03・05・2025
من العدد ٢١
المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى
غياب الراعي ومخالفة القوانين في زمن العدوان
المجلس الاسلامي الشيعي الأعلى
المجلس الاسلامي الشيعي الأعلى

في زمن الحرب، لا يعود الكلام عن المؤسسات ترفًا تنظيميًا أو جدالًا إداريًا. الحرب تمتحن كل شيء: البشر، والمبادئ، والمواقف، وكذلك المؤسسات. وفي الجنوب اللبناني اليوم، حيث القرى تحت القصف والنزوح يُفرغ البيوت من سكّانها، هناك مؤسسة يفترض أن تكون في قلب الحدث، لكنها غائبة عن الوعي، غائبة عن الواجب، بل غائبة عن القانون نفسه. الحديث هنا عن المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى.

ففي خضم واحدة من أكثر المراحل خطورة في تاريخ لبنان الحديث، حيث تعرضت المناطق الجنوبية والبقاعية والضاحية لقصف يومي وتهديد دائم، وفي فترة من أقسى الفترات التي تمر بها الطائفة الشيعية في لبنان، وسط عدوان إسرائيلي متواصل، ودمار يصيب البشر والحجر، ونزوح طال عشرات آلاف العائلات، غاب المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى عن المشهد، صامتًا كأن لا حرب دارت، ولا شعب أُستهدف، ولا كرامات انتهكت. هذا الغياب لا يُعتبر فقط صمتًا في لحظة تتطلب الموقف، بل هو انتهاك صريح للدور والمهام التي أُنشئ المجلس لأجلها، وفقًا لقانون تنظيم شؤون الطائفة الإسلامية الشيعية والنظام الداخلي للمجلس نفسه وتخلّيه عن الدور الذي تأسس لأجله هذا المجلس: الدفاع عن حقوق الطائفة الشيعية، ورعاية شؤونها الدينية والاجتماعية والوطنية.

الحرب الأخيرة... وصمت مريب
تحذيرإسرائيلي في الغبيري بمحيط المجلس الشيعي بتاريخ 21 تشرين الثاني 2024 (أفيخاي أدرعي)
تحذيرإسرائيلي في الغبيري بمحيط المجلس الشيعي بتاريخ 21 تشرين الثاني 2024 (أفيخاي أدرعي)

مع تصاعد العدوان الإسرائيلي على جنوب لبنان والبقاع والضاحية الجنوبية، وسقوط آلاف الشهداء من المدنيين والمقاتلين على حد سواء، كان من الطبيعي أن يتوقع أبناء الطائفة أن يخرج المجلس بموقف حازم: حملة إدانة دولية، أو موقف ديني يدعم الصمود، أو مبادرات اجتماعية لمواكبة النزوح والأضرار. لكن شيئًا من هذا لم يحدث. لا خطب جمعة، لا بيانات إسناد، لا زيارات ميدانية، ولا حتى حضور رمزي في الجبهات المدنية.

هل يُعقل أن مؤسسة بهذه الرمزية والدور تغيب في عزّ المحنة؟ وهل يجوز أن تبقى جدران المجلس في بيروت أوعى من ألسنة القائمين عليه؟

من التأسيس إلى التهميش الذاتي

تأسس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى عام ١٩٦٩ على يد الإمام موسى الصدر، كمنبر للتمثيل السياسي والديني للطائفة الشيعية، التي عانت لعقود من التهميش على مختلف المستويات. كان المجلس في بدايته صوتًا جريئًا للمحرومين، ومرآة لهموم الناس وتطلعاتهم، ومركزًا لاستنهاض الطائفة ضمن الإطار الوطني اللبناني. لكن ما شهدناه خلال الحرب لم يكن الاّ مؤسسة بيروقراطية جامدة، لا تتفاعل مع الأزمات، ولا تتخذ مواقف حاسمة، وكأنما أصبحت مؤسسة «أرشيفية» تطالب بتعويضاتها الفردية دون عن باقي الطائفة.

الطائفة ليست حزبًا... لكنها أيضًا ليست يتيمة

يدرك الجميع أن الطائفة الشيعية في لبنان لا تنحصر في إطار حزبي أو سياسي واحد. هي نسيج متنوع من التوجهات والانتماءات، لكنها في لحظة الخطر تُستهدف كجماعة بأكملها. والمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، بوصفه المرجعية العامة للطائفة، مسؤول أمام هذا التنوع، لا أمام جهة حزبية أو مصالح سياسية.

غيابه في هذا التوقيت لا يُعتبر فقط تقصيرًا، بل خيانة للأمانة، وتنصلًا من الواجب الشرعي والوطني. فحين تغيب المرجعية عن الدفاع عن كرامة الناس ودمائهم وحقهم في الحياة، فهي تتخلى عن شرعيتها، وتتحول إلى واجهة بلا مضمون.

مؤسسة تأسست لحماية الطائفة... فأين هي؟

تنص المادة الثانية من قانون تنظيم شؤون الطائفة الإسلامية الشيعية في لبنان:

«ينشأ للطائفة الإسلامية الشيعية في الجمهورية اللبنانية مجلس يسمى المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى يتولى شؤون الطائفة ويدافع عن حقوقها ويحافظ على مصالحها ويسهر على مؤسساتها ويعمل على رفع مستواه». 

هذا ليس نصًا إنشائيًا أو تعبيرًا عاطفيًا، بل واجب قانوني مُلزم، يُلقي على عاتق المجلس مهمة الدفاع عن حقوق الطائفة ورعاية مصالحها.  فهل دافع المجلس عن الطائفة في الحرب الأخيرة؟ هل سهر على مؤسساتها؟ هل واكب أزمة النزوح؟ هل أصدر مواقف تُطمئن الناس أو تقيهم الاعتداءات؟ الجواب المؤسف: لا.

يزيد الأمر خطورة غياب الرئيس وهو ما يتعارض أيضًا مع النظام الداخلي للمجلس، لا سيّما المادة ٢٣ التي تنص على أن الرئيس:

«يتولى الإشراف على أحوال المسلمين الشيعة ورعاية مصالحهم».

فأين الرئيس من أحوال الناس، من جراح الشهداء، من القرى المهدمة، من الأطفال المهجرين، ومن أرامل الجنوب؟ أين هو من معاناة الناس اليومية مع النزوح والبرد وانقطاع الكهرباء والدواء؟

الصمت هنا ليس فقط تقصيرًا، بل نكث بالعهود القانونية والتنظيمية، ومخالفة مباشرة للنص الذي أوجد هذا الموقع، وجعل منه منصب رعاية لا وجاهة.

وإذا كان غياب الرئيس مأساة، فإن غياب الهيئة التنفيذية كارثة مؤسسية كاملة، حيث تكتمل الصورة بمخالفة أخرى، نصّت عليها المادة ٢٩ من القانون ذاته، والتي تقول إن:

«الهيئة التنفيذية هي السلطة التي يعود لها مباشرة التنفيذ بالوسائل التي تقررها لتحقيق أهداف المجلس».

لكن هل رأينا أي إجراء تنفيذي من الهيئة لمواكبة هذه الحرب؟ هل بادرت لتشكيل لجنة طوارئ؟ هل نسّقت مع الجمعيات والبلديات؟ هل طلبت اجتماعًا استثنائيًا للمؤسسات الشيعية الاجتماعية؟ الجواب هو نفسه: لا.

فما قيمة وجود هيئة تنفيذية إذا لم تتحرك في اللحظة التي تستدعي أعلى درجات التعبئة والجهوزية؟

مسؤولية لا يمكن التهرب منها
أضرار في قاعة الوحدة الوطنية في  المجلس الشيعي بتاريخ 16 تشرين الثاني 2024 (متداول)
أضرار في قاعة الوحدة الوطنية في المجلس الشيعي بتاريخ 16 تشرين الثاني 2024 (متداول)

المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى ليس جمعية خيرية ولا نادٍ اجتماعي، بل هو مؤسسة رسمية معترف بها بقانون، تُمثل الطائفة الشيعية في لبنان، وتُفترض بها رعاية شؤونها في السلم والحرب. والصمت في هذه المرحلة لا يُعد فقط انكفاءً، بل تفريطًا بالتمثيل وبالمسؤولية، وتخلّيًا عن الأمانة التي أُوكلت إليه.

ليس المطلوب من المجلس أن يتحوّل إلى فصيل سياسي أو أن يصدر بيانات حربية، بل أن يكون صوتًا أخلاقيًا وروحيًا يعبر عن معاناة الناس، ويواكب التحديات، ويربط بين القيم الدينية والواقع الاجتماعي. كما يُفترض به أن يكون إطارًا حاضنًا وداعم تجاه المناطق المنكوبة وناسها المكلومين، وأن يطلق مبادرات تضامن، ويدعم جهود الإغاثة، ويوفر الغطاء الشرعي لصمود الناس.

لكن شيئًا من هذا لم يحدث. وكأن المجلس تحوّل إلى «مكتب فتاوى مناسباتية»، لا يحمل أي مشروع ولا مسؤولية.

ما يجري اليوم ليس مجرد امتحان للطائفة الشيعية في لبنان، بل هو امتحان حقيقي لمؤسساتها، وعلى رأسها المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى. فإذا كان هذا المجلس عاجزًا عن النهوض بدوره في أشدّ اللحظات قسوة، وفي أكثر المراحل حاجة إلى صوتٍ راعٍ وضميرٍ حيّ، فإن السؤال المشروع يصبح: لماذا بقي؟ وما معنى استمراره؟ وهل آن الأوان لمحاسبة من يحتكر موقعًا دينيًا دون أن يؤدي دوره أو يستحق ثقة الناس؟

لقد أُنشئ هذا المجلس ليكون حارسًا لمصالح الطائفة، وناطقًا باسم شعبها، وساهرًا على مؤسساتها، لا ليكون واجهة فارغة أو منصبًا فخريًا يتلو البيانات الموسمية عند اللزوم. والطائفة التي أنجبت الإمام موسى الصدر، لا يجوز أن تُدار من قبل من لا يحملون روحه، ولا يشعرون بأوجاع الناس كما كان يفعل، ولا يؤمنون بأن المسؤولية تكليف لا تشريف.

اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، على أبناء الطائفة أن يُطالبوا بحقهم بمؤسسة حيّة، ناطقة، فاعلة، لا صامتة. مؤسسة تمثلهم وتدافع عنهم، وتتحرك حين يُقصف الجنوب، وتصرخ حين يُذبح الناس، لا أن تختبئ خلف جدران الصمت والتقصير.

وإذا لم يكن المجلس قادرًا على أداء هذا الدور، فإن السكوت عنه لم يعد حيادًا، بل مشاركة ضمنية في الإهمال، والتقصير، وحتى الإهانة.

مقالات مشابهة
13・03・2026
وذكِّر، إن نفعت الذكرى: تقدّم «المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى» بإخبار في ٢٧ آذار ٢٠٢٥ «ضدّ مطلقي الصواريخ».
المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، الذي صرّح اليوم، على لسان نائب رئيسه، راميًا على «الدولة» مهمة الاهتمام بالنازحين، نفضًا عنه أي مسؤولية، وهو الذي لم يُعوّدنا أساسًا على التصدّي لهذه المهمة أو على الاهتمام بأبناء الطائفة الشيعية. كان قد تقدّم، عندما دعت الحاجة، بإخبارٍ ضدّ «مطلقي الصواريخ» بقصد خرق الاتفاق ١٧٠١.
08・03・2026
رحلة الهروب من الموت: يوم كامل من الجنوب إلى بيروت
أحمد خواجة
احتاج الأمر لأكثر من ٢٣ ساعة للانتقال بالسيارة، من بلدتنا الجنوبية في قضاء «بنت جبيل» إلى بيروت، حوالى ١٠٠ كلم استغرق قطعها كل هذا الوقت، معدل سرعة سيْر الإنسان على قدميه خلال التنزّه يتراوح بين ٤.٨ و٥ كلم في الساعة، ما يعني أن رحلة سيرًا على الأقدام بين بلدتنا وبيروت ما كانت لتحتاج إلى ٢٣ ساعة.
14・11・2025
التحوُّلات السياسية في الجنوب بعد الحرب: من زمن الهيمنة إلى أفق التعدُّدية
علي مراد
ما بعد الحرب ليس مجرد مرحلة زمنية جديدة، بل هو اختبار وجودي للبنان ككل، وللجنوب على وجه التحديد. فقد جاءت حرب أيلول ٢٠٢٤ لتكشف عمق التحوّلات التي كانت تتراكم بهدوء منذ سنوات، ولتُعيد طرح الأسئلة التي لطالما جرى التهرّب منها ...