مِنَ الطَّبَيعِيِّ في مكانٍ القَوْلُ إنَّ «التَّهريبَ»، مِنْ حيثُ هو، مُشكِلَةٌ مُلازِمةٌ للـ«حُدود»، مِنْ حيثُ هِيَ، بِصُورةٍ يستَحيلُ معها الحديثُ عن أحدِهِما دون الآخر. وإذا كانَ التَّهريبُ، على مُستوى الأفرادِ، مَرَدُّهُ إلى طَلَبِ المَزيدِ منَ الرِّبحِ المادِّيِّ، فإنَّه على مُستوى الجماعةِ، أو الحِزبِ، السِّياسِيَّيْنِ قد يُصبِحُ جُزْءًا لا تَجوزُ مُقاربتُه بمَعْزِلٍ عنِ المَشروعِ السِّياسيِّ لهذا الحِزْبِ أو تلكَ الجماعةِ، إذْ يَتَحَوَّلُ التَّهريبُ مِنْ وسيلةٍ غايتُها الرِّبْحُ المادِّيُّ صِرْفًا إلى وسيلةٍ مِنْ جُملَةِ وسائلَ يُتَوَسَّلُ بها إلى الغايةِ السِّياسيَّةِ الكُبرى.
وإذْ ليسَ لُبنانُ بِدْعًا منَ الدُّوَلِ فإنَّ قِصَّتَه، أو قِصَصَه، معَ التَّهريبِ ليستْ بِدْعًا في بداياتِها. إنَّما البِدْعُ في ما آلَتْ إليه شؤون التَّهريبِ في تَحوُّلِها إلى أداةٍ مِنْ أَدواتِ العملِ السِّياسيِّ. وفي ما يَلِي مِنْ هذا النَّصِّ مُحاولةٌ لعَرْضِ قِصَّةِ التَّهريبِ منَ الجُغرافيا اللُّبنانيَّةِ وإلَيْها، ابتداءً بعَرْضٍ موجَزٍ للمسارِ التَّاريخيِّ الذي أفضى إلى إمسَاكِ «حِزب الله» بـ«قِطاعِ» التَّهريبِ وتَنظيمِ شؤونِه في حيِّزٍ جُغرافيٍّ يتجاوزُ الجُغرافيا اللُّبنانيَّة.
ليسَ منَ المُبالغةِ في شيءٍ القَوْلُ إنَّ التَّهريبَ في الجُغرافيا اللُّبنانيَّةِ أَقْدَمُ عُمرًا مِنْ «لُبنان الكبير»، إذْ بعدَ إقامتِها في جبلِ لُبنان عام ١٨٦١، ضَمَّتِ المُتصرِّفيَّةُ مِنطقتَيْ الهِرمِل وشمُسطار إلَيْها. ونظرًا لموقعِها الجُغرافيِّ عندَ الحدودِ الشَّرقيَّةِ للمُتصرِّفيَّةِ، وإضافةً إلى دَوْرِها المَركزيِّ في تِجارةِ المُتصرِّفيَّةِ معَ خارجِها، شكَّلتْ شمُسطار مَعبرًا أساسيًّا للتَّهريب إلى الجَبل، وبصورةٍ خاصَّةٍ تهريبَ القمحِ الذي كان يُنتَجُ في سهلِ البِقاعِ بكمِّيَّاتٍ كبيرةٍ، بلَغَتْ بينَ العامَيْنِ ١٨٦٠ و١٩١٤ حوالى ١٥٠ طُنًّا سنويًّا؛ إضافةً إلى كَميَّاتٍ مِنْهُ كانتْ تُهرَّبُ مِنَ القَلَمونِ وحِمصَ السُّوريَّتَيْنِ إلى قريةِ بريتال ومِنْها إلى الجَبَلِ عبرَ شمُسطار التي ازدادَتْ أهميَّتُها، كمَعبَرٍ للتَّهريب، خِلال فترة الحِصارِ البَحريِّ عام ١٩١٤.
بعدَ استقلالِهِما، لُبنانَ وسُوريا، والانفِصالِ الجُمرُكيِّ بينهُما سنةَ ١٩٥٠ ومَا تَلاهُ مِنْ فارقٍ في سِعْرِ صرفِ عُملةِ كُلٍّ مِنْهُما، نشطتْ حركةُ التَّهريبِ في الاتِّجاهَيْنِ مُتَّخِذَةً، بحُكمِ الجُغرافيا، منَ البِقاعِ اللُّبنانيِّ مَعبرًا أساسيًّا لها. ومُستَفيدينَ مِنْ هامِشِ الرِّبْحِ المَعقولِ هَرَّبَ المُهرِّبونَ بضائعَ عِدَّةً مِنْ حُبوبٍ وتَبغٍ إلى أدواتٍ كهربائيَّةٍ مُرورًا بالنَّسيجِ والأسمِدة. ووِفاقًا مع ما وَرَدَ في بحثِ «شيعةُ لُبنان في الاقتصاد»، الصَّادرِ عنِ مُؤسَّسةِ «أُمَمَ للتَّوثيقِ والأبحاثِ»، فإنَّ التِّجارةَ والتَّهريبَ شكَّلَا ثانيَ مصادرِ الدَّخْلِ لسُكَّانِ المَناطقِ الحدوديَّةِ بعدَ الزِّراعة.
