03・07・2024
من العدد ١١
الخميني يغتال زرادشت لــ مصطفى جحا حوار كُلّف به الكاتب نشرَه على الملأ

أبصرَ هذا الكتاب النور بطبعته الأولى عام ١٩٨٠، يتألّف من ٥٨٠ صفحة قدّم سجالاً مسرحياً من ثمانية مشاهد ومصرع بين مرشد الثورة الإسلامية علي الخميني، وزرادشت الذي ظهر في المنام لـجحا وكلّفه بتبليغ رسالته على الملأ، ربما يكون الكتاب الأول من نوعه في الأدب المسرحي عند العرب، حيث تنوّع بين النقد والفلسفة والأدب والشعر والسخرية، لكن مع لغة حادّة نوعاً ما، أدّت إلى اغتياله.

مقدمة مختلفة

قبل البدء بسرد مشاهد المسرحية يضع الكاتب مقدمة من ١٦ صفحة تتضمن رؤى فلسفية وردود أفعال لكتّاب ورجال دين لبنانيين، منهم الكاتب المسرحي جلال الخوري الذي أثنى على الكتاب، ومنهم أيضاً الشاعر هنري زغيب والأديب والناقد ألبير ضومط والباحث نسيب نمر.

أما الشيخان مهدي شمس الدين وطه الصابونجي، فالأول انتقد الكتاب والكاتب ورفضه، بينما الثاني أبدى نصف موافقته منتقداً بعض الأمور أبرزها التطرّق إلى السيدة عائشة.  أراد الكاتب وضع القارئ في مقارنة موضوعية بين الأصالة الزرادشتية الفارسية والخمينية كحركة إسلامية عربية المنشأ، إذ اعتبر أن الإسلام بالنسبة للفرس دين طارئ اغتال الزرادشتية كحركة إصلاحية، حيث كانت إيران تتطلع لها وليست إلى الخمينية، عبر سرد أحداث موثّقة تاريخيًّا. ثم انتقل جحا إلى لبنان وانتقد تغيُّر اللبنانيين عبر ارتدائهم ثوب الخمينية بعيداً من الانتماء إلى وطنهم الأصل لبنان، والتخلّي عن أي انتماء ديني آخر، كما انتقد وجود الفصائل الفلسطينية وانتماء الشيعة إلى حركة فتح. 

الصراع بين الخمينية والزرادشتية

وبالانتقال إلى فصول المسرحية يبدأ الكاتب بسرد تواريخ مثبتة لأحدث الإعدامات التي نفّذها الخميني بحق مناهضيه عند تسلّمه الحكم بحق مسؤولين سابقين وأي شخص ينتمي لحزب سياسي غير الثورة بتهمة الخيانة للثورة والإسلام، وتطرّق المؤلف إلى تفسير جوانية الخميني في جانب الألوهية السياسية والعداوة للعرب ونيّته شنّ الحروب تحت ذريعة تصدير الثورة. فكانت ذروة الصراع في الكتاب بين فكرة الخميني التي تقوم على محاربة الأنظمة المعادية للإسلام باسم الدين وفكرة زرادشت التي تسعى إلى تطوّر الإنسان وتدعو إلى المساواة بين الرجل والمراة، وتقبُّل الآخر، ووضَع بين أيدينا خيارين كي نقارن، هما: تعاليم زرادشت الإنسانية والمحبة مقابل الفكرة الإسلامية والسيطرة على الشعوب بحجة تصدير الثورة.

عاش الكاتب ذروة التحدّي في تصوير مشاهد ألوهية الخميني، بأن مَن أطاع الخميني أطاع الله ومَن خرج على الخميني كان عدوًّا لله، فأسقطها في المشهد الأخير الذي أسماه بالصراع، وخروج الثورة ضدّه، واعتبر أن العقيدة الإسلامية والمسألة الوطنية لا تتطابقان ولا في حرف واحد، إلّا أن الخمينية الإسلامية، كما ورد في الكتاب، التي يريدها الخميني هي روح الله المنتقلة من يسوع إلى محمد إلى الأمة الحالية.

الشيعة والخمينية في لبنان

انتقل جحا بخياله إلى تفسير كيف سيطرت الخمينية على لبنان، وانتقد كيف انتَزع منه فكرة التحرّر وأغلب مفكّريه الشيعة، بل تطرّق إلى الاختلافات في لبنان بين مَن يريد العروبة من جهة، التي وصفها بتبعيةٍ لزعماء النفط، ومَن يريد جعل لبنان فارسيًّا من جهة أخرى، وآخرون يريدونه مسيحياًّ، لكنه وضعنا أمام خيار أوحد كحلٍّ لجميع اللبنانيين، وهو الرابط الديني كي نشعر بالانتماء  إلى لبنان.   وبدأ دعوته هذه بالشيعة، عبر دعوتهم إلى الرجوع لعلي بن أبي طالب، واصفًا إيّاه بالفيلسوف حيث جاء في الصفحة ٣٣٠ من الكتاب «أعتقد أن نهاية الشقاء الشيعي تكمن بالرجوع إلى الفيلسوف علي بن أبي طالب وقرآنه ونهجه، ما علي بن أبي طالب إلّا صوت العدالة لإنسانية».  وانتقد جحا ادّعاء الخميني بأن إيران بلد رسول الله وتكفير الرئيس الأسبق صدام حسين عبر إرسال رسائل إلى العراق يريد بها شنَّ الحرب على العراق والنظام البعثي كي يُصدّر الثورة مستنداً إلى حوادث تاريخية من صحف ومقالات نُقلت عبر مراسلات الخميني وخطاباته. ثم يتساءل الكاتب كيف علم الخميني أن صدام وزمرته كافرون، متسائلّاً: هل القرآن أورد ذلك؟ كما تطرّق الكاتب إلى سياسة الخميني الخارجية وكيف كان ينظر إلى الرؤساء العرب والغرب ومنهم القذافي، الذي كان يكنّ له الخميني العداء بسبب كتابه الأخضر، في صراعٍ أراد منه الخميني إرساء كتاب ومفهوم جديد، هو الخمينية السياسية. ويعرض الكاتب للسياسة الخمينية تجاه توطين الفلسطينيين في لبنان وخصوصاً في جنوبه. 

أما مسألة غياب موسى الصدر في لبنان عام ١٩٧٨ فكان لها حيِّزاً في كتابه، معتبراً أن سكوت الخميني على هذه المسألة جاء مقابل مصالحه مع الغرب رغم انتقاده الشديد لهم، ويأتي الجواب دينيًّا أنه من أجل العقيدة يجب أن يغيب في كل عهد إمام، ليتطرّق بذلك إلى فكرة انتظار المخلّص في كل الديانات والتي تهدف إلى غياب العقل مقابل السيطرة الدينية على العقول واقتياد الشعوب، مما أتاح للخميني تبرير الانتظار بالاجتهاد عند الشيعة على أن الفقهاء أُمناء الرسل.

كتاب قتَل مؤلِّفه

بعد هذا الكتاب ألّف جحا عدة كتب مثيرة عن «مناهضة للنظام السوري وولاية الفقيه» كان آخرها «محنة العقل في الإسلام». لكن، على ما يبدو، أن الخميني وهو يغتال زرادشت اغتال جحا على يد رافضيه، وذلك على إثر إصدار المحكمة الشرعية الجعفرية عام ١٩٨٣ فتوى تفيد أن المفكر مصطفى جحا مرتدٌّ وكافر. وكانت هذه المحكمة برئاسة القاضي الشيخ عبدالله نعمة ويساعده عضوا المحكمة الشيخان خليل ياسين وعبد الحميد الحر. هذا إضافةً إلى أفكاره التي اتُّهم فيها كونها كانت قريبة، خلال الحرب اللبنانية، من الأحزاب اليمينية: «الكتائب اللبنانية» و«الأحرار». وفي ١٥ يناير ١٩٩٢ وفي منطقة السبتية (المتن) اغتيل مصطفى جحا على يد زمرة مسلّحة أطلقت النار عليه وهو داخل سيارته.  وبمقارنة مع حدثٍ مشابه لما جرى لمصطفى جحا الابن، نرى أن هذا الكتاب كان السبب وراء اغتيال جحا الأب، حيث تعرض جحا الابن (مواليد ١٩٨٦) في العام ٢٠١٢ لمحاولة اغتيال بإطلاق النار على سيارته عند المسلك الشرقي لأوتوستراد الدامور ـ الجية من سيارة مرسيدس سوداء كانت تطارده وفي داخلها ٥ مسلحين، لكنه نجا بأعجوبة.  وقال حينها: «هل إن اطلاق حركة سياسية (حركة السيادة اللبنانية التي أطلقها) يستوجب العودة إلى زمن التصفيات الجسدية؟ هل أن إعادة طبع كتاب «الخميني يغتال زرادشت» (كتبه والده العام ١٩٨٠) يجب أن نتحمّل تبعاتِها من دمنا وحياتنا؟ هل على مأساة مصطفى جحا الوالد أن تتكرر مع ولده وعلى يد نفس القتَلة؟ أم لأننا تجرّأنا وأصرّينا على فتح هذا الملف المقفل منذ ٢٠ عاماً؟».

مقالات مشابهة
13・03・2026
وذكِّر، إن نفعت الذكرى: تقدّم «المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى» بإخبار في ٢٧ آذار ٢٠٢٥ «ضدّ مطلقي الصواريخ».
المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، الذي صرّح اليوم، على لسان نائب رئيسه، راميًا على «الدولة» مهمة الاهتمام بالنازحين، نفضًا عنه أي مسؤولية، وهو الذي لم يُعوّدنا أساسًا على التصدّي لهذه المهمة أو على الاهتمام بأبناء الطائفة الشيعية. كان قد تقدّم، عندما دعت الحاجة، بإخبارٍ ضدّ «مطلقي الصواريخ» بقصد خرق الاتفاق ١٧٠١.
08・03・2026
رحلة الهروب من الموت: يوم كامل من الجنوب إلى بيروت
أحمد خواجة
احتاج الأمر لأكثر من ٢٣ ساعة للانتقال بالسيارة، من بلدتنا الجنوبية في قضاء «بنت جبيل» إلى بيروت، حوالى ١٠٠ كلم استغرق قطعها كل هذا الوقت، معدل سرعة سيْر الإنسان على قدميه خلال التنزّه يتراوح بين ٤.٨ و٥ كلم في الساعة، ما يعني أن رحلة سيرًا على الأقدام بين بلدتنا وبيروت ما كانت لتحتاج إلى ٢٣ ساعة.
14・11・2025
التحوُّلات السياسية في الجنوب بعد الحرب: من زمن الهيمنة إلى أفق التعدُّدية
علي مراد
ما بعد الحرب ليس مجرد مرحلة زمنية جديدة، بل هو اختبار وجودي للبنان ككل، وللجنوب على وجه التحديد. فقد جاءت حرب أيلول ٢٠٢٤ لتكشف عمق التحوّلات التي كانت تتراكم بهدوء منذ سنوات، ولتُعيد طرح الأسئلة التي لطالما جرى التهرّب منها ...
أيضاً للكاتب/ة
03・02・2025
بعد سقوط نظام الأسد... شيعة سوريون ولبنانيون يدفعون فاتورة مشروع «الدفاع المقدَّس في سوريا»
حسن سنديان
صباح الثامن من كانون الأول، عند الساعة السادسة، أذيع في دمشق بيان مفاده «سوريا حرّة من دون الأسد»، عقِب عملية عسكرية شنّتها المعارضة السورية بقيادة «هيئة تحرير الشام».
03・09・2024
نازحو حرب المشاغلة
حسن سنديان
منذ اندلاع الحرب في السابع من تشرين الأول، ومع دخول «حزب الله» المعركة في اليوم التالي، ساد التوتر في الشارع اللبناني، وشُلت الحركة الاقتصادية، وبدأت أولى موجات النزوح من الجنوب، في ظلّ لعبة توتُّر سيطرت على الشارع اللبناني.
03・06・2024
لبنان يدخل معارك غير متكافئة...
حسن سنديان
لا يختلف مشهد الحرب الدائرة في جنوب لبنان اليوم عن أحداث ٢٠١١، لحظة اندلاع الثورة السورية، وإدخال «حزبُ الله»، لبنان هاتين الحربين ولو اختلفت المشهدية عن سابقاتها، إلّا أن الأدوات ذاتها: الأيديولوجية الدينية والأهداف السياسية، إضافةً إلى النتائج الكارثية على لبنان، مع اختلاف الظروف والمشهد الحالي وتشابه الجغرافية.