
بدراسات جدوى حملت عنوان «الرزق على الله»، شهدت ضاحية بيروت الجنوبية افتتاح مؤسسات وشركات ومحال تجارية فرّخت كـ«العشب» على حين «فرصة». الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يعيشها لبنان منذ العام ٢٠١٩، والتي أدّت إلى إغلاق العديد من المؤسسات والشركات التجارية في البلاد، لم تمنع الضاحية الجنوبية من أن تشهد ظاهرة مثيرة للدهشة تمثّلت في ازدهار مؤسسات وشركات قائمة، بالإضافة إلى نشوء مؤسسات ومحال تجارية جديدة، غير آبهة بتدهور قيمة الليرة اللبنانية وارتفاع معدّلات البطالة والفقر، وغير مكترثة بالتكاليف الباهظة للتشغيل من إيجارات وارتفاع نفقات فواتير الكهرباء وتكلفة الموظفين، ما جعل من الإجابة على السؤال التالي أمرًا محيّرًا، إذ كيف يمكن لهذه المؤسسات أن تنشأ وتعمل وتستمر في ظلِّ كل هذه المشكلات الاقتصادية والاجتماعية؟ ومن أين جاءت بالسيولة المالية اللازمة لفتح محلات ومؤسسات جديدة؟
هكذا فإن الاستثمار في ضاحية بيروت الجنوبية لم يتوقف برغم كل الأزمات، وهذا ما يشي بوجود تمويل غير تقليدي واقتصاد لا رسمي، وما يرافق ذلك من تدفّق للتمويلات من مصادر غير مصرفية وربما من دعم جهات حزبية وشبكات محلية قوية، وبالتالي آليات دعم غير ظاهرة في إطار ما يمكن وصفه بـ«التقية الاقتصادية» والتي تتخذ من شبكات التضامن الاجتماعي أو دعم جهات خارجية قد تكون سياسية أو اغترابية ستارًا لها في توفير السيولة اللازمة.
إن فهم الديناميكيات الاقتصادية والاجتماعية التي تجعل من الممكن افتتاح محلات جديدة في ظلِّ الظروف الاقتصادية القاسية أمر بالغ التعقيد، لكن لا ضَير من الخوض في هذه الظاهرة التي تشهدها الضاحية الجنوبية لبيروت منذ ما يقارب الخمس سنوات في محاولة لـ«فكفكة» طلاسمها لتسليط الضوء على تأثيرها على الاقتصاد المحلي وكيفية تفاعل المجتمع المحلي معها.
كان محمد ش. يعمل في إحدى المؤسسات التجارية المتخصصة ببيع العصائر الطبيعية والكوكتيلات إلى أن بدأت الأزمة الاقتصادية بالتفاقم مع ثورة ١٧ تشرين الأول ٢٠١٩، وبدأت مرحلة انهيار العملة المحلية مقابل الدولار الأميركي وتغيّر سعر الصرف، ثم حلّت جائحة كورونا التي ساهمت بتفاقم المشكلة فأقفلت معظم المؤسسات والشركات أبوابها. كل ذلك دفع محمد إلى البحث عن مصدر رزق يقيه شرّ «العوَز». يقول الشاب العشريني إن الحياة صعبة، لكن لا بدّ من المغامرة. ويضيف: «في بداية كورونا عملت على ابتكار فكرة جديدة كانت عبارة عن «تيكتوك» وهو نوع من الدرّاجات النارية مربوطة بصندوقة خلفها، وجهّزتَها لبيع العصائر الطازجة من برتقال وجزَر وخلافه، كان الهدف هو إيجاد مصدر دخل يعينني على المضيّ قدُمًا، ويؤمّن لي بعض الدخل كي استمر في بناء مستقبلي». ويضيف محمد: «عملت جيدًا لسنتين، ثم استأجرت محلًّا صغيرًا في منطقة الغبيري، وهناك عملت لمدة سنة لكن عندما طالب مالك المحل برفع الإيجار اضطررت للانتقال إلى منطقة الصفير». هناك افتتح الشاب متجرًا لبيع كوكتيلات الفواكه والعصائر وأضاف إليه «الكريب» الذي تخصّص بها باستخدام أنواع من «الشوكولاتة» البلجيكية كما يقول. كلفة هكذا متجر ليست سهلة، فرسم الإيجار يبلغ ١٨٠٠ دولار يضاف إليه فواتير الكهرباء بنوعيها «الاشتراك» وكهرباء الدولة، وذلك بالإضافة إلى أجرة العمال.
محمد، ليس سوى واحد من الشباب الذين وجدوا في سوق ضاحية بيروت الجنوبية مكانًا جاذبًا للاستثمارات الصغيرة، فهذه المنطقة تدور فيها حركة أموال كبيرة ونسبة إنفاق عالية يصعب تفسيرها إذا ردّينا الأمر إلى القول بأن هذه المنطقة عامرة بالسكان وأهلها يحبون «الإنفاق» خصوصًا على المأكولات والملبوسات وسواها من السلع، بحسب ما يقول الكثير من أصحاب المحلات...
لكن في مقابل هذه الحالة الفردية كان هناك حركة ظاهرة مخفية، فالأزمة الاقتصادية والمالية أدّت إلى انتعاش شركات ومؤسسات كبيرة على رأسها محلات الصيرفة وشركات بيع المواد الغذائية على وجه التحديد، والتي استغلت كل مشكلة من أجل مراكمة الأموال وتحقيق معدلات مرتفعة من الدخل والعائدات. فقد عملت شركات الصيرفة في اتجاهين، الأول المضاربة على سعر الدولار والمتاجرة به واستعانت هذه الشركات بالكثير من الشبان اللبنانيين العاطلين عن العمل الذين شكّلوا حالة فريدة عُرفت بصرُافي الشوارع الذين كانوا يشترون الدولار من المواطنين ويقومون ببيعه للصرّافين المرخّصين، وقد تمكّنت هذه الشركات من تسعير الدولار الأميركي بالثمن الذي تريده. أما الاتجاه الثاني فكان من خلال تحويل واستلام الأموال من دون ضوابط، خصوصًا استلام الأموال المحوّلة من بعض البلدان الأفريقية حيث كانت هذه المحال والمؤسسات تسلّم المواطنين الأموال المحوّلة لهم من بعض الدول الأفريقية من دون اعتماد الاجراءات الواجب اتباعها في مثل هذه الحالات أي بدون مستند رسمي يظهر تفاصيل عملية الاستلام. وبطبيعة الحال هذا ما أدّى إلى ظهور أمبراطوريات للصيرفة راكمت الأموال بطريقة لامنطقية. فبالنسبة إلى شركات الأموال يمكن لنا وبحسبة بسيطة إحصاء أكثر من ٧٥ فرعًا لشركة تحويل أموال حديثة العهد، نشأت مع بداية الأزمة المالية وتتوزّع فروعها بشكل متقارب في أحياء الضاحية الجنوبية من حيّ السلم إلى الكفاءات مرورًا بالمريجة وغيرها.

في نطاق حارة حريك، كان أبرز المعالم التجارية الجديدة هو مجمع و«مول الراية»، وهو عبارة عن عدد من الأبنية السكنية بالإضافة إلى محلات تجارية واسعة، ونظرًا إلى قرب المكان مما يعرف بـ «السوق الصيني». فقد تهافت أصحاب الأفكار التجارية لاستئجار محلات على عجل حتى قبل الانتهاء من أعمال البناء بالكامل، وذلك ليحجزوا لهم مكانًا في مجمّع يعتبرون أنه سيكون له مستقبلًا تجاريًا كبيرًا. أجرة المحال التجارية هنا ليست معقولة بل ربما تفوق التصوّر فهي تتراوح بين ١٥٠٠ إلى ٧٠٠٠ دولار بحسب المساحات، وبحسبة بسيطة فإن معدل الإيجارات في تلك المنطقة يتجاوز الأسعار في شارع الحمرا في بيروت وبدارو ومار مخايل والجميّزة، تلك المناطق والشوارع الذائعة الصيت في أهميتها التجارية.
يقول هادي: «عندما بدأت عملية التأجير في هذا المجمّع قرّرنا أن نفتتح محلًا فيه، وقد حالفنا الحظ بأننا استأجرنا المكان من المالك مباشرة فطلب منا ١٣٠٠ دولار وهو سعر أقلّ من أسعار بقية الإيجارات، فالرجل تفهّم الأوضاع ورضي بما عرضناه كوننا في بداية التأسيس». وماذا عن التكلفة الشهرية الكاملة؟ يجيب هادي: «أنا أعمل في المحل ولدينا موظف واحد، وبحسب ما ندفعه فإن الكلفة الكلية هي في حدود ٢٥٠٠ دولار في الشهر، فنحن لا تجهيزات لدينا تعمل على الكهرباء باستثناء الإنارة، وبالتالي فإن مصروفنا من الكهرباء والمياه قليل». وهل بيع الملابس يؤمّن أرباحًا معقولة؟ يوضح: «قبل الأزمة كانت مبيعاتنا الشهرية تصل إلى حدود الثلاثين ألف دولار شهريًا، ثم تراجعت مع أزمة كورونا والأزمة الاقتصادية إلى ٧ آلاف دولار شهريًا، لكن المفارقة هو أنه عندما بدأت الأحوال تتبدل وكدنا نعود إلى الوضع ما قبل أزمة الليرة والدولار، وارتفعت مبيعاتنا إلى ١٧ ألف دولار شهريًا جاءت أحداث ٧ تشرين الأول في غزة، وهذا أثّر كثيرًا على عملنا»، لماذا؟ «لأن الناس خافت فمن يملك مبالغ مالية معيّنة كان يفكر في إنفاقها على مظهره، خاف وفضّل الاحتفاظ بكل دولار خوفًا من حدوث حرب مفاجئة يُضطر خلالها للنزوح أو للهروب إلى مناطق أكثر أمنًا، وهذا أثّر على الحركة التجارية في مختلف مظاهرها»، ويستطرد هادي: «كذلك هناك أمر آخر أثّر على عملنا وهو ما يتعلق بالنازحين السوريين، فعند التضييق عليهم بدأوا بالإحجام عن الشراء وانشغلوا بهمومهم المستجدة فهذا التضييق أدّى إلى عزوفهم عن التسوّق وقد أدّى ذلك إلى خسارتنا لزبائن كثيرين».
يرضى هادي بربح يُساق إليه يعتبره مُقنعًا، لكن تجارته تعدّ أقل من «أذن الجمل» في منطقة تحولت فيها شركات تجارة وبيع المواد الغذائية بدورها إلى إمبراطوريات ضخمة، فاللافت للانتباه هو أن هذه الشركات تمكّنت خلال الأزمة من مراكمة أرباح مهولة مستغلة الفوارق في سعر صرف الدولار الأميركي مقابل الليرة، بالإضافة إلى حاجة المواطنين للمواد الغذائية خصوصًا في مرحلة بدء انقطاع هذه المواد مع ضعف حركة الاستيراد. وأكثر من ذلك فقد تمكّنت هذه الشركات والمؤسسات من استغلال ضعف الرسوم الجمركية إذ كان يتمّ حسابها بالعملة اللبنانية على سعر دولار بمقدار ١٥٠٠ ليرة للدولار الواحد فيما كان سعر الدولار في السوق السوداء تخطّى حاجز الخمسين ألف ليرة، فعملت هذه «الإمبراطوريات» على استيراد كميات كبيرة من المواد الغذائية وكدّستها في مستودعاتها ومنعت بعضها من الخروج إلى السوق تمهيدًا لتحديد أسعارها بالطريقة التي تريدها فضاعفت أرباحها عشرات المرات من دون حسيب أو رقيب.
وإذا كانت الرغبة والمغامرة والسعي لتحقيق مصادر دخل شكّلت دافعًا لبعض الشبان اللبنانيين من أجل الاستثمار في مؤسسات وشركات ومحال صغيرة، فإن الطمع كان العنوان لـ«حيتان المال» المتمثلين في شركات الصيرفة والمواد الغذائية والذين استغلوا الفوضى الاقتصادية القائمة من أجل العمل في «المسموح والممنوع» لمراكمة ثروات أضيفت إلى ملكياتهم الكبيرة أصلًا…
ربما من المعضلات الأصعب بالنسبة لأصحاب الأفكار والمشاريع هي تلك المتعلقة برأس المال وتأمينه. ففي ظلِّ الأوضاع المالية المتردّية التي يعيشها البلد فإن السؤال الأبرز هو: كيف يتمكّن أصحاب الأفكار من تأمين الأموال اللازمة لترجمتها إلى مشاريع مربحة وتحمّل نفقات انطلاقة أعمالهم؟
إن الإجابة على هذا السؤال قد تُثير التساؤلات، ذلك أن معظم المشاريع الصغيرة تتراوح نفقاتها الشهرية بين ٦ إلى ٧ آلاف دولار شهريًا في حدّها الأدنى وهذه مبالغ لا يمكن تأمينها بسهولة، فأقلّ مؤسسة تحتاج إلى ستة أشهر لتتّضح معالم أدائها، وبلغة الأرقام فإن متوسط الإنفاق الشهري هو في حدود ٦٥٠٠ دولار مضروبًا بـ٦ أشهر فهذا يعادل ٣٩ ألف دولار أي أن أي مستثمر صغير يحتاج إلى ما بين ٣٩ إلى ٥٠ ألف دولار في بداية العمل. فمن أين يأتي الشباب بهذه المبالغ؟ يجيب محمد ش.: «أنا جمعتَهم دولار على دولار من خلال وظيفتي السابقة ثم عملي على «التيكتوك»، أمّنت مبلغًا معقولًا، وقلت لنفسي لا بدَّ من المغامرة، فكل استثمار ينطوي على العديد من المخاطر، والشاطر هو مَن يتجاوز مختلف أنواع التحديات ليحقق النجاح في النهاية»، هل قُمت بالاقتراض؟ يقول: «لم أستدِن قرشًا واحدًا، حتى أن أهلي وعائلتي لم ألجأ إليهم ولم أطلب منهم شيئًا، وهم أصلًا غير قادرين على منحي أي دولار». أما هادي ع. فيقول: «أنا اعتمدت على والدي، فهو يعمل في مجال الألبسة منذ ٤٠ عامًا، وهو يمتلك خبرة كبيرة في بيع الثياب، ونظرًا لسمعته الكبيرة في السوق فإنه لدى افتتاحنا للمحل ساعدَنا بعض تجار الجملة في منحنا الملبوسات بالدّين، أي أجّلوا تقاضي ثمن بضائعهم إلى ما بعد البيع، وهذا توفّر لوالدي لأنهم يتعامل معهم منذ سنوات، وبالتالي فإن الأمر قد لا ينطبق على كل أصحاب المحلات».

لكن في المقابل، فإن التمويل لم يشكّل معضلة للصرّافين ولا شركات ومؤسسات تجارة المواد الغذائية ولا حتى تجار الجملة الآخرين، فهؤلاء لديهم أموالهم الخاصة بالإضافة إلى ما حقّقوه من أرباح خلال الأزمة، وكذلك مصادر تمويل «مخفية» يعرفون طرُقها وأساليبها ولديهم «أبواب» تمكّنوا من فتحها بتشبيك علاقات مع مسؤولين نافذين في الوزارات المعنية لتسهيل أعمالهم «المشروعة وغير المشروعة» وهذا ربما ما يفسر كيف يمكن لهذه الشركات أن تنشط وتزدهر فيما البلد يمرّ بواحدة من أسوأ أزماته والتي لم يشهدها عبر تاريخه. إذ كيف يمكن في ظلِّ انهيار القطاع العام وضعف القدرة الشرائية للمواطنين أن تراكم هذه «الإمبراطوريات» الأموال وتضاعفها.
إن هذه المعطيات تقود إلى البحث في جملة أمور أوّلها ما يتعلق بـ«السوق التجاري» لضاحية بيروت الجنوبية، وثانيها طبيعة العلاقة بين شركاتها ومؤسساتها التجارية من جهة والمؤسسات الرسمية من جهة أخرى، وثالثها في مسألة التمويل إذ هناك بوادر حول قطب مخفية وليس قطبة واحدة.
ينصّ القانون اللبناني على ضرورة حصول كل مَن يرغب بممارسة أي عمل تجاري الحصول على سجلّ تجاري من وزارة العدل وذلك للانطلاق في العمل، لكن القانون أدخل وزارات وجهات رسمية أخرى في تنظيم العلاقة مع الشركات، ذلك أن مجرد الحصول على السجل من وزارة العدل لا يعني أن الشركة بات يمكنها أن تمارس عملها بحرية. فهناك علاقة خاصة مع وزارتي المالية والاقتصاد ويضاف إلى الوزارتين البلديات التي تعمل الشركات في نطاقها. فعلى الشركة رسوم وضرائب على الأرباح وخلافها يجب تسديدها لوزارة المالية. أما وزارة الاقتصاد فدورها كما يقول مصدر معني في وزارة الاقتصاد: هو رقابي بامتياز وذلك عبر مصلحة حماية المستهلك التي يقع على عاتقها مسؤولية التأكّد من سلامة المنتجات التي تقوم الشركات ببيعها وشرائها خصوصًا الغذائية منها وكذلك التأكّد من مطابقة أسعار المنتجات مع الأسعار المنطقية. لكن هذا الكلام يناقضه موقع الوزارة الإلكتروني الذي يُشير إلى مجموعة من الخدمات تقدّمها الوزارة للشركات وبينها تسجيل عقود التمثيل التجاري، تسديد الرسم السنوي عن عقود التمثيل التجاري، شطب عقود التمثيل التجاري. بالإضافة إلى دور وزارة الاقتصاد في منح الوكالات الحصرية وتسجيلها وكذلك تسجيل فروع ومكاتب تمثيل للشركات الأجنبيَّة وتعديل علم وخبر. وإضافة إلى هذه الوزارات هناك علاقة قانونية مع «الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي» الذي تتركز مهمته في التأكد من انتساب موظفي المؤسسات والشركات التجارية للصندوق وعما إذا كانت الشركات تقوم بتسديد اشتراكاتها أم لا. وفي هذا السياق يؤكّد مصدر مطلع في الضمان على أن الأزمة المالية التي ضربت لبنان منذ العام ٢٠١٩ أدّت إلى تعثّر بعض الشركات في الإيفاء بالتزاماتها للشركات فيما استغلت أخرى الوضع القائم لتسديد المبالغ المستحقة عليها بسرعة وذلك نظرًا إلى انهيار سعر صرف الليرة اللبنانية ولأن الاشتراكات تسدّد بالليرة اللبنانية فقد ساعد هذا الأمر الشركات في التخلّص من أعبائها المالية المتوجبة عليها لمصلحة «الضمان».
إن هذه العلاقة القانونية المتشعبة في أكثر من اتجاه، تكاد تكون أحد أسباب عدم التزام مؤسسات الضاحية الجنوبية وشركاتها في استصدار التراخيص اللازمة لممارسة النشاط التجاري الذي ترغب به. ذلك أن معظم تلك المؤسسات والشركات هي صغيرة ومتناهية الصغر. وبالتالي فإن غياب الجهات الرسمية المعنية عن ممارسة دورها في الرقابة على تلك الشركات ترك البلديات وحيدة في مواجهة التفلت التجاري.
من دون أدنى شك إن بلدية الغبيري هي التي تضم أكبر الشركات والمؤسسات التجارية وكذلك الصغيرة، وملكيات هذه الشركات تتنوع بين لبنانيين وسوريين، وبين شركات ومؤسسات عائلية. ولأن البلدية جزء من الأدوات الرقابية في نواح معينة على عمل تلك الشركات والمؤسسات فإن لديها من الاطّلاع والمعلومات ما يكفي عنها، لكنها لا تبوح بها. وتعليقًا على هذا الدور يوضح المطلعون في بلدية الغبيري الذين يصرّون على تجهيل هوياتهم، بأن دور البلدية يتركز في الرقابة على بعض النواحي المتعلقة بالصحة العامة، وهنا فإن الدور الأبرز هو ما يتعلق بمؤسسات المأكولات والمخابز التي تخضع للرقابة الدورية. أما في ما يتعلق بالأمور الأخرى فهي، بالنسبة إلى هؤلاء، من مسؤوليات جهات أخرى في الدولة «والتي يتوجّب عليها أن تقوم بدورها في هذا السياق». ولكن هناك علاقة مالية بين البلديات والشركات والمؤسسات والمحال التجارية يتركز حول «رسوم البلدية» وجبايتها، يؤكّد المطلعون أنفسهم أن «أحوال الشركات خصوصًا الكبيرة منها تأثّرت خلال أزمة كورونا وكذلك الأزمة الاقتصادية، وهذا ما دفعها إلى التخلّي عن أعداد كبيرة من موظفيها وبعض الشركات أقفل أبوابه»، لكن اللافت للانتباه يضيف هؤلاء: «هناك العديد من الشركات والمؤسسات الصغيرة التي ظهرت بسرعة خلال السنتين الأخيرتين، إلى درجة أن إحصاءها لا يزال قيد العمل»، لكن ماذا عن الجباية، يوضح هؤلاء: «إن الجباية تحسّنت خلال السنة الماضية خصوصًا عندما كانت لا تزال محسوبة على الـ ١٥٠٠ ليرة كسعر للدولار، فاستغل الكثيرون من أصحاب المصالح هذا الأمر لتسديد كل الرسوم دفعة واحدة حتى المتراكم عليهم، وأكثر من ذلك فقد انسحب الأمر على أصحاب الشقق السكنية الذين قاموا بتصفير رسومهم البلدية مستغلين الفارق بين الليرة والدولار». ويستطردون: «أما السنة الماضية والحالية فارتفعت نسبة الجباية لتفوق الـ٧٠ في المئة وهذا لم يأتِ من فراغ بل بسبب الإنذارات التي قمنا بتوجيهها إلى المكلّفين والمتابعة الدورية لقسم الجباية لدينا فتمكّنا من رفع النسبة».
أما بالنسبة إلى بلدية حارة حريك فإن أمورها تختلف إلى حدٍّ ما، فالحارة التي شهدت خلال السنتين الماضيتين نهضة تجارية، والتي يوجد فيها «مول الراية»، فلها خصوصيتها لأسباب سياسية بالدرجة الأولى، فهي تضمّ معظم مؤسسات «حزب الله» الاجتماعية والاقتصادية والصحية وسواها. وهذه كلها أمور مجتمعة تلعب دورًا بنكهة خاصة لجهة العلاقة مع مؤسسات الدولة الرسمية. وفي هذا السياق، يمتلك نائب رئيس بلدية حارة حريك أحمد حاطوم رؤيته الخاصة في ما يتعلق بكل شيء في منطقة حارة حريك، فالأولوية تبدو بالنسبة إليه هي ما يتعلق بـ«الأمن» أما تنظيم العلاقة مع الشركات خصوصًا لجهة تنظيمها ومطالبتها بالرسوم البلدية، فهي تخضع للتدخلات السياسية في الكثير من الأحيان، وبالتالي يمكن القول إن هناك أوضاعًا خاصة لهذه الشركات. ويؤكّد حاطوم «إن مؤسسات الدولة غائبة أو مغيّبة نفسها عن ممارسة دورها لجهة التعامل مع المؤسسات والشركات التجارية في المنطقة، وعليه فإن البلدية تمارس دورها كجابٍ فقط لرسومها وليس أكثر حتى تتمكّن من دفع رواتب موظفيها وتؤمّن الصيانة اللازمة لآلياتها ومبانيها بالإضافة إلى «تأمين» تلك الآليات والأبنية».
وبغضّ النظر فإن ما يثير الفضول هو أن الأزمة المالية في لبنان لم تؤثّر على مؤسسات الضاحية وشركاتها، وفي هذا السياق يشير حاطوم إلى «أنه لا معلومات دقيقة حول عدد المؤسسات التي أقفلت خلال الأزمة»، لكنه يشدّد على «أن المؤسسات الأساسية الكبيرة لا تزال قائمة، وإن طرأت بعض التغييرات على نشاط مؤسسات وشركات أخرى كتغيير نوع النشاط التجاري»، ويضيف: «إن ما شهدته الضاحية في السنوات الأخيرة هو اتجاه نحو المقاهي والمطاعم وذلك لأن أصحاب المؤسسات يعتمدون على «الثقافة» الاقتصادية السائدة والقائلة بأن «الأكل والشرب والمواد الغذائية لا تتوقف عن العمل». وتوضيحًا حول إنهاء بعض المؤسسات لأعمالها يقول حاطوم: «إن السبب لا يعود للأزمة بالدرجة الأولى بل لأن بعض اللبنانيين كان يفتتح شركات ويوظف فيها يد عاملة سورية، وعندما يتعلّم هؤلاء يطالبون بتحسين أوضاعهم المالية وعندما يرفض صاحب العمل يلجأون إلى فتح مؤسسات خاصة بهم بالشراكة مع أحد اللبنانيين، وهذا ما أثّر على تلك المؤسسات سلبًا». ويستطرد حاطوم «لذلك لم نشهد عملية إقفال كبيرة بل على العكس معظم محلات الألبسة الأساسية حافظت على استمراريتها»، لافتًا الانتباه إلى مسألة مهمة أنقذت الشركات والمؤسسات من الانهيار لأن ما بين ٨٥ إلى ٩٠% من مؤسسات الضاحية هي صغيرة ومتناهية الصغر وبالتالي تمكّن أصحابها من تجاوز الأزمة بسهولة.
«الدورة الاقتصادية في الضاحية مغلقة أو شبه مغلقة. لا سياح أجانب أو عربًا، إلّا العراقيين والسوريين. أما بعض الخليجيين خصوصًا الكويتيين منهم فهم من أولئك الذين تربطهم علاقات صداقة أو مصاهرة مع عائلات لبنانية في المنطقة، وبالتالي هم ليسوا سيّاحًا بالمعنى الكامل للكلمة. بعض اللبنانيين يأتي من مناطق أخرى للتسوّق في الضاحية، لكن غيابه لا يؤثّر على الدورة الاقتصادية في المنطقة».
بهذه الكلمات يرسم حاطوم معالم الدورة الاقتصادية في الضاحية. لكن في المعنى الأوضح للكلمة فإن الضاحية تتّكل على نفسها، فالشركات والمؤسسات تعمل لأهل المنطقة وهؤلاء لا يتسوّقون إلّا من متاجرها. وما يثير الدهشة فإنه على الرغم من هذا «الانغلاق» فإن أسعار السلع والمنتجات في أسواق الضاحية المختلفة هي أرخص من الأماكن الأخرى حتى من بعض المناطق في الجنوب والبقاع. هذا الأمر يطرح العديد من الأسئلة التي قد لا تكون إجاباتها مريحة لمعظم أصحاب المؤسسات، وبطبيعة الحال قد لا تكون حكْرًا على الضاحية الجنوبية وإنما مناطق لبنانية أخرى، وهذه الإجابات يمكن البدء بها من طريقة عمل شركات ومؤسسات الضاحية ومدى التزامها بالمستحقات المالية المتوجبة عليها لمصلحة الجهات الرسمية المعنية.
إن جردة بسيطة تؤكّد أن غالبية مؤسسات وشركات الضاحية الصغيرة نسبيًّا كما أشرنا سابقًا لم تحصل على التراخيص القانونية اللازمة، أما الشركات الكبيرة فهي في غالبيتها مرخّصة لكن أعمالها لا تكون دائمًا تحت سقف القانون. ففيما لا تقوم المحال الصغيرة بدفع الضرائب والرسوم المتوجّبة عليها لمصلحة وزارة المالية، وبهذا توفر مبالغ كبيرة على أساس سنوي يمكن أن تستخدم جزءًا منها كحسومات على منتجاتها وخدماتها. فإن الشركات الكبيرة و«حيتان المال» يستعينون بمحاسبين مجازين من أجل التلاعب بالإيرادات وبالتالي تخفيض نسبة الأرباح مع ما يترتب على ذلك من خفض للمستحقات المالية المتوجبة على هذه الشركات لمصلحة وزارة المالية. ولأن هذه المصالح التجارية بصغيرها وكبيرها لا تعمل تحت سقف القانون بكل حذافيره، فطبيعي أن لا يكون موظفوها منتسبين إلى «الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي»، ثم ينسحب الأمر نفسه على وزارة الاقتصاد ومن بعدها البلديات التي يمكن القول إنها الجهة الوحيدة التي تملك «داتا» المعلومات الكاملة حول تلك المؤسسات، علمًا أن مهمة البلديات صعّبت منذ العام ١٩٩٦ عندما ألغت الدولة شرط الحصول على براءة ذمة من البلديات للشركات التجارية الراغبة بقوننة أوضاعها، وحتى تكون الصورة أوضح وبالأرقام، هو ما يكشفه حاطوم من أن البلدية إذا ما أرادت أن تمارس دورها القانوني فإن ٧٠% من المؤسسات العاملة في نطاقها يتمّ إقفالها، مستدلًا على ذلك بالإشارة إلى أن عدد المكلّفين من الشركات في حارة حريك هو ٨ آلاف مكلّف تقريبًا ٣٣% من هؤلاء فقط يقومون بتسديد الرسوم المالية للبلدية مقابل ٦٧% غير ملتزمين. ويضيف حاطوم: «إذا كان لا بدّ من تطبيق القانون لا بدّ من إجراءات لكن هذه الأخيرة تصطدم دائمًا بمعوّقات ننأى عن ذكرها».
إن كلام حاطوم يفتح الباب أمام احتمالات عدّة أبرزها أن ٦٧% من مؤسسات حارة حريك وشركاتها ربما غير مرخّصة وهذه نسبة يمكن تعميمها على البلديات الأخرى في المنطقة باستثناء الغبيري ربما. وإذا كانت هذه هي الحال فإن هذه المؤسسات متفلّتة من واجباتها القانونية والمالية وهذا مثير للريبة!
وما يضاف إلى ما تقدّم هو أن الأزمة المالية في لبنان كانت السبب في تخطّي أزمة كورونا أهمها لسبب أن انهيار العملة اللبنانية أدّى إلى ضعف الرسوم المالية الرسمية خصوصًا الجمركية منها، وهذا، بحسب حاطوم، ما دفع الشركات إلى استيراد كميات كبيرة من البضائع وتكديسها في مستودعات خاصة لبيعها لاحقًا. وذلك ما اعتبر «تهرّبًا شرعيًا» من الرسوم الجمركية والضرائب لأنها كلها كانت تُحتسب بالعملة اللبنانية.
ختامًا لا بد من القول إن مؤسسات وشركات الضاحية الجنوبية أوجدت لنفسها كيانات مميزة، فهي تمكّنت من استغلال الأزمة المالية لمصلحتها فتحوّلت إلى «إمبراطوريات» اقتصادية فريدة من نوعها مستغلة السوق الكبيرة نسبيًّا في المنطقة، أما بالنسبة إلى المؤسسات الصغيرة فهي لم تُشرعن وجودها قانونيًّا وتاليًا فتح لها ذلك المجال للتهرّب من الضرائب. ويبقى الأبرز هو ذلك الشقّ المتعلق بمنافذ «التهريب» غير الشرعية مع سوريا والتي تعدّ رافدًا لمنتجات عدّة تدخل بلا رسوم جمركية إلى البلاد خصوصًا المواد الغذائية منها، يضاف إلى ذلك الحديث عمليات التهريب التي تتمّ عبر المنافذ الشرعية والذي يعدّ أبطالها «جنودًا مجهولين» يقودون هذه العملية من وراء «كواليس» محصّنة ومحميّة... وكذلك عمليات تحويل الأموال إلى داخل لبنان بلا قناة قانونية واضحة، وهذا ما يُثير التساؤل حول شبُهات غسل الأموال وتبييضها... ما يُبقي الإجابة على السؤال التالي معدومة: «هذا الرزق بفضل ومن فضل مَن؟».