نُزولًا إلى الحدودِ الجَنوبيَّةِ معَ فِلسطينَ وسُوريا، كانَ الجَنوبُ اللُّبنانيُّ على عِلاقةٍ معَ الشَّمالِ الفِلسطينيِّ هِيَ الأَوْثَقُ والأمْتَنُ مِنْ عِلاقاتِه بِسواهُ منَ المَناطِقِ، بِما في ذلكَ الدَّاخِلُ اللُّبنانيُّ. ومَرَدُّ هذا إلى واقعٍ جيوسِياسيٍّ جَعَلَ المِنطَقَتَيْنِ وَحدةً إداريَّةً واحدةً لِمَا يَزيدُ عَنْ ألفٍ ومِئتَيْ سَنةٍ بِدْءًا منَ خِلافةِ عُمرَ بن الخطَّابِ وانتِهاءً بدخولِ الحُلَفاءِ إلى المِنطقة. تاليًا، لا كبيرَ مَعنًى للحديثِ عنْ تَهريبٍ بينَ جَنوبِ لُبنانِ (جبل عامل) وفِلسطين قبلَ بِدايةِ الاحتِلال الفرنسيِّ _ البريطانيِّ للمِنطقةِ، إذْ لم يَكُنْ ثَمَّةَ بَعْدُ حدودٌ جُغرافيَّةٌ ولا جُمركيَّةٌ تَفْصِلُ بينَهُما.
أمَّا وَقَدْ أقَامَ الاحتِلالانِ حواجزَ جُمرُكيَّةً بينهُما فقدِ نَشَطَتْ حركةُ تهريبٍ على جانِبَيِ الحُدودِ، وعلى وجهِ الخُصوصِ إبَّانَ ثانيةِ الحَربَيْنِ العالميَّتَيْنِ، فَكَانَ يُذْهَبُ إلى فِلسطينَ بالمواشي والحُبوبِ والألبِسَةِ ويُؤتى مِنْها بالسُّكَّرِ، المِلْحِ، الصَّابون، الكَازِ وغيرِ ذلك. فبنتُ جبيل، مَثَلًا، كانتْ أبرزَ مُدُنِ الجَنوبِ التي تُهرَّبُ البضائعُ مِنها، ولعلَّ بروزَها هذا يَرْجِعُ إلى احتِوائِها «سُوق الخميس»؛ ثانيَ أهمِّ أسواقِ المِنطقةِ التِّجاريَّةِ بعدَ سوقِ النَّبطيَّة. بيدَ أنَّ نُشوءَ «إسرائيل» عامَ ١٩٤٨ أوقفَ كُلَّ أشكالِ التَّعامُلِ التِّجاريِّ بينهُما، الشَّرْعِيِّ منه وغيرِ الشَّرعيِّ، حَاصِرًا بذلكَ التَّهريبَ عِبرَ البرِّ بالحُدودِ الشَّرقيَّةِ والشَّماليَّةِ معَ سوريا.
في فَترةِ تمركُزِها في مُعسكراتٍ على الحدود الشَّرقيَّةِ، قبلَ اتِّفاق القاهرة عام ١٩٦٩، شقَّتِ الميليشياتُ الفلسطينيَّةُ طُرقاتٍ تربطُ هذه المُعسكرات بالدَّاخل السُّوري. وقد تحوَّلتْ هذه الطُّرقاتُ العسكريَّةُ إلى طُرُقٍ للتَّهريبِ الذي ازدهرَ بشكلٍ كبيرٍ خِلال الحربِ اللُّبنانيَّة، إذْ كانتِ البضائعُ المُهرَّبةُ تَصِلُ إلى وَسَطِ العاصمةِ دمشق لتُباعَ هُناكَ في أسواقٍ كسُوقِ التَّهريبِ الشَّهير في حيِّ القابون المُشيَّدِ قريبًا مِنْ مقرَّاتٍ للقوَّاتِ الخاصَّةِ في الجيش السُّوري.
بالقَدْرِ نفسِه ازدهَرَ تهريبُ المُخدِّراتِ بشكلٍ واسعٍ؛ فمُعدَّلُ تهريبِ الحشيشةِ، التي عرفَها البقاعُ في ثلاثينات القرن العشرين، بلغَ خِلال سِنِيِّ الحربِ ما يَربُو سَنويًّا على أَلْفَيْ طُنٍّ كانتْ تُهرَّبُ بشكلٍ أساسيٍّ إلى مِصرَ ودُوَلِ أوروبا الغربيَّةِ وأميركا الشَّماليَّة. وشَكَّلَ العامُ ١٩٨٣ بِدايةَ تراجُعِ زراعة الحشيشةِ أمام زِراعةِ الأفيون (المادَّةُ الأوَّليَّةُ لصناعةِ مُخدِّر الهيرويين) التي عَرَفَها البِقاعُ بدايةَ السَّبعينات. ويَستطيعُ المُستَمِعُ إلى أحاديثِ كِبارِ السِّنِّ مِمَّنْ شَهِدوا تلكَ الفترةَ أنْ يَسمعَ منهُم ما نَصُّه: «كُل المِنطقة زرَعِتْ أفيوني». وَمِنْ نافِلِ القَوْلِ إنَّه قَوْلٌ مُبالَغٌ فيه بقَدْرِ ما إنَّه دالٌّ دلالةً واضحةً على اتِّساعِ رُقعةِ زراعةِ الأفيون التي ارتَفَعَتْ مِنْ ١% مِنْ إجمالي المساحاتِ المزروعةِ سنةَ ١٩٧٥ إلى ٧٠% مِنه سنةَ ١٩٨٥، وعلى وجهِ الخُصوصِ في قُرى شمال بعلبك. وعَرَفَتْ المِنطقةُ أيضًا صِناعةَ، أو «طَبخ» الهيرويين بحسب التَّعبير المُتداوَل، والذي بلغَ إنتاجُها له عام ١٩٨٧ حوالى ٥٠٠ كيلوغرامٍ بسِعرٍ تراوَحَ بين ٣٠ ـ ٥٠ ألفَ دولارٍ للكيلو الواحدِ، في حين كانَ سِعرُ كيلو الأفيون حوالى ألفَ دولارٍ بحسب تقريرٍ نشرتْه جريدةُ «السَّفير» سنةَ ١٩٨٨ بعُنوان «رحلة داخل عالمٍ مجهول». والجَديرُ بالذِّكرِ أنَّ الأرباحَ الهائلةَ مِنْ تهريب المُخدِّراتِ لم تَكُنْ مِنْ نَصيبِ مُزارعي الحشيشةِ والأفيون، وإنَّما مِنْ نصيبِ المُهرِّبينَ و«التُّجار» الكِبار ومُصنِّعي الهيرويين.
في هذه المِنطقةِ منْ لُبنان، وفي ظِلِّ الحَربِ الأهليَّةِ التي يُمكنُ تَعريفُها بأنَّها سُلطةُ الدَّولةِ في أقصى صُوَرِ غِيابِها؛ في وَسْطِ كُلِّ هذا وَصَلَتْ مجموعاتٌ تابعةٌ للحرس الثَّوري الإيرانيِّ عام ١٩٨٢ إلى منطقة البقاع التي اتَّخذَها حسين الموسوي، زعيم «حركة أمل الإسلاميَّة» المُنشقَّة عن «حركة أمل» مقَرًّا له. وقامَ الإيرانيُّونَ بتدريب وإعداد ما عُرِفَ لاحقًا بـ «حِزب الله» الذي أُسَّسَ بُنيانُهُ في جُغرافيا سِياسيَّةٍ تُحدِّدُ حُدودَها موازينُ قِوى اتَّخَذَتْ مِنْ لُبنانَ حَلْبَةً لصِراعاتِها. وإذا كانَ ليسَ مَعلومًا بعدُ أَوَّلُ دُخولِ «حِزب الله» إلى عالَمِ التَّهريبِ على اختِلافِ أنواعِها، فإنَّ الذي صارَ مَعلومًا أنَّ الحِزبَ في مراحِلِ الحَربِ الأخيرةِ كانَ قد قَرَّرَ جعلَ التَّهريبِ «قِطاعًا» منَ القِطاعاتِ التي يَنْشطُ فيها.
ارتبَطَ اسمُ «حِزب الله» بعددٍ كبيرٍ مِنْ شبكاتِ التَّهريبِ وتبييضِ الأموالِ وتِجارةِ الألماس والأعمال الفنِّيَّة والمُخدِّراتِ وغيرِ ذلكَ مِنَ الأعمالِ غيرِ القانونيَّةِ في دُوَلٍ أوروبيَّةٍ وأميركيَّةٍ عِدَّةَ، وبِوَجْهٍ أساسيٍّ ألمانيا، فنزويلَّا، كولومبيا ومُثَلَّثِ الأرجنتين – البرازيل _ الباراغواي، إضافةً إلى دول أفريقيا حيثُ يتواجدُ الكثير من اللُّبنانيِّين المُموِّلين لـ«حِزب الله».
وإذا أردْنا حَصْرَ الحديثِ بالتَّهريبِ بينَ لُبنانَ وسُوريا، عبرَ البِقاع، فثَمَّةَ نَوعانِ أساسيَّان منَ الموادِّ التي يُديرُ «حِزب الله» «ملفَّ» تهريبِها بينَ البلدَيْنِ ومِنْهُما إلى العالَم: المحروقاتُ والمُخدِّرات. ورغمَ أنَّ التَّهريبَ، قبل الحربِ السُّوريَّةِ سنةَ ٢٠١١، كانَ قائمًا حيثُ كانَت بضائعَ كالتَّبغِ، الكُحولِ، الجُلودِ، الإلكترونيَّاتِ، الألبسةِ وغيرِ ذلكَ تُهرَّبُ إلى بلداتٍ قريبةٍ منَ الحدودِ كَمضَايا وسرغايا؛ وكانتِ المحروقاتُ تُهرَّبُ مِنْ سوريا إلى لُبنان نظرًا لتَدَنِّي أسعارِها في سوريا قبلَ الحرب. رغمَ ذلكَ، شكَّلتِ الحربُ السُّوريَّةُ صفحةً جديدةً مِنْ صفحاتِ التَّهريب بينَ البلدَيْن.
على طُولِ الحُدودِ اللُّبنانيَّةِ السُّوريَّةِ، البالِغِ طُولُها حوال ٣٧٥ كيلومترًا، ثمَّةَ بحسبِ ما صرَّحَ به العميدِ خليل الحلو لقناة «العربيَّة»، عام ٢٠٢٠، أكثرُ مِنْ ١٦٠ مَعبرًا غيرَ شَرْعِيٍّ للتَّهريب؛ مِنْها ما هو أساسيٌّ ومِنْها ما يَجوزُ اعتبارُه مَعبرًا خاصًّا بسُكَّانِ القريةِ الحدوديَّةِ التي يكونُ فيها. تاليًا، منَ البَدَهِيِّ أنَّ الشُّحُناتِ التي تُهرَّبُ ليستْ كُلُّها عائدةً إلى «حِزب الله»، بقَدْرِ ما هُو بَدَهِيٌّ أيضًا أنَّ كُلَّها يتِمُّ تحتَ أعيُنِه. وبدأ ازديادُ تَهريبِ المَحروقاتِ مِنْ لُبنانَ إلى سوريا بعدَ العامِ ٢٠١٧ الذي شَهِدَ سَيطرةَ «قُوَّات سوريا الدِّيمُقراطيَّة»، (قَسَدَ)، على حُقولِ النَّفْطِ التي كانَ بعضُها تحتَ سيطرةِ «داعش»؛ وذلكَ في مناطق الشَّمال السُّوريِّ في مُحافظاتِ: دير الزُّور التي تضُمُّ أكبر حقول النَّفط السُّوريَّة (حقل العمر)، الحسكة، الرَّقَّة وحلب. ويُمكنُ مُقاطعةُ هذه المَعلومة معَ إحصاءٍ نشرتْهُ «الدُّوليَّةُ للمعلومات»، والذي يُشيرُ إلى ارتفاعِ حجمِ استيرادِ لُبنان منَ المازوتِ والذي بلغَ بينَ العامَيْنِ ٢٠١٥ و٢٠١٦ حوالى ١,٥١٥,٠٥٤ طُنًّا، وبينَ العامَيْنِ ٢٠١٨ و٢٠١٩ حوالى ١,٧٨٨,٢٤٣ طُنًّا. وتُقدِّرُ «الدُّوليَّةُ للمعلوماتِ» أنَّ حوالى ٥ ملايين صفيحة بنزين تمَّ تهريبُها إلى سوريا في العامِ ٢٠٢٠ وحدَه بكلفةِ دعمٍ بلغتْ حوالى ٣٥ مليون دولار. في حين يُؤكِّدُ عضو نقابة أصحاب محطّات المحروقات جورج البراكس أنَّ أكثر مِنْ مَليونَيْ ليترٍ منَ المازوت كانت تُهَرَّبُ يوميًّا إلى سوريا.
معَ صيفِ العامِ ٢٠٢١ بلغتْ أزمةُ الوقودِ في لُبنان ذُروتَها بعدَ أن ازدادتْ عمليَّاتُ تهريبه إلى سوريا بشكلٍ غيرِ مسبوقٍ، حتَّى أنَّ الصَّهاريجَ كانتْ تَمُرُّ بشكلٍ شبه يوميٍّ على الطَّريقِ الدُّوليَّةِ (طريق بيروت ـ حمص) لَيْلًا، وكان النَّاسُ يَعرفون ويُصرِّحون بشكلٍ واضحٍ أنَّ هذه الصَّهاريجَ ذاهبةٌ إلى سوريا؛ حاملةً المحروقات المدعومة، مُنذُ أيَّار ٢٠٢٠، منْ مصرف لُبنان على سعر ١٥٠٠ ليرة للدُّولار في حين أنَّ سِعرَه في السُّوقِ السَّوداء سجَّلَ ١٨,٥٠٠ ليرة للدُّولار في تَمُّوز ٢٠٢١. وكان المُهرِّبون يَستفيدون مِنْ فارقِ السِّعرِ بينَ البلدَيْن والذي بلَغَ حوالى ٢٥ ـ ٣٠ دولارًا لكُلِّ صفيحةِ بنزينٍ واحدة.
تُدَارُ عمليَّاتُ التَّهريبِ وتُنظَّمُ مِنْ قِبلِ «حِزب الله» والنِّظامِ السُّوريِّ. وتَتَقاطعُ المَعلوماتُ على تأكيدِ أنَّ الفِرقةَ الرَّابعةَ، التي يرأسُها ماهر الأسد، هي المُوكَلُ إلَيْها مِنَ النِّظامِ السُّوريِّ إدارةَ «مَلَفِّ» التَّهريب وتَنسيقِ عمليَّاتِ دخول المَحروقات إلى سوريا مع «حِزب الله». وبِطبيعةِ الحال، إنَّ الارباحَ الكبيرةَ لا تكونُ مِنْ نصيبِ المُهرِّبين الذين يَنقلون المَحروقات في صهاريجِهِم، وإنَّما مِنْ نصيبِ مالكي الوقود المُقرَّبين منْ «حِزب الله» والنِّظامِ السُّوري. ويَبدو أنَّ العُبورَ في جُغرافيا المَعابرِ، إنْ جازَ التَّعبير، مُقسَّمٌ بينَ «حِزب الله» والفِرقةِ الرَّابعةِ والنِّظامِ السُّوريِّ بصورةٍ تُؤكِّدُ بشكلٍ كبيرٍ نِسبيًّا صِحَّةَ المَعلوماتِ التي تتحدَّثُ عَنْ نَوْعٍ منَ التَّنافُسِ، أو النِّزاعاتِ الخفيَّةِ، بينَ الثَّلاثةِ؛ فأحيانًا تَكونُ الشُّحُناتُ المُهرَّبةُ بحمايةٍ مُباشرةٍ من عناصر «حِزب الله» وتحتَ إشرافِه المُباشر كما كان يجري على مَعبر «المبحص»، وأحيانًا تقومُ الفرقةُ الرَّابعةُ بالإشرافِ على الشُّحناتِ التي تُفرَّغُ في مُستودعاتِها في مناطقَ عدَّةٍ كالقَلَمون وغيرِها. أمَّا «حِصَّةُ» الجيش السُّوريِّ فتأتي عبرَ طريقِ الزَّبداني حيثُ إنَّ الشُّحنات المُهرَّبةَ عبرَه تكونُ مخصَّصةً بالدَّرجةِ الأساس لقِطَعِ الجيش العسكريَّة. على أنَّ هذا لا يَنفي التَّنسيقَ القائم بينَ «حِزب الله» والفرقة الرَّابعة في عمليَّاتِ «التَّسليم والتَّسلُّمِ» التي تَقومُ الفرقة الرَّابعةُ بها بشكلٍ أساسيِّ.
شَاعَ بينَ النَّاسِ أنَّ إحدى وسائلِ المُهرِّبين «الصِّغار» كانتْ أنْ يَضَعَ أحدُهم خزَّانًا إضافيًّا في آليَّتِه بحيثُ يُصبِحُ لها خزَّانَيْنِ؛ واحدٌ لسَيْرِ الآليَّةِ وثانٍ للتَّهريب. على أنَّ الشُّحناتِ الكبيرةَ كانتْ تحتاجُ إلى «تمويهٍ» أكثرَ حِرفيَّةً. على سبيل المِثال لا الحَصر، أوردَ موقع «درج ميديا» أنَّ المُهرِّبين كانت تصلُهم إيصالاتٌ ممهورةٌ بأختامٍ رسميَّةٍ فارغةٌ مِنْ أيِّ معلوماتٍ عن الشُّحنة، كانوا يحصلون عليها من «جهاتٍ رسميَّةٍ» في مرفأ طرابلس لقاءَ مبالغَ ماليَّة ثُمَّ يملؤونَها بوُجهاتِهِم ويُزوِّرون المعلومات عن حمولَتِها، وذلكَ مِنْ أجلِ تسهيل مرورِهم على حواجزِ الجيش اللُّبنانيِّ.

يُضافُ إلى هذا أنَّ المِنطقةَ الشَّرقيَّةَ في لُبنان تقعُ تحتَ سيطرةٍ كاملةٍ مِنْ «حِزب الله» الذي يتحرَّكُ فيها بحُرِّيَّةٍ أكبرَ بكثير مِنْ قُدرتِه على التَّحرُّكِ شمالًا لاعتباراتٍ سياسيَّةٍ بالدَّرجةِ الأساس، قبلَ الاعتباراتِ الجُغرافيَّة. ويستخدمُ الحزبُ هذه المنطقةَ لنقل الإمداداتِ اللُّوجستيَّةِ التي يَحتاجُها لحَربِه في سوريا. وتُشيرُ مصادرُ عسكريَّةٌ إلى أنَّ أبرزَ النِّقاطِ التي تتمُّ فيها عمليَّاتُ التَّهريبِ تقعُ في جرودِ منطقةِ رأسِ بعلبك المسيحيَّة والتي يستخدمُها الحزبُ أيضًا في تنقُّلاتِه مِنْ سوريا وإلَيْها.
أمَّا على الجانبِ السُّوري، فإنَّ المَناطق الأساسيَّةِ التي تُشكِّلُ معابرَ للتَّهريبِ، أو مناطقَ للتَّخزينِ المؤقَّتِ للموادِّ المُهرَّبة، فهي: الزَّبداني، القلمون، يبرود (في القلمون)، مضايا، جرود الطَّفيل (امتدادًا حتَّى سرغايا وسهل رنكوس)، والقصير التي سيطرَ عليها الحزبُ والنِّظامُ عام ٢٠١٣، وهي تُعدُّ من أهمِّ معابر تهريب المحروقات التي تصلُ إليها من قرية القصر اللُّبنانيَّةِ الحدوديَّةِ عبر مَعبر إبش. إضافةً إلى طُرُقاتٍ أساسيَّةٍ هي: طريق «رأس الجوزة – المبحص _ عسال الورد»، طريق «الزّمراني – قارة _ ميرا» الذي سيطر عليه «حِزب الله» بشكلٍ مباشر عام ٢٠١٥. وتتقاطعُ العديدُ منَ المعلومات على تأكيدِ أنَّ المسؤولَ عن المعابر بين لُبنان وسوريا هو محمَّد جعفر قصير الذي أُدرجَ على لائحةِ العقوبات الأميركيَّة باسمَيْن عسكرِيَّيْنِ له هُما: ماجد وفادي.
والمُلفتُ للنَّظرِ، والباعثُ على التَّساؤلِ والدِّراسةِ بعناية، هو أنَّ أشرسَ المَعاركِ التي خاضَها «حِزب الله» إلى جانب النِّظامِ السُّوري والحرس الثَّوري الإيرانيِّ وأكثرَها خسائرَ عليه في العِتاد والأرواح كانت بين العامَيْن ٢٠١٢ و٢٠١٥ وفي هذه المناطق تحديدًا، باستثناء مضايا التي شهدتْ حِصارًا مُطبِقًا من قِبل الحزب والنِّظام إلى أنْ سيطرا عليها باتِّفاقيَّةٍ معَ المُعارضة. والمُراقبُ لإعلام «حِزب الله» يُمكنُه أنْ يُلاحظَ بشكلٍ واضحٍ أنَّ المعاركَ في هذه المناطق المذكورة أخذتْ حيِّزًا كبيرًا منَ الدِّعايةِ دونَ غيرِها منَ المعارك، وبخاصَّةٍ معركةِ القصير (٢٠١٣) التي قامَ أنصارُ الحِزب في الضَّاحيةِ بتوزيع الحلوى احتفالًا بانتصارِ الحِزب في هذه المعركة التي كلَّفتْه حوالى ١٣٠ قتيلًا.

يُعَدُّ تهريبُ المَحروقات أمرًا ثانويًا في «قِطاع» التَّهريب عندَ «حِزب الله» إذا ما قُورِنَ بتهريبِ المُخدِّراتِ، وبخاصَّةٍ مُخدِّر «الكبتاغون» المَحظورِ عالَمِيًّا والذي تُشيرُ تقاريرَ عدَّة إلى أنَّه المُخدِّرُ الأكثرُ انتشارًا في مِنطقةِ «الشَّرق الأوسَط». ويزدادُ انتشارُ «الكبتاغون» في المَناطقِ التي تشهدُ نِزاعاتٍ عسكريَّةً، كما هو الحال في سُوريا التي باتَتْ المُصَدِّرَ الأوَّلَ له في العالَم إلى حدِّ تسميتِها بـ «دولة الكبتاغون». ويَرْجِعُ انتشارُ هذا النَّوعِ منَ المُخدِّرات بشكلٍ أساسيٍّ إلى استعمالاتِه العسكريَّةِ، إذا صحَّ التَّعبير، إذْ إنَّ «الكبتاغون» هو مِنْ مُشتقَّاتِ مادَّتَيْ «الأمفيتامين» و«الثَّيُوفِلِّين»، وهُو يُصنَّفُ بيوكيميائيًّا بأنَّه نوعٌ منَ المُنشِّطاتِ العصبيَّةِ (Nervous Stimulants) التي تُحَفِّزُ الجهازَ العصبيَّ المَركزيَّ (Central Nervous System) بصُورةٍ تُبقي مُتَعاطِيه في حالةٍ هائلةٍ منَ الطَّاقةِ والتَّركيز، وهذه الحالةُ ضروريَّةٌ جِدًّا للمُقاتِل.
يُمكنُ الاستنتاجُ، مِنْ لائحة العقوبات الأميركيَّةِ على مُمَوِّلي «حِزب الله»، أنَّ «تِجارةَ المُخدِّرات» هي أَوَّلُ دُخولِ «حِزب الله» إلى عالَم التَّهريب؛ فاللُّبنانيُّ الحامِلُ لجنسيَّةِ الباراغواي أيضًا، صُبحي فيَّاض، أُدرِجَ على لائحةِ العُقوباتِ نِهايةِ العام ٢٠٠٦ لنَشاطِه في تجارةِ المُخدَّراتِ لصالِح الحِزب مُنذُ العام ١٩٩٥ في مُثَلَّثِ الأرجنتين – الباراغواي _ البرازيل. واستنادًا لِما ورَدَ في كتاب «شيعةُ لُبنان في الاقتصاد»، الصادر عن «أمم»، فإنَّ صناعة وتهريب المُخدِّراتِ على مُستوى العالَمِ تُشكِّلان أحدَ أهمِّ مصادر التَّمويلِ لـ«حِزب الله». وقد شكَّلتِ الحَربُ السُّوريَّةُ بابًا واسِعًا لزيادةِ نشاطِ الحِزب في هذا المَجال، إذْ تَمكَّنَ مِنْ نقلِ نشاطِه إلى سوريا حيثُ يستطيعُ العملَ بحُرِّيَّةٍ أكبرَ بالتَّعاوُنِ والتَّنسيقِ معَ النِّظامِ السُّوري. فبِحَسَبِ ما نقلَه موقع «Iranwire» عن الصَّحَفِيِّ أسامة القادري إنَّ حوالى ٧٠ مصنعًا للمُخدِّراتِ، مِنْ أصلِ ٩٠ تمَّ نَقلُها بحمايةِ وإشراف «حِزب الله» والفرقة الرَّابعة وقُوَّاتٍ إيرانيَّةً، منَ البقاع إلى سوريا، وتحديدًا إلى مِنطقتَيْ القصير والقلمون بعدَ سيطرةِ الحِزبِ والنِّظام علَيْهِما عامَيْ ٢٠١٣ و٢٠١٤. أمَّا موقع «الجزيرة» فيَنقُل عنِ القادري أيضًا أنَّ عدد مصانع المخدّرات في البقاع بلغ حوالى ٣٠ مصنعًا صغيرًا، تحميها «قوى الأمر الواقع»، في حين أنّ ٧٠ مصنعًا تَعملُ في الأراضي السُّوريَّة لإنتاج المخدِّرات.
بطبيعةِ الحال، استفادَ «حِزب الله» من عِلاقتِه بتُجَّار المخدّرات في منطقة البقاع لتنظيم شؤون عمله في مجال المخدِّرات، إذ تُشيرُ «إندبندنت عربيّة» إلى أنَّ «حِزب الله» نقلَ معدَّاتٍ لتصنيع المُخدِّراتِ إلى سوريا وأنَّ هذه المعدَّاتِ تعودُ إلى تاجر المُخدِّراتِ اللُّبنانيِّ نُوح زعيتر الذي يُعلِنُ بشكلٍ واضحٍ «ولاءه» لـ«حِزب الله»، وإن لم تربطه به صِلةٌ تنظيميَّةُ. وقد أطلقتْ إدارةُ مُكافحةِ التَّهريب الأميركيَّةُ عام ٢٠١٥ ما عُرِفَ بـ«مشروع كاسندرا» بالتَّعاون مع أجهزةٍ أمنيَّةٍ أوروبيَّةٍ، كفرنسا وألمانيا، وأدَّتِ التَّحقيقاتُ إلى كشف ضلوع الحزب في تجارة المُخدِّرات منْ أجل تمويل حربِه في سوريا. كما كشفَ إلقاءُ القبضِ على تاجر المُخدِّراتِ اللُّبنانيِّ السُّوريِّ حسن دقُّو عن دور الحزب والفرقة الرَّابعة في إدارة صناعة وتهريب المُخدِّراتِ على الجُغرافيا اللُّبنانيَّةِ السُّوريَّةِ، إذْ إنَّ دقُّو اعترفَ بعلاقتِه التَّنظيميَّةِ معَ الفرقةِ الرَّابعةِ، وعِلاقتِه المُباشرة معَ رئيس المكتب الأمنيِّ للرَّابعة غسَّان بِلال. واعترفَ أيضًا بتعامُلِه معَ الوحدة ٩٠٠ في «حِزب الله»، المعروفة بالوحدة الأمنية التي يُديرُها يوسف نادر، والتي تمتلِكُ نفوذًا واسِعًا في مؤسَّساتِ الدَّولةِ اللُّبنانيَّةِ، وأقَرَّ دقُّو بأنَّ سفرَه إلى سوريا كان يتمُّ عبر قوافلَ عسكريَّةٍ تابعةٍ لـ«حِزب الله».
يَقومُ «حِزب الله» بتنظيمِ صناعةِ وتهريب المُخدِّرات بين لُبنان وسُوريا مِنْ جهةٍ، وطريقِ «تصديرِها» مِنْهُما إلى العالَم من جهةٍ أُخرى. وتتركَّزُ صناعةُ «الكبتاغون» في القصير وريف دمشق الخاضعتَيْن لسيطرة الحزبِ والنِّظامِ إذْ تَضُمُّ المِنطقتانُ حوالى ٦٠ معملًا لصناعته. ويُبَيِّنُ البحثُ الصَّادرُ عن «أُمم» بعُنوان: «حزبُ الله يعبُرُ الحدود: القصير نموذجًا» طريقةَ تنظيمِ هذه التِّجارة بينَ الحزبِ والفرقة الرَّابعةِ بخاصَّةٍ بعدَ سقوط القصير سنة ٢٠١٣، حيثُ تتولَّى الفرقةُ الرَّابعةُ مهمَّةَ تأمينِ المنطقة والطَّريق إلى ميناءَيْ طرطوس واللَّاذقيَّة، بينما يتولَّى رامي مخلوف، ابن خال بشَّار، مهمَّةَ تمويه المُخدِّرات عبرَ الشَّركاتِ التِّجاريَّةِ التي يُديرُها. وقد نظَّمَ الحِزبُ، بالتَّنسيق مع الرَّابعة، توزيعَ أعمال التَّهريبِ بينَ الميليشيات بحيثُ لا تتدخَّلُ إحداها بعمَلِ الأُخرى. ويَذكُرُ علي طه (مُقاتلٌ سابقٌ في سوريا) لـ«صوت بيروت انترناشونال»، أنَّه قبل العام ٢٠١٥، كان يرأسُ مجموعةً منْ «حِزب الله» في منطقة الغوطة مهمَّتُها «ملاحقة السَّارقين والمتاجرين بالأسلحة والكبتاغون». ويُضيفُ أنَّه أوقفَ حوالى ٨٠ عنصرًا من أبناء «مشايخ ومسؤولين» في الحزب لكنَّ قيادتَه أطلقتْ سراحَهم بحجّة تشابه أسماء. وتُبَيِّنُ هذه الحادثةُ أنَّ الحزبَ لا يسمَحُ بتجارةِ السِّلاحِ والمُخدِّراتِ خارجَ مظلَّتِه، وتاليًا فإنَّ التوقيفات التي يُجريها النِّظامُ السُّوريُّ لتُجَّار المخدِّرات تأتي في هذا السِّياق أيضًا؛ حَصر التِّجارة بالنِّظامِ وشُركائه. إذْ إنَّ هذه التِّجارة، بحسب ما نقلتْه الصَّحفيّة سوسن مهنّا عن تقرير لصحيفة دير شبيغل» الألمانية بعُنوان «نزاع مرير على السلطة والثروة يندلع في سوريا» الصادر في حزيران ٢٠٢٠، هي منَ الطُرق القليلةِ المُتبقِّية للنِّظام للحصول على العُملة الصَّعبة بشكلٍ كبيرٍ، إذْ قُدِّرَتْ قيمةُ تجارة «الكبتاغون» بـ ٣.٤٦ مليارات دولار عام ٢٠٢٠، و٥.٧ مليارات عام ٢٠٢١.
وللحشيشةِ نصيبُها أيضًا منَ الزِّراعةِ والتَّهريب؛ فإضافةً إلى الكمِّيَّاتِ التي تُهرَّبُ منَ البقاعِ إلى ريف دمشق، سرغايا، القصير وعسال الورد عبرَ معابرَ يُسيطرُ عليها «حِزب الله»، تُزرعُ الحشيشةُ في ٢٠ قريةٍ في ريف القصير ومنطقة غرب العاصي لقُربِهما من البقاعِ حيثُ تتمُّ مُعالجةُ الحشيشةِ وتصنيعُها في البِقاع وتُعادُ إلى سوريا ومنها تنطلِقُ إلى وُجهاتِها في دولٍ عِدَّة، ما يَجعلُ سُوريا مَصنعًا كبيرًا لصناعةِ المُخدِّراتِ وتصديرِها إلى العالَم؛ مصنعًا خاضعًا لموازين القِوى بين الأطرافِ المُتصارعةِ والمُتحالفةِ على حدٍّ سَواء. وفِي ضَوْءِ ما أنَفَ ذِكرُه، لا بُدَّ مِنْ إعادةِ تفسير تصريح الشَّيخِ صادق النَّابلسي يومَ قال إنّ التَّهريبَ قد يُصبِحُ جُزْءًا مِنَ العَمَلِ «المُقاوِم».
ليسَ مُستحيلًا، مِنْ حيثُ المَبدأ، تَصديقُ «حِزب الله» حينَ يَنفِي كُلَّ هذه الاتِّهاماتِ عنه. لكنَّ السّوُرياليَّ وغيرَ المَعقولِ أنَّ كُلَّ التَّحقيقاتِ والوثائقَ التي تَقَعُ في مِئاتِ الألوفِ منَ الصَّفحاتِ يُمكنُ أنْ تُدْحَضَ بعَشْرِ كَلِماتٍ مَفادُها: «كُلُّ هذا افتراءٌ وتآمرٌ ولا عِلاقةَ للحزبِ، ولا لحُلفائه، بذلكَ».
إذًا، تحوَّلَ التَّهريبُ معَ «حِزب الله» والنِّظامِ السُّوريِّ مِنْ وسيلةٍ للرِّبْحِ إلى أداةٍ مِنْ أدواتِ العملِ السِّياسيِّ، مرَّةً للحُصولِ على تمويلٍ للمُضِيِّ في مشروعهما السِّياسيِّ، ومرَّةً لمُواجهةِ الدُّوَلِ التي دعمتِ «الثَّورةَ السُّوريَّة» وبخاصَّةٍ دولِ الخليج، ودائمًا للتَّخفيف منْ تأثير العقوباتِ والعُزلةِ على النِّظامِ السُّوريِّ وشُركائه.
قَدْ يبدوُ مما وَرَدَ أعلاهُ نَوْعٌ منَ التَّشريعِ للتَّهريب باعتبارِه أمرًا طَبَعِيًّا مُلازِمًا للحُدود. إلَّا أنَّ المُعادلةَ يُمكنُ أن تُقامَ على ما مُؤدَّاهُ؛ إنَّ التَّهريبَ أمرٌ غيرُ شَرعيٍّ بقَدْرِ ما هُوَ أمرٌ طَبَعِيٌّ. ومِنْ نافِلِ القَوْلِ إنَّ مُصطلحَ «تِجارةِ المُخدِّرات» يُستخدمُ بشكلٍ مجازِيٍّ إذْ إنَّ التِّجارةَ تفترضُ وجودَ بضائعَ شرعيَّةٍ تُباعُ وتُشرى. ورَغمَ نافِلِ القَوْلِ هذا، إنَّ «الواقِعَ» في سُوريا سُورياليٌّ إلى حدٍّ بَعيدٍ، إذْ إنَّ «الدَّولةَ» التي يُفتَرضُ أنَّها مسؤولةٌ مُكافحةِ المُخدِّراتِ، تُصبِحُ في «سوريا الأسد» مسؤولةً عن تنظيمِ تِجارتِها، ما يَجعلُ مِنْ «تِجارةِ المُخدَّراتِ» مُصطلَحًا حقيقيًّا لا مَجازَ فيه.


