03・07・2024
من العدد ١١
«حزب الله» أو مسار التحول إلى المافيا المنظمة (١)
تفجير مقر المارينز، ومقر المظليين الفرنسيين، المصدر: جريدة السفير
تفجير مقر المارينز، ومقر المظليين الفرنسيين، المصدر: جريدة السفير

كان اجتياح لبنان عام ١٩٨٢ علامة فارقة في تاريخ الصراع العربي ـ الإسرائيلي إن من حيث التوقيت حيث أتى بعد نكبة عام ١٩٤٨ ونكسة ١٩٦٧ وحرب أوكتوبر ١٩٧٣ التي أرست سلامًا مصريًّا إسرائيليًّا لطالما تَفاخر به الرئيس الراحل أنور السادات الذي اعتبر آنذاك أنه قام بخطوة كبيرة لمصلحة مصر وكل الدول العربية ودعا العرب أن يلتحقوا بركبِه. 

وكانت الثورة الشعبية في إيران من الأحداث البارزة التي حدثت قبل هذا الغزو، انتصار الثورة الشعبية في إيران بوجه نظام الشاه الملكي والتي أخذت في ما بعد طابعًا إسلاميًّا بعد أن قام آية الله علي خميني باستئصال الفكر الليبرالي واليساري من الشارع الإيراني عبر حملات عديدة من الاعتقالات والتي وصل أغلبها إلى حدّ الاعدامات والقتل والتي شكلت نهجًا في تعامل النظام الإيراني مع كل معارضيه والتي كانت ذروتها عام ١٩٨٨ عندما قام النظام بحملة إعدام جماعية كان الرئيس الإيراني الراحل إبراهيم رئيسي أحد الأعلام الأساسيين المسؤولين عن تنفيذها كما يذكر أحد تقارير «هيومان رايتس واتش». 

إذا تعمّقنا جيدًا بفكر الملالي أو رجال الدين الإيرانيين الذين سيطروا على مشهد ما بعد ثورة ١٩٧٩ في إيران نجد الكثير من التناقضات الفكرية والمدارس الدينية المختلفة، ولكن القاسم المشترك كان التطرف والتعصب الإسلامي الشبيه بمدارس التطرّف لدى الأخوان المسلمين وبعض الحركات الدينية في مصر وأفريقيا ولاحقًا بعض دول آسيا كأفغانستان ودول القوقاز. وتكمن المفارقة هنا أن الراديكالية التي تُدير الحكم في إيران أخذت منحًى شيعيًّا بحتًا. 

أراد آية الله خميني من خلال إيديولوجيته جذب الرأي العام المسلم. فمن جهة كان يظهر أمام هذا الرأي العام أنه قام بإنشاء دولة إسلامية لأول مرة في التاريخ ويعدّ ذلك تحقيقًا لحلم الأنبياء، ومن جهة أخرى كان يحمل فلسطين والقدس ببُعدها الإسلامي على كتفيه ويعتبر أنها قضيته الرئيسية فأعلن عن مبدأ تصدير الثورة في إيران بحجة تحرير القدس. 

هنا بدأت تتجلّى الصورة حيث وجد الخميني في لبنان أرضًا خصبة لذلك إن من خلال حدودها مع فلسطين أو من خلال تواجد كبير للطائفة الشيعية في هذا البلد وعلاقته ببعض رجال الدين الشيعة الذين كان قد التقى بهم في النجف، فوجد الخميني سهولة في أدلجة هذا المجتمع خصوصًا من خلال نشر الفكر الشيعي الذي يناسب فكره التوسعي.

إذن، من هنا نشأت فكرة نشأة «حزب الله». 

حزب الله هو حزب إسلامي شيعي مسلّح، تأسس في لبنان عام ١٩٨٢ وهو يقوم على الإيديولوجية الخمينية وولاية الفقيه وهو مشروع دولة إسلامية وحكم إسلامي، فهو يعتبر أن لبنان ليس جمهورية إسلامية واحدة وإنما جزء من الجمهورية الإسلامية الكبرى، التي يحكمها المهدي ونائبه الولي الفقيه الخميني والذي تسلّم الخامنئي الحكم من بعده. 

هذا هو التعريف الشكلي الواضح لحزب الله، أما من حيث النشأة والمضمون فهو تكوّن من مجموعة علماء دين شيعة وعلى رأسهم: محمد حسين فضل الله،عباس الموسوي، صبحي الطفيلي ومحمد يزبك.

وكان معظم رجال الدّين هؤلاء ينتسبون إلى «حزب الدعوة» العراقي الذي أسسه السيد محمد باقر الصدر، وكان للسيد محمد حسين فضل الله أثرًا كبيرًا في بروزه. ونذكر هنا عودة السيد عباس الموسوي عام ١٩٧٨من النجف إلى بعلبك حيث أقام هناك وأنشأ حوزةً علميةً ومراكز تدريب دينيةً محاولًا مع مجموعة مرتبطةً به، بهدف إضفاء الجو التعبوي على الشباب الشيعة في تلك المنطقة، كما ساهم بإنشاء مراكز تدريب عسكرية أشرف عليها الحرس الثوري الإيراني والتي سنأتي على ذكرها فيما بعد. 

عند نجاح الثورة الإسلامية في إيران وهيمنة روح الله الخميني على السلطة عمل «حزب الدعوة» على إقامة علاقات مع قيادات الثورة الإسلامية الإيرانية. ولكن كان هناك نقطة خلاف وحيدة، حيث كان روح الله الخميني يؤمن بولاية الفقيه، وأن علماء الدّين هم مَن يجب أن تكون لهم الكلمة العليا في سياسة الدولة. وعلى العكس منه كان «حزب الدعوة» يرى أن السلطة يجب أن تتركّز في يد الأمة.

وبالرغم من هذا الخلاف، فإن الخميني دعم المشايخ اللبنانيين الشيعة داخل هذا الحزب وقدّم لهم كل الدعم المادي والمعنوي واللوجستي والعسكري، وكان له رأيه الخاص بدخول بعض المتطرفين المرتبطين به إلى «حركة أمل» لمواجهة النفوذ ذو البُعد الوطني اللبناني والعلماني الذي بدأ يطغى يومها داخل هذه الحركة. 

خطف الرهائن على قدم وساق، المصدر: النهار
خطف الرهائن على قدم وساق، المصدر: النهار

لذا، فبالإضافة إلى رجال الدين تكوّن «حزب الله» في بداياته من العديد من الأفراد والمجموعات العسكرية والأمنية والتنظيمية المنشقة عن «حركة أمل»، ونذكر منهم: محمد ياغي (أبو سليم)، حسين الموسوي (أبو هشام)، والسيد حسن نصرالله الأمين العام الحالي لـ«حزب الله»؛ وكذلك المنشقين عن منظمة التحرير الفلسطينية و«حركة فتح» أمثال المسؤول العسكري والأمني السابق لـ«حزب الله» عماد مغنية والذي انضمّ إلى الحزب في بداية الثمانينات وكان منوط به الإشراف على الأمن الشخصي للراحل السيد محمد حسين فضل الله ومن ثم برع بالعمل الأمني والعسكري، بالإضافة إلى الكثيرين من اليساريين والقوميين العرب... 

إذًا، تشكّل الحزب في ظروف يغلب عليها طابع وحجة «المقاومة العسكرية» للاحتلال الإسرائيلي الذي اجتاح لبنان عام ١٩٨٢، وهدف إلى تصدير الثورة الإسلامية في إيران، ولهذا، فإن الحزب يبني إيديولوجيته السياسية على أساس مقاومة الاحتلال الإسرائيلي.

كانت أولى العمليات التي قام بها الحزب وتبنّاها، تفجير مقر الحاكم العسكري الإسرائيلي في مدينة صور وكان عملًا انتحاريًّا، في ايلول ،١٩٨٢ حيث أعلن لاحقًا عن اسم أحمد قصير، منفّذ العملية.

منظمة الجهاد الإسلامي، المصدر: النهار
منظمة الجهاد الإسلامي، المصدر: النهار

اكتسب الحزب شهرة مبكرة في العالم العربي لمقارعته إسرائيل، وبعدها بعام واحد قام الحزب بنسف مقر القوات الأميركية والفرنسية في أوكتوبر ١٩٨٣ بتفجيرين انتحاريين، وقد أسفرت تلك العملية عن مقتل حوالى ٣٠٠ شخص، بينهم ٢٤١ من الجنود الأميركيين و٥٨ من الفرنسيين و٦ مدنيين صادف مرورهم في المكان، وبالرغم من عدم تبنّي الحزب لهاتين العمليتين إلّا أنه اكتسب نفوذّا كبيّرا بسببهما وقد كان لعماد مغنية دورّا كبيرّا في هذه التفجيرات. 

هنا بدأ يظهر الحزب إلى العلن وينفّذ عملياته في الجنوب اللبناني والبقاع الغربي تحت اسم «الثورة الاإلامية في لبنان» وذلك قبل أن يبدّل هذه التسمية لتصبح «المقاومة الاسلامية في لبنان»، وكان للحرس الثوري الإيراني دورًا كبيرًا في الإعداد والتحضير لتلك العمليات. فقد حضر كادر كبير من المستشارين الإيرانيين إلى لبنان عام ١٩٨١ عبر سوريا وأقاموا معسكرات تدريب للحزب في قرى شرق بعلبك وجرودها. 

إضافة إلى الأعمال العسكرية كان لـ«حزب الله» جناحًا أمنيًّا مخصصًا لعمليات الخطف. فقد قام هذا الحزب، أو المجموعات التي تدور في فلكه، بخطف ١٠٤ رهائن بين عامي ١٩٨٢ و١٩٩٢، قُتل البعض منهم والبعض الآخر منهم مات بسبب سوء المعاملة أو الظروف الصحية السيّئة. وكان معظم هذه الرهائن من الأميركيين والأوروبيين، وبحسب شاهد عيان (منشقّ عن الحزب) فإن عماد مغنية كان يشرف شخصيًّا علًىً عمليات الخطف. 

وتعرّض للخطف والقتل في تلك المرحلة كلً من مدير مكتب وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية في بيروت وليام باكلي، ومسؤول مكتبة الجامعة الأميركية في بيروت بيتر كلبورن، والعقيد وليام هيغينز الذي كان في سيارته التابعة لقوات حفظ السلام للأمم المتحدة . 

ووقعت عدة أعمال خطف وقتل أثناء أزمة الرهائن في لبنان التي امتدت من سنة ١٩٨٢ حتى ١٩٩٢، فقد أكدت السلطات الأميركية أنه في ١٦ آذار «اختطف إرهابيون ويليام باكلي، مدير مكتب وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية في بيروت»، لافتة إلى أنه «تعرض للاستجواب والتعذيب، حيث استمر احتجازه لمدة ١٥ شهرًا قبل وفاته التي لم يعرف تاريخها تحديدًا». وبحسب جريدة «النهار» في عددها الصادر في تشرين الأول ١٩٨٥ فإن منظمةً أطلقتً على نفسهًا اسم «منظمة الجهاد الإسلامي» تبنّت إعدامً باكلي متذرّعة بأن قتله يأتي ًثأرًا لشهداء الغارة الإسرائيلية على تونس.

 الجدير بالذكر أن الأمين العام الحالي لـ«حزب الله» حسن نصر الله نفى الارتباط المباشر بين هذه الجماعةً و«حزبً الله» قائلًا إنه «كان يوجد في الساحة مجموعة من المنظمات الصغيرة، غير مرتبطة بحزب الله، لا بتشكيلات حزب الله ولا بقيادة حزب الله، أعني «منظمة الجهاد الإسلامي» اللبنانية في ذلك الوقت، ومنظمة «العدالة الثورية»، ومنظمة «المستضعفين في الأرض»، وغيرها». إلًا أن بيان الإعدام الذي نشرته تلك الجماعة بمعظم مفرداته وأدبيّاته يرمز إلى علاقة وثيقة بين إيران وتلك الجماعة. فقد ذكر البيان مصطلحات كانت اللغة السائدةً للثورة الإيرانية و«حزب الله» في بداياته ونذكر منها مثلًا: «مشكلة الفلسطينيين المستضعفين الأساسية/ المسلمين المستضعفين التونسيين والفلسطينيين/ سياسة عرفات المنهزم/ إسرائيل الغاصبة لحقوق المسلمين... وغيرها».

ومن ضمن عمليات الخطف أيضًا، وردت في شهر كانون الأول عام ١٩٨٤ أنباء عن اختفاء مسؤول مكتبة الجامعة الأميركية في بيروت. كما أن عمليات الخطف تلك كانت تتبناها مجموعات بمسميّات مختلفة، مثلًا: «منظمةً جند الحق» التي كانت تتبع لـ«المقاومةً المؤمنة» (فصيل منشقّ عن «حركة أمل»).

في أثناء هذه العمليات الأمنية والعسكرية التي كان يقوم بها الحزب أطلق عام ١٩٨٥ الوثيقة السياسية الأولى والتي سُميت بالـ«رسالة المفتوحة». ففي الـ ١٦ من شباط من العام ١٩٨٥، وبمناسبة الذكرى السنوية الأولى لمقتل الشيخ راغب حرب، تلا الناطق الرسمي باسم «حزب الله» وقتذاك إبراهيم أمين السيد، الرسالة المفتوحة التي وجهها «حزب الله» إلى المستضعفين في لبنان والعالم، من حسينية الشياح في الضاحية الجنوبية والتي اعتبرت بمثابة الإطلالة الرسمية الأولى للحزب، بعد أقل من ٣ سنوات من العمل الجهادي السرّي، وما تخلّلها من عمليات نوعية واستثنائية، في تاريخ الصراع مع الكيان المؤقت. 

فالرسالة المفتوحة شكّلت أول وثيقة يحدّد فيها الحزب مواقفه من قضايا كثيرة، على كافة الصعد الوطنية والإقليمية والعالمية. 

وقد حددّت الرسالة أهداف «حزب الله» في لبنان بـ٤، وهي: 

١_ أن تخرج إسرائيل من لبنان كمقدمة لإزالتها من الوجود، وتحرير القدس من براثن الاحتلال. 

٢_ أن تخرج أميركا وفرنسا وحلفائهما من لبنان، وينتهي أي نفوذ لأي دولة استعمارية في البلاد. 

٣_ أن يرضخ الكتائبيون للحكم العادل ويُحاكَموا جميعًا على الجرائم التي ارتكبوها بحق المسلمين والمسيحيين بتشجيع من أميركا وإسرائيل. 

٤_ أن يتُاح لجميع أبناء شعبنا أن يُقرروا مصيرهم ويختاروا بكامل حريتهم شكل نظام الحكم الذي يريدونه، علمًا أننا لا نخفي التزامنا بحكم الإسلام. كما دعا الحزب الجميع إلى اختيار النظام الإسلامي الذي، وبحسب رأيه، يكفل وحده العدل والكرامة للجميع، ويمنع وحده أي محاولة للتسلل الاستعماري إلى لبنان من جديد. 

أما عن القوة العسكرية فقد جاء في الرسالة: «فيما يتعلّق بقوتنا العسكرية، لا يستطيع أحد تصوّر أبعادها لأننا لا نملك جهازًا عسكريًّا منفصلًا عن الأجزاء الأخرى من منظمتنا .كل واحد منّا هو جندي مقاتل متى استدعت الدعوة للجهاد، وكل واحد منا يتولى مهمته في المعركة وفقًا لتكليفه الشرعي في إطار العمل بولاية الفقيه القائد».

بعد أن ظهَر الحزب بشكل رسمي على الساحة الداخلية اللبنانية أراد إلغاء كل فكر لا يتوافق مع إيديولوجيته خصوصًا ضمن الطائفة الشيعية كما أراد احتكار مقاومة الاحتلال الإسرائيلي وجعلها حقًّا حصريًّا له دون سواه. 

لذا قام الحزب بالترهيب الفكري والجسدي وصولًا إلى عمليات الاغتيال بحقّ العديد من المفكرين والصحافيين الوطنيين اللبنانين واليساريين. وقد غمز الأمين العام السابق للحزب الشيوعي جورج حاوي (اغتيل أيضًا في حزيران ٢٠٠٥) من «حزب الله» متّهمًا إيّاه بطريقة مبطّنة باغتيال المفكّر مهدي عامل. فكان خطابه الشهير في تأبين الأخير الذي جاء فيه: «ان الإسلام ليس ردّة إلى الوراء، ليس نمطًا معيّنًا من الحياة يُفرض فرضًا وقسرًا وبالعصا والسيف والسكين وكاتم الصوت والرشاش على أبناء هذا الشعب الأكثر إيمانًا بقضيّتهم وبربّهم من أولئك مدّعي الإسلام والمسيحية زورًا وبهتانًا... الثورة ليست خطفًا لدبلوماسيين ايًّا كانت هوياتهم، ليست نهبًا لمحلات وليست خطفًا لأجانب... الأمر أخطر إذ يتعلق بالجنوب، نحن مع إطلاق حرية المقاومة في الجنوب ولكننا ضد قصف المستعمرات من قرانا». ثم أردف حاوي قائلًا : «إن الفراغ الوطني الذي تفاقم بفعل انتصار نهج الهيمنة المذهبية والتقاسم المذهبي بعد ١٧ ايار هو الذي أمّن الارضية المناسبة والمناخ المؤاتي لنمو مثل هذه التيارات ولتحوّلها إلى طاقة تدميرية قاتلة». وحسن حمدان، المعروف باسم مهدي عامل، كان عضوًا بارزًا في اتحاد الكتاّب اللبنانيين والمجلس الثقافي للبنان الجنوبي، ورابطة الأساتذة المتفرغين في الجامعة اللبنانية. انتسب إلى الحزب الشيوعي اللبناني عام ١٩٦٠، وانتخب عضوًا في اللجنة المركزية للحزب في المؤتمر الخامس عام ١٩٨٧. وقد اغتيل في الثامن عشر من أيار عام ١٩٨٧ في أحد شوارع بيروت، وهو في طريقه إلى جامعته الجامعة اللبنانية، معهد العلوم الاجتماعية الفرع الأول، حيث كان يدرّس فيها مواد الفلسفة والسياسة والمنهجيات. 

ونذكر من ضحايا عمليات الاغتيال في تلك الحقبة: 

• سهيل طويلة: في الرابع والعشرين من شباط العام ١٩٨٦، اغتيل الصحافي سهيل طويلة، ابن حاصبيا، عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي اللبناني بعدما اختطف من منزله بعد عودته من جريدة «النداء»، الناطقة باسم الحزب الشيوعي، التي كان يرأس تحريرها. 

• حسين مروة: هو مفكّر وفيلسوف وباحث، وعضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي اللبناني سابقًا، قيادي شيوعي بارز في لبنان والعالم العربي، له العديد من المؤلفات ويعدًّ أبرزها وأكثرها شهرة على الإطلاق كتاب «النزعات المادية في الفلسفة العربية والإسلامية» الذي صدر في العام ١٩٧٨، وأثار جدلًا كبيرًا في حينه. ترأس تحرير مجلة «الطريق» الثقافيّة من العام ١٩٦٦ حتى شباط ١٩٨٧، التي كان يُصدرها الحزب الشيوعي، كما كان عضوًا في مجلس تحرير مجلّة «النهج» الصادرة عن «مركز الأبحاث والدراسات الاشتراكية في العالم العربي». شارك في تأسيس اتحاد الكتاب اللبنانيين في العام ١٩٤٨، اغتيل في منزله الكائن في بيروت وهو مُقعد على فراش المرض في شباط ١٩٨٧.

كما تورّط «حزب الله» بجريمة اغتيال الصحافي اللبناني مصطفى جحا عام ١٩٩٢ الذي اتهم أنه مرتدّ وكافر، وكانت صدرت فتوى من الخميني بجواز قتله. 

وفي خضمّ بسط نفوذه على الجنوب والضاحية والبقاع ولسيطرته على القرار الشيعي بمفرده قام «حزب الله» بفتح معارك مع «حركة أمل» التي كانت ترتبط بالنظام السوري آنذاك وبحسب شهادة الأمين العام السابق الشيخ صبحي الطفيلي فإن إيران هي التي أرادت فتح تلك المعركة وأنه حتى عندما كان أمينًا عامًّا، لم يكن على علم بتوقيتها لأن السيد نصرالله هو الذي كان يشغل مركز المسؤول العسكري آنذاك. 

اغتيال مهدي عامل، المصدر: جريدة السفير
اغتيال مهدي عامل، المصدر: جريدة السفير

اندلعت «حرب الأشقاء» بين «حزب الله» و«حركة أمل» وتحولت ضاحية بيروت الجنوبية إلى ساحة معارك دامية راح ضحيّتها الكثيرون، وسيطر مقاتلو الحزب على مقر «حركة أمل» في الضاحية وانشقّ بعض مقاتلي الحركة والتحقوا بالحزب، وحتى مظاهرات المدنيين الشيعة، بمن فيهم النساء، للاحتجاج على هذا القتال بين الجسمين الشيعيين قوبلت بالرصاص الذي طال حتى موكب غازي كنعان رئيس جهاز الأمن والاستطلاع في القوات السورية العاملة في لبنان خلال عودته من اجتماع لفضّ الاشتباك بين الطرفين، فكانت حادثة من الحوادث النادرة التي أطلق فيها «حزب الله» النار على مسؤول أمني سوري رفيع. 

وانتقلت هذه المعارك إلى إقليم التفاح والجنوب والبقاع اللبناني حيث سيطر «حزب الله» بعد معارك دامية على قرى الجنوب بعد أن كانت الهيمنة لـ«حركة أمل». كذلك الحال في بعلبك الهرمل وقضى الحزب على العديد من رموز الحركة في تلك المعارك، من بينهم المسؤول العسكري العام للحركة حسن جعفر «أبو جمال» ،كما اتهم الحزب باغتيال العديد من كوادر «أمل»، ومن ضمنهم داوود داوود، وفي خطاب شهير لرئيس «حركة أمل» نبيه بري ورد فيه: «إن ما قتله «حزب الله» من «أمل» لم يقتله العدو الإسرائيلي».

تتظيميًّا، كان «حزب الله»، في بداياته، يتألف من مجلس جهادي عسكري ومجلس سياسي إلى حين انتخاب أول أمين عام له العام ١٩٨٧ وهو الشيخ صبحي الطفيلي فأصبح القرار داخل تلك الهيئات بأغلبية الأصوات، ويُعتبر مجلس شورى الحزب أعلى هيئة تنظيمية حيث يتكوّن من ٧ أعضاء تُسند إليهم مسؤولية متابعة أنشطة الحزب الأخرى الاقتصادية والاجتماعية وغيرها. 

أما بالنسبة للمجلس الجهادي فكان يترأسه عماد مغنية بمساعدة بعض مسؤولي الوحدات العسكرية والأمنية. 

وبعد انتهاء ولاية صبحي الطفيلي تمّ انتخاب السيد عباس الموسوي أمينًا عامًّا ثانيًا للحزب، وتصاعدت عملياته العسكرية في الجنوب على شكل حرب عصابات إلى حين اغتيال عباس الموسوي بواسطة مروحية إسرائيلية في بلدة تفاحتا، ومن ثم تمّ انتخاب حسن نصرالله أمينًا عامًّا حتى يومنا هذا.

وهنا تكون قد انتهت المرحلة الأولى من مراحل هذا التنظيم.

مقالات مشابهة
13・03・2026
وذكِّر، إن نفعت الذكرى: تقدّم «المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى» بإخبار في ٢٧ آذار ٢٠٢٥ «ضدّ مطلقي الصواريخ».
المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، الذي صرّح اليوم، على لسان نائب رئيسه، راميًا على «الدولة» مهمة الاهتمام بالنازحين، نفضًا عنه أي مسؤولية، وهو الذي لم يُعوّدنا أساسًا على التصدّي لهذه المهمة أو على الاهتمام بأبناء الطائفة الشيعية. كان قد تقدّم، عندما دعت الحاجة، بإخبارٍ ضدّ «مطلقي الصواريخ» بقصد خرق الاتفاق ١٧٠١.
08・03・2026
رحلة الهروب من الموت: يوم كامل من الجنوب إلى بيروت
أحمد خواجة
احتاج الأمر لأكثر من ٢٣ ساعة للانتقال بالسيارة، من بلدتنا الجنوبية في قضاء «بنت جبيل» إلى بيروت، حوالى ١٠٠ كلم استغرق قطعها كل هذا الوقت، معدل سرعة سيْر الإنسان على قدميه خلال التنزّه يتراوح بين ٤.٨ و٥ كلم في الساعة، ما يعني أن رحلة سيرًا على الأقدام بين بلدتنا وبيروت ما كانت لتحتاج إلى ٢٣ ساعة.
14・11・2025
التحوُّلات السياسية في الجنوب بعد الحرب: من زمن الهيمنة إلى أفق التعدُّدية
علي مراد
ما بعد الحرب ليس مجرد مرحلة زمنية جديدة، بل هو اختبار وجودي للبنان ككل، وللجنوب على وجه التحديد. فقد جاءت حرب أيلول ٢٠٢٤ لتكشف عمق التحوّلات التي كانت تتراكم بهدوء منذ سنوات، ولتُعيد طرح الأسئلة التي لطالما جرى التهرّب منها ...
أيضاً للكاتب/ة
03・07・2025
انتخابات بلدية تحت سطوة السلاح والخسائر
محمد عثمان
كانت الانتخابات النيابية لعام ٢٠٢٢ قد شهدت فوز «حزب الله» و«حركة أمل» بكامل المقاعد الشيعية في المجلس النيابي، ويعود ذلك بشكل رئيسي إلى امتلاك حزب الله للسلاح وفرض سطوته على الحياة السياسية اللبنانية بمختلف مفاصلها، إضافة إلى تحكّمه بقرار السلطة السياسية...
03・03・2025
بعد عشرين عامًا... سقطت الشيعية السياسية على أعتاب شرق أوسط جديد
محمد عثمان

لم يكن سرًّا ولا مستغربًا أن ثنائي «أمل - حزب الله» قد استأثرا بالحكم لمدة عشرين عامًا، وشكّلا أحادية القرار الصادر من الولي الفقيه في إيران والمنفَّذ في الداخل اللبناني، ضاربين عرض الحائط بكل مفاهيم الشراكة الوطنية التي كرّسها الدستور اللبناني.

03・09・2024
«حزب الله» أو مسار التحوّل إلى المافيا المنظمة (٣)
محمد عثمان
بدأت مرحلة جديدة من مراحل الحزب مع انسحاب الجيش الإسرائيلي من الشريط الحدودي لجنوب لبنان في أيار من العام ٢٠٠٠، فنشوة النصر الذي يعتبر أنه العامل الرئيسي فيه انعكست على كافة الصعد لا سيما على الداخل اللبناني.