03・05・2025
من العدد ٢١
المكابرة على نتائج «حرب الإسناد» والهروب نحو مغالطة «الحتمية»
آثار غارة على كفرتبنيت (موقع بنت جبيل)
آثار غارة على كفرتبنيت (موقع بنت جبيل)

يقع الفرد أو الجماعة في مغالطة «الحتمية بمفعول رجعي» عند الاعتقاد أن ما حدَث «كان يجب أن يحدث»، أي أنه كان «حتمي الوقوع». 

في هذا النوع من الحتمية، تفسّر الأحداث التي حصلت وكأنها كانت متوقّعة قبل حدوثها وبهذا الشكل الذي حدث، مع أن الواقع العام يكون مختلفًا قبل حدوثها. 

إن مغالطة الحتمية هذه تتجنّب فكرة أن الواقع مليء دومًا بالاحتمالات الأخرى المغايِرة للحدَث الذي وقَع، والتي يمكن أن تُعطي أحداثًا أخرى، أو أقله أحداثًا ذات أشكال مختلفة، وبالتالي نتائج وتداعيات مختلفة.

يلجأ الإنسان إلى هذه المغالطة لأسباب عديدة، منها: تبرير الأحداث، وتبرير الفشل.

في السياسة والعسكر والاقتصاد والاجتماع وغيرها من الميادين، إن الحدث وشكله وتداعياته، كل ذلك مرهون بمعطيات خارجية موضوعية دومًا. فحتى لو كان الحدث حتمي الوقوع فرَضًا بسبب تراكم المعطيات المؤدّية إليه، فإن شكله ونتائجه وتداعياته تختلف باختلاف السلوك واختلاف الخيارات الإستراتيجية المرتبطة به. فحين سلوك الأطراف المعيَنة أنماط ألف أو باء أو جيم، المختلفين، ستكون التداعيات الناتجة في الحالات الثلاث مختلفة.

إذا فرضنا مثلًا أن ما حصل في غزة كان واقعًا حتمًا و«حتميّ الحدوث»، فإن الشكل الذي أخذه طوفان الأقصى في ٧ تشرين الأول على مختلف الأصعدة العسكرية والسياسية والأمنية والبشرية والمادية والاستراتيجية، وظروفه الموضوعية المترافقة بما فيها الزمانية، قد أنتج تداعيات خاصة ما كانت لتكون هكذا لو كان الشكل والتوقيت مختلفين. وهذا الأمر رأيناه في حروب غزة السابقة، والتي اختلف شكلها واختلفت تداعياتها باختلاف ظروفها الموضوعية بما فيها المسببة أو المشعّلة لفتيل الانفجار.

على صعيد آخر، إذا فرضنا أن فتح جبهة لبنان في ٨ تشرين الأول كان شيئًا «حتميّ الحدوث»، وأن الحرب كانت «واقعة لا محالة» كما تمَّ الترويج لذلك لاحقًا، فإن شكل وتداعيات هذه الجبهة كانت لتكون مختلفة لو أن إسرائيل هي مَن فتحت الجبهة وليس «حزب الله»، ولو أن هذا الفتح للجبهة لم يكن في اليوم التالي لفتح جبهة غزة بما حملته من صوَر عنيفة وظّفتها إسرائيل بشكل كبير؛ وكذلك لو أن سلوك حزب الله السياسي والإعلامي والعسكري محليًّا وإقليميًّا ودوليًّا في السنوات الأخيرة كان مختلفًا، وهو الذي لم يدَع له من صاحب، وغيرها من المعطيات الأخرى.

نعم، في ٧ تشرين الأول كانت إسرائيل تعيش خطرًا وجوديًّا حقيقيًّا بسبب ما سُمي بطوفان الأقصى الذي جرف غلاف غزة بمستوطناته ومواقعه العسكرية، وأمطر المدن والمستوطنات بالصواريخ. وكان من الطبيعي، ونتيجة لهول المشهد في الداخل الإسرائيلي، أن تكون ردات الفعل الإسرائيلية الداخلية متناسبة مع حجم الحدث. وقد قال الضباط الإسرائيليون لنظرائهم من أجهزة الأمن الفلسطينية بعد يومين من الطوفان أن «إسرائيل التي يعرفونها حتى اليوم لم تعد قائمة، ستتعرفون على إسرائيل أخرى».

كذلك كان الموقف الإسرائيلي السياسي الداخلي موحَّدًا، فلم يعد هناك ثمة معارضة أمام هذا المشهد المستجدّ الذي لم تشهد إسرائيل له نظيرًا. وقد أصدر المعارضون وعلى رأسهم لابيد وليبرمان وآخرون بيانات عديدة عبّروا فيه عن دعمهم الكامل للجيش الإسرائيلي والوحدة مع الحكومة في هذا الاستحقاق قائلين: «في بعض الأوقات، مثل هذه، لا توجد معارضة أو ائتلاف في إسرائيل». 

أما على الصعيد الدولي، فكان الدعم لإسرائيل الذي أعطاها الحق المطلق في الدفاع عن نفسها أمام الهجوم الإرهابي، على حدِّ وصفهم. وهذا كان موقف الولايات المتحدة وألمانيا وكندا وأوستراليا وفرنسا وإيطاليا وتشيكيا وهولندا والسويد والنمسا والمجر، وغيرها من الدول.

لم ينتظر حزب الله يومًا يمضي، حتى فتح جبهة لبنان تحت عنوان «إسناد غزة» انطلاقًا، ولعله التزامًا مما كان قد روَّج له خلال سنوات خلَت تحت عنوان «وحدة الساحات»، الأمر الذي جعل لبنان أن يكون في مواجهة مباشرة مع إسرائيل في ظلِّ هذا الواقع العصيب. 

فتَحَ حزب الله جبهة لبنان عسكريًّا وهو يتجاهل وجود خيارات استراتيجية وسياسية أخرى. 

فتحَها وهو قال لاحقًا إنه لم يكن على علم بتوقيت الطوفان هذا، أي أنه فتحَها قبل أن يأخذ وقته في دراسة تداعيات هذا الإسناد. ولو فرضنا أن سيناريو كهذا كان قد أُخذ قبلًا في الحسبان من قِبل قيادة الحزب، فلا يُعقل أن أحدًا كان قد تنبّأ بالشكل الدقيق له والذي كانت كثير من معطياته رهينة ساعتها.

فتحَ حزب الله جبهة لبنان على طريقته، ثم حاول أن يسير في حرب محدودة عند ما سمي بـ«الحافّة الأمامية» لمنع اجتياح غزة أولًا ثم لمنع الاستفراد بها، معتبرًا أن هذا الشكل من الحرب يجنِّب لبنان تبِعات حرب كبيرة كما روّج. ولم يُصغِ خلال أشهر الإسناد لنداءات ونصائح محلية ودولية كي يوقف الجبهة ويطبق القرار ١٧٠١. كما لم يستغلّ الفرصة السانحة لذلك عند الهدنة الأولى في غزة.

نعم، فتحَ حزب الله جبهة لبنان في مواجهة إسرائيل وخلْف الأخيرة دعم دولي كبير. وهو كان يظنّ أنه يستطيع أن يُمسك بخيوط ومسار وتداعيات الحرب، وكأنه في جبهة لبنانية داخلية مع خصوم محليين يتناتشون حصة تحت سقف مرسوم!

دمار في الضاحية (نبيل اسماعيل)
دمار في الضاحية (نبيل اسماعيل)

زجَّ حزب الله بنفسه وبالطائفة الشيعية بلبنان في آتون حرب مستعرّة إسنادًا لغزة، فدمّرت غزة كليًّا وما استفادت من إسناده، ودُمِّر جنوب لبنان وبقاعه وضاحيته ومنشآت مدنية أخرى خارجها، وخسر الحزب قادته من الصفوف الثلاثة الأولى بمن فيهم أمينه العام التاريخي السيد حسن نصر الله وخليفته السيد هاشم صفي الدين، إضافة لآلاف الشبان القتلى والجرحى. فكان عليه أن يواجه الآثار السياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها والمترتبة على ذلك الخيار الذي اتّخذه منفردًا.

رغم جرأته على جرِّ لبنان لهذه الحرب الكارثية، إلّا أن حزب الله لم يمتلك ذرّة من الجرأة في مجال تحمّل المسؤولية. فكانت خطابات التبرير نهج جاهز ومتكرِّر في مواجهة بيئته الاستراتيجية المفجوعة، وفي مواجهة الداخل اللبناني بمن فيهم خصومه السياسيين.

صحيح أن التبرير سيكولوجيًّا هو آلية نفسية لتخفيف الشعور بالذنب، إلّا أن هذا لعلّه لا مكان له في كيان حزب آيديولوجي يعتبر نفسه وليًّا على الأرواح والممتلكات والبلاد، ويعتبر نفسه يقوم بتكليفه الشرعي في هذا المجال بعيدًا من النتائج المترتبة. إضافة إلى كونه حزب يرى نفسه مسدِّدًا إلهيًّا بأمين عام ذو بصيرة نافذة، ويرى بعينَي صاحب الزمان الإمام المهدي الغائب. 

كانت تبريرات حزب الله ذات غايات أخرى، منها ما يرتبط بصورته أمام بيئته وهو الذي ربّاها على عناوين مثل البصيرة والتسديد والنصر وغيرها، ومنها لتخفيف الضغط الاجتماعي عنه والناتج عن الخسائر الفادحة التي حلّت ببيئته الاستراتيجية وبلبنان أيضًا، وما زالت تتوالى يوميًّا منذ توقفت الحرب المفتوحة.

إحدى هذه التبريرات التي عمل على الترويج لها خلال الحرب وبعدها، اعتمدت على مغالطة «الحتمية بمفعول رجعي». أي أن الذي حدث كان «حتميّ الوقوع» في مواجهة إسرائيل، وبهذا الشكل لا بل أسوأ أيضًا. وأن الأمر لم يكن خيارًا استراتيجيًّا منه. وهذا نوع من «الجبرية» أي أن ما حصل كان مكتوبًا سلفًا، وما حصل كان المسار الوحيد المُتاح ولم يكن ممكنًا أن يحصل بطريقة أخرى مختلفة أقلّ سوءًا، وبالتالي يُفضي الأمر بشكل ما إلى اعتبار أن تدخّله وبهذا الشكل كان حتميًّا أيضًا. 

بدأ حزب الله في دعاية كبيرة لذلك التبرير معتمدًا على سرديّات ماضية بخصوص حروب إسرائيلية مدمّرة ضد لبنان، وعلى تقارير عن استعدادات إسرائيلية خلال الفترات السابقة لهذه الحرب القادمة الموعودة؛ منها تقرير شبكة «سي بي سي» الأميركية عن أن خطة تفجير أجهزة النداء (البايجرز) كانت جزءًا من خطة بدأت منذ أكثر من عشر سنوات.

نعم، اعتمد الحزب في تبريراته لحتمية وقوع ما وقع على استعدادات إسرائيل للحرب، متغافلًا عن نقطتين: أولاهما، أنه هو أيضًا كان يستعدّ لهذه الحرب، من خلال العديد البشري والسلاح النوعي المتنوّع والبُنى التحتية والخطط العسكرية بما فيها خطة اقتحام الجليل وغيرها من الأمور. فإذا كانت الإستعدادات دليلًا، فهو كان يستعدّ أيضًا؛ وثانيها، أنه إذا كان الصدام حتميًّا والطرفان على استعداد له، فإن هذه الحتمية لا تنطبق بالضرورة لا على الشكل ولا على التداعيات، بل إنهما يكونان عادة مرتبطَين بالظروف الموضوعية المصاحِبة للحرب. وهو ما لم يأخذه حزب الله في الحسبان أبدًا. 

فلو أن إسرائيل فرَضًا هي مَن كانت قد بدأت هذه الحرب، كان ليكون الوضع مختلفًا. إن إسرائيل ما كانت لتستفيد عسكريًّا مما استفادته خلال فترة الإسناد من استنزاف لقدُرات حزب الله البشرية والعسكرية واللوجستية والأمنية. كما أن ردّة فعل حزب الله كانت ستكون قوية منذ البداية وليست تدريجية مخلِّفة أذىً أكبر بالإسرائيليين، خلافًا لما حصل انطلاقًا من قواعد الاشتباك التي كانت الأرجحية فيها لإسرائيل نتيجة التفوُّق التقني والعسكري والأمني، إضافة إلى التفوُّق الظاهر في الأدمغة التي تُدير الخطط. 

وبخصوص المستوى السياسي والديبلوماسي، كان الوضع ليختلف تمامًا في ظلِّ ظروف مغايرة غير تلك. وكذلك الأمر بالنسبة للجبهة الداخلية اللبنانية، فأقلّه كانت الانتقادات والسلوكيات تجاهه لتكون أقلّ كون حزب الله سيكون في دائرة المُعتدى عليه بشكل واضح.

نعم، وبكل وضوح، وفي مواجهة الجمهور الشيعي، استطاع «حزب الله» حتى الآن رمي المسؤولية في أحضان «الحتمية» المفترضة متنصّلًا من كل نتائج قراره المتسرِّع في فتح الجبهة. فعل ذلك مراهنًا على انقياد جماهيري شديد إليه، وهو يبدو إلى الآن ناجح في مهمّته هذه أمام بيئته التي أشبعها طوال العقود الأخيرة من مَعين ثقافته الخاصة حتى باتت لا ترى لأي طرح آخر مكانًا عندها.

مقالات مشابهة
28・04・2026
سوق الشتّامين: ضجيج بلا موقف
علي منصور
ما نشهده اليوم في لبنان ليس مجرّد تدهور سياسي أو أمني، بل انحدار واضح في مستوى اللغة نفسها. لم يعد الخلاف يُعبَّر بالأفكار، بل بالشتيمة. فهناك وهْم واسع الانتشار بأن الشتائم يمكن أن تكون موقفًا، وأن رفع الصوت، واستخدام أقسى العبارات وأقذعها، كافٍ لإثبات الجرأة أو صدْق القول. لم يعد النقاش ساحة لتبادل الآراء، بل مساحة مفتوحة للشتّامين.يبرّر البعض هذا السلوك بأنه «ردّ فعل».,,
21・04・2026
عن ذكرى ١٣ نيسان في ظلِّ حروب المحاور... لبنان وأخطار العنف المفتوح
رنا شمص
ما يجعل لحظة اليوم أكثر خطورة من أي وقت مضى، هو انتقال لبنان من كونه ساحة صراع داخلي إلى كونه جزءًا من صراع إقليمي مفتوح. فالمواجهة بين إيران وإسرائيل لم تعد بعيدة عن لبنان، بل باتت تجري على أرضه، من خلال دور متقدم يلعبه «حزب الله» ضمن استراتيجيّة اقليميّة أوسع.
20・04・2026
في مواجهة «الترند» و«غرف الصدى»: لماذا يصبح الكلام في السياسة ضرورة في زمن الحرب؟
نور حطيط
يظلُّ الكلام، حتى على مستوى الأفراد، ضرورةً - ولو في حدّه الأدنى - لمواجهة الرواية المهيمنة وكسر «غُرف الصدى»، تلك التي تحبس الناس في فقاعاتٍ، تتردّد داخلها الرواية نفسها، والسردية ذاتها، والأيديولوجيا عينها. وفي عصر «الترند» والنقر السريع، سرعان ما ترتفع هذه الفقاعات إلى الفضاء الافتراضي، مُشكِّلةً عشائر إلكترونية، تُرسّخ الاعتقاد بأنّ المختلف عدوّ ينبغي إقصاؤه، معنويًّا أو بالعنف...
أيضاً للكاتب/ة
03・02・2026
٨ أوكتوبر.. سرديات التبرير وصياغة شرعية الحرب خارج ميزان الكلفة والمقاصد
بهاء الحسيني العاملي
ذكر علماء الأصول احتمالات على ترجيح أحد المتزاحمَين على الآخر، أحدها من حيث الملاك والمصلحة فعلًا وتركًا هو «تقديم الأهم على المهم» سواء بخصوص النفع أو دفع الضرر.
03・11・2025
الدين كشرعية للاستمرار السياسي... ولاية الفقيه في اختبار البقاء
بهاء الحسيني العاملي
إنّ ولاية الفقيه تواجه اليوم إشكالية مزدوجة. فهي من جهة تسعى إلى الحفاظ على شرعيتها الدِّينية في زمن التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية العميقة، ومن جهة أخرى لتثبيت وجودها السياسي كأساس للدولة الضامنة لاستمرار بنيتها العقائدية الولائية...
03・09・2025
التكليف كغاية: بين الولاء العقائدي وانعدام المسؤولية الواقعية
بهاء الحسيني العاملي
إنّ العلاقة بين الفكر والسلوك هي علاقة تأثير وتأثّر. فالأفكار التي يحملها الإنسان ويعتقد بها تجاه نفسه والآخرين تنعكس على سلوكه، وفي ردود أفعاله. وفي نفس الوقت، فإنّ السلوك أيضًا يغيّر في الأفكار من خلال التجربة والممارسة وما ينتج عنهما على أرض الواقع.