بعد تسارُع الانهيار المالي والاقتصادي الذي يشهده لبنان، باتَ الوضع الصحي والاستشفائي يشكّل أهمّ المشكلات التي تواجه المواطنين والمقيمين على الأراضي اللبنانيَّة الذين يُعانون للحصول على سرير في مستشفى ما وعلى خدمة صحّيَّة ذات مستوى مقبول، خصوصًا بعد عجز السُّلطات المعنيَّة عن رسم رؤية وخِطط استراتيجيَّة للقطاع الصحّي وخصوصًا في هذا الظرف الذي نمرّ به، بعيدًا من الزبائنيَّة السياسيَّة والوساطات الطوائفيَّة، وتعيين إدارات للمستشفيات العامّة بعيدًا من المحاصصة السياسيَّة.
في الجنوب، كان هناك تسعة مستشفيات حكوميَّة عاملة، قبل الانهيار الحاصل، وهي: صيدا، جزّين، صُور، النبطيَّة، تبنين، بنت جبيل، مَيْس الجبل، حاصبيّا ومرجعيون؛ ومستشفيان لا يعملان هما: مستشفى شبعا، والمستشفى التركي في صيدا.
تشكّلت مجالس إدارة هذه المستشفيات وفق التوافق السياسي وموازين القوى الموجودة في النطاق الجغرافي لكل مستشفى، فتقاسمها الثنائي المسلّح. هذه المستشفيات تحولت إلى مؤسّسات عامة تتعاقد مع وزارة الصحة، وتحصل على كوتا ماليَّة منها، إلى جانب إسهامات المؤسّسات الدوليَّة والصناديق الضامنة.
استغلّ الثنائي المسلّح هذه المستشفيات لتوظيف أزلامه فأضْحَت مرتعًا للتوظيف السياسي، لا يدخلها إلّا مَن كان مُواليًا لهما، بعيدًا من أي معيار للكفاءة. وتحديد سقوفها الماليَّة كان يخضع لعمليَّة الهَدْر والفساد وكميَّة الفواتير المضخّمة أو المُفَبركة في كل مستشفى، والمعيار الأساسي في هذه المعادلة يكون بمدى علاقة إدارة المستشفى بطرَفَي الثنائي المسلّح.
وإلى جانب التوظيف تُتَّبع سياسة «الوساطات في الدفع» حيث تخفَّض الكلفة الماليَّة التي يدفعها المريض بعد حصول اتصال بإدارة المستشفى من مكتب الحاج فُلان أو مكتب عِلّان، فتأخذ إدارة المستشفى حصّتها بحصولها على ما تريد، وتكسب الجهات السياسيَّة بتربيح المريض «جميلة» من جَيبه.
يملك القطاع الخاص ١٥ مستشفى موزّعة على معظم الأقضية الجنوبيَّة، وتتعاقد مع وزارة الصحّة والصناديق الضامنة الأخرى والمؤسّسات الدوليَّة. وقد أُقفل منها أربعة مستشفيات بعد الأزمة الراهنة.
وبحسب أحد المدراء السابقين في إحدى مؤسّسات الدولة الضامنة، كانت المستشفيات الخاصّة قبل الأزمة الماليَّة والاقتصاديَّة، تستقبل نحو ٧٠ بالمائة من مرضى الضمان الاجتماعي ووزارة الصحّة والصناديق الضامنة والمؤسّسات الدوليَّة. وكانت تتمّ عمليَّة تضخيم ملفات المرضى المضمونين بإدراج أعمال صحّيَّة وأشعّة ومختبريَّة غير مطلوبة فعليًّا، لتزيد فاتورة المريض الماليَّة التي تعطيها المؤسّسات الضامنة، بتواطؤ مع المراقبين الصحّيّين الذين يتلقّون نسبتَهم من إدارات المستشفيات لتمرير الملفات. عندما كان القطاع الصحّي في أحسن أحواله، كان تحقيق الأرباح بصورة غير قانونيَّة يسير على قَدَمٍ وساق، وكذلك كان وضع الأطباء بأفضل حال.
بعد دخول لبنان في أزمته السياسيَّة والاقتصاديَّة والماليَّة، شَهِد القطاع الصحّي بشكل عام أزمة هجرة واسعة إلى خارج لبنان من أطبّاء من كلّ الاختصاصات ومن مختلف أقسام التمريض. وجنوبًا، سُحِبت كادرات تمريضيَّة من مستشفيات مناطق الجنوب إلى العاصمة، بحسب مصادر وزارة الصحّة، كما ترك عدد من الممرّضين والممرّضات عملهم في المستشفيات الحكوميَّة والخاصّة للالتحاق بالمستشفيات التابعة لحزب الله الذي يتلقّى مساعدات إيرانيَّة وتبرّعات داخليَّة كبيرة، ومنها مستشفى راغب حرب. كل ذلك أدّى الى تدنٍّ بالمستوى المهني. كما أنَّ ٩٠ بالمائة من المستشفيات العامّة لم يعد لديها السيولة الكافية للاستمرار في خدماتها.
تحوّلت المستشفيات الحكوميَّة الى مؤسّسات ذات إدارات حرّة، لا تختلف كثيرًا عن المستشفيات الخاصّة.
حاليًّا، لا يجد المريض سريرًا على حساب وزارة الصحّة، وعليه دفع كل المتوجَّب عليه بالدولار الأميركي، نقدًا. ومساهمة الضمان الاجتماعي لا تتجاوز ١٠ بالمائة من قيمة فاتورة المستشفى نتيجة فروقات سعر الصرف الذي لا زال على سعر الألف وخمسماية ليرة للدولار الواحد، حسب تسعيرة الضمان! أمّا تعاونيَّة الموظّفين وعلى الرغم من مضاعفة التسعيرة عشرات المرات فلم تتجاوز مساهمتها ١٠ بالمائة أيضًا.
قبل الأزمة الحاليَّة كانت قيمة وحدة العمل الجراحي في المؤسّسات العامّة الضامنة تتراوح ما بين خمسة وعشرة دولارات، اليوم باتت لا تساوي أكثر من ١٥ سنتًا أميركيًّا، وهذا ما دفع الطبابة العسكريَّة في الجيش اللبناني إلى رفع قيمة وحدة العمل الجراحي إلى دولار واحد، في حين حددت الهيئة الصحّيَّة الإسلاميَّة التابعة لحزب الله قيمة وحدة العمل الجراحي إلى الدولار ونصف، وأجرَت عقودًا بالدولار الأميركي مع جميع المستشفيات ابتداء من مطلع العام الجاري، ورغم أن الهيئة لم تدفع الفواتير المتوجّبة عليها لهذه المستشفيات حتى الآن، لكن إدارات هذه المستشفيات لم تطالب، إمّا خوفًا من نفوذ «حزب الله» أو ثقةً بوجود الأموال لدى الحزب.
يوجد في قضاء صور ٣ مستشفيات خاصّة هي: حيرام، جبل عامل واللبناني ـ الإيطالي، تستقبل جميع المرضى كمريض خاص، في حين تبلغ نسبة الذين يدخلون إلى المستشفى على حساب «الهيئة الصحّيَّة الإسلاميَّة» و«حزب الله» أو بمساهمة ماليَّة منهما ما بين ٩ إلى ١٢ بالمائة من أعداد المرضى، كما تقدّم مستوصفات الهيئة الصحّيَّة والمدعومة من وزارة الصحّة أو المسجّلة كمراكز صحّيَّة أوّليَّة تحظى بدعم مؤسّسات الأمم المتحدة والهيئات الدوليَّة، تحت ما يُسمّى مشروع خطّة الاستجابة للأزمة السوريَّة في دعم المجتمع المضيف للاجئين السوريّين، والمنتشرة في معظم بلدات القضاء، خدماتها بأسعار رمزيَّة، في حين يستفيد منتسبو «حزب الله» وأهاليهم وعائلات شهدائهم من مجّانيَّة الخدمات بالكامل. وهو يعتبر امتيازًا لعناصر الحزب وأهلهم الذين يحظون بالأمان الصحّي خلافًا لغيرهم من الجنوبيّين الذين يعيشون هاجس الصحّة والخوف من الموت.
في قضاء الزهراني، فإنَّ عدد المستفيدين من خدمات «حزب الله» في مستشفيات علاء الدين وفقيه وخرّوبي قليل جدًّا، إذ يجري تحويل مرضى هذا القضاء إلى مستشفى راغب حرب الكائن في النبطيَّة.
في قضاء النبطيَّة، ثلاثة مستشفيات عاملة حاليًّا وهي: النجدة الشعبيَّة، المستشفى الحكومي ومستشفى راغب حرب، وقد أُقفل مستشفى الحكمة ومستشفى غندور، فيما مستشفى النجدة الشعبيَّة، بحسب أحد المسؤولين فيها، تتلقّى دعمًا صغيرًا من مقاطعة كاتالونيا الإسبانيَّة ومن بعض المغتربين واضطُرت إلى اقفال بعض الأقسام كي تؤمّن ديمومة العمل، أمّا المستشفى الحكومي المحسوب على «حركة أمل»، فوضعه يسير من سيّئ إلى أسوأ، وقد تراجع دوره بسبب ارتفاع فروقات الفواتير التي يطلبها من المرضى، وإذا كانت «حركة أمل»، قبلًا، تطلب من إدارة المستشفى خفض تلك التكلفة، فهي الآن لم يعد في مقدورها القيام بذلك.
وما يسري على المستشفى الحكومي في النبطيَّة يسري أيضًا على باقي المستشفيات العامّة في مختلف الأقضية والتي باتت فارغة من المرضى إلّا من القادرين على دفع التكلفة التي تقترب من فواتير المستشفيات الخاصّة.
في قضاء بنت جبيل يوجد مستشفى صلاح غندور وهو يتبع للهيئة الصحّيَّة الإسلاميَّة، وتُقدَّم فيه خدمات صحّيَّة واستشفائيَّة يستفيد منها أعضاء «حزب الله» وعائلاتهم بالإضافة إلى أبناء البيئة الحاضنة.
وفي تبنين مستشفى عام يبدