03・05・2025
من العدد ٢١
«السوشيل ميديا» في إعادة تشكيل الولاء النسائي في البيئة الشيعية

 

فاطمة نصار وسحر غدّار
فاطمة نصار وسحر غدّار

في العقود الماضية، كانت الحسينية تمثّل واحدةً من أهم الفضاءات الاجتماعية والسياسية للمرأة الشيعية في لبنان، حيث لعبت دورًا محوريّا في التربية الدينية والاجتماعية، وبناء الوعي الجمْعي ضمن حدود مرسومة بعناية من قِبل القوى الدينية والسياسية. إلّا أن التحوُّلات الكبرى التي حملتها وسائل التواصل الاجتماعي كسرت الكثير من هذه الحدود التقليدية، ودفعت بالنساء الشيعيّات إلى فضاءات أوسع، امتلكن فيها أدوات الخطاب والتأثير والتعبير عن الذات بطرق جديدة بغضِّ النظر عن مآلات هذه الطرق وأشكال توظيفها.

في السابق، كانت الحسينية تؤدّي دورًا محصورًا في المناسبات العاشورائية ومجالس العزاء المحدودة، مع حضور يقتصر غالبًا على الفئات العمرية المتوسطة من الأمهات والسيدات الأكبر سنًا، اللواتي كنّ ينقلن مضامين هذا الخطاب إلى محيطهن الاجتماعي والعائلي. أما اليوم، ومع التوسُّع الحاصل، يمكن ملاحظة أن الخطاب الحسيني والعاشورائي لم يعد مرتبطًا بفترة زمنية أو مناسبة محدّدة، ولم يعد بحاجة إلى وسيط تقليدي لنقله، بل بات ينتشر بصورة يومية ومستمرة ويستهدف جميع الفئات العمرية. 

على «السوشيل ميديا»، لم تعد المرأة الشيعية مجرّد متلقٍّ أو داعم للخطاب العام، بل أصبحت شريكًا فاعلًا في إنتاجه، وفي أحيان كثيرة إعادة تدويره. وقد أتاح هذا الفضاء الرقمي للنساء توسيع خطابهن خارج حدود الطائفة والجغرافيا، ودون أن تسقط القيود الاجتماعية والدينية التي لا تزال تحكم الحسينية كفضاء واقعي.

وقد برزت في هذا السياق المؤثِّرات الشيعيّات المرتبطات بالأحزاب السائدة في الخطاب والمصطلح حيث كنَ في كل حدث ديني أو اجتماعي، يحرِّكن الرأي العام حول قضايا تتصل بالحجاب والهوية الزينبية، ويخلُقن مساحات للنقاش حول الدِّين والحرب والسياسة. عبر هذه الفضاءات، رسمن خارطة خطابية جديدة تؤكّد على الثبات العقائدي، مع التحذير المستمر من الانحراف عن البيئة الثقافية والدينية. ومع المناسبات الدينية وزيارات العتَبات المقدّسة، تحوّلت الممارسات التقليدية إلى تراندات رقَمية، حيث شجّعت النساء بعضهنّ البعض على إثبات إيمانهنّ وولائهنّ عبر الصوَر والحملات الإلكترونية، ما أضفى على هذه الطقوس طابعًا تنافسيًّا جديدًا.

بالتوازي مع هذا الحِراك، تلعب هذه الإعلاميات دورًا حسّاسًا في هذه المعادلة، حيث يتحرّكن بين الحسينية التقليدية وعالم المنصّات المفتوحة. عبر البرامج الدينية والحوارات الاجتماعية وصفحاتهنّ الخاصة، يسهمن في إعادة تشكيل صورة المرأة الشيعية وتوسيع حضورها، ليس فقط كمؤمنة وملتزمة، بل أيضًا كصانعة للخطاب. ومن خلال أدوات «السوشيل ميديا»، أعادت هذه الإعلاميات إنتاج الخطاب النسَوي الجهادي بشكل رقَمي حديث، يخاطب جمهورًا محليًّا وعالميًّا.

تمَّ توظيف الحمَلات الرقمية لترويج صورة «المرأة المجاهدة»، التي تتحمَّل الفقْد بثبات روحاني عالٍ، وتتحوّل إلى شريكة فاعلة في المعركة لا مجرد متفرِّجة عليها. أصبحت قصص أمهات الشهداء وزوجات المقاومين وأخوات المجاهدين جزءًا من خطاب تَعبوي مؤثّر، حيث يتمّ تصوير فقدان الابن أو الزوج بوصفه مصدرًا للفخر والفرح الروحي، مما أعاد تشكيل العلاقة العاطفية مع الفقْد، وحوّل الحزن الخاص إلى نصر جماعي. وقد انتشرت القصص القصيرة التي توثّق لحظة تلقّي خبر الاستشهاد، مُظهرة النساء كنماذج للثبات واليقين، بما ساهم في تحفيز المزيد من النساء على الانخراط في هذا المسار التعبوي عبر الوسائل الرقمية.

وبعد الحرب الأخيرة، بدأ الترويج لظاهرة ارتباط الفتيات بمقاومين أصيبوا خلال المعارك، ومن بينهم من فقَد بصره نتيجة انفجارات (البايجرز). وقد لاقت هذه الخطوة ترحيبًا واسعًا ودعمًا مجتمعيًّا داخل «البيئة الشيعية»، حيث اعتُبر الزواج من مقاوم مصاب بمثابة نَيْل لرتبة أعلى، إذ أصبحت الزوجة شريكة لبطل قدّم عينيه فداءً للوطن والقضية. وهذا مفهوم جديد تمَّ تعميمه كنوع من المقاومة ضد إسرائيل وترسيخ مفهوم الصبر والجهاد لدى النساء.

لكن هذا التحوُّل لم يكن عشوائيًّا أو منفلتًا عن المرجعيات التقليدية. فظهور «النساء الموقّرات» - أي النساء اللواتي يحظين بالاحترام المجتمعي والديني - على «السوشيل ميديا» حظي بدعم مؤسّساتي ضمني، سواء عبر الإشراف المباشر أو من خلال وضع معايير غير مكتوبة لضمان عدم تجاوز الخطوط الحمراء الشرعية والثقافية. تتمثّل هذه المعايير في الالتزام بالزيّ الشرعي الكامل، اختيار اللغة المحافظة، وتفادي المواضيع المثيرة للجدل الديني أو السياسي خارج الإطار المسموح به. كما يجب أن تبقى الخطابات متّسقة مع القيَم الطائفية والوطنية، ما يعكس استمرار التحكُّم المؤسّساتي بالظهور الرقَمي للنساء.

فالانتقال من الظهور كإعلاميات ضمن قناة ناطقة باسم حزب الله، مثل قناة «المنار»، إلى لعب دور مؤثّرات مستقلّات على صفحاتهن الخاصة، لم يكن ليحصل دون إيجاد مبرّرات شرعية لهذا التوسُّع. لذلك، يتمّ تقديم هذا النشاط الرقَمي باعتباره امتدادًا لرسالة المقاومة ونشر القيَم العقائدية، مما يوفر له غطاءً دينيًّا يضمن قبوله وعدم اعتباره خروجًا عن حدود الشرع أو العُرف الاجتماعي.

فكيف ترجمت المؤثِّرات حضورهنّ بالصوت والصورة؟

فاطمة نصّار، طالبة في العلوم السياسية وناشطة بارزة على «إنستغرام»، يتجاوز عدد متابعيها ثمانية آلاف متابع/ة. يتمحور خطاب نصّار حول الدفاع عن «خصائص البيئة المقاوِمة»، مع تركيز واضح على الإرشاد والتوجيه داخل الإطار الطائفي والسياسي. عبر منشوراتها وتعليقاتها، تحرص نصّار على نقد أي ظواهر أو أفكار تعتبرها خارجة عن السياق المألوف للبيئة، سواء في المظاهر الاجتماعية أو المواقف السياسية، مما يجعلها بمثابة حارسة للثوابت الثقافية والاجتماعية التي تسعى هذه البيئة إلى الحفاظ عليها.

زينب عواضة
زينب عواضة

أما زينب عواضة، فهي صحافية وناشطة سياسية واجتماعية، تُدير محتوى موجّهًا عبر منصّة «إنستغرام»، حيث يتابعها ما يُقارب سبعمائة ألف متابع/ة. تلعب عواضة دورًا أساسيّا في ترسيخ «الفكر المقاوم» وصناعة السرديات التي تحثّ على التمسّك «بالقيَم والمبادئ التي فرَضتها البيئة الثقافية» و«السياسية الشيعية». ومن خلال منشوراتها، تعمل على تثبيت الخطاب الذي يربط الماضي بالحاضر، في سياق «مقاوِم» مستمر. مؤخّرًا، أثار فيديو نشرته عواضة جدلًا واسعًا، حيث تحدّثت فيه عن تلقّيها خبر اغتيال الأمين العام السابق لـ«حزب الله» حسن نصرالله عبر «رؤية فراشة»، وقد حصد المقطع تفاعلات متباينة بين جمهور مؤيّد يرى في روايتها تجليًا روحيًّا، وآخر معارِض اعتبرها مبالِغة أو استغلالًا للرمزية الدينية. يندرج هذا الخطاب ضمن مناخ بيئة لا تزال تكرّر سرديات الانتصار والولاء المستمَدّة من أحداث وقعت قبل أكثر من ١٤٠٠ عام، محاولةً التأكيد يوميًّا على استمرارية زمن أهل البيت وإحياء وصاياهم في الحاضر المُعاش.

تُعد سحر غدار واحدة من أبرز الصحافيات المتخصّصات في شؤون وسائل التواصل الاجتماعي ضمن «البيئة الشيعية» في لبنان. تحضُر غدار بوضوح عبر مختلف المنصّات الرقَمية، وقد لعبت دورًا محوريًّا خلال الحرب الأخيرة، حيث نشطت في تغطية التطوّرات السياسية والأمنية من منظور مقاوِم. تحظى آراؤها السياسية بانتشار وتفاعل كبيرَين من قِبل الجمهور المتلقّي، نظرًا لطابعها المباشر والمنحاز بوضوح إلى خطاب المقاومة، مما عزّز حضورها كصوت مؤثِّر ضمن الفضاء الرقَمي. 

فهل يمكن اعتبار ما تقوم به الإعلاميات الشيعيّات، لا سيما الناشطات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، نوعًا من «التجنيد الإعلامي النسائي»؟

بشكل عام،  يبتعد هذا التجنيد عن الأوامر الصريحة أو الانخراط الرسمي، كما في المؤسسات العسكرية التقليدية، بل يتمّ عبر تأطير الوعي الجمعي، من خلال تكرار رسائل تربط الهوية الدينية بالهوية السياسية والمقاومة، وبناء سرديّات موحّدة تقدّم المرأة كرمز أخلاقي وروحي ينبغي الاقتداء به. كذلك، يُشجَّع التفاعل العاطفي مع قضايا الفقْد والفداء والصبر، مما يعزّز الانتماء الطوعي ويجعل الالتزام بالقضية أكثر رسوخًا وصدقًا. وقد ساهم توسُّع دائرة التأثير إلى خارج البيئة المحلية إلى جعل هذا الخطاب أكثر تعقيدًا وتداخلاً مع السرديات العالمية.

من منظورأعمق، يمكن قراءة هذا التحوّل بوصفه صراعًا بين «السلطة الرمزية» و«الذات المتحرّرة». فالتجنيد الإعلامي النسائي في شكله الحالي يعيد إنتاج فكرة قديمة عبّر عنها الفيلسوف ميشال فوكو: «إن السلطة لا تُمارس بالقهر فقط، بل عبر إنتاج أنماط من الخطاب تُقنع الأفراد بأنهم يتصرّفون بحرية، بينما هم في الواقع يُعيدون إنتاج السلطة نفسها». وهكذا، فإن النساء المؤثِّرات، وإن كنّ يبدون في موقع الفاعل الحر، إلا أنهنّ غالبًا ما يتحركن ضمن حدود خطاب تمّ توليفه مسبقًا لخدمة أهداف دينية وسياسية كبرى. وفي العمق العقائدي، يتقاطع هذا مع فكرة «الولاية»، حيث يتمّ تمثيل الولاء كمسارٍ روحي أخلاقي يتطلّب خضوعًا واعيًا ومحبًّا، لا مجرد تنفيذ ميكانيكي للأوامر. بالتالي، فإن معركة النساء الشيعيّات على «السوشيل ميديا» ليست فقط معركة وجود وصوت، بل معركة إعادة تعريف مستمرة لحدود الحرية، الطاعة والهوية.

وهذا التحول العميق، بين الدائرة الصغرى إلى الفضاء العام، يُظهر أن الإعلاميّات الشيعيّات كصاحبات خطاب مؤثِّر لم يأتِ ليكسر البُنى التقليدية للسلطة الدينية والذكورية، بل جاء ليُعيد تثبيتها بأساليب جديدة. فمع اتساع حضورهنّ في العالم الرقَمي، بقيت هذه النساء خاضعات بشكل واعٍ ومقصود لولاية الفقيه كمرجعية عُليا، تشكّل الإطار العقائدي والسياسي الذي تتحرّك من خلاله كل مبادرة إعلامية.

هكذا، تمَّ تجنيد النساء داخل مشروع تعْبَوي أوسع، حيث يتمُّ منحهنّ مساحة من الصوت والظهور، ولكن دائمًا تحت سقف الطاعة والولاء، سواء للعقيدة أو للسلطة الذكورية التي تنظّم شؤون «البيئة المقاومة». فحرّية التعبير هنا مشروطة بالانتماء، ومؤطّرة بشرعية تمنحها المنظومة لا بقرار ذاتي مستقل.

وفي هذا المشهد، تتجلّى المفارقة الكبرى: فالمرأة التي تتكلّم بحرّية على المنصّة الرقَمية، إنما تفعل ذلك بإذن غير مُعلن، وضمن خارطة طريق مرسومة بعناية، فالكاميرا هنا لم تعُد تُشكّل خطرًا، بل أداة ترضى عنها السلطة الذكورية، وتُثبت الطاعة للولي الفقيه والالتزام بالهوية المقاومة عند أي ظهور أو خطاب.

هكذا، تصبح المؤثِّرة الشيعية معادلة دقيقة بين الطاعة والتعبير، بين الولاية والإرادة، في فضاء يحكمه رجال الدين والسياسة، لتجذِّر صورة المضحّية والمناضلة والثابتة على رسالة أهل البيت وولاية الفقيه.