03・09・2023
من العدد ٤
«شيعة لبنان والفلسطينيون: تاريخ مُتشارَك و«قضية» تُستثمر»

تستكمل «أمم للتوثيق والأبحاث» نشرَ مجموعة أبحاثها في إطار مشروع «تواريخُ مُتَقاطعَة. حِصة الشّيعة منها في لبنان» وتعرض بحث العلاقة بين الشّيعة في لبنان والفلسطينيّين المعنون «شيعة لبنان والفلسطينيّون، تاريخ متشارَك و«قضية» تُستثمر». في ما يلي نعرض ملخّصًا عنه وعرضًا لأهمّ محطّاته:

رغم أن جغرافية المكان حتَّمت وجود علاقات بين أهالي طرفي «الجليل» الأعلى والأدنى، ورغم أن الجغرافيا حتَّمت تاريخ متشارَك، إلّا أنّ هذا التشارُك لم يصل إلى الوحدة بفعل التبايُن المذهبي الدّيني. ومع حدوث «النكبة» عام ١٩٤٨، تشعّب هذا التاريح بفعل اللجوء الفلسطيني إلى لبنان، وتبنّي العديد من الأطراف اللبنانيين القضية الفلسطينية، فإنَّ التفاعُلات والعلاقات المتبادَلة بين هاتين الجماعتين قلَّما حظِيت باهتمامٍ موازٍ. ومن هنا كان من الضروري أن تَفرُد أُمم مجالًا في أبحاثها لرَصْد العلاقة الشيعية الفلسطينية في لبنان بمختلف أوجُهها ومختلف محطاتها. 

يعود تشارُك التاريخ بين جبل عامل وفلسطين عمومًا، وشمالها على وجه الخصوص، بداية إلى مُسمّاه الجغرافي، حيث كان يُطلَق على جبل عامل تسمية «الجليل الأعلى» وشمالي فلسطين «الجليل الأدنى»، ثم إلى دخول بلاد الشام تحت الحُكم الإسلامي في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، حيث كان الجليل يقبَع ضمن منطقةٍ إداريّة واحدة. ومع انتشارِ الشيعةِ في لبنان، وضمنًا في جبل عامل، استمر هذا التشارُك بين الجبل (الجليل الأعلى) وشمالي فلسطين (الجليل الأدنى)، وإن بأسماءَ مختلفة، خلال الفترات، العباسية والفاطمية والصليبية والمملوكية والعثمانية، حتى إعلان لبنان الكبير سنة ١٩٢٠، حيث تمَّ الفصل بين جبل عامل وفلسطين رسميًّا، بعد أن ضُمَّ الجبل إلى لبنان الكبير. وقد شهِدت هذه الفترة الطويلة من تاريخ المنطقة أحداثًا كثيرةً وتبدُّلاتٍ للظروف السياسيَّة، كالحمَلات الصليبية في الفترة العباسية، والفترة العثمانية التي شهِدت أوَّلَ تحالُفٍ سياسيٍّ وعسكريٍّ بين العامليين بقيادة ناصيف النصّار والصفَديين بقيادة ظاهر العُمر.

 ومع إعلان لبنان الكبير سنة ١٩٢٠ استمر التشارُك بين أهالي المنطقتين اقتصاديًّا، إذ ارتبط الجبل بعلاقاتٍ يوميَّة مع الشمال الفلسطيني على مستوى التجارة والعمل. ومع بدء الأحداث في فلسطين، تفاعَل اللبنانيون الشيعة مع هذه الأحداث، حيث تطوَّرت في تلك الفترة حركة شراء الأراضي من قِبَل الحركة الصهيونية التي باعَ لها عددٌ من اللبنانيين الشيعة أراضٍ بينما رفضَ آخرون. وعلى مستوى التضامن مع القضية الفلسطينية شارَكَ عددٌ من شيعة جبل عامل والبقاع، على المستويين الشعبي والرسمي، في دعم القضية الفلسطينية سواءً بالاحتجاجات ومقترحات القوانين أو حتى بالدعم المالي والعسكري الذي استمر حتى سنة ١٩٤٨.

   بعدَ العام ١٩٤٨ وحتى بداية الحرب الأهلية اللبنانية سنة ١٩٧٥، شهِدت العلاقةُ بين الشيعة اللبنانيين والفلسطينيين عدَّة تطوراتٍ وتبدّلاتٍ دراماتيكية ترَكت أثرَها، إيجابًا وسَلبًا على هذه العلاقة، ابتداءً باللجوء الفلسطيني إلى جنوب لبنان واستقبال الجنوبيين لهم واحتضانهم، مرورًا بنشوء حركة التحرير الفلسطيني «فتح» وبروز ما يُعرف بـ«الكفاح المسلح»، وبعد هزيمة حزيران سنة ١٩٦٧ ومعركة الكرامة سنة ١٩٦٨ ولجوء الفصائل الفلسطينية إلى لبنان سنة ١٩٧٠ بعد أحداث أيلول الأسود والذي سبَقه توقيع اتفاق القاهرة سنة ١٩٦٩ بين السلطة اللبنانية ومنظمة التحرير الفلسطينية، انتهاءً بالأحداث الأمنية التي وقعت سنة ١٩٧٣. وقد ناصَرَ اللبنانيون، والشيعة بأغلبيتهم، الفلسطينيين بشكلٍ واسع سواءً بالانخراط الكبير للشباب الشيعي في الفصائل الفلسطينية المختلفة وفي الأحزاب اليسارية المتحالفة معها، أو بالانخراط في ما بعد بحركة موسى الصدر التي ربطَتها بالفصائل الفلسطينية علاقةٌ معقّدة ومتشابِكة تتنوّع بتنوّع هذه الفصائل، ثم مالَت إلى التبايُن مع تحالُف الصّدر مع السوريين، وتمظهَرت بعد اندلاع الحرب الأهلية من خلال اشتباكاتٍ عسكرية محدودة في بعض مناطق بيروت والجنوب، لعل أبرزها حصار النّبعة وسقوطها بيَد الميليشيات المسيحية، وما أعقب ذلك من تبادُلٍ للاتّهامات بين «حركة أمل» وموسى الصّدر تحديدًا، وبين بعض الفصائل الفلسطينية اليسارية وأطرافٍ لبنانية أخرى، إضافةً إلى اجتياح ١٩٧٨ الذي كان، بصورةٍ أو بأُخرى، دليلًا بيِّنًا على المآل الذي صارَت إليه العلاقة الشيعية الفلسطينية في لبنان. 

شكّل العامان ١٩٧٨ و١٩٧٩ نقطتين مفصليّتين في تاريخ العلاقة الشيعية الفلسطينية، حيث شهِدَ العام ١٩٧٨ إخفاء الصّدر في ليبيا وتفاعُل الفلسطينيين، وياسر عرفات تحديدًا، مع القضية، وما حُكي عن دورٍ فلسطيني لبعض الجماعات، مثل جماعة صبري البنّا (أبو نضال)، في إخفاء الصّدر أو حتى اغتيالِه. بينما شهِد العام ١٩٧٩ وصول الخميني إلى السّلطة في إيران وانفتاحِه على الفلسطينيين بقيادة ياسر عرفات وزعمِه دعم القضية الفلسطينية، وظهر هذا التحالف مع قضية المتطوِّعين الإيرانيين الذين قرّرت إيران إرسالُهم مطلع العام ١٩٨٠ إلى جنوب لبنان، كمفرَزة متقدِّمة للحرس الثوري الإيراني، والتي حظِيَت بتأييدٍ  واحتضان فلسطينيّين ومعارضةٍ رسمية شيعيةٍ، فيما الحرب العراقية الإيرانية كانت محلّ حرَج بين عرفات والخميني، فتصدّرت «حركة أمل» المدعومة إيرانيًّا المواجهة مع الفصائل الفلسطينية الموالية للعراق، كجبهة التحرير العربية، والتي تطوَّرت إلى اشتباكاتٍ محدودةٍ في بعض المناطق اللبنانية وعمليات اغتيال، وسط إرباك وموازنة من عرفات الذي بدأ يُظهر في حركته النزعة الخمينية مع تقلُّب حال «الكتيبة الطلابية»، وظهور بعض التأثُّر الدّيني في كوادر الحركة العسكريين والأمنيين.

