03・11・2024
من العدد ١٥
حوار مع الشيخ محمد علي الحاج العامليّ
الخروج من دوّامة أزماتنا المتتالية يستدعي تطوير فهمنا لدور الدولة. نحن نعيش لحظة إنسانية بكل ما للكلمة من معنى، فالجميع صار يعرف أكثر ما معنى التهجير، والنزوح والظلم.
الشيخ محمد علي الحاج العاملي
الشيخ محمد علي الحاج العاملي

هو الشيخ محمد علي الحاج العاملي الموسوعي، المؤرِّخ، العالِم والمؤلِّف لمناهج الدراسة الحوزوية ولقضايا الفقه. الناشط في المجالين: السياسي والمدني، والمنادي بالحوار بين الأديان، الداعية إلى إصلاح مؤسسات الشيعة الدِّينية وإلى تجديد الخطاب الدِّيني.

للوقوف على نظرته إلى واقع حال الطائفة الشيعية اليوم والتحديات التي تواجهها كان لنا معه هذا الحوار:

_ فلنبدأ بنبذة عن حياتكم، نشأتكم، دراساتكم، مؤلَّفاتكم ورؤيتكم الدِّينية والسياسية.

• الشيخ العاملي: الولادة والنشأة كانتا في منطقة رأس النبع_ بيروت... حتى اضطررنا للمغادرة فترة وجيزة عقب وفاة الوالدة خلال فترة الحرب في العام ١٩٨٨، في خضمّ معارك ميشال عون والنظام البعثي السوري، حيث كان عمري وقتذاك ١١ عامًا، فأقمْنا مدّة في قريتنا شحور _ قضاء صور.

شرعتُ بالدراسة الحوزويّة بعمر ١٤ عامًا، درستُ خلالها في عدد من المعاهد الحوزويّة اللبنانيّة، ولم تقتصر دراساتي على الجانب الحوزوي فقط؛ بل تابعتُ الدراسة في بعض المعاهد الجامعيّة.

في ما يتعلّق بمؤلّفاتي، فهي تركّزت على أربعة مجالات رئيسيّة:

_ التاريخ، حيث صدَر لي بعض الكتابات التاريخيّة تحت عنوان «التاريخ العاملي»، وما زال بعضها مخطوطًا لم يُطبع.

_  كذلك صدَر لي تسعة كتب تعليميّة لطلاب الحوزات العلميَّة، ضمن سلسلة «المناهج الدراسيّة الحوزويّة الحديثة» التي تُعتمد للتدريس في عدد من الحوزات العلميَّة الشيعية.

_  وفي ما يمتّ إلى إصلاح المؤسسات الشيعية الدِّينيّة الرسميّة، فقد تمّ إصدار أكثر من ستة أبحاث في هذا المجال، حول المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، ودار الافتاء الجعفري، والمحاكم الشرعيَّة الجعفريّة.

_ وفي الإطار الفقهي صدَر عدَّة كتب ضمن سلسلة «قضايا فقهيَّة معاصرة»، عالجت فيها قضايا تتعلّق بحقوق المرأة والطفل... وبعض الأبحاث الفقهيّة الأخرى المتنوّعة.

وهناك عدد من الكتب المتنوّعة في المجالات: الدِّيني والثقافي والاجتماعي والسياسي...

وفي ما يخصّ رؤيتنا الدينيّة فهي تنطلق من فَهم واقعيّ للدِّين، ونقصد بذلك وضع الدِّين في إطاره الطبيعي، أي في جانبه الروحي حصرًا، وإبعاده عن الاستغلال في الشأن السياسي كما دأبَت الحركات الإسلاميّة على القيام به.

كما أننا نعتبر بأن الدِّين أسمى من أن يكون نظام دولة، وأكبر من أن يُزجّ به في السياسة... كما يروج تجّار الدِّين.

لذا نجد بأن الأذيّة الحقيقية التي لحقت بالدِّين الإسلامي عمومًا تأتّت من أولئك التجار الذين كان همّهم الاستغلال والاستثمار فيه، ولم يكن الدِّين لديهم بمثابة رسالة وقيَم وتربية.

