
بعد إعلان وقف إطلاق النار في ٢٧ تشرين الثاني ٢٠٢٤ بين لبنان وإسرائيل، وتعليقٍ آنيٍّ لمعركتَي «سهام الشمال» و«أولي البأس» بين حزب الله وإسرائيل، انقشع الغبار وانكشف المشهد: قرى ومدن «ممحيّة» على طول الشريط الحدودي، وقرى ومدن مدمّرة، وخسائر مادية، وضحايا مدنيين وضحايا مسلّحين، لا يزال قسم منهم تحت أنقاض ما دُمّر.
ومما ظهَر من «مغامرة الإسناد» دمار وخراب وضحايا، دفعوا ثمن شعار «وحدة الساحات» الشكلي، المُعلن من خلال وليّ الأمر الذي اكتفى بالدعاء والصلاة على أيقونة المحور الممتدّ بهلال من طهران إلى بيروت، الأمين العام السابق لحزب الله السيد حسن نصرالله، زعيم الجماعة التي اعتُبرت درّة مشروع تصدير الثورة الإسلامية في إيران، والتي بدأت في بداية الثمانينات تحت مسمّى «أمة حزب الله» لتتحوّل في منتصفها إلى «حزب الله – الثورة الإسلامية في لبنان»، ومع نهاية الحرب الأهلية ودخول لبنان في مرحلة اتفاق الطائف رسَت التسمية على «حزب الله – المقاومة الإسلامية في لبنان».
تنوّعت تقييمات ما حصل، بين انتصار لمؤيّدي المحور والجماعة ونكبة للمناوئين. والسؤال هل هي نكبة المحور والجماعة، أم نكبة الطائفة، أم هي صفعة لأهل «الطائفة» لكي تستيقظ من الأوهام والتخلّي عن منطق القوة والفرض والهيمنة إلى قوة المنطق، وتحديد المسؤوليات ومَن قاد هذه الطائفة إلى هذا الدمار والخراب.
لعل «الشيعة» بمعنى الجماعة الدينية قد بدأت درب جلجلتهم بعد اغتيال الإمام علي بن أبي طالب، رابع الخلفاء الراشدين وابن عم النبي محمد على يد ابن ملجم، ومن ثم تنازل ولده الإمام الحسن عن الخلافة حقنًا لدماء المسلمين ووأد للفتنة، ومن ثم واقعة كربلاء بعد قتل الإمام الحسين وآل بيته ورفاقه على يد جماعة يزيد بن معاوية، واستمرت مع الأئمة الباقين وصولًا إلى غيبة الإمام المهدي, ولعل الشيعة في لبنان عانوا ما عانوه من اضطهاد وتنكيل منذ تثبّت وجودهم في القرن العاشر ميلادي مع الحكم الفاطمي، فتعرّضوا لنكبة وهجرة أولى مع سقوط دولة بني عمار في طرابلس، ثم لمجازر مع حملات المماليك على كسروان، ثم لاضطهاد وقمع وتأليب مع العثمانيين وعدم الاعتراف بهم كـ«ملّة».
ظّل شيعة لبنان على هذه الحال إلى أن بزغ فجر إعلان دولة لبنان الكبير، ومع إقرار الدستور اللبناني عام ١٩٢٦، صدر القرار رقم ٣٥٠٣ في ٢٠ كانون الثاني ١٩٢٦ عن المفوض السامي الفرنسي دو جوفينيل الذي اعترف بالطائفة الجعفرية كطائفة مؤسسة في دولة لبنان الكبير، لها حقوق وعليها واجبات، وأضحى للشيعة بعد قرون من القتل والعزل والحرمان، كيان في الدولة الفتيّة، فأضحوا «الطائفة الفتاة» التي انخرط أبناؤها في الدولة التي احتضنتهم واعترفت بهم مواطنون لبنانيون مؤسِّسون لها، فنهض بهم لبنان ونهضوا به، وصولًا إلى تبوّؤهِم الكرسي الثانية في الجمهورية اللبنانية المستقلة عام ١٩٤٣، فأضحوا جزءًا أساسيًّا من الأمة اللبنانية المولودة.
ويتقاطع هذا الأمر مع رؤية ونهج ديني وفقهي في التراث الشيعي يقوم على التعامل مع الواقع والسلطة السياسية الموجودة لما فيه مصلحة الأمة، وبالتالي الحفاظ على الوجود حتى ظهور الإمام المهدي صاحب «دولة الحق» التي سينخرط بها «شيعته» ويحاربون تحت رايته. ومن هنا سيرًا على خطى الفقهاء المؤسِّسين للمذهب الشيعي من الطوسي إلى الشريف الرضيّ إلى الشريف المرتضى وأبو الفتح الكراجكي والشهيد الأول وصولًا إلى رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى العلامة المجتهد الشيخ محمد مهدي شمس الدين الذي أوصى أبناء الطائفة في لبنان بالانخراط في الدولة اللبنانية وعدم الالتزام بأي مشاريع خارج إطار الوطن حفظًا لهم وحفاظًا عليهم، كما شدَّد مفتي صور السابق العلامة السيد علي الأمين على الالتزام بهذا الوطن كخيار واحد أوحد للبنانيين الشيعة ورفض أي التزام خارج حدود هذا الوطن.
إن الخيار الوطني لشيعة لبنان هو نهج ومشروع بحدِّ ذاته يتوافق مع المصلحة الأساسية لهذه الطائفة بالحفاظ على وجودها حتى يحين موعد «الظهور» فتنخرط تحت راية «القائم»، وكذلك الحفاظ على وجودها كأقلية في هذا الشرق، وهو مشروع يقوم على سنَدين، تاريخي وديني، يشجعان على رفض الانخراط في أي مشاريع خارجية، فبدلًا من أن تتحوّل تلك الطائفة إلى مصدر قلق للمجموعات الطائفية الأخرى وعامل هدم وتعطيل لمسيرة الدولة والوطن، يجب على أبنائها الالتزام بالكيان والدستور للحفاظ على وجودهم والعمل على تجسيد فكرة «الأمة اللبنانية» كخيار وحيد في وطن يصل عدد طوائفه إلى ١٨ طائفة، والعمل على تحصين هذا الوطن وتثبيت دعائمه سعيًا لاستدامته وتطوّره وإعلاء شأنه.
لقد أثبتت التجربة أن الالتزام بمشاريع خارج إطار الحدود يؤدّي إلى الدمار والخراب والانهيار، وما ظهر من تلكؤ واستعراض من قِبل راعي «محور الممانعة» الجمهورية الإسلامية في إيران، يظهر أن نظام الملالي يتعامل مع الجماعات الموالية له كأدوات لا يصل في تعامله معهم إلى حدِّ الندِّية، بل في أحسن الأحوال إلى وقود للمشروع، يُترَكون لمصيرهم في أوقات الجدِّ والحسم، وهو ما عاينّاه في لبنان وغزة.
إن الالتزام بلبنان كوطن وكيان ودولة والعمل للمحافظة عليه هو نهج ومصلحة يجب أن تترسّخا في مفهوم اللبنانيين الشيعة كمفهوم عام يتناسب مع وضعهم كأقلية في المنطقة، ولا يمكن لأقلية، مهما بلغت بها القوة، أن تفرض واقع أو كيان داخل أي دولة، فبحساب القوة هناك دائمًا من هو أقوى، ولكن ما يحفظ الناس من الدمار والهلاك هما الشرعية واحترام الدولة والدستور.





