03・10・2024
من العدد ١٤
شيعة لبنان في نكباتهم الثَّلاث
بالنظر إلى تاريخ الشيعة في لبنان يمكن إحصاء ثلاث نكبات أصابتهم يمكن وصفها بأنها موضعية إلى حد ما، إلا ان ما يحدث اليوم هو اشبه ما يكن بنكبة شاملة
نكبة طرابلس، إنهيار إمارة بني عمار
بيرتراند كونت تولوز يتلقى استسلام القاضي فخر الملك بن عمار بعد الاستيلاء على مدينة طرابلس، الرسم أمر به لوي- فيليب للمتحف التاريخي في فرساي عام 1838، ونفّذه عام 1842 الرسّام ألكسندر شارل دبك
بيرتراند كونت تولوز يتلقى استسلام القاضي فخر الملك بن عمار بعد الاستيلاء على مدينة طرابلس، الرسم أمر به لوي- فيليب للمتحف التاريخي في فرساي عام 1838، ونفّذه عام 1842 الرسّام ألكسندر شارل دبك

حكمَ بنو عَمَّار المدينة بين عامَي ١٠٧٠ و ١١٠٨ ، مُستقلين عن الدَّولَة الفاطميَّة، «وكانت إمارتهم تمتدُّ حتى تخوم بيروت من جهةٍ وحتى أرباض أنطاكية من جهةٍ ثانية. كما تمتدُّ من نواحي جبلة في سوريا إلى قلعة صافيتا وحصن الأكراد والبقيعة. وفي لبنان حتى الهرمل وجبة بشري وبلاد العاقورة شرقي بلاد جبيل. كان هذا الحكمُ في طرابلس مرتبطًا بمناطقِ نفوذ سُكانه إجمالا من الشِّيعة الاثني عشريَّة، فكان أبناءُ المدينة شيعة والحُكام كذلك حتى سقوطها  بيدِ الصليبيين بعد رحلةِ طلبِ مساعدةٍ فاشلة من فخر الملك بن عمار باتجاه الخليفة العبّاسي المستظهر والسلطان السلجوقي محمد بن ملكشاه،  وعدمِ وجودِ نجدةٍ فاطميَّةٍ سريعةٍ  بسببِ الرّياح. وبعد سقوطِ المدينةِ نزحت جماعاتٌ من السّكّانِ إلى الدّاخل، «إلى أقرب الجبال إليهم» وبقيتْ طرابلس تحت سيطرةِ الصّليبيين حتى عام ١٢٨٩ حين فتحَها السّلطانُ المملوكي قاوون، فهدَم أبنيتَها وأسوارَها، وخطّطَ لبناء مدينةٍ جديدةٍ بعيدةٍ عن الشاطئ لحمايتها، وتوزَّع كثيرٌ من سكّانها باتجاه جبال كسروان ومناطق أخرى في الدّاخل.

نكبة القرن الرابع عشر الحملات المملوكية

كان عام ١٣٠٥ قاصمًا لظهرِ أهلِ الجبلِ، فقد جهّز المماليك، وبعد ثلاث حملات سابقة، بواسطة نائبُ السّلطنة أقوش الأفرم جيشًا شاميًّا كبيرًا لشَنِّ حملةٍ حاسمةٍ شارك فيها نواب الشام وطرابلس وصفد، إضافة إلى الأمراء التنوخيين الدروز. كما انضمَّ إليها الفقيه ابن تيميَّة، ويظهر أنَّ اختيار المماليك له ليكون في هذه الحملة، وليقوم بدور تفاوضي ما، نابعٌ من كون الكسروانيين يعرفونه من الحملة الثانية وبخصوص الحملة يقول ابنُ تيميَّة: «فإنَّ أكثرَ الرّوافضِ ونحوهم من أهلِ البِدعِ هواهُم مع العدوّ، فإنَّهم أظهروا السرورَ بانكسارِ عسكرِ المسلمين، وأظهروا الشّماتةَ بجمهورِ المسلمين. وهذا معروف لهم من نَوبةِ بغدادَ وحلب، وهذه النّوبةُ أيضًا، كما فعلَ أهلُ الجبلِ الجردِ والكَسْرَوان». ولهذا بعد خضوعِ جبالِ كسروانَ للمماليكِ، واصلَ بهاءُ الدّين قراقوش الذي عيَّنه أقوشُ الأفرَمُ ناظرًا على بعلبك وكسروان، محاربةَ مَنْ بَقِيَ من الكسروانييّن هناك، فقتلَ بعضَ أعيانِهم وأمّنَ مَنْ خرجَ منهم.  ثمَّ تمَّ إقطاعُ المنطقةِ للتُّركمان. كما استُقْدِمَتْ جماعاتٌ من هؤلاء وأُسْكِنَتْ في أزواقٍ للحفاظِ على المنطقةِ السّاحليَّةِ من ظاهرِ بيروتَ نحوَ عملِ طرابلس. وأدّتِ الحملاتُ على كسروانَ إلى نزوحِ أهلِها إلى مناطقَ أخرى، فانتقلَ الشّيعةُ نحو جزّينَ التي ازدادتْ أهميتُها كمركزٍ شيعيّ قيادي، ونحو بعلبك والبقاعِ، مع استمرارِ جبلِ عاملٍ كتواجدٍ مركزيٍّ لهم. بينما نزحَ معظمُ النّصيريّين شمالًا باتجاه جبالِ العلويّين في سوريا، وبقيت جماعاتٌ منهم في لبنان. وهكذا خضعَ الشّيعةُ لسلطةِ الأمرِ الواقعِ التي كانتْ لا ترى شرعيَّةً لأيِّ انتماءٍ خارجَ المذاهبِ السّنيَّة الأربعة، فكان عليهم أنْ يُخفوا طقوسَهم، وأنْ يلتزموا بالتّقيَّةِ؛ فتحوّلتْ جماعاتٌ منهم للمسيحيَّةِ، وأخرى للمذهبِ السُنّي، خصوصًا من شيعةِ السّواحل الذين وُصفوا عند أحد المؤرِّخين الشيعة ب «الشّيعة المتخاذلة ». وأصبح الشّيعةُ في جزّينَ وجبلِ عاملٍ أمام مرحلةٍ جديدةٍ تتطلّبُ منهم إعادةَ استجماعِ أنفسِهم، سواءٌ كان بسببِ موجةِ التسنُّنِ التي حصلتْ ساحليًّا، وبدرجةٍ أقلَّ داخليًّا، أو لمواجهةِ النّازحِ النّصيري الجديد، والذي قد يكون له دورٌ في الصّراعِ الذي نشأَ زمنَ الشهيدِ الأوّلِ شمس الدّين محمد بن مكي الجزّيني نهاية القرن الرّابع عشر.

نكبة نهاية القرن الثامن عشر، مقتل ناصيف النصار:
رسم لناصيف النصار
رسم لناصيف النصار

عام ١٧٧٥ تم تعيين أحمد باشا الجزّارَ واليًا على صيدا، وعُهِدَ إليه بإدارةِ لبنانَ والمتاولةِ وكلِّ البلادِ التي كانت تحتَ سُلطةِ ظاهرِ العمرِ. وحاولَ العامليّون بقيادةِ ناصيفِ النّصار تجنّبَ التّصادمِ معه، فشاركوا إلى جانبِ الملتزمينِ الآخرين عام ١٧٧٦ في حملاتِه على أولادِ ظاهرِ العُمَرِ، وفي واقعتَي علمان وعانوت لإعادة يوسف الشّهابي إلى الحُكمِ بعدما انتفضَ عليه أحمد الشهابي. ولكن كان الجزّارُ، وخلفه السّلطنةُ العثمانيَّةُ، ينتهزان الفرصةَ للتّخلّصِ من النّصّار، وتمَّ ذلك عام ١٧٨١ عندما قُتِلَ بعد انتصارِ أحمد باشا على العامليّين في بلدةِ يارون، وقد نكَّلَ الجزّارُ بالعامليين لمدّةِ سنتين متواصلتين تاهَ فيها وجهاءُ الأُسرِ العامليَّةِ باتجاه عكّار والبقاع والشّام. وهكذا دخلَ جبلُ عامل في مرحلةٍ جديدةٍ بعد أنْ كان سابقًا يتمتّعُ بنوعٍ من الاستقلاليَّةِ عبر مُلتزميه من الأُسرِ العامليَّة، وبدأ العامليون حربَ عصاباتٍ تُعرَف بحربِ الطُّيّاح، مستغلّين الأزمة التي كانت قائمة بين أحمد باشا الجزّار والأمير يوسف الشهابي. فبينما كان الأول يُهيِّئ العدّةَ في صيدا لمهاجمة الثاني في الشّوف، تحرّك المدَبِّرُ علي الزّين الشّحوري وحمزة محمد النّصّار، أحدُ قادةِ المقاومةِ العامليَّة للجزَّار، نحو تبنين، فقتلوا متسلّمها. فبدَّل الجزّارُ وجهةَ معركتِه من جبل الشوف. باتجاه جبلِ عاملٍ وهاجمَ شحورَ والقرى المحيطةَ ودمّرَها بالمدفعيَّة وأَسرَ كثيرين وأرسلهم إلى صيدا، بينهم حمزة النّصّار، ثمَّ أَعدمهم. وهرب المدبِّرُ علي الزّين وعائلتُه إلى العراق فإيران والهند، أمّا أولاد ناصيف النصّار ففرّوا إلى الشّامِ ثمَّ العراق. كانت معركةُ شحور عام ١٧٨٤ قاصمةً لظهرِ العامليّين الذين لم تقُمْ لهم قائمةٌ بعدها، فافتقدوا المقوّماتِ اللّزمةِ للنّهوضِ من زعاماتٍ وقوّةٍ عسكريَّةٍ ووصل الوضع عندهم إلى الحضيض، ولم تبقَ فيهم زعامة سياسيَّة قويَّة حتى لتحصيل الجبايات المفروضة. «فلم يُسمع بعدها بأي حركة [عسكريَّة] للعامليّين ضد الجزّار».

مقالات مشابهة
13・03・2026
وذكِّر، إن نفعت الذكرى: تقدّم «المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى» بإخبار في ٢٧ آذار ٢٠٢٥ «ضدّ مطلقي الصواريخ».
المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، الذي صرّح اليوم، على لسان نائب رئيسه، راميًا على «الدولة» مهمة الاهتمام بالنازحين، نفضًا عنه أي مسؤولية، وهو الذي لم يُعوّدنا أساسًا على التصدّي لهذه المهمة أو على الاهتمام بأبناء الطائفة الشيعية. كان قد تقدّم، عندما دعت الحاجة، بإخبارٍ ضدّ «مطلقي الصواريخ» بقصد خرق الاتفاق ١٧٠١.
08・03・2026
رحلة الهروب من الموت: يوم كامل من الجنوب إلى بيروت
أحمد خواجة
احتاج الأمر لأكثر من ٢٣ ساعة للانتقال بالسيارة، من بلدتنا الجنوبية في قضاء «بنت جبيل» إلى بيروت، حوالى ١٠٠ كلم استغرق قطعها كل هذا الوقت، معدل سرعة سيْر الإنسان على قدميه خلال التنزّه يتراوح بين ٤.٨ و٥ كلم في الساعة، ما يعني أن رحلة سيرًا على الأقدام بين بلدتنا وبيروت ما كانت لتحتاج إلى ٢٣ ساعة.
14・11・2025
التحوُّلات السياسية في الجنوب بعد الحرب: من زمن الهيمنة إلى أفق التعدُّدية
علي مراد
ما بعد الحرب ليس مجرد مرحلة زمنية جديدة، بل هو اختبار وجودي للبنان ككل، وللجنوب على وجه التحديد. فقد جاءت حرب أيلول ٢٠٢٤ لتكشف عمق التحوّلات التي كانت تتراكم بهدوء منذ سنوات، ولتُعيد طرح الأسئلة التي لطالما جرى التهرّب منها ...