عانت المرأة في مجتمعنا لعقود طويلة من التهميش الاجتماعي، مما أدّى إلى انعزالها وانطوائها وابتعادها عن المشاركة في الحياة الاجتماعيّة. نتَج عن هذا الإهمال أن أصبحت المرأة طاقة مُهدرة وعضوًا غير فعّال في المجتمع، مكتفيةً بأدوار تقليديّة مثل خدمة المنزل والأسرة وتربية الأولاد في أغلب الأحيان.
يرجع تهميش المرأة في مجتمعاتنا إلى عادات وتقاليد وأعراف تراكمت عبر الزمن لتصبح ثوابت اجتماعية غير قابلة للنقد أو التغيير. هذا الواقع الاجتماعي ساهم في تثبيط المرأة عن المطالبة بحقوقها، وجعلها تتجاهل واجباتها في تحسين واقعها، مما أدّى إلى عيشها على الهامش بلا دور حقيقي أو نشاط اجتماعي، وبالتّالي تفاقُم الجهل والتخلّف والفقر في الوسط النسائي.
قد انسحب هذا الأمر على المجتمع الشيعي في لبنان أيضًا الذي وجد في شعارات تحرير المرأة، التي كانت قد بدأت تدخل إلى الفضاء الفكري والأدبي في لبنان والدول المحيطة، مضامين خطيرة تتنافى مع قيَم الدّين وتعاليمه. تلك الشعارات والأفكار التي وجدت حاملها في بعض النساء اللّواتي شكّلن ظواهر استنثنائية في هذا المجتمع كظاهرة زينب فوّاز الأديبة والشّاعرة والخطيبة والتي دعَت إلى تعليم المرأة وطالبت بحقوقها الأساسية. في مقابل ذلك كان هناك مَن يشعر دائمًا بأنّ هذه المطالبات سوف تؤدّي بشكل أو بآخر إلى تهديد القيَم الاجتماعية الموجودة، والتي تشكّل السلطة الأبويّة عمادها الأساسي. فنجد على سبيل المثال أنّ الشّيخ أحمد عارف الزين، وهو المحسوب على روّاد النهضة في المجتمع الشيعي في لبنان نظر إلى مطالب زينب فوّاز التحريريّة نظرة ريبة، وصنّفها في خانة التطرّف، حيث طالبت بمنح المرأة حقوق الرّجل بأجمعها. وبالتّالي لم يخرج رأيه، رغم كون مجلّته قد شكّلت منبرًا لبعض النساء كزهرة الحرّ وزينب فوّاز نفسها، بشكل أو بآخر عن الرأي القائل إنّ مفهوم تحرير المرأة يعني تحريرها من تعاليم الدّين وقيَمه، ومفهوم الحداثة يعني تمرّد المرأة على كلّ الآداب والعادات والتقاليد الإسلاميّة، وهو أمر مرفوض رفضًا قاطعًا!!.
منذ خمسينيات القرن الماضي، بدأت الأفكار المرتبطة بتحرير المرأة تتبلور بشكل ملحوظ. ففي عام ١٩٤٩، أصدرت الكاتبة الفرنسية سيمون دي بوفوار كتابها الشهير «الجنس الآخر»، حيث ذهبت فيه إلى أن الرجل يمارس على المرأة سطوَة عاطفية، مما جعلها تعاني من اضطهاد عميق لأنها قبلت بتحوّل الرجل من إنسان واقعي إلى رمز شبيه بالآلهة. من خلال نتاجها الفكري والأدبي، تساءلت دي بوفوار عن هوية المرأة وأكدت أنها هوية مستلَبة من صنع الرجل، وأن تحرّرها يكمن في قدرتها على الخروج من أصفاد الصورة النمطية التي صنعها المجتمع. بهذا، مهّدت دي بوفوار الطريق للحديث عن مفهوم «الجندر».
وفي سبعينيات القرن الماضي، ظهَر مصطلح «الجندر»، وقد أدخلته آن أوكلي إلى علم الاجتماع. أوضحت أوكلي أن كلمة «سكس» Sex تشير إلى التقسيم البيولوجي بين الذكر والأنثى، بينما يشير «الجندر» إلى التقسيمات الاجتماعية غير المتكافئة بين الذكورة والأنوثة.
دخل المصطلح على الأدبيات القانونية، كما هو واضح في المادّة الخامسة من اتفاقيّة «سيداو»، أو اتفاقيّة القضاء على جميع أشكال التمييز ضدّ المرأة، والتي تهدف إلى ضمان مساواة الرجل والمرأة في حقوقهما وحريّاتهما والحقوق الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة والسياسيّة في كل المجتمعات. طالبت هذه الاتفاقيّة بتغيير الأنماط الاجتماعيّة والثقافيّة لدور كلٍّ من الرجل والمرأة بهدف القضاء على التحيّزات والعادات العرفيّة.
في الحديث عن تعريفات مفهوم الجندر، من المهم التفريق بين الجنس والجندر «النوع الاجتماعي». حيث يشير مصطلح «الجندر» إلى التفرقة بين الذكر والأنثى على أساس الدور الاجتماعي لكلّ منهما، تأثّرًا بالقيّم السّائدة، بينما يقتصر مصطلح («الجنس» Sex) على الاختلافات البيولوجيّة بين الرجل والمرأة.
تتفاوت الأدوار التي يلعبها الرجال والنساء تفاوتًا كبيرًا بين ثقافة وأخرى ومن جماعة اجتماعية إلى أخرى ضمن الثقافة نفسها. العِرق، والطبقة الاجتماعيّة، والظروف الاقتصاديّة، والعُمر، كلّها عوامل تؤثّر على ما يُعتبر مناسبًا للنساء من أعمال.

وفقًا لمفهوم «الجندر» وكتاب «الأسرة وتحدّيات المستقبل» من مطبوعات «الأمم المتحدة»، يمكن تصنيف الأسرة إلى ١٢ شكلًا ونمطًا، بما في ذلك أُسر الجنس الواحد. هذا التغيّر في شكل الأسرة يعني ضمن النسق الجندري تغيير الأنماط الوظيفية المعهودة للأب والأم في الأسرة.
إنّ أفكار تحرير المرأة بشكلها الحديث والمرتبط بالأدوار الاجتماعيّة والحقوق والحريّات وغيرها من الموضوعات كانت قد طُرحت أيضًا داخل المجال الاجتماعي اللّبناني، ومنه المجال الاجتماعي الشّيعي، حيث ظهرت هذه الأفكار على مستوى الأدبيّات والتحرّكات. فعلى المستوى الأدبي والبحثي، تناولت العديد من القضايا المرتبطة بتحرّر المرأة. ومن بين الباحثات البارزات في هذا المجال عزّة شرارة بيضون، التي تناولت قضايا المرأة في كتابها «بعيون النساء: شؤون اللبنانيّات وقضاياهن»، وهو مجموعة من المقالات التي نُشرت بين عامي ٢٠١٦ و٢٠٢٠. يتكوّن الكتاب من ثلاثة أجزاء: الجزء الأول يتناول قضايا العنف ضد النساء والتمييز ضدهن من منظور كلّ من النساء والرجال، أي الناجيات والمعنِّفين، ومن منظور القضاءين المدني والديني. ويؤرّخ الكتاب للمجموعات النسويّة في إطار الحركة النسويّة، تماشيًا مع ما أسمته الكاتبة الموجة الثالثة من الحركة النسويّة. تقول عزّة شرارة في هذا السّياق: «أصبحنا، نحن نسويّات الستينيّات والسبعينيّات من القرن الماضي/ الموجة الثانية، موضوعًا لمقابلات شخصيّة معمّقة في محاولة من النسويّات الشابّات للبحث عن امتدادهنّ في الزمن السّابق في مسارات حيواتنا»، وبدأ في هذا المجال أيضًا العمل بتوثيق العمل النسوي وشعاراته. وتُكمل شرارة بيضون في هذا المجال أنه أصبحت «أقوالنا وأقوال نساء من كلّ الفئات، يتجمّع لديهنّ سيَر حيواتنا، وهي عناصر تصلُح لتشكيل أرشيفات نسائيّة متاحة للباحثات والباحثين». بهذا، يُظهر كتاب عزّة شرارة بيضون كمسار ونمط من الجهود المستمرّة لتوثيق وتحليل قضايا المرأة في المجتمع اللبناني، من ضمنه السّياق الشّيعي، ويسلّط الضوء على التطوّر والتفاعل بين الأجيال النسويّة المختلفة في سعيِهن نحو تحقيق التحرّر والمساواة.
وفي سياق ذلك، وبتخصيص أكثر عملت مؤسسة «أمم للتوثيق والأبحاث» سنة ٢٠٢٢ على كتاب «المرأة الشيعية في لبنان: خصوصيّة الهويّة والكفاح المستمر»، الذي أدّى، كجزء أساسي من جهد المؤسّسة، لإنتاج مادّة توثيقيّة شاملة تطال الشيعة في لبنان وحصّتهم من تاريخه، في إطار مشروع أسمَته «تواريخ متقاطعة حصّة الشيعة منها». وثّقت الباحثة راغدة غملوش، القضايا المرتبطة بواقع المرأة الشيعيّة عبر التاريخ وصولًا إلى زماننا الحاضر في مختلف الميادين: الدينيّة، السياسيّة، الاجتماعيّة والاقتصاديّة. وتطرّق الكتاب إلى الأدوار المجتمعيّة للنساء الشيعة منذ ما قبل الانتداب الفرنسي في أواخر الحقبة العثمانيّة، وذكر أسماء نساء تركن آثارًا مهمة في مجالات مختلفة. وتناول الكتاب أيضًا أحوال الشيعيّات حتّى بداية الحرب الأهليّة، مستعرضًا الظروف السياسيّة والثقافيّة المتغيّرة التي تخلّلتها نشاطات النساء في الحقول التعليميّة والأدبيّة والدينيّة والاجتماعيّة، وحتى السياسيّة، مع التطرّق لموضوع اللّباس. عالجت الباحثة في كتابها أيضًا معيشة المرأة الشيعيّة منذ اندلاع الحرب الأهليّة في عام ١٩٧٥ وحتّى اليوم، مع دخول «حركة أمل» و«حزب الله» إلى المشهد الاجتماعي والسياسي، وتخصيص الحركَتين الحزبيّتين للنساء حصة في إطار عملهما السياسي والدعائي. كما التفت الكتاب إلى مشاركة النساء في الانتخابــــات النيابيّة والبلديّة والاختياريّة، وحضورهنّ في الوظائف العامّة والوزارات، إضافة إلى دور الشيعيّات الكبير في انتفاضة ١٧ تشرين ٢٠١٩.
خصّصت غملوش الفصل الأخير من الكتاب للإجحاف المتمثّل في قوانين الأحوال الشخصيّة المختلفة. هذا الاجحاف فرض حِراكًا تمحور حول موضوع حضانة المرأة، وبرزت معه شعارات جريئة مثل «الفساد الفساد جوّا جوّا العمامات»، وهو الشعار الذي طالما ردّدته النساء المنتفضات على الظلم بحقهن أمام المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى. اشتدّ زخم هذا الحراك منذ عام ٢٠١٨ حيث أصبحت وسائل الإعلام تضجّ بمقالات وتقارير حول مسألة سنّ الحضانة في المحاكم الجعفرية. وبحسب ما يؤرّخ كتاب «المرأة الشيعية في لبنان: خصوصية الهوية والكفاح المستمر»، يعدّ هذا الحراك حدَثًا أساسيًّا يخصّ المرأة الشيعية ونضالها نحو التحرّر، ومع أن الطّابع الفردي والشخصي هو الذي يميّز نضال الناشطات، حيث مرّت بعضهن بنزاعات أمام المحاكم، مما طغى على منهجيّتهن، وعلى الرغم أن بوابة هذا الحراك كانت مسألة ممارسة المرأة لحقها في حضانة أطفالها، إلّا أنه يعكس تمرّدًا على السلطة الدينية الأبوية وما تحمله من إجحاف بحقّ النساء.
بالإضافة إلى ذلك وكما يؤرّخ الكتاب فقد شكّلت مشاركة النساء، ومنهن شيعيّات، في انتفاضة ١٧ تشرين ٢٠١٩ والشعارات النسوية التي رفعنها، علامة فارقة في الحراك وجرأة شعاراته. توثّق الباحثة في كتابها هذه المشاركة، حيث «كانت النساء قائدات الثورة الفعليات، والداعيات المتحمّسات إلى التغيير، حيث كنَّ في الصفوف الأمامية في التظاهرات». ففي صور، على سبيل المثال، «نجحت المنتفضات في تنظيم تظاهرة نسوية، ولكن جرت محاولة لإقناع النساء اللواتي نظّمن المسيرة تلافي المرور أمام مبنى المحكمة الجعفرية».
مقابل هذا الميل التحرّري وهذه الحركات وهذه الجهود التوثيقية كانت تنشط أدبيات ترعاها الأحزاب السياسية المسيطرة في المجتمع الشيعي لتشكل ضخًّا «أدبيًّا» و«علميًّا» هدفها الحفاظ على الدور التقليدي للمرأة، فتصدّى «حزب الله»، من خلال دُور النشر المرتبطة به والتي تدور في فلكه، لرعاية هذه الرؤية التي تضع المرأة في الدور المنوط بها، وذلك عبر إصدارات الكتب التي تتناول دور المرأة في المجتمع الشيعي.
وبنظرة سريعة إلى الإصدارات التي نُشرت بين عامي ٢٠١٦ و٢٠١٩، تظهر مجموعة من الكتب التي تناولت موضوع المرأة. على سبيل المثال، «دار المحجة البيضاء للطباعة والنشر» خصّصت حيّزًا للمرأة إلى جانب الكتب الإسلامية والعقائدية، وكتُب الأدعية والزيارات، والكتب الأدبية والفلسفية، ثم الكتُب الفقهية، والكتُب التاريخية والسياسية. من الكتُب التي تناولت المرأة: «المرأة في أدوارها الثلاثة» الصادر عام ٢٠١٦، و«المرأة بين رؤيتين» الصادر عام ٢٠١٨.
كذلك، «دار الهادي للطباعة والنشر» تميّزت كتبها بالعناوين التي تدلّ على هويتها، مثل كتاب «قيَم المقاومة» و«المهدي الموعود في القرآن الكريم»، وقد كانت هذه الدار قد خصصت إصدارات حول المرأة: «الواجبات الزوجية للمرأة في الإسلام»، و«النجاح في عالم المرأة». وخصّصت سلسلة تهدف إلى التأريخ للمرأة المقاومة التي تواكب بالدعاء لأبنائها «إلى ركْب القافلة الحسينية، وحين تحمّلت جلجلة العذاب مع جرحاها، وحيث حاربت العدو الإسرائيلي بالزيت المغلي وجِرار الفخار وإلقاء الحجارة من فوق السطوح، وحين قاومت وحملت سرّ الشهداء والرسائل المهمة»، والتي أصبحت الآن تتقدّم إلى ساحات المواجهة طلَبًا للحياة الأفضل. هذا ما عبّرت عنه الأعداد الأربعة الصادرة عن «دار الهادي» تحت عنوان «سلسلة المرأة المقاومة. القابضة على الجمر، الصخر ينبت زهرًا، أساور من حديد، دعوني أرسم وجهي» من إعداد «مركز دراسات المرأة والأسرة والطفل في جمعية الرابطة اللبنانية الثقافية، التي اختصرت مسيرة المرأة بالمقاومة، جنبًا إلى جنب مع الرجل، فكان الحضور الحقيقي للمرأة يكمن في دورها المقاوم الذي دخل التاريخ بعطائه وإنجازاته والذي بات يمثل رصيدًا هامًا للمرأة في المجتمع الشيعي عند حزب الله، وبإمكانه أن يكون نواة استنهاض واستقطاب لمختلف الشرائح النسائية في المجتمع، وصولًا إلى انخراط الطاقة النسائية في ميدان الفعل المباشر لمواجهة العدو الصهيوني، فكانت سيرةٌ واحدة لأربع نساءٍ، تتشابه مضمونًا وهدفًا وإن تنوعت أحداثًا، والتي شكّلت عند مجتمع حزب الله السيرة الذاتية لامرأةٍ نموذجية يُنظر لها كمشروع قدوةٍ للمستقبل، مما يمجّد عظمة الحدث المقاوم أُسرًا واستشهادًا».
أيضًا، «دار المعارف الإسلامية الثقافية» أصدرت كتاب «المرأة والأسرة في فكر الإمام الخامنئي» عام ٢٠١٨. ونرى مقالات عن المرأة تناولتها مجلة «بقيّة الله»، مثل: «الهيئات النسائية في حزب الله: أدوار وأهداف» عام ٢٠١٦.
يظهر في هذا المجال أن الصورة النمطية التي تريد أن تقدّمها هذه الأدبيات حول المرأة تدور حول أدوارها التقليدية في «الإعداد» وحول أدوارها «في التربية» وما إلى ذلك. وفي مقابل ذلك يظهر أن هذا الوصف المحدّد للمرأة قد دخلت عليه في الآونة الأخيرة مسألتين، الأولى نوعية والثانية كميّة. فقد دخل مصطلح «الخطر» على الأدبيات التي تُعنى بالمرأة، ودخلت مسألة ربط نضالات المرأة بالتهديد المحتمل للمجتمع وقيَمه.
فقد استمرت «دار المحجة البيضاء» بين عامي ٢٠٢٢ ـ ٢٠٢١ وصولًا إلى اليوم بتخصيص عدد من الإصدارات عن المرأة ومنها: «المرأة حضارة»، «المرأة تحت ظلال الإسلام»، «يوم تحرير المرأة». وتنتشر في «دار الأمير» كتب عن المرأة أخذت العناوين التالية: «ديوان سيدات العزاء»، «ديوان الثورة الزينبية»، «ديوان مأتم فاطمة»، «ديوان زينب والطفوف»، «ديوان زينب والمحراب»، وكلّ هذه الإصدارات تحمل اسم شاعرات أهل البيت، كما وصفتهنّ الدار. وكذلك «دار الهادي» نجد ما نشر حديثًا عن المرأة من كتُب: «سلسلة المرأة المقاومة: قصص كُتبت بالدمع والدم»، وهناك كتاب «نجمة لعيون مشغرة» لجمعية الرابطة اللبنانية الثقافية. وصدر عام ٢٠٢٢ عن «سلسة المرأة المقاومة» التي تُعنى «دار الولاء» أيضًا بنشرها كتاب «ذاتَ أحلامٍ وَسَفَر» حيث يستحضر عُديّ الموسوي نضال المرأة اللبنانية ضد الاحتلال، في ٣ قصص «يتحدّث الكاتب عن تضحيات المرأة اللبنانية ونضالها ضد الاحتلال الإسرائيلي».
أما بالنسبة إلى الدراسات واللقاءات التي تستشعر أخطار طرح فكرة التفكير ونقد أدوار المرأة التقليدية، خصّص مركز «المعارف للدراسات الثقافية»، كما يذكر في عدده الصادر في شهر تموز من عام ٢٠٢٣، سلسلةً من الملتقيات المتخصّصة في المجال الأُسريّ والشبابيّ وقضايا المرأة، وذلك لأن قضايا المرأة محلّ اهتمام مركز المعارف، والدائرة الأساسيّة «التي يركّز عليها بهدف حمايتها من الغزو الفكريّ والثقافيّ والسياسيّ والإعلاميّ»، التي «تشكّل تحدّيًا فعليًا على مستوى مواجهة الغزو القيَمي والثقافي الغربي، في مقابل التأصيل الإسلامي». وقد أنجز المركز لهذه الغاية دراسات ميدانية حول الأسرة، والشباب، وتمكين المرأة، كانت بمثابة المسح الميداني العام، وقد صدر عنها مؤشّرات وقضايا وتوصيات، وقد تمّ اعتماد القسم الأكبر منها كمدخلات «لبرامج ثقافيَّة وتوجيهيَّة واجتماعيَّة». والمركز كما يعرّف عن نفسه «مركز علمي بحثي استشاري، متخصّص بالبحوث النظرية والدراسات الميدانية المرتبطة بقضايا الحرب الناعمة، والتحدّيات الثقافية والفكرية، وثقافة المقاومة ومجتمعها وقيَمها».
وعلى المنوال ذاته نشرت جامعة «المعارف» عام ٢٠٢٣ كتابًا بعنوان «الجندر المخادع _ من المرأة الضحيّة إلى تفكيك المنظومة الأسريّة»، للدكتور طلال عتريسي، وهي جامعة تأسَّسَت بموجب المرسوم رقم ٧٢٦٥ بتاريخ ٢٢ كانون الأول ٢٠١١، وتقع في منطقة الغبيري ـ طريق المطار القديمة، وتتْبَع للمؤسَّسَة الإسلاميَّة للتربية والتعليم، مؤسسة حزب الله التعليمية الرئيسية، والتي شارك في تأسيسها بحسب العلم والخبر الصادر في الجريدة الرسمية: عبد الله أحمد قصير وحسين علي الحاج حسن ونايف عبد المحسن كريم.
يعالج طلال عتريسي، الأستاذ المحاضر في علم الاجتماع والمقرب من حزب الله، في هذا الكتاب موضوع «الجندر» فيقول: إنّه «تحوّل من مصطلح إلى مشروع، له أبعاد ثقافيّة واجتماعيّة»، وهو يقصد بذلك نقد ما أسماه بأدبيّات الأمم المتّحدة وأدبيّات الجمعيات النسويّة التي تقف في وجه المنظومة الأُسريّة التقليديّة، كما ينتقد فرض الأمم المتحدة توحيد الرؤية الثقافيّة حول أدوار المرأة الاجتماعية والأُسريّة، بحيث يصير لزامًا أن تتخلّى «كلّ المجتمعات عن خصوصياتها وتنوّعها الثقافي. كما يرى عتريسي أنّ الفرض القَسري الذي تعمل عليه الأمم المتّحدة كانت بدايته في طرح مسألة «الجندر» في مؤتمر بكين في العامين ١٩٩٤ و١٩٩٥، وقد تطوّرت من تمكين المرأة والمساواة بين الجنسين، وصولًا إلى المساواة الجندريّة، والهويّة الجندريّة، والتوجّهات الجنسيّة، والمثليّة، والدعوة إلى تغيير ما بقي من أحكام وتشريعات تُعيق تلك الهويّة.
كما يناقش عتريسي الأفكار التي دعَت إليها اتفاقية «سيداو» لإلغاء جميع أنواع التمييز ضد المرأة الصادرة عن الأمم المتحدة، والتي تربط قضية المساواة بين الرجل والمرأة بالسلام الدولي ورفاهية العالم. ينتقد عتريسي هذه الاتفاقية، معتبرًا أن حجج «سيداو» و«الجندر» تبدو ضعيفة ومخادعة وتؤدّي في نهاية المطاف إلى تفكيك الانتظام الأُسَري، فهي تتلاعب بالوعي عندما تتذرّع بتمكين المرأة في مواجهة تعسُّف الرجال، وتمنح أهمية مبالغ فيها للمساواة بين الرجل والمرأة لتحقيق السلم العالمي. وقد نشرت جامعة «المعارف» ذاتها مراجعة للكتاب لخّصت فيه النظرة الأساسية التي يحملها، والتي ينبغي التركيز عليها، حيث تجاوزت فيه مسألة «الجندر» كونها مصطلحًا وتحوّلت من دعوة اختياريّة «إلى مشروع إلزاميّ، يستلزم تغيير القوانين والتّشريعات والعادات التي تتعارض معه، فضلًا عن مناهج التّعليم التي لا تراعي منطِقه. فبات الشّذوذ أيديولوجيّة تهدف إلى إلغاء ثنائيّة الذّكر والأنثى التي «يستند إليها العمران البشريّ». كما وباتت رعاية حقوق «مجتمع الميم»؛ المثليّين والمثليّات ومغايري الجنس ومتحوّلي الجنس ومزدوجي الجنس، من أولويّات مكتب حقوق الإنسان في الأُمم المتّحدة».
يظهر هنا كأن طلال عتريسي، الكاتب، والمُراجع وجامعة المعارف، أرادوا الدفاع عن النمط القائم من أنماط التمييز بأخذ النقاش إلى مكان من السهل استثارة الرأي العام المحافظ والوسطي، ألا وهو حقوق مجتمع الميم.
ومن زاوية النقد نفسها ينظر عتريسي إلى مفهوم «الجندر» المفضي إلى شعار تمكين النساء. أي من زاوية نقد الميول المتغايِرة للجنسين بحسب مفهوم «الجندر». فهذا المفهوم كما يراه الكاتب ينظر إلى هذه الميول بصفتها نتاج ثقافة اجتماعية نمطيّة، لا بدّ من تغييرها حتى تنسجم مع رؤية «الجندر» للتمكين والمساواة. فالمؤتمرات التي تُعقد للدفاع عن المرأة من أجل الكوتا النسائيّة، والتمكين، ولرفض العنف، وتحقيق المساواة، تضع أيضًا على جدول أعمالها الدفاع عن المثليّة الجنسيّة، بحيث تتساوى في الوعي مع ما تمّت الدعوة إليه في المؤتمرات، مع رفض العنف، وتأييد الكوتا، والمساواة والتنمية.
ويعرّج الكتاب في هذا المجال على مفهوم الباحث الاجتماعي هشام شرابي الذي عبّر عن توقٍ إلى نقد النظام الأبوي القائم على التخلّف، ويربط وجهة نظر شرابي بصدور كتاب للمؤرّخة الأميركيّة غيردا لينر «نشأة النظام الأبوي» في العام ١٩٥٨، قبل ثلاث سنوات من نشر شرابي لبحثه حول النظام الأبوي، الذي كان من الكتب التي ألهمت حركات وجمعيات الدعوة إلى «الجندر»، وإلى المساواة، وإلى إلغاء الهيمنة الذكوريّة الأبويّة، وإنتاج أُسرة، وطريقة تربية الأبناء فيها من دون مرجعيّة أي سلطة عقابيّة، التي تتمثّل بالأب بنظرهم والتي تمّ الاستغناء عنه رمزًا وسلطة.
يصل عتريسي إلى نتيجة مطابقة في منطقها للنتيجة المطروحة أعلاه حول تحرير المرأة، فشعار تمكين المرأة الذي يستند على الحريّة وتعتقد به النسويّات يتجلّى بصورة السيطرة على أجسادهنّ وتعدّ المثليّة قسمًا منها، ومثال على ذلك، حركة «النسويّة السّحاقيّة» التي رأت في الاهتمام العاطفي والجنسي الذي تُبديه النساء تجاه بعضهنّ واحدًا من آليات النضال النسوي.
يظهر في هذا المجال حجم الضخّ الإعلامي و«العلمي» حول «قضايا المرأة» وشكلها وخصوصًا في الآونة الأخيرة، كأن هناك استشعار لخطر ما من الدراسات التوثيقية أو الحراكات القائمة، أو العلاقة الجدلية القائمة بين ميدان العلم والتوثيق وميدان التحركات والنضالات. هذا الحراك الذي قد يهدّد، وكما يقول القيّمون على الدراسات نفسها، المنظومة القائمة من علاقات التمييز وانعدام المساواة.
ولو أردنا النظر بشكل أوضح إلى الشكل الذي يريد هذا الضخّ الإعلامي والعلمي أن يقدّمه، يمكن العودة إلى كتاب صادر عن «دار المحجّة البيضاء» عام ٢٠١٨ وهو عبارة عن عظة، أو محاضرة، يُلقيها نائب الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم أمام حشد من النساء، محاضرة بعنوان «المرأة بين رؤيتَين» يتحدّث فيها عن «الرؤية الغربية والرؤية الإسلامية». فهو يرفض مصطلح «تعبير المرأة عن ذاتها» مختزلًا إياه بأنه يعني إبراز الجسد والجمال. كما يتحدّث عن النساء: «بعض الأخَوات يقُلن إذا ما اشتغلنا للعمل الإسلامي لا يقوم الإسلام، إنتو ريّحو بالكُن ما حدا يحمل الإسلام ويعملّنا ياه حجة ليضهَر من البيت». حيث يرى دور المرأة بالكنْس والطبخ والإرضاع، ويقول: «هذا كل الأجر، جهاد المرأة حُسن التبعُّل»، وهي عبارة تُنسب للإمام علي وتعني أن على المرأة طاعة زوجها. بهذا الخطاب يرسم الحزب دور المرأة وحدود مشاركتها بكل ما يقع خارج باب منزلها. بالمعنى الذي يتوجب فيه على المرأة أن تطيع زوجها، أو أخيها أو أبيها، حيث يريد السّكن وعدم جواز بُعدها عنه، بحيث يصبح هو صاحب الحلّ والرّبط، وهو المسؤول عن الإنفاق. فتصبح المعادلة بإسداء السلطة وإعلان التفضيل للرجال، كوْن العمل والانفاق من مسؤوليّتهم. فالمرأة تكون منصاعة دائمًا للرجل كونها لا تصرف على العائلة، ولا سلطة بالتّالي لديها. فهي لا تستطيع أن تُقاسم سلطة الرجل، ولا أن تُجاريه في العمل وجني المال، فتُهمل بالمقابل تربية أبنائها.

عمل الحزب دائمًا على إقناع الشيعيّات بالخضوع لسلطة الرجل والالتزام بالدّور المفروض عليهن داخل الأسرة، وعدم القيام بأي دور خارج المنزل إلّا برضاه وبعد تأدية كل الواجبات التي تنصّ عليها الثقافة الدينية كما يراها، وإن كانت معظم خطابات نصرالله العلنية مخصّصة للشأن السياسي الخارجي قبل الداخلي، تكثُر عظات نائبه، نعيم قاسم، العلنية حول المرأة والدور المفروض عليها والموجهة إلى الرجال والنساء، كلٍّ على حدة.
ولطالما حاول «حزب الله» عبر إعلامه تخصيص برامج لـ«تربية» النساء. يخرج الشيخ المعروف سامي خضرا، أو غيره، ليعِظ النساء ويرسم لهن حدود حركاتهن وتصرفاتهن. اشتهر خضرا بمقولة «الشجرة»، يوم نشَر فيديو دعا فيه النساء إلى استبدال صوَرهن الشخصية بصوَر أشجار أو مناظر طبيعية أو آيات قرآنية، لتصبح الجملة محطّ تهكّم حتى اليوم.
عام ٢٠١٩ وخلال انتفاضة تشرين برزت النساء في الصفوف الأمامية ورفعن خطابًا هزّ ذكورية خضرا وحزبه، كما ذكورية كل الطبقة السياسية اللبنانية بما فيها تلك التي تدّعي اهتمامًا بحقوق النساء.
ما كان من خضرا إلّا أن خرج عبر قناة «الكوثر» الإيرانية ليصرّح بأن مشاركة المرأة اللبنانية في الاحتجاجات عرّت المجتمع. يومها اعتذر خضرا للعرب عن «الصورة السيّئة» التي أعطتها المتظاهرات عن المرأة اللبنانية من خلال لباسهن وحركاتهن وألفاظهن.
كما توحي عبارة «استكمال التشريعات والاجراءات اللازمة لحمايتها وتعزيز دورها» التي استخدمها «حزب الله» في أحد بياناته الانتخابية مؤخرًا بأن الحزب ملتزم ما يقول، بينما تؤكّد الوقائع العكس. منذ سنوات يعرقل الحزب كل مشاريع القوانين والاقتراحات التي تسعى لحماية النساء وضمان أبسط حقوقهن خصوصًا في قوانين الأحوال الشخصية. حتى المشاريع التي تحمي الطفلات من جرائم التزويج وما ينتج عنها من اتجار واغتصاب وأذى جسدي، حاربها «حزب الله» جهارًا. نصرالله نفسه أطلق علنًا حملة مضادة للتشجيع على تزويج القاصرات بمواجهة المطالبة بوضع قانون يجرم ذلك ويحدّد السنّ القانونية للزواج بـ ١٨ سنة.
يحفل تاريخ «حزب الله» بالتصدّي لاقتراحات القوانين التي تسعى لحماية النساء، وحتى الطفلات، من الجرائم المرتكبة ضدهن والاقتراحات التي تسعى لمنحهن فُتاتًا من حقوقهن.
خلال السعي لإقرار قانون يحمي المرأة من العنف الأُسري، حارب الحزب الأم المعنَّفة، حيث أعلن قاسم مرارًا موقفه الرافض إقراره. وبرغم أن القانون أقرّ مع ثغرات عام ٢٠١٤، فقد عبّر عن فرحته بسقوط اقتراح يجرّم الاغتصاب الزوجي بحجة أنه «يخالف أصل الزواج». باسم الحزب أعلن قاسم رفضه ما سمّاه «العبث بقوانين الأحوال الشخصية المعمول بها في المحاكم، واستبدالها بقوانين مدنية مهما كان عنوانها». فتُركت النساء الشيعيات تُعانين من أكثر قوانين الأحوال الشخصية ظلمًا في لبنان. وباتت المحكمة الجعفرية رمزًا لعذابات المرأة الشيعية التي تخسر رضا زوجها.
لا شيء يخفيه الحزب بما يتعلق بموقفه من النساء. ويمكن لمن يشاء الاطلاع على خطبه وممارساته تجاه المرأة، مواقف ترسم مستقبل المرأة الشيعية في لبنان الذي يُراد له أن يكون على شاكلة الهيئات النسائية في «حزب الله» حيث تمحوَر دور النساء في توزيع الحصص الغذائية، وإقامة الإفطارات الرمضانية وموائد الغذاء، بالإضافة إلى تقديم التبرّعات وتسجيل المنتسبات لبطاقة «السجاد». ناهيك عن الدورات الدينية المكثّفة التي تحصل فيها النساء على الجوائز المالية والقسائم الشرائية. أو في عملية إعداد الأفراد وإنتاجهم في المجتمع كما يعبّر الإمام الخميني في أحد أقواله: «إن للمرأة دورًا كبيرًا في المجتمع، والمرأة مظهر لتحقق آمال البشر... المرأة هي الموجود الأوحد الذي يمكنه إتحاف المجتمع بأفراد يندفع المجتمع بل المجتمعات ببركة وجودهم نحو الاستقامة والقيَم الإنسانية العُليا». ويبدو أن الحزب أضاف إلى رؤيته لأدوار النساء مسألة تخصيصها بنشر ومراجعة كتب تهدف إلى تأبيد إخضاع المرأة وجعلها ولّادة أُسر، ومواكب وحروب...