هذا ما جعلَنا ندعو لإلغاء المؤسسات الدِّينيّة الرسميّة في لبنان، لكلّ الطوائف، وفكّ ارتباط السلطة الرسمية بالمؤسسات الدِّينية، وكذلك كنتُ العالِم الدِّيني المسلم الوحيد في لبنان الذي ينادي بذلك، مع وجود عددٍ من علماء الدِّين الأجلّاء الذين لديهم طروحات إصلاحية مهمّة جدًا؛ لكن لم يدعُ أيٍّ منهم لإلغاء المؤسسات الدِّينيّة الرسمية.

وأما دعوتنا لإصلاح الخلل القانوني في المؤسسات الدِّينيّة الشيعية فكانت خلفيّتها سياسية، انطلاقًا من الدور الذي يمكن أن تلعبه هذه المؤسسات، لأن المؤسسات الدِّينيّة الرسميّة الإسلاميّة هي ذات بُعدٍ سياسي وليس ديني؛ بعكس المؤسسات الدِّينيّة المسيحية، التي لها دور ديني ملحوظ.

أمّا في ما يخصّ الرؤى السياسية فقد كان دورُنا منصبًّا على العمل للمحافظة على التنوّع لدى الشيعة اللبنانيين، فقد كانت رسالة نضطلع بها أكثر منها عمل في زواريب السياسة المحلّيّة... كنا نسعى لإبراز التنوّع، انطلاقًا من رؤيتنا المتميّزة عمّا هي عليه رؤية الثنائي الشيعي الذي يتحرّك وفقًا لارتباطه بمحاور خارجية في كلٍّ من إيران وسوريا، ووفقًا لمصلحة هذين البلدَين.

الثنائي الشيعي لم يعمل لخدمة المجتمع اللبناني، بل على العكس. فقد تضرر الشيعة كثيرًا من جرّاء أداء هذا الثنائي، الذي كان يفتخر بالعمالة للخارج!! والارتهان للقوى الإقليميّة كما كانوا يجاهرون!!!

وبالمقابل، كنا نسعى لإبراز دوْر للبنانيين الشيعة الأحرار، انطلاقًا من أبعاد وطنية صرف، بعيدًا من الارتباط بمحاور خارجية.

_ كيف ينظر الشيخ إلى واقع الطائفة الشيعية الحالي، السابق على الحرب أولًا على المستوى الدِّيني والسياسي والحزبي والفقهي، وكذلك على مستوى المؤسسات الدِّينية؟

• الشيخ العاملي: أولًا أتمنى أن نصل إلى يوم لا نتحدث فيه عن واقع «طائفة» ولا عن مجموعة دينية، لأنه بالنسبة لنا إطار التديُّن والاعتقاد له مجاله الخاص والمحدود، في حدود الإيمان الفردي للشخص، وهو ليس من شأن يعني الدول والسياسة، بل محصور بالأفراد.

لكن بما أننا نعيش في مجتمع يستحكم به الأداء الطائفي، لذا نقول: إن الأزمة الحالية ليست أكثر خطورة مما كان يعاني منه الشيعة سابقًا في لبنان!

نعني بذلك أن التحديات الجوهرية ليست تلك المتعلقة بالواقع الأمني المستجدّ، الذي ألزمهم بالنزوح من قراهم ومناطقهم، بل كان الشيعة اللبنانيون يعانون من ابتعادهم عن تراثهم وثقافتهم، وقيَمهم، ودَورهم... وهذا أشد خطورةً.

كتاب الحالي والخالي من تاريخ الشيعة في المتن الشمالي
كتاب الحالي والخالي من تاريخ الشيعة في المتن الشمالي

المعاناة الحقيقية للشيعة

إذا أردنا أن نتحدث عن الأزمة الحقيقية التي عانى منها الشيعة في لبنان فقد كانت جُرّاء سعي إيران للتلاعب بمجتمعات عدد من الدول، تحت عنوان ما اصطلح على تسميته «تصدير الثورة»! هذا المصطلح الملغَّم، لأن كلمة «الثورة» تعادل استعمال الناس، والتدخل في الشؤون الداخلية للدول، ونشر الاضطرابات في داخل المجتمعات... وليست «الثورة» بمعناها الإيجابي؛ بل هي نوع من أنواع العمالة والارتهان!

فقد عملت إيران على التمدّد انطلاقًا من الساحة اللبنانية، واستفادت من غياب الدولة آنذاك في لبنان، فتأثَّر بها بعض الفِتية الشيعة المغرَّر بهم، وتفاعلوا معها...

وأما تأثير ذلك على لبنان فقد كان سلبيًّا للغاية، لأن الشيعة في لبنان الذين كان لهم دور وازن على المستوى الفقهي والثقافي والاجتماعي في أكثر من ساحة؛ صاروا مجرد أتباع لمشروع لا يخدم لبنان، بل لخدمة مشروع إقليمي تتناقض مصالحه مع مصلحة لبنان. وإذا أردنا أن نُوجز واقع تلك المجموعة اليوم، فهو على الشكل التالي:

  • تجربتهم السياسية السابقة لم تكن أميَز عن كل شركائهم في الوطن، (كما كان الإيحاء قبل توَلّيهم المسؤولية السياسية الكاملة عن لبنان).
  • الغطاء المسيحي من قِبل التيار العوني استهلكه الحزب، حين غطّى الحزب فساد عون _ باسيل، والذي أهلك الحَرْث والنسل في لبنان.
  • دعوتهم للديمقراطية ولتداول السلطة ودعم الكفاءات الوطنية كذّبه أداؤهم بالتحالف الوطيد مع نبيه بري، وجبران باسيل ووليد جنبلاط في بعض المحطات.
  • الاحتضان الشعبي (الحقيقي) انتهى منذ التصدّي لما سمّي ثورة ١٩ تشرين الأول ٢٠٢٠ في لبنان.
  • نواياهم حول تحرير الأرض من إسرائيل، كشف زيفَها مشاركتهم في سوريا، ودعمهم للنظام الديكتاتوري المستبدّ والظالم في سوريا في مواجهة الشعب.
  • دعوتهم للوحدة الإسلامية عرّاها شراؤهم للعمامات السنِّية (عبر تجمُّع العلماء المسلمين، وما شاكله من تنظيمات مشبوهة).
  • عداوَتهم لإسرائيل فضَحها ضغطهم لإنجاز ترسيم الحدود مع إسرائيل، بشكل أعطى إسرائيل من المساحات البحرية على حساب حصة لبنان.
  • وتاليًا، الدور السياسي الذي كانت تحوز عليه هذه المجموعة الشيعية فقد تلاشى، كما انتهت تلك الهالة التي كانت تحيط بهم جراء ادّعاء المناقبية والزُهد والصفاء... قبل افتضاح الأمور مع انخراطهم في العمل السياسي المباشر في الدولة.
  • وأمّا الدعم الخارجي (نعني به الإيراني) فحوله الكثير من التساؤلات والتشكيك، أقلّه في جزء من بيئة الحزب. وهذا يقودنا إلى للبحث أكثر حول حقيقة الموقف الايراني.

واقع إيران

علينا أن ندرك بأن وضع الدولة الإيرانية لم يعُد كما كان، إيران لم تعد تتمتَّع بنفس القوة السابقة، انطلاقًا من الأزمات الداخلية الكثيرة التي توالت عليها، ليس فقط مشكلتها مع الإصلاحيين، وليس لوقوف الكثير من رموز الثورة الإسلامية في إيران ضدها، بل أيضًا على مستوى رجال الأعمال، وهناك أزمة الحريات العامة التي أظهَرت عمق الهوَّة بين الشعب والنظام الراهن.

ويمكنني أن أشبّه إيران اليوم ببعض الأنظمة العربية المهترئة والمستبدّة، التي لا تعرف الديمقراطية. ومشكلة الكثيرين عندنا هي أن نظرتهم القديمة لإيران ما زالت كما كانت عليه سابقًا... لكن في حقيقة الأمر تجربة النظام الدِّيني في إيران قد استُهلكت؛ ولن يُكتب لهذا النظام الاستمرار والبقاء، وحركة الشعب الإيراني تتّجه لتغييره هو الذي لم يعُد يتلاءم مع طبيعة التركيبة الاجتماعية هناك، كما لا ينسجم مع العصر.

_ بالقفز على أسباب هذه الحرب الحالية ومسبّباتها. كيف يجيب الشيخ على سؤال ما العمل الآن في ظلِّ الحرب؟ على مستوى التكاتف الإنساني بين لبناء الطائفة؟ التواصل مع الشركاء في الوطن؟

• الشيخ العاملي: بالنسبة للأسباب واضح بأن النظام الإيراني هو الذي عرقَلَ مسار السلام والتطبيع الذي كان يُعمل عليه بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، وتاليًا تورّطت بعض المجموعات الفلسطينية بذلك، فاحتدمت المعارك بين الفلسطينيين والإسرائيليين...

وأما ما يُقال عن «مساندة» فهذا كذب محض، بل إخفاء للحقائق، لأن ما جرى هو توريط للفلسطينيين بمعركة مع إسرائيل، وتاليًا فقد تمّ فرملة المشروع الإسرائيلي _ السعودي، لكن انقلب السحر على الساحر، ولم يكن حساب الحقل يوافق حساب البيدر.

وفي ما يخصّ واقعنا الراهن فإنه يفرض ثلاثة أمور:

١ _ تحديد الوظيفة الفعلية الآنية.

٢  _وضع خطة مستقبلية لاستيعاب ما قد ينتج عن هذه الأزمة.

٣ _ قراءة ما حصل بشكل دقيق، في إطار الاستفادة من التجارب المتنوّعة التي مرّت على الوطن، سعيًا لبلورة رؤية جديدة لإدارة البلاد.

وعلى صعيد النزوح فإن الواجب هو احتضان الناس، وترك الخلاف السياسي جانبًا... هذا ليس وقت تصفية حسابات، أو وقت المناكفات.

أقلّ الواجب الإنساني هو الوقوف إلى جانب المواطنين بمعزل عن الانتماءات الطائفية والمذهبية، وبمعزل عن الاتجاهات الفكرية والسياسية.

حق كل مواطن أن يعبّر عن رأيه في صناديق الاقتراع، بوسائل الإعلام... لكن ليس من حق أحد أن يتشفّى ومن الآخر، ولا أن يشمَت...

هذه لحظة إنسانية بكل ما للكلمة من معنى، فالجميع صار يعرف أكثر ما معنى التهجير، والنزوح، والظلم، أتصور الكثير من الذين كانوا لا يأخذون موقفًا سلبيًّا تجاه مظلومية بعض المجتمعات صاروا يعرفون أكثر معنى التهجير، أعطت هذه المرحلة درسًا أساسيًّا، صرنا ندرك المظلومية التي لحقت بالشعب السوري الأعزل، ومأساة أن يتهجّر الملايين، كما وصرنا نعرف أكثر مأساة الشعب الأوكراني الذي عانى ويعاني من الديكتاتور الروسي.

أنا على يقين بأن الشيعة اليوم يدركون جيدًا مظلومية تلك الشعوب...

وعليه، فاليوم هناك واقع إنساني يتغلّب على ما سواه، وعلينا التعاطي بالمستوى الأخلاقي والإنساني المطلوب، ووضع الخلافات السياسية جانبًا.

_ كيف يرى الشيخ سبيل الخلاص من كل ما وقعت فيه الطائفة الشيعية في لبنان ويمكن أن تقع فيه مستقبلا؟ وكيف ينظر إلى علاقة الشيعة بالدولة وعلاقتها بهم وما الدور الذي يمكن أن تلعبه النُخب، وأنتم في طليعتهم، بينهم في هذا المجال؟

• الشيخ العاملي: مشكلة الشيعة اليوم لا يمكن فصلها عن مشكلة لبنان عامةً! هذا إذا لم نحمّل جزءًا كبيرًا من الواقع الراهن إلى طوائف عديدة في لبنان، كوْن الأمور متداخلة.

للخروج من دوامة أزماتنا المتتالية علينا أن نطوّر فهمنا لدور الدولة، فاللبنانيون لتاريخه لم يصل الوعي لديهم إلى المستوى المطلوب، ويفترض أن نفصل بين ثقافة الشعب، وتعاطيه الشخصي بشكل راقٍ، أو امتلاكهم لبعض المهارات، وبين الوعي السياسي... اللبنانيون _

بكل طوائفهم _ يحتاجون للكثير في سبيل الوصول إلى الوعي المنشود.

في الإطار الشيعي _ خصوصًا _ التركيبة الاجتماعية قائمة على الدِّين؛ ولذلك قناعتنا الراسخة بأن الإصلاح لدى الشيعة لا ينجزه بعض العلمانيين!! دورهم محدود جدًا، وتأثيرهم كذلك، وإن كنتُ من المطالبين بالعلمنة لكن هذا لا يعني بأن أولئك يمكنهم تحقيق إنجاز في هذا المجال.

البعض كان يسمع أصواتًا ضد الثنائي فيحسب بأن التغيير آتٍ، طبعًا هم معذورون، كنا نقول للكثيرين بأنه لا يراهن على صنفين في إطار تغيير هذه البيئة:

١ _ اليساريون والشيوعيون، وغير الدِّينيين؛ ذلك لأن صوتهم غير مسموع في هذه البيئة، ولا يوجد أي تأثير لهم في وسط المتديّنين، فضلًا عن الموقف السلبي للغاية ضدهم من هذه البيئة.

٢ _ ومَن كان من مخلّفات الثنائي، لأن هناك العديد من الذين يُجاهرون بانتقاد الثنائي ممن كانوا في الأطُر التنظيمية للثنائي!! البعض منهم خلافاته مع التنظيم نتيجة مصالح ضيّقة ومكاسب معيّنة!! وبالتالي فتأثير هذا الصنف كذلك معدوم ضمن البيئة العامة للثنائي... بل أكثر من ذلك فإن هذا الصنف لا يختلف كثيرًا بالتطلعات السياسية عن الثنائي.

طبعًا نحترم كل الأشخاص من هذين الصنفين، لكننا نحاول التحليل في الأسباب الحقيقية لعدم وجود أي تأثير يذكر للبعض، بالرغم من حِراكهم في الساحة لعشرات السنين!!

وفي المقابل، عاش البعض على أوهام لعقود من الزمن... ولا يبدو بأن الصورة اتضحت لهم، لذا نجد البعض يُكابر، ولا يريد أن يعترف بالوقائع والحقائق، وبعض آخر مصرّ على اعتبار ما حُلم به بأنه حقيقة، وبعض ثالث يخلط بين تمنياته والواقع...

بكل الأحوال الخسارة ستكون أبلغ على الذين يُكابرون، بخلاف الذين يتعاطون بواقعية سيحدّون من خسائرهم.

بين مثابرة المعارضة الشيعة وخضوع البعض

بمقارنة بسيطة بين خطاب الحزب اليوم وسابقًا... يتضح بشكل جليّ حفلة التكاذب التي كانت تمارسها الكثير من القوى السياسية (تحديدًا أعني بذلك حلفاء الحزب من غير الشيعة).

نحن في المعارضة الشيعية «الحقيقية، والصادقة» كان موقفنا منهم أكثر تشنّجًا... كنا نعرفهم بدقّة، لذا رفضنا خياراتهم.. في الوقت الذي كان الكل يسعى للتحالف معهم... والكثير شاركوهم في الحكومات، والبعض بالتحالفات النيابية!!!

كان المعارضون لهم في الطوائف الأخرى يطمحون لرضاهم... أقصى هدف لهم بالحياة كان هذا!

لكننا نحن، الثلّة القليلة الصابرة والمثابرة كنا الأكثر تأذِّيًا من سوانا، والثنائي كان على الدوام يراعي بقية الطوائف، من دون أن يُعير أي اعتبار للمعارضين الشيعة، وفي الكثير من المحطات كان بعض الشركاء في الوطن يقفون في مواجهتنا وإلى جانب الثنائي! ليس هنا مجال التفصيل في ذلك الآن، لكن التاريخ سيسجّل ذلك.

لكن لا بأس بإشارة موجزة لأن مشكلتنا كمعارضة شيعية حقيقية كانت تتأتّى من بعض القوى السياسية اللبنانية التي تجاهر بخصومتها للحزب وفي واقع الأمر كانت تؤيده، وتخدم مشروعه! لأن الأساس لدى البعض كان، ماذا يمكنهم أن يحققوا من مكاسب خاصة فقط!

بعض القوى المعارضة لـ«حزب الله» كانوا يعارضونه لأنه لا يتحالف معهم، وليس عن قناعات أو ثوابت معيّنة!

وهذا هو جوهر مشكلتنا مع التيارات غير الشيعية في لبنان؛ فهم كانوا على الدوام يسعون لعقد تحالف مع الحزب، ولا يتحدّثون معنا أو يلجأون إلينا إلا عندما يكون الحزب قد لفظَهم ولم يُعرهم اعتبارًا، وأقصد بذلك المستقبل والقوات والاشتراكي... ولا أستثني أحدًا.

لا يُخفى على أحد الأحلاف السياسية والانتخابية التي عقدوها مع الحزب!

لكن نحن كمعارضة شيعية صادقة كنا الأكثر صدقية في طروحاتنا، وكنا منسجمين مع قناعاتنا، بالرغم من أنه حصلت أكثر من فرصة لو كنا نريد الحصول على مكاسب خاصة فقط…

كتاب إصلاحًا للخلل القانوني في المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى
كتاب إصلاحًا للخلل القانوني في المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى

وفاءً للنماذج الشيعية الوطنية

في هذه الظروف أستذكر هنا بعض الشخصيات التي كانت لهم مواقف وطنية ثابتة، وكان لهم دور جليل في التنوّع لدى الشيعة اللبنانيين.

أفتقد كثيرًا للرئيس كامل بك الأسعد، الذي كان أنموذجًا فريدًا لرجل الدولة، والذي كان همّه الأساس هو الحفاظ على وحدة الدولة، واحترام مؤسساتها، ناهيك عن نزاهته ونظافة كفّه.

كذلك الرئيس حسين الحسيني الذي لعب دورًا رياديًّا في الحفاظ على الدستور والدولة، وأضفى على العمل السياسي رونقًا مميّزًا.

ومع كل التحديات الثقافية والتراثية أتذكّر النائب حبيب صادق الذي كان محافظًا على الثقافة والتراث في جبل عامل، وكانت له تجربة مهمة جدًا في تاريخ جبل عامل ولبنان، واضطلع بأدوار حسّاسة في بعض المحطات اللبنانية الوطنية.

كذلك أفتقد بقوة للصديق الشهيد لقمان سليم، الذي كان يرى بوضوح كل ما وصلنا إليه اليوم، وكان يحاول أن يُفْهِم المجتمع الشيعي اللبناني ما لم يكونوا يستطيعون رؤيته!! أفتقد لقمان أكثر في الأحداث المأساوية التي تجري، وهو الذي كان يوثِّق الأحداث والحروب؛ للتعلُّم من أحداثها ومنعًا لتكرارها والوقوع في أخطائها المميتة.

أفتقد إلى القامات الدِّينية الكبيرة، كالشيخ محمد مهدي شمس الدِّين الذي كان لديه طروحات فكريّة متقدّمة جدًا حيال الشيعة ودوَرهم ومكانتهم، وكان لديه رؤية ثاقبة... بالرغم من أن الكثيرين كانوا لا يفهمونه، ولذا انتقدوه كثيرًا لقصَر فهمهم ومحدودية آفاقهم.

كما أن هذه الظروف تجعلنا نشعر بالفقد الكبير للسيد محمد حسن الأمين الذي كانت تطلعاته حكيمة، وأسلوبه واعٍ، ورؤاه تنمّ عن تجربةٍ نادرة، وتاليًا مهارته في رسم معالم المستقبل، وتحديد المسؤوليات الأخلاقية والإنسانية للشيعة في لبنان.

وكذلك أفتقد السيد هاني فحص الذي كان لديه شبكة علاقات واسعة، تتجاوز جدران الطائفة، بل والوطن، وكان يمثل بركةً سياسية بحضوره وطروحاته التي تتجاوز المألوف، وهو الذي حطّم جدران الانغلاق والتعصّب بأدبه وفكره ولطفه... وبنى قصورًا في عالمنا العربي والإسلامي، وفي فضائنا الإنساني.

بل حتى السيد محمد حسين فضل الله، الذي قد يبدو لا يختلف كثيرًا عن الثنائي الشيعي، لكنه مع ذلك كان _ على الدوام _ لديه فكر متميّز، ويدعو للتعقّل، وعدم الانجرار خلف الأهواء والعصبيات...

هذا ولا يجوز أن نتجاهل وجود بعض علماء الدِّين الأعلام، الذين لهم فكرهم المتقدّم، والذي لا ينسجم مع طريقة عمل البعض! لكن المؤسف بأن الأحزاب السياسية الدِّينية حاربتهم وأضعفت حضورهم.

حاليًّا يكاد صوت العقل يكون غائبًا لدى الشيعة في لبنان، ونتيجة الظروف المأساوية قد لا يتجرّأ الكثيرون على الإفصاح عن آرائهم...

لكن علينا أن نعي بأن القوة الحقيقية تكون بالعلم والمعرفة والتطوّر، بما يؤسِّس للنهوض المجتمعي، والدور الأخلاقي أهم بكثير من بعض المصالح الزائلة، كما أن العلم والتكنولوجيا أهم من التفكير بالعضلات حصرًا.

مقالات مشابهة
13・03・2026
وذكِّر، إن نفعت الذكرى: تقدّم «المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى» بإخبار في ٢٧ آذار ٢٠٢٥ «ضدّ مطلقي الصواريخ».
المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، الذي صرّح اليوم، على لسان نائب رئيسه، راميًا على «الدولة» مهمة الاهتمام بالنازحين، نفضًا عنه أي مسؤولية، وهو الذي لم يُعوّدنا أساسًا على التصدّي لهذه المهمة أو على الاهتمام بأبناء الطائفة الشيعية. كان قد تقدّم، عندما دعت الحاجة، بإخبارٍ ضدّ «مطلقي الصواريخ» بقصد خرق الاتفاق ١٧٠١.
08・03・2026
رحلة الهروب من الموت: يوم كامل من الجنوب إلى بيروت
أحمد خواجة
احتاج الأمر لأكثر من ٢٣ ساعة للانتقال بالسيارة، من بلدتنا الجنوبية في قضاء «بنت جبيل» إلى بيروت، حوالى ١٠٠ كلم استغرق قطعها كل هذا الوقت، معدل سرعة سيْر الإنسان على قدميه خلال التنزّه يتراوح بين ٤.٨ و٥ كلم في الساعة، ما يعني أن رحلة سيرًا على الأقدام بين بلدتنا وبيروت ما كانت لتحتاج إلى ٢٣ ساعة.
14・11・2025
التحوُّلات السياسية في الجنوب بعد الحرب: من زمن الهيمنة إلى أفق التعدُّدية
علي مراد
ما بعد الحرب ليس مجرد مرحلة زمنية جديدة، بل هو اختبار وجودي للبنان ككل، وللجنوب على وجه التحديد. فقد جاءت حرب أيلول ٢٠٢٤ لتكشف عمق التحوّلات التي كانت تتراكم بهدوء منذ سنوات، ولتُعيد طرح الأسئلة التي لطالما جرى التهرّب منها ...