لعلَّ احدَ أكثر الصفحات دمويّة في تاريخ العلاقة الشيعية الفلسطينية هي الفترة التي وقعت فيها حرب المخيّمات بين سنتي ١٩٨٥ و١٩٨٨، حيث أدَّى الصراع الذي كان قائمًا بين حافظ الأسد وياسر عرفات للإمساك بالساحة اللبنانية وبالقرار الفلسطيني إلى تزكية الصراع بين أمل ومنظمة التحرير الفلسطينية وتحويله إلى حربٍ داميةٍ بدأت في بيروت وما لبثت أن انتقلت إلى كل المخيّمات الواقعة في محيطٍ شيعيٍّ أو ذي غالبية شيعية، وأدّت في ما أدّت إلى وقوع ألوف الجرحى والقتلى من الجانبين.

ومع تطوُّر وقائع حرب المخيّمات كانت مواقف الشَّخصيات الشيعية، غير المنتمية لـ «حركة أمل»، تُجمعُ تقريبًا على رفْض الحرب وضرورة وقْف القتال، باستثناء «حزب الله» الذي عارَضَ بدايةً حرب المخيَّمات لكنَّه شارَكَ عمليًّا في بعض المعارك إلى جانب الفصائل الفلسطينية الإسلامية بمواجهة «أمل»، كما حصل في مخيَّم الرشيديَّة على سبيل المثال. وعلى سجيّة حرب المخيمات، انقسم الفلسطينيون في حرب «أمل وحزب الله» وخاصة في إقليم التفاح في جنوب لبنان بين تدخُّلٍ لصالحِ طرفٍ دون آخر وبين التوسُّط بين الطرفين المتقاتلين، كما فعَلت «حركة فتح» في آخر المعارك عام ١٩٩٠. ولم يكن مستغربًا هذا الوضع، بفعل تشرذُم الفصائل الفلسطينية بين جماعات تتبَع للسوريين وأخرى تستظلُّ بمنظمة التحرير الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات.

ومع انتهاء الحرب الأهلية وتوقيع اتفاق الطائف، شهِدت العلاقةُ الشيعية الفلسطينية تطوُّراتٍ كثيرةٍ بدءًا بتوقيع اتفاق أوسلو سنة ١٩٩٣ بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل برعاية أميركية، حيث نشأ على خلفيته تحالُف لبناني فلسطيني سُمّي «تحالف القوى الوطنية والتقدمية والفصائل الفلسطينية» كان عمادُه «حزب الله» بشكل أساسي و«حركة أمل» والأحزاب اللبنانية الدائرة في الفلك السوري والفصائل الفلسطينية الموالية لسوريا وإيران، لمواجهة «منظمة التحرير» و«حركة فتح» في خياراتها، وتظهَّر التحالُف الإسلامي الفلسطيني مع «حزب الله» من خلال بروز حركَتي «الجهاد الإسلامي» و«حماس»، وكانت إيران الراعية المباشرة لهذا التحالُف. وبدأ «حزب الله» يضع أياديَ له في المخيّمات الفلسطينية، فيما التزمت «أمل» التعاون والتواصُل مع الفصائل في المخيّمات التي في مناطق سيطرتها ولا سيما مخيّمات صور. 

بعد الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب عام ٢٠٠٠، وبعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري والانسحاب السوري عام ٢٠٠٥، أيّد الثنائي المهَيْمن على الواقع الشيعي، «حزب الله» و«حركة أمل»، في مؤتمر الحوار الوطني في آذار ٢٠٠٦ قرار سحب السلاح الفلسطيني من خارج المخيّمات والتحاور حول نزعه داخلها، دون إجراء أي تنفيذ عملي لهذه القرارات. كما شهِدَ العام ٢٠٠٧ أحداث مخيّم نهر البارد الذي عارَضَ «حزب الله» انهاءَه عسكريًّا ودعا إلى حلّه سياسيًّا مُعتَبرًا أنّ المخيّم هو «خط أحمر». وخلال تلك الفترة بدأت تبرز العلاقة بين السّلَفية الجهادية الفلسطينية و«حزب الله» والتنسيق القائم بين الطرَفين، كـ «عُصبة الأنصار» و«جُند الشام» وغيرهما حيث ظهرت نقاط الالتقاء والتوظيف في الكثير من المحطات. 

مع اندلاع الثورة السورية تبايَنت الآراء بين «حزب الله» المؤيِّد للنظام السوري والمقاتِل إلى جانبه، و«حركة حماس» التي عارضَت بدايةً النَّظام السوري وحلفائه أضحى هناك نفور في المخيمات، لا سيما في مخيّم عين الحلوة، بين أهاليها والحزب...، فقاموا بإحراق المساعدات التي أمدَّ فيها الحزب اللاجئين الذين هجَّرهم من مخيّم اليرموك في سوريا، ولم تلبَث العلاقة، في ما بعد، أن عادت إلى سابق عهْدِها بين الحزب و«حماس» وإيران والنظام السوري. 

في السنوات الأخيرة أضحى رئيس مجلس النواب ورئيس «حركة أمل» نبيه بري و«حزب الله» يقومان بمبادرات لإجراء مصالحةٍ بين حرّكتي «فتح» و«حماس» ويلعب بري دور الراعي الرسمي، كما أن الحزب أنشأ وحدة للعلاقات مع الفلسطينيين، تُتابع العلاقات، وهناك مسؤول للعلاقات الفلسطينية هو حاليًا النائب السابق حسن حب الله.  وبالتالي تحوّلت العلاقات بين شيعة لبنان والفلسطينيين من تشارُك في التاريخ والجغرافيا إلى استثمار واستئثار لـ «حزب الله» بقضية الفلسطينيين وتدخّل في علاقاتهم ومخيّماتهم. 

انطلاقًا من ضرورةِ دراسة هذه العلاقة بالكثير من التفصيل والتجرُّد، كان هذا البحث الذي يقعُ في مقدمةٍ وخمسة فصول وخلاصةٍ عامة. قدَّم الفصل الأول لمحةً تاريخيَّة عن العلاقة الشيعية الفلسطينية منذ بداية الحُكم الإسلامي للمنطقة وحتى انتهاء الحُكم العثماني لها؛ بينما تناول الفصل الثاني العلاقة بين الانتداب والعام ١٩٤٨ وقيام إسرائيل؛ أمَّا الفصل الثالث فيشرَح العلاقة بتطوّراتها بين سنَتي ١٩٤٨ و١٩٧٥؛ ويُكمل الفصل الرابع عرْض هذه التطوّرات في فترة الحرب الأهلية اللبنانية وتأثُّر هذه العلاقة سلبًا وإيجابًا، وتأثيرًا وتأثُّرًا بمجرَيات الحرب؛ أمَّا الفصل الخامس والأخير فيعرِض العلاقة بعد اتفاق الطائف سنة ١٩٨٩ وحتَّى تاريخ كتابة سطور هذا البحث.

مقالات مشابهة
03・11・2024
سِمة اللاعقلانيَّة وقِيَم التبعيَّة في المشروع التربوي لـ«حزب الله» الشيخ نعيم قاسم، أمين عام حزب الله الجديد نموذجًا
تحدَّث الشيخ نعيم قاسم، نائب الأمين العام لـ«حزب الله» آنذاك وأمينه العام الحالي، في ليلة الثاني من محرّم، أيلول ٢٠١٧ في مُجَمّع سيّد الشهداء في الضاحية الجنوبيَّة، بشكل حصريٍّ عن المشروع التربوي لحزبِه في مدارسه.
03・09・2024
من كتاب التربية والتعليم
في خبرٍ ورَدَ في صحيفة «العهد» الناطقة باسم «حزب الله» عام ١٩٨٤ أنَّه، منذ بناء أوّل مدرسة تابعة لـ«مدارس المصطفى »، أُلحِقَ أساتِذَتُها بدورات تدريب لكَسْبِ الخِبرات والمَهارات التعليميَّة، تحت إشراف جمعيَّة التعليم الدِّيني الإسلامي.
03・07・2024
من كتاب «شيعة لبنان والاقتصاد: كيان مواز يجذب العقوبات»
منذ أن وضعت الولايات المتحدة الأميركية حزب الله على لوائح الإرهاب في ٨ تشرين الأول ١٩٩٧، بدأت العقوبات الأميركية تطال المؤسسات والأفراد ضمن المجتمع الشيعي اللبناني وفي مختلف القطاعات.