شكَّلتْ عِلاقةُ «حزب الله» بالدَّولةِ إشكاليَّةً كُبرى ومِحورًا أساسيًّا دارَتْ حولَه، ولم تزلْ، مُعظمُ السِّجالات التي تصدَّرتِ المشهدَ السِّياسيَّ اللُّبنانيَّ بعدَ الانسحابِ السُّوريِّ منه عامَ ٢٠٠٥؛ العامَ الذي يصلُحُ لأنْ يُعتمدَ تاريخًا عمليًّا لحُكمِ الشِّيعيَّةِ السِّياسيَّةِ في لُبنان. وإذا كانَ ثمَّةَ خِلافٌ حولَ سقوطِ الشِّيعيَّةِ السِّياسيَّةِ أو عدمِه بعدَ الحرب الأخيرةِ بين «حزب الله» وإسرائيل، فإنَّ الحدَّ الأدنى الذي لا يجوزُ الخلافُ عليه هو أنَّ هذا الطَّورَ منها، والذي امتدَّ لعقدَيْن، قد سقطَ ليس في بدايةِ حرب الإسناد ولا عندَ توسُّعها ولا عندَ نهايتِها، بل سقطَ عندَ اغتيالِ الأمين العام الأسبق «حزب الله، حسن نصر الله، في ٢٧ أيلول ٢٠٢٤. تمامًا كما سقطتِ المارونيَّةُ السِّياسيَّةُ لحظةَ اغتيال الرَّئيس بشير الجميِّل عام ١٩٨٢، والسُّنِّيَّةُ السِّياسيَّةُ لحظةَ اغتيال الرَّئيس رفيق الحريري عام ٢٠٠٥، بغضِّ النَّظرِ عن المشروعِ السِّياسيِّ الذي يحملُه كُلٌّ منهم. ولعلَّ السُّؤالَ البَدَهِيَّ الذي يفرضُ نفسَه مؤدَّاهُ: هل هي أزمةُ الشِّيعةِ؟ أم أزمةُ «حزب الله» والشِّيعيَّةِ السِّياسيَّةِ وحدَهُما؟ أم هي أزمةُ اللُّبنانيِّين بطوائفهمُ المُختلفة؟

لم يكنْ رأيُ الشِّيعةِ، ولا رأيُ غيرِهم، موحَّدًا تجاه الكيان اللُّبنانيِّ الجديد. لكنَّ جُزْءًا، لعلَّه الأكبرُ منهم، تبنَّى خيارَ الوحدة العربيَّة تحت حُكم الملك فيصل الذي رأوا في حُكمِه ملكيَّةً دستوريَّةً قد تضمنُ نوعًا من الحكم الذَّاتيِّ في منطقتَيْ بعلبك وجبل عامل. وفي الواقع، ثمَّةَ سبَبَيْن رئيسَيْن من جُملةِ أسبابٍ دفعتهُم إلى هذا التَّوجُّه: الأوَّلُ ما يذكرُه الباحثُ محمَّد منذر في كتابه الصَّادر عن «أمم للتَّوثيق والأبحاث» بعُنوان «الفقه السِّياسي الشِّيعي»، وهو أنَّ النُّخبَ الشِّيعيَّةَ التي أيَّدَتِ الوحدة العربيَّة، وبخاصَّةٍ رجال الدِّين، كانت متأثِّرةً بالحركات الدُّستوريَّة التي ظهرتْ في الدَّولتَيْن القاجاريَّة الفارسيَّة عام ١٩٠٥ والعثمانيَّة عام ١٩٠٨، والتي كانت تدعو إلى ما يُشبه الملَكيَّة الدُّستوريَّة، وهو ما رأتْه النُّخبُ الشِّيعيَّةُ في الحكم الفيصلي.
إضافةً إلى الجانب الفكري - الدِّيني، ثمَّةَ سببٌ اقتصاديٌّ واجتماعيٌّ، وهو أنَّ العلاقاتِ بين منطقتَيْ بعلبك وجبل عامِل من جهة وسوريا وفلسطين من الجهةِ الثَّانية، كانت تاريخيًّا أوثقَ من علاقتِهم بجبل لبنان وبيروت، وهذا بحُكمِ الجُغرافيا من جهة وبحُكم الظُّروف السِّياسيَّةِ من جهةٍ أَوْلَى.
لكن ما إن انهارَ المشروع الوحدوي حتى بدأ مؤيِّدوه من الشيعة بالانخراط تدريجيًّا في الكيان الجديد مُطالبين بحصَّةِ الشِّيعةِ في النِّظام الطَّائفيِّ. ومع استقلال لبنان عام ١٩٤٣ استمرَّ ممثِّلو الطَّائفةِ الشِّيعيَّةِ بإثارةِ قضيَّةِ حقوق الطَّائفةِ ورفعِ «الحِرمان» عنها والمطالبةِ بمساواتِها مع سواها من الطوائف، ولا يُخفى أنَّ الطَّائفتان المارونيَّة والسُّنيَّة هما المقصودتَيْن ضمنًا.
إذًا، بدأتْ علاقةُ الشِّيعةِ بالكيانِ الجديد متوتِّرةً. ويُمكنُ تلمُّس نوعٍ من الشُّعورِ بالغُبنِ عندَ هذه الطَّائفةِ، بخاصَّةٍ في العهد الاستقلاليِّ الأوَّل الذي قامَ على الميثاقِ الوطنيِّ وهو في جوهرِه تفاهمٌ مارونيٌّ سُنِّيٌّ يُمكنُ أنْ نلحظَ تجلِّياتِه في التَّشكيلاتِ الحكوميَّة على سبيل المثال. فبين ٢٥ أيلول ١٩٤٣ و٩ كانون الثَّاني ١٩٤٥ تشكَّلتْ ثلاثُ حكوماتٍ كان للشِّيعةِ فيها وزيرٌ واحدٌ من أصلِ ستَّةٍ، ولم يكن لأي طائفةٍ أكثر من وزير، باحتِساب رئيس الحكومة ضمنًا. أمَّا في حكومة سامي الصُّلح في ٢٢ آب ١٩٤٥ فقد ارتفعَ عددُ الوزراء إلى ثمانية وكان لكُلٍّ منَ السُّنَّةِ والموارنةِ وزيرَيْن بينما بقيتْ حِصَّةُ الشِّيعةِ على وزيرٍ واحد. وظلَّ الأمرُ على هذا التَّوزيع في حكومات: سعدي المنلا (١٩٤٦)، رياض الصلح في حكوماتِه الثَّلاث بين ١٩٤٦ و١٩٤٨؛ أمَّا حكومتُه الرَّابعة عام ١٩٤٩ فقد زادتْ حصَّةُ الدُّروز إلى وزيرَيْن كحصَّةِ السُّنَّة والموارنة وبقيت حصَّة الشِّيعةِ وزيرًا واحدًا من أصلِ تسعة. أمَّا حكومة حسين العويني التي شُكِّلتْ في أجواء احتدام الصِّراع مع عهد بشارة الخوري عام ١٩٥١ فضمَّت ثلاثة وزراء (سنِّي، ماروني وأرثوذوكسي). ومع حكومة عبد الله اليافي عام ١٩٥١ وسامي الصُّلح عام ١٩٥٢ ارتفعتْ حصَّةُ الشِّيعةِ إلى وزيرَيْن أُسوةً بالسُّنَّة والموارنة اللذين كانت حصتهما ثلاثة وزارء في حكومة الصُّلح.
مع إنشاء «إسرائيل» عام ١٩٤٨ وإقفال الحدود اللُّبنانيَّةِ الفلسطينيَّةِ، ازدادَ الهمُّ الاقتصاديُّ عندَ الشِّيعةِ، وتحديدًا شيعةِ الجنوب. ومن جهةٍ ثانيَّةٍ، برزَ الهمُّ الأمنيُّ المتمثِّلُ بالعدوِّ الجديد. وأمامَ هذا الواقعِ من جهةٍ، وفشلِ الزَّعامات التَّقليديَّةِ في تحقيق المساواة بين الشِّيعةِ والسُّنَّة والموارنة في النِّظام الطَّائفيِّ القائم، وأمام بروزِ الأحزاب اليساريَّةِ والقوميَّةِ وتبنِّيها القضيَّةَ الفلسطينيَّةَ كقضيَّةٍ مركزيَّةٍ إضافةً إلى تبنِّي فكرة التَّغيير السِّياسيِّ والعدالة الاجتماعيَّة؛ بدأ الشِّيعةُ يجدونَ في اليسارِ سبيلًا جديدًا لمواجهةِ هواجسهم السِّياسيَّةِ والاقتصاديَّة سواءٌ بإلغاء النِّظام الطَّائفيِّ أو بالحصول على مكاسبَ إضافيَّةٍ فيه؛ وسبيلًا من أجل هواجسِهم الأمنيَّة المتمثِّلةِ بـ «إسرائيل»، عِبر خيارِ المقاومة الذي تبنَّاه اليسار، وأخَذَ دَفعةً هائلةً بعدَ دخول الفصائل الفلسطينيَّة إلى لبنان عام ١٩٧٠ وتحالفها مع أحزاب اليسار قبل الحرب الأهليَّةِ وخلالَها. من هُنا، باتَ اليسارُ يضمُّ قاعدةً شعبيَّةً شيعيَّةً كبيرةً وصارَ مُنافِسًا للزَّعامات التَّقليديَّة في الجنوب والبقاع.
مع بروز السَّيِّد موسى الصَّدر وحركتِه السِّياسيَّةِ منذ منتصف الستِّينات، بدأتْ تتشكَّلُ نواةُ كيانٍ سياسيٍّ للشِّيعةِ يتحرَّكونَ فيه من خلال شيعيَّتِهم، وبدأتْ الشِّيعيَّةُ السِّياسيَّةُ تتشكَّلُ في واقعٍ يشهدُ تبدُّلاتٍ سياسيَّةٍ على المستوى الدَّاخليِّ والخارجيِّ. مع الصَّدرِ، كانت الشِّيعيَّة السِّياسيَّةُ تتوجَّهُ إلى الشِّيعةِ وهواجسِهم بوَصفِهم شيعةٌ في مُجتمعٍ طائفيٍّ. مِن هُنا، نرى أنَّ الصَّدر كانَ يحرصُ على الانفتاح على الطَّوائف الأخرى من جهة، وكان يوجِّهُ «حربَه» السِّياسيَّةَ ضدَّ الزَّعامات الشِّيعيَّةِ التَّقليديَّةِ، بخاصَّةٍ الزَّعامات التَّقليديَّة في الجنوب الذي شكَّلَ للصَّدرِ مجالًا حيويًّا أوسعَ من البقاع. وما يؤكِّدُ أنَّ الصَّدرَ كان يسعى إلى إيجادِ زعامةٍ شيعيَّةٍ جديدةٍ، لكن ضمنَ النِّظام الطَّائفيِّ القائم، هو أنَّ إنشاءَ المجلس الإسلاميِّ الشِّيعيِّ الأعلى كان عبرَ الدَّولة؛ وأنَّ الصَّدر في معظم «مطالبِه» كان يتوجَّه إلى «الدَّولة».
في العُموم، يُمكنُ اعتبارُ الشِّيعيَّةِ السِّياسيَّةِ وليدًا شرعيًّا للنِّظام الطَّائفيِّ القائم، إذ من غيرِ المعقول ألَّا يتحرَّكَ الشِّيعةُ من مُنطلقِ شيعيَّتِهم في مجتمعٍ تتحرَّكُ فيه الطَّوائفُ الأخرى من منطلقِ طائفتِها. وإذا كان الصَّدرُ يُحافظُ على العباءةِ الوطنيَّةِ لحركتِه، بخاصَّةٍ خلال الحرب الأهليَّة حيثُ لم يكنِ الصَّدرُ طرفًا كاملًا فيها، وإنَّما طرفًا وسطًا. إذا كانَ الصَّدرُ كذلك، فإنَّ «حركةَ أمل» بعدَه فقدتْ هذه العباءةَ وأخذتْ البُعدَ الشِّيعيَّ الكاملَ، بخاصَّةٍ بعدَ أن أخذتِ الحربُ منحًى طائفيًّا. وممَّا جعلَ الجيل الجديد من الشِّيعةِ يجدون في الحركة سبيلًا جديدًا من أجل هواجسِهم هو فشلُ اليسار والفلسطينيين في معالجةِ الهواجسِ الاقتصاديَّة والسِّياسيَّة في ظلِّ النِّظام الطَّائفيِّ الآخذ بالتَّمظهرِ بصورٍ دمويَّةٍ. ومن جهةٍ ثانيةٍ، إنَّ الوجود الفلسطينيِّ المتحالف مع اليسار فاقمَ الهاجس الأمنيَّ الشِّيعيِّ، والجنوبي على وجه الخصوص، من الخطر الإسرائيلي، إذ كان من الطَّبيعيِّ في مكانٍ ما أن يلجأَ الشِّيعةُ إلى التَّطيُّفِ الذي أمَّنتْهُ «حركة أمل» بوصفِها فصيلًا شيعيًّا ينطلقُ من هواجسِ الشِّيعةِ الجديدة. فكانت من جهةٍ، تحاربُ الوجودَ الفلسطينيَّ المسلَّح في الجنوب، وإنْ كانَ ذلكَ بحساباتٍ تتعلَّقُ بالصِّراع السُّوري الفلسطيني آنذاك؛ ومن جهةٍ ثانيةٍ تسعى إلى أن تكون المُمثِّلَ الجديدَ للشِّيعةِ في السُّلطة، وهو ما ظهرَ في مشاركةِ رئيسِها نبيه برِّي في «هيئة الإنقاذ الوطني» التي ضمَّتْ ممثِّلين عن الطَّوائف الكبيرة في لبنان، بينَهم رئيس الوزراء شفيق الوزَّان.
بعدَ نشوءِ «حزب الله» عام ١٩٨٢ بدعمٍ وإشرافٍ من إيران الجديدة التي شكَّلتْ تحوُّلًا هائلًا في مسار الطَّائفيَّةِ في لبنان والمنطقةِ، إذْ شكَّلَتْ إيرانُ الشِّيعيَّةُ طرفًا مُقابلًا للإسلامِ السِّياسيِّ السُّنيِّ. ويُمكنُ القولُ إنَّ حزب الله، من حيثُ هو تنظيمٌ شيعيٌّ في أقصى شيعيَّتِه، كان مآلًا طبيعيًّا للشِّيعيَّةِ السِّياسيَّةِ التي هيَّأ النِّظامُ الطَّائفيُّ اللُّبنانيُّ الأرضيَّةَ الخَصْبةَ لنُموِّها وانقْسامِها على ذاتِها في حَربِ «أمل ـ حزب الله» التي كانت انْعِكاسًا لِصِراع النُّفوذ السُّوري الإيراني.
يُعتبَرُ تطوُّرُ مفهومِ الدَّولةِ مَظهرًا من مظاهرِ تطوُّرِ النُّظُمِ الفكريَّة للمجتمعات الإنسانيَّة. والدَّولةُ بمفهومِها الحديثِ هي نتاجٌ غربيٌّ، وأوروبيٌّ على وجه الخصوص، جاءَ بعدَ فترةٍ طويلةٍ من التطوُّر الذي أحدثتْه فلسفةُ عصر الأنوار والثَّورةُ الفرنسيَّة في مفهومَيْ العقد الاجتماعي وحقوق الإنسان. ورغمَ الانفتاح الهائل للعالَمِ بعضه على بعض، لم يزَلْ مفهومُ الدَّولة غريبًا وغيرَ متأصِّلٍ في العقل الجَمْعي العربيِّ الذي لا يستطيعُ أن يتعاطى مع فكرة الدَّولة إلَّا من خلال نموذج الدَّولة - الإمبراطوريَّة الذي يَقَرُّ في ذهنِه.
بعدَ إقصاءِ الشِّيعيَّةِ السِّياسيَّةِ، ببُعدَيْها اللُّبناني والإقليمي، لخصومِها على السَّاحةِ الشِّيعيَّة؛ وبعدَ الانسحاب السُّوري عام ٢٠٠٥ بدأ عصرُ هيمنةِ الشِّيعيَّةِ السِّياسيَّةِ الذي انتهى بحربٍ إسرائيليَّةٍ غيرِ مسبوقةٍ، تركتْ دمارًا غيرَ مسبوقٍ في تاريخِ الشِّيعةِ الحديث؛ دمارٌ يصلُحُ أنْ يُطلقَ عليه اسمُ «النَّكبةِ الشِّيعيَّةِ المُعاصِرة».
طيلةَ عصرِ الشِّيعيَّةِ السِّياسيَّةِ تمظهَرتْ إشكاليَّةُ «حزب الله والدَّولة» في خطاب «حزب الله» وفي خطاب خصومِه على حدٍّ سواء. فـ «حزب الله» كان يحملُ خطابًا وأداءً سياسيَّيْن لا يُمكن أن يستقيما مع مفهوم الدَّولة بأي شكلٍ من الأشكال. وأهمُّ مظاهر عدم الاستواء هذا هو المعادلةُ الثُّلاثيَّةُ التي كانت محلَّ اختلافٍ وخلاف كبيرين؛ «جيش شعب مقاومة». إنَّ هذه الثُّلاثيَّةَ تُناقضُ في جوهرِها جوهرَ مفهوم الدَّولة؛ فالدَّولةُ لها شروطٌ أساسيَّةٌ لقيامِها، والجيشُ والشَّعبُ هما شرطان من هذه الشُّروط. وإحدى أهمِّ مهام الدَّولة ومبرِّرات وجودِها هو حماية الحدود عبر الجيش وحماية الأمن الدَّاخليِّ عبر الشُّرطة، وهذا ينتجُ عنه شرطٌ ضروريٌّ هو أن تحتكرَ الدَّولةُ الحقَّ في استخدام القوَّة وامتلاكِ السِّلاح للقيام بالمهمَّة المُرادة، وهو ما يتعارضُ مع امتلاك «حزب الله» لترسانةٍ عسكريَّةٍ أضخم من تلك التي تمتلكُها الدَّولة. ثُمَّ إنَّ الجيش والشَّعب هما كيانان يحملان، نظريًّا، بُعدًا استمراريًّا وليس مؤقَّتًا كالمُقاومة التي تتَّصِفُ بالطَّابعِ المرحلي إذْ إنَّها ترتبطُ بوجود احتلالٍ ما. وتاليًا، إنَّ وضعَ كيانٍ مؤقَّتٍ مع كيانَيْنِ استمراريَّيْن، هما أساسًا من شروط قيام الدَّولة، في معادلةٍ واحدةٍ يدلُّ على نوعٍ من المساواة بينَ هذه الكيانات عندَ حزب الله. كما أنَّ المُقاومةَ، في جوهرِها المُنبثق عن مفهوم الدَّولة، هي فعلٌ تُنظِّمُه الدَّولةُ ويقومُ به الجيشُ في الدَّرجةِ الأولى والشَّعبُ في درجةٍ ثانيةٍ. وتاليًا، إنَّ المعادلةَ، فضلًا عن تناقضِها مع مفهوم الدَّولة، تحملُ في ذاتِها تناقضًا آخرَ يجعلُ من المُقاومةِ كيانًا مستقلًّا عن الجيش والشَّعب، بينما هي في الواقع فعلٌ يصدرُ عنهما. أمَّا على مستوى الأداء السِّياسيِّ، أو العسكريِّ بتعبيرٍ أكثر دقَّةً، فنرى أنَّ «حزب الله» انتهكَ شرطًا آخرَ من شروط قيام الدَّولة؛ الحدود. فـ حزبُ الله، عمليًّا، لا يعترفُ بحدود الدَّولةِ اللُّبنانيَّة إذْ إنَّ دورَه يتجاوزُ هذه الحدود، وهذا ما أقرَّ به حسن نصر الله سابقًا، حيثُ قالَ بشكلٍ واضحٍ إنَّ لـ «حزب الله» دورًا إقليميًا. وفي الواقع، إنَّ هذه المسألة لا تحتاجُ إلى اعترافٍ مباشرٍ إذ إنَّ مشاركاته في حروب المنطقة في سوريا واليمن والعراق وحتى في البوسنة كُلُّها تؤدِّي إلى خُلاصةٍ واحدةٍ هي أنَّ «حزب الله» إذا أرادَ شيئًا فإنَّه لا يضعُ الحدودَ اللُّبنانيَّةَ، بما تعنيه الحدود، ضمنَ حساباتِه.
في المقابل، يحملُ كثيرٌ من خصومِ «حزب الله» منطقًا مماثلًا لمنطق «حزب الله» المتناقض مع مفهوم الدَّولة. فمثلًا، وعندَ انتقاد دخول «حزب الله» في صراعات المنطقة، يوجِّهُ البعضُ نقدَهم على الشَّكل التالي: «لم يستشِرْ «حزب الله» أحدًا من اللُّبنانيِّين حينَ دخلَ في الحرب». إنَّ قرار الحرب والسِّلم هو من صلاحيات الحكومة اللُّبنانيَّةِ ويتمُّ اتِّخاذُه بما يخدمُ المصلحة العامَّة، ولا يتمُّ بـ«التَّشاورِ بين اللُّبنانيِّين». ثمَّ إنَّ الأحزاب الكُبرى في لبنان كُلَّها تعملُ بنظام المُحاصصة والتَّمثيلِ الطَّائفيِّ الذي لا يُمكنُ، بالمُطلقِ، أن يستقيمَ مع مفهوم الدَّولة الحديثة الذي يقومُ، أوَّلَ ما يقومُ، على تسمية الدَّولةِ بـ«دولة المواطَنة»؛ والمواطَنةُ مفهومٌ نقيضٌ للطَّائفيَّةِ السِّياسيَّة. بينما نرى أنَّ الأحزاب الكبرى في لبنان وذات الشعبيَّة والتَّأثير كُلُّها موجودة في السُّلطة؛ سواءٌ على هيئة حليفٍ لـ «حزب الله» أو على هيئة خصمٍ. تاليًا، إنَّ استعمال «منطق الدَّولة» لدى خصوم «حزب الله» لا يعدو كَوْنَه خطابًا غايتُه مواجهة حزب الله، فقط لا غير. وتحوُّلُ الدَّولةِ إلى وسيلةٍ يعني بالقَدْرِ نفسِه أنَّ السُّلطةَ قد تحوَّلتْ إلى غايةٍ، الأمرَ الذي يُعدُّ خللًا في العلاقةِ بين السُّلطة والدَّولة.
-%20inter.png)
يمتلكُ «حزب الله» قدرةً دعائيَّةً هائلةً، لا يبدو أنَّ الحربَ الأخيرةَ قد أثَّرَتْ عليها سلبًا بل أعطتْها مادَّةً جديدةً للدِّعاية. إضافةً إلى أداءِ «حزب الله» الذي كان يقوم على التَّرغيب والتَّرهيب؛ والقُدرات التي كانَ يُسخِّرُها من أجل مشروعه؛ كُلُّ هذا أدَّى إلى احتكارِ «حزب الله» لصناعةِ السَّرديَّة الشِّيعيَّةِ اليوميَّة. فالطَّائفةُ الشِّيعيَّةُ، رغمَ تنوُّعِ مكوِّناتِها، كانت تخضعُ للمنطقِ الذي يصنعُه حزبُ الله. في حين أنَّ أطرافًا أخرى، بِدْءًا بالشَّيخ محمَّد مهدي شمس الدِّين مرورًا بالسَّيِّد محمَّد حسين فضل الله والسِّد علي الأمين، وأخيرًا الشَّيخ ياسرعودة، وغيرهم من رجال الدِّين الشِّيعة المُتمايزين عن «حزب الله» لم يستطيعوا خلقَ سرديَّةٍ مُقابلةٍ لسرديَّةِ «حزب الله» إلَّا على مستوى النُّخبِ المُثقَّفة. وأيضًا على المُستوى السِّياسيِّ، سواءٌ مع الشَّخصيَّات السِّياسيَّة المستقلَّة كالرَّئيس حسين الحسيني وطبقة المثقَّفين السِّياسيِّين على اختلاف انتماءاتِهم كلُقمان سليم وحبيب صادق وغيرهما، لم يتمكَّنوا من تكوين قاعدة شعبيَّة مُقابلة لقاعدة «حزب الله» و«حركة أمل»، بالرَّغم من أنَّ الثَّنائيَّ الشِّيعيَّ لا يُمثِّلُ كلّ الشِّيعة، وإنَّما يُمثِّلُ جزءًا كبيرًا منهم. لكن رغمَ ذلك فإنَّ «حزب الله» بقُدراتِه وبسياسة التَّرغيب والتَّرهيب التي يتَّبِعها استطاع أن يوجِّهَ السَّرديَّةَ الشِّيعيَّةَ اليوميَّة لجمهورِه وخصومِه على حدٍّ سواء، قبلَ الحرب الأخيرةِ وبعدَها.
قبل الحرب، كان جمهور «حزب الله» يتحدَّثُ عن عدمِ قِدرة الدَّولة والجيش على حمايتِهم. وبطبيعةِ الحال، حينَ يقولون ذلك فإنَّ ما يكون في خلفيَّتِهم الذِّهنيَّة هو الصُّورةُ التي رسمَها لهم «حزب الله» عن نفسِه بأنَّه قوَّةٌ خارقةٌ تستطيعُ أن تهزمَ العالَم وتحمي «البيئة» من أيِّ خطرٍ يتهدَّدُها. ورغمَ الفارقِ العسكريِّ الكبير بين الجيش اللُّبنانيِّ و«جيش حزب الله»، لكن يُغْفِلُ هذا المنطقُ أنَّ الجيش اللُّبنانيَّ يُمثِّلُ الشَّرعيَّةَ بينما «حزب الله» لا يُمثِّلُها. حتَّى لو اعتبرْنا عملَ «حزب الله» المُقاوِمَ أمرًا مشروعًا لكنَّه لا يُمكنُ، بأيِّ شكلٍ من الأشكال، أن يكونَ ممثِّلًا للشَّرعيَّة أمام العالَم.
بعدَ الحربِ، بدأ «حزب الله» وجمهورُه بمُمارسةِ خطابٍ جديدٍ إذْ تحوَّلَ الخطابُ من «الجيش لا يقدِر على حمايتنا» إلى تحميل الدَّولة والحكومة و«العهد» مسؤوليَّات إعادة الإعمار وتحرير الأراضي التي لم تزل تحتلُّها «إسرائيل» بعدَ الحرب الأخيرة. أي أنَّ «حزب الله» باتَ يُمارسُ ما كان يُمارسُه خصومُه خلال فترة سطوتِه؛ صارَ منطقُ الدَّولة أداةً لمواجهةِ الخصوم.
بدأَ الأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، مسيرة تحميل «الدَّولة» مسؤوليَّة تبعات الحرب التي خاضها حزبُه، على الشكل التَّالي:
في ٥ كانون الأوَّل ٢٠٢٤ قال قاسم ما نصُّه أنَّ الحكومة «معنيَّة أن ترفع الأنقاض وتُعالج مسألة البُنى التحتية وأيضًا أن تضع برنامجًا لكلفة ترميم المنازل وإعادة الإعمار. بمعنى آخر نحن سنكون يدًا بيد مع الحكومة اللبنانية، أي سنساعد في ترميم العطاءات وفي الإعطاء المناسب إذا افترضنا أن ما تقدِّمه الحكومة كان فيه بعض النواقص في بعض المجالات. لكن بالأساس سيكون الترميم وإعادة الإعمار من متابعات الحكومة ونحن إلى جانبها».
كان هذا الحديث قبل انتخاب الرَّئيس جوزاف عون وتكليف الرَّئيس نواف سلام. بينما في ١٦ شباط ٢٠٢٥، أي بعد تشكيل حكومة سلام، قال قاسم ما نصُّه: «فواجب الدولة أن تعمل على إعادة الإعمار، أن تأتي بتبرّعات أو تدعو لمؤتمرات أو تستعين بدول، فنحن حاضرون لأنّ نتعاون، نحن والدولة، حتى نستطيع تحقيق عمليّة الإعمار التي هي مسؤوليّة الدولة. ما هدّمته إسرائيل هدّمته في الدولة اللبنانيّة، وعلى الدولة اللبنانيّة أن تتحمّل مسؤوليّة ما هُدِّم لمواطنيها، يعني هذه هي المعادلة، نحن الآن نقدِّم مساعدات في مجال الإيواء والترميم، يعني نحن نحلُّ المشكلة بشكل مُؤقّت إلى أن يبدأ الإعمار الذي هو مسؤولية الدولة، ونحن نتعاون مع مسؤوليّة الدولة».
نرى في الخطاب الأوَّل أنَّ قاسم يعتبر «حزب الله» مُتمِّمًا للدَّولة في حالة التَّقصير، وبالتَّالي إنَّ مهمَّة «حزب الله» ستسير مع مهمَّة الدَّولة؛ بينما في الخطاب الثَّاني قدَّم قاسم مهمَّة «حزب الله» على أنَّها مهمَّة مؤقَّتةٌ ريثما تبدأ الدَّولة بإعادة الإعمار. وفي الخطاب نفسِه، يُضيفُ قاسم: «أنا هنا أسأل الحكومة من باب الاقتراح، لماذا لا تجرون التعيينات الإداريّة وفق مباراة؟ هكذا ننتهي من المُحاصصة»، مُعيدًا إلى الأذهان الاقتراحَ الذي تقدَّم به الرَّئيس صبري حمادة لإلغاء الطَّائفية السياسيَّة عام ١٩٤٦ بعد أن خسرَ حمادة الشِّيعي في انتخابات رئاسة المجلس النِّيابي وفازَ بها مرشحٌ أرثوذوكسي. إضافةً إلى قولٍ يتكرَّرُ بِصِيَغٍ مُختلفةٍ ومعنًى واحد: «حزب الله» قرَّرَ إعطاء الدَّولة فرصةً! ففي الأوَّل من كانون الثَّاني ٢٠٢٥ صرَّح قاسم بأنَّ «حزب الله» قرَّرَ أن يعطي فرصة، وقرر أن تتحمل الدولة مسؤوليتها. هذه مرحلة سياسية تصدَّت الدولة لها، وهناك أصوات ونحن نوافق معهم أن تكون الدولة هي المسؤولة عن تطبيق هذا الاتفاق»؛ وأضاف «لذا نحن نعتبر أن الاعتداء الذي يحصل الآن يحصل على الدولة. يحصل على المجتمع الدولي. يحصل على كل الذين رعوا هذا الاتفاق. هذه مسؤوليتهم، وهم عليهم أن يتحمّلوها بشكل مباشر».
بعبارةٍ مُكثَّفَةٍ؛ يَعمَدُ قاسم، في مَوْرِدِ الدِّفاع عن «الانتصار»، إلى تحميلِ الدَّولةِ مسؤوليَّةَ آثار الحرب. ويُثيرُ الخطابُ الذي يصدرُ عن نعيم قاسم مجموعةً من التَّساؤلات حول مفهوم هذه الدَّولةِ التي يتحدَّثُ عنها. فالدَّولةُ، من حيثُ هي، كيانٌ معنويٌّ يعلو الجميع؛ هي كيانٌ أعلى، وتاليًا كيف يستقيمُ أنَّ طرفًا من الأطراف السِّياسيَّةِ يُعطيها فُرصةً؟ ثُمَّ إنَّ «إعطاءَ فُرصةٍ» للدَّولةِ يعني، أوَّل ما يعني، أنَّ المُعطي لهذه الفرصة هو كيانٌ خارج هذه الدَّولة، إذْ لا يستقيمُ، منطقيًّا، إعطاءُ الفُرصةِ مع كون «حزب الله» جزءًا من الدَّولة. وهذا اعترافٌ ضمنيٌّ بأنَّ قرارَ «حزب الله» بدخول الحرب والمُضيِّ فيها كان دونَ أيِّ اعتبارٍ للدَّولة. ولكن في الخطاب نفسِه، يرى قاسم أنَّ الدَّولةَ، التي اتَّخذَ حزبُه قرار الحربِ بمَعزِلٍ عنها وبحساباتٍ لا تعنيها في شيءٍ، هي نفسَها مَنْ عقدَ اتِّفاقَ وقف إطلاق النَّار مع إسرائيل، في حين أنَّ الذي كان يُقاتلُ في هذه الحرب هو «حزب الله» وليسَ الدَّولة اللُّبنانيَّة. وهذا خروجٌ ليسَ عن منطق الدَّولة وحسب، بل عن المنطق كلِّه. فمنَ البداهةِ أنَّ أيَّ اتِّفاقٍ لوقفِ الحرب يكون بين المُتحارِبَيْن. أمَّا إذا كان «حزب الله» يعني أنَّ القصف «الإسرائيلي» كان اعتداءً على الدَّولة، كما قال قاسم أعلاه، لذلك كانت هي المعنيَّةَ بتوقيع الاتِّفاق، فهذا فضلًا عن أنَّه اعترافٌ واضحٌ بتوريط «حزب الله» للدَّولة في هذه الحرب، فإنَّه يطرحُ إشكاليَّةً مؤدَّاها: ما هو موقعُ حزب الله، إذًا، من هذه الحرب؟ والأهمُّ؛ ما هو موقعُه من الاتِّفاق نفسِه؟
من أجلِ الإجابةِ عن مفهوم الدَّولة عندَ حزب الله، يُمكنُ أنْ نقارِن كلام قاسم مع كلام رئيس كتلة «حزب الله» في البرلمان، النَّائب محمَّد رعد، بعدَ اجتماعِه برئيس الجمهوريَّة في إطار الاستشارات المُلزمة لتكليف رئيس الحكومة. صرَّح رعد يومَها بما نصُّه: «من حقِّهم أن يعيشوا تجربتهم ومن حقِّنا أن نُطالب بحكومة ميثاقيَّة». وختمَ بقولِه: «وسنرى أفعالَهم من أجل إخراج المُحتل من أرضنا، من كل حبة تراب من أرضنا. وسنرى جهودَهم لاستعادة الأسرى، وسنرى جهودَهم لإعادة الإعمار، وسنرى كل الجهود من أجل التَّنفيذ الصَّحيح للقرار ١٧٠١ بما يحفظُ الوحدة الوطنيَّة والتَّوافق الوطني وبما لا يهدِّد العيش المشترك في هذا البلد». وفي ما يتعلَّق باتِّفاق وقف اطلاق النَّار، قال رعد في جلسة مناقشة البيان الوزاري وإعطاء الثِّقة أنَّ الحزب انكفأ «نحو خيار التَّفاوض غير المباشر الذي تصدّى له وخاض غمارَ جولاته مشكورًا ومفوَّضًا دولة الرَّئيس الأخ الاستاذ نبيه برِّي مع المبعوث الأميركي الرِّئاسي»؛ يتناقضُ هذا الكلام مع كلام نعيم قاسم الذي يقولُ إنَّ الدَّولة هي مَن عقدت الاتِّفاق، إذْ إنَّ الرَّئيس نبيه برِّي كان مفوَّضَ «حزب الله» في المفاوضات وليس مفوَّضَ الدَّولةِ اللُّبنانيَّة. وهذا ما أشارَ إليه برِّي نفسُه في ٩ تشرين الأوَّل ٢٠٢٤ عندما صرَّح أنَّ تفويضَ الحزب له، وعلى لسان نعيم قاسم نفسِه، لإدارة المفاوضات «ليسَ جديدًا وإنْ كان تمَّ تجديد تأكيدِه». وأضاف رعد أنَّه «نُعربُ عن سرورنا التَّام لإعلان هذه الحكومة عن استعدادها الكامل لتحمُّل ذلك وفقًا لما جاء في بيانها الوزاري وستجدنا بطبيعة الحال مؤيِّدين وداعمين لجهودها»، وهُنا أيضًا يُطرحُ سؤالٌ يتعلَّقُ بجوهرِ مفهوم الدَّولة: ما معنى الإعراب عن السُّرور لإعلان الحكومة، التي يعترفُ «حزب الله» بمشاركته فيها، استعدادَها لتحمُّل مسؤوليَّة إخراج الاحتلال من كامل الأرض؟ أليسَ هذا من المهام البَدَهيَّةِ للسُّلطة التَّنفيذيَّة في الدَّولة؟ بمعنى آخر؛ أليسَتْ حمايةُ الحدود من مبرِّرات وجودِ الحكومة؟
إنَّ الخلل في مفهوم الدَّولة عندَ «حزب الله» يظهرُ بشكلٍ واضحٍ في تفاعل جمهورِه مع القصف الإسرائيلي المتكرِّر بعدَ اتَّفاق وقف إطلاق النَّار. فالجمهور عادةً، ومن حيثُ هو جمهور، لا يُجيدُ اللُّغةَ الدُّبلوماسيَّة ووضعَ القفَّازات على الحديث، وإنَّما يقولُه بشكلٍ مباشرٍ وواضحٍ، لذلكَ إنَّ تفاعلَ الجمهور مع خطاب القيادة، وبخاصَّةٍ في حالة الأحزاب العقائديَّة، هو دلالةٌ حقيقيَّةٌ على مُراد القيادة من الحديث.
بعدَ دخول وقف إطلاق النَّار حيِّزَ التَّنفيذ، ومع كل غارةٍ أو استهدافٍ جديدَيْن يُعلِّقُ جمهور «حزب الله» بتعليقات تحوَّلَتْ، لاتِّساع انتشارِها، إلى خطابٍ شعبيٍّ جديدٍ وسرديَّةٍ شيعيَّةٍ يوميَّةٍ. وجوهرُ هذه التَّعليقات هو ما كتبَه أحدُهم: «لا داعي للهلع، صار عنَّا دولة» مُرفِقًا تعليقَه بصورةٍ لإحدى الغارات. وهذا التَّعليقُ الواسعُ الانتشار هو إعادةُ تقديمِ خطابِ «حزب الله» وتحميلِه الدَّولةَ مسؤوليَّةَ إزالةِ آثار الحرب، لكن بصورةٍ مباشرةٍ دونَ قفَّازات. وممَّا يُساعدُ على تعزيز هذه السَّرديَّة هو سرديَّةٌ مُقابلةٌ يُمكنُ اختزالُها بسؤالٍ: أينَ «حزب الله» المُقاوِم من الاعتداءات، ولماذا لا يردُّ عليها؟
وبعدَ سقوط نظام الأسد في سوريا، وتحديدًا بعدَ أحداث السَّاحل السُّوري، عادَ خطابُ تبرير وجود السِّلاح إلى الواجهة من جديد، بل إنَّ بعضَ المُعارضين لدخول «حزب الله» إلى سوريا عام ٢٠١١ أعلنوا «ندمًا» و«توبةً» عن مُعارضتهم هذه. واستعادَ كثيرٌ من جمهور حزب الله، و«حركة أمل» أيضًا، تصريحٌ لموسى الصَّدر يقولُ فيه إنَّهم يحملون السِّلاح بسبب عدم وجود قرار سياسي بحمايتهم، حتَّى لو كان الجيش يريد ذلك.
إنَّ المقصود بالدَّولة هنا، هو السُّلطة. فقبل الحرب، أي حين كان حضور «حزب الله» في السُّلطة قويًّا، لم يصدرُ أيُّ خطابٍ يُحمِّلُ الدَّولة مسؤوليَّة الدِّفاع عن لُبنان. بل إنَّ مدارَ الخِلاف مع «حزب الله» كان في أنَّ المهامَ التي يوكلُها لنفسِه، أي الدِّفاع عن لبنان، هي واقعًا من مهام الدَّولة وليست من مهامِه. لكن بعد أن باتَ حضورُ الحزب في السُّلطةِ ضعيفًا، أو غيرَ مُقرِّرٍ، تحوَّلَ الخطابُ إلى تحميل الدَّولة مسؤوليَّةَ الدِّفاع عن لُبنان وتحميلَها أيضًا مسؤوليَّة الحرب عبرَ تحميلِها مسؤوليَّة التَّحرير وإزالة الآثار. فوجود "خصوم" «حزب الله» في السُّلطةِ الآن، واعتبارُ أنَّ العهدَ عهدُهم، يُثيرُ لدى جمهور الحزب وربَّما لدى الحزب نفسِه شعورًا بالهزيمةِ، أو بأنَّ هذا المآل كان نتيجةً لحربٍ اختارَها الحزبُ بنفسِه، لذلك يتوجَّهون إلى الدَّولة بتحميلِها المسؤوليَّة وبالتَّالي رفع هذه المسؤوليَّة عنهم وعن خياراتهم.
إنَّ العلاقةَ المأزومةَ بينَ الشِّيعةِ والدَّولةِ هي الوجهُ الآخرُ للعلاقةِ المأزومة بين الطَّوائف الأخرى والدَّولة. من هُنا، إنَّ أزمةَ الشِّيعةِ مع الدَّولة هي جُزءٌ من أزمةِ النِّظام اللُّبنانيِّ الطَّائفيِّ مع الدَّولة. فوجود النِّظام الطَّائفيِّ لا يستقيمُ مع وجود دولةٍ حديثةٍ، إذْ إنَّ مفهومُ كُلٌّ منهما نقيضُ الآخر. وتاليًا، إنَّ الحديثَ عن علاقةٍ مأزومةٍ تربطُ طائفةً مُعيَّنةً بالدَّولة لا يُمكنُ أنْ يكون دونَ افتراضِ علاقةٍ مأزومةٍ بالقدرِ نفسِه تربطُ الطَّوائف الأخرى بالدَّولة!





