
في سياق الأزمات المتتالية على كافة المستويات التي يشهدها البلد يومًا بعد يوم، جاء انقلاب شاحنة «حزب الله» المحمّلة بالأسلحة على منعطف الطريق في محلة الكحّالة ليستكمل مسلسل الانقضاض على هيبة الدولة وسيادتها ويُعيدنا بالذاكرة إلى الحرب الأهليَّة، وإلى ذات القعر الذي كوّم فيه اللبنانيّون على مرّ السنين الدماء والجثث والأكفان. أكثر من ثلاثين سنة مضَت على نهاية هذه الحرب وما زلنا نخاف الفتنة ونعيش الخوف من السلاح المتفلّت. وعند كل منعطف يأتي من يذكّرنا بأن الحرب أمامكم وليست وراءكم.
أتى بيان «حزب الله» في اليوم ذاته، ليصف من كان من أهالي الكحّالة في الحادثة بـ «ميليشيات» ومسلحين متّهمًا إيّاهم بالاعتداء على سائق الشاحنة ومرافقيه في محاولة للسيطرة عليها، وبأنهم هُم من بدأ برَمِي الحجارة أوّلًا ثمَّ بإطلاق النار... علمًا أنَّ الضحية فادي بجّاني هو ابن بلدة الكحّالة وكان قد قُتِل على يد مسلّحي ميليشيا الحزب الذين كانوا يرافقون شاحنة الأسلحة أمام منزله.
جاء خطاب حسن نصرالله بعد ذلك ليُكمل ما قدّمه البيان من اتهامات وليوسّع مروحتها لتطال وسائل الإعلام، ويستهدف إحدى القنوات التلفزيونيَّة لأنّها قامت بتغطية الحادث ونقله، كما لو أنَّ حال الكتمان يجب أن يعيشها كلّ اللبنانيّين في طول البلاد وعرضها. وللمناسبة فإن نصر الله دعا في الخطاب ذاته إلى التهدئة وعدم التحريض الإعلامي متناسيًا أنَّ بيان حزبه هو مَن بدأ بالتجييش والغمز من القناة الطائفيَّة والأهليَّة بعد وصف أهالي المنطقة بالميليشيات المسلحة، ومتناسيًا أنَّ عين الفتنة هي التنقّل بالأسلحة بين الناس وإطلاق النار فوق رؤوسهم وعلى أعناقهم، ومتناسيًا أيضًا، أنَّ أهالي الكحّالة قد هرعوا أوّلًا لتقديم المساعدة قبل أن تُفاجئهم صناديق الأسلحة، ويُرعبهم التصرف المريب من قِبَل مرافقي الشاحنة. وهؤلاء الأهالي من عادتهم التاريخية مساعدة المركبات التي تنقلب على هذا المنعطف المشهور، وهم تصرّفوا بنفس النخوة والحمية مع الباص الذي انقلب عام ٢٠١٣ وكان يقلّ نازحين سوريّين هاربين من همجية النظام السوري وحلفائه، ومع حافلة حجّاج أربعين الإمام الحسين التي انقلبت في ١ نيسان ٢٠٠٥ بعد أن تعطّلت مكابحها. يومها قال نائب «حزب الله» عمّار الموسوي إنَّ ما يعزّينا جميعًا هو «هذه الغيرة من أهلنا في منطقة الكحّالة بدءًا من رئيس البلديَّة وكل شباب المنطقة الذين هبّوا منذ اللحظة الأولى لنجدة المصابين وحتى قبل سيارات الدفاع المدني والهيئة الصحّيَّة». هؤلاء الأهالي الذين كانوا قبلًا أهل نخوة وغيرة ونجدة أصبحوا اليوم، عند الجيوش الإلكترونية التابعة للحزب، وبين ليلة وضحاها صهاينة داخل، وعملاء!
وفي الخطاب ذاته قال نصرالله إنَّ «الحادثة في عُهدة القضاء، ووجوه الأشخاص باتت معروفة» وإنه أبلغ الجهات الأمنيَّة استعداده للتعاون. عن أي قضاء يتحدّث نصرالله؟! عن ذاك الذي يخنقه ويهدّد قُضاته بالقبع؟! وعن أي وجوه يتحدّث؟ وجوه الأهالي أم وجوه مرافقي الشاحنة من المسلّحين؟
وهنا لا بد من سؤال نصرالله: هل سلّم نفسه للقضاء بما أنّه هو صاحب الشاحنة المنقلبة على «الكوع»؟ هل سلّم سلاحه المتفلّت للجيش الذي اعتبره في خطابه المؤسّسة الضامنة للاستقرار والأمن في البلد؟ هل من الطبيعي أن تُنقل الذخائر بين الناس الآمنين؟ وهل من الطبيعي أن تنفجر بينهم؟
إنّ اهتراء الدولة وتسليمها وظيفتي الأمن والدفاع لـ «حزب الله» جعل منه دولة ساهمت في القضاء على المؤسّسات والإدارات الرسميَّة في سبيل إنجاح مؤسّساته المنتشرة في معقِل وجوده الشعبي والأمني، مما يؤمّن له غطاءً للمحافظة على السلاح في الداخل، والتهليل له بعبارة: «ستقطع اليد التي ستمتدّ لسلاح المقاومة».
ما جرى على كوع الكحّالة يكشف لنا ضعف الدولة وتعثّرها، وعدم قدرتها على تطبيق القوانين وحماية مواطنيها وبالتالي فشلها في الصمود أمام الدويلة والميليشيا واستمرار تدفّق السِّلاح غير الشرعي وسيطرة الجماعة الإيديولوجيَّة الطائفيَّة على المواطن كفرد وعلى المواطنيَّة كمنظومة متكاملة من الحقوق والواجبات والحريّات والديمقراطيَّة.





