًا ومن موقع التجربة الشخصية مع سماحة ‏الإمام القائد السيد الخامنئي الذي كرّر أكثر من مرة في هذه الأيام يقينه وإيمانه ‏انطلاقًا من يقينه بالوعد الإلهي أنّ غزة ستنتصر وأن فلسطين ستنتصر، وهو الذي ‏قال لنا ذلك بعد أيام قليلة من حرب تموز حين لم يكن هناك أيّ أفق للانتصار، عندما ‏قال لنا ستنتصرون بل ستتحوّلون إلى قوة إقليمية». ‏

تبلغ المسافة بين محطة الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام ٢٠٠٠ وبين محطة جبهة المشاغلة ٢٠٢٣، ٢٣ عامًا وها هي تقترب مع حلول الذكرى الأولى لافتتاحها من ربع قرن.

وفي مراجعة لما قاله نصرالله في هاتين المحطتين يتبيّن أن الأخير قد مضى إلى العمل وفق خريطة لم تتغيّر إطلاقًا عبر هذا الزمن الذي هو طويل نسبيًّا في تاريخ لبنان. ووفقًا لهذه الخريطة، يتبيّن أن دور «حزب الله» الذي انطلق قبل قرابة أربعة عقود من أجل مواجهة الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان أصبح رسميًّا بعد العام٢٠٠٠ مكلّفًا بمواجهة إسرائيل على مساحة الجغرافيا التاريخية لفلسطين. من هنا يمكن فهم هذا الإصرار الذي أبداه نصرالله على ربط مصير جبهة المشاغلة في الجنوب بإنهاء حرب إسرائيل على «حماس» في غزة. وفي الوقت نفسه، لم يقل نصرالله إن وقف جبهة المشاغلة يعني أن لبنان سيمضي قدُمًا على طريق تنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي ١٧٠١ الذي أنهى حرب تموز عام ٢٠٠٦.

والسبب أن القرار ينصّ على أن عمل الحزب المسلح في الجنوب وتاليًا في لبنان سينتهي لانتفاء الأسباب الموجبة لهذا العمل والتي انطلقت بعد العام ١٩٨٢.

في تلخيص لما سبق، هناك فكرة يجب تثبيتها في الأذهان من الآن وصاعدًا. تفيد هذه الفكرة أن القضية الفلسطينية لم تحظَ ببلد يحمل لواءها مثل لبنان. وبالتالي، لم تحظَ إيران ببلد في المنطقة مثل لبنان تستند إليه في مشروعها الخارجي القائم على شعار «إزالة إسرائيل».

قبل أن يغيب الإمام موسى الصدر في مرحلة انطلاق القرار الدولي الرقم ٤٢٥، كانت له مواقف، جرى ولا يزال، العمل الدؤوب على إخفائها. في هذه المواقف قال الصدر بوضوح إنه يجب وقف لعبة الأمم في جنوب لبنان. فقد نشر موقع الإمام الصدر الإلكتروني مقابلة أجرتها مع الصدر مجلة Le Nouvel Observateur الفرنسية في الرابع من آذار ١٩٧٨، أي قبل نحو ستة أشهر من محنة الإمام في ليبيا. في هذه المقابلة وصف الصدر جنوب لبنان بأنه «النقطة الأكثر تفجّرًا في المنطقة بصفتها الجبهة الشمالية لإسرائيل». وقال إنه «لم يعد هناك من وجود للإدارات المدنية أو العسكرية اللبنانية. كما أن السلطة المركزية مفقودة منذ بداية الأحداث عام ١٩٧٥. وهكذا نرى كيف أن الفلسطينيين بصفتهم المسلحين الوحيدين، بدوا الضمانة الوحيدة لحفظ الأمن ضد إسرائيل... ولكن سريعًا جدًّا وبعد الاحتكاك بهم، ارتكب بعض الفدائيين تجاوزات كبيرة بحق المواطنين».

وسألت المجلة الإمام: «هل تخشى من عدم القدرة على تهدئة الشعب فترة أطول؟».

أجاب: «نحن، بصفتنا مسلمين شيعة، لنا ارتباطات وثيقة مع الفلسطينيين، ويعود هذا بدون شك إلى أننا عشنا سويّة فترة طويلة في جنوب لبنان وفي ضواحي بيروت، ولأننا أيضًا، الفئات الأكثر حرمانًا في لبنان. ومنذ عام ١٩٤٨ أبدى اللبنانيون في الجنوب مواقف بطولية، فرفضوا دائمًا إجراء أي تعاون إقتصادي مع الإسرائيليين برغم إهمال الحكومة اللبنانية لهم إهمالًا تامًّا. ومنذ عام ١٩٦٥ وحّدوا قواهم مع الفلسطينيين، وأغلب الأحيان كانوا يدفعون دمهم ثمنّا لذلك. لكن اليوم، هناك اليأس والاستياء عند الجميع وأحاول جاهداً جعلهم يتحلّون بالصبر، ونجحت في عدم تركهم يحملون السلاح ضد أخوانهم الفلسطينيين، السلاح الذي يُعطى لهم بكثرة ومن جميع الجهات».

ثم سألت المجلة الإمام الصدر: «وكيف يحصل أن قادة المقاومة، الذين يجب أن يحسبوا حسابًا لهذا الخطر لا يعملون على ضبط قاعدتهم؟

أجاب: «أولًا، لأنهم في أرض غريبة وليس لديهم المجال الكافي، وثانيًا وعلى الأخصّ لأنهم منقسمون، فداخل المقاومة الفلسطينية كل دولة عربية لها جناحها الذي تموّله لخدمة مصالحها الخاصة: الجناح العراقي، الليبي، السعودي... إلخ، البعض يعتمد حتى أسوأ المواقف السياسية لمنع إقرار أي حل، أو أية مفاوضات قد تجرى مع إسرائيل، لكن يجب على منظمة التحرير الفلسطينية ورغم كل شيء، ضبط قاعدتها للتوصل إلى حل بشأن الفوضى المتفشية في الجنوب.

لقد ناقشت هذا الأمر، جدّيًّا مع بعض قادة المقاومة. ويبدو أنهم مصممون فعليًّا على ضبط عناصرهم. كما يجب على منظمة التحرير السماح للسلطات اللبنانية بممارسة واجباتها من جديد في الجنوب. وفي حال عدم حصول ذلك، فإن الوضع سيزداد خطورة. وما يجري حاليًّا يبعث الخوف في نفسي. وفي حال عدم استتباب الأمن والهدوء بسرعة، سيتدخل الجيش الإسرائيلي بحجة حماية حدود بلاده، وسيقضي على المقاومة الفلسطينية. وفي حال إكمالها لخطتها حتى المحور الفاصل بين لبنان وسوريا _ مرتفعات جبل الشيخ الاستراتيجية _ سترى سوريا نفسها مهدّدة كذلك. وهذا يجرّ إلى حرب شاملة في لبنان».

بعد ٤٦ عامًا، كل ما توقّعه الصدر في حواره مع المجلة الفرنسية قد تحقق على رغم تقلّب الأزمنة وتغيّر اللاعبين. ولا داعي هنا لبذل جهد كي يجري إسقاط مواقف الصدر في ذلك الزمن على الزمن الحالي. وهنا تبدو عبارة الصدر «ما يجري حاليًّا يبعث الخوف في نفسي»، عابرة لكل الأزمنة.

من يَعِش حاليًّا زمن نكبة الشيعة في لبنان والتي تتوالى فصولًا هذه الأيام يدرك أن كلمة «خوف» لم تعد تكفي لوصف أحوال هذه الطائفة ومعها الوطن وهي أحوال باتت أهوالًا.

مقالات مشابهة
02・11・2026
رصاص ليس ضد إسرائيل: شرخ علني داخل تحالف الثنائي
أدهم جابر
على هذا الأساس يرفض المسؤولون في «حركة أمل» و«حزب الله» الحديث عن الواقعة باعتبار أنها مرّت بسلام. ويوضح الشاهد أن الوضع حساس خصوصًا في إقليم التفاح على خلفية صراع الثمانينات بين الحركة والحزب، المعروف بحرب الإقليم، لافتًا إلى أن الكثيرين من أبناء المنطقة وتحديدًا المقاتلين القدامى في «حركة أمل» لا يزالون يكنّون مشاعر البغض تجاه «حزب الله».
30・10・2026
حين تتحوّل الزعامة إلى عبء على أهلها
علي الضيقة
لم يُبتلَ الشيعة في لبنان بأشدّ من زعامات جعلت من الصراع نهجًا، ومن الخصومة سياسة ومن تعبئة الناس ضدّ شركائهم في الوطن وسيلة لترسيخ النفوذ وإدامة السلطة. فُتحت الجبهات مع الفلسطينيين والشيوعيين والاشتراكيين والقوميين والمرابطون وسائر القوى الوطنية وكأنّ العداء للآخر شرط من شروط الزعامة وكأنّ الوطن ساحة لتصفية الحسابات لا مساحة للشراكة والحياة.
29・10・2026
عندما سيُطلق نعيم قاسم الصواريخ مجدّدًا
أحمد عياش
لا يزال الكثيرون يتذكرون، لا سيما سكان الضاحية الجنوبية لبيروت والجنوب والبقاع فجر الثاني من آذار الماضي، عندما كان الصائمون يحضّرون وجبة السحور في يوم جديد من أيام شهر رمضان. فقد توالت الأنباء العاجلة يومها، عبر وسائل التواصل تفيد أن «حزب الله» أطلق صواريخ نحو إسرائيل. علِم سكان تلك المناطق فورًا أن الحرب قد وقعت، كما كانت الحال في أيلول ٢٠٢٤ والتي أدّت الى عمليات قصف إسرائيلية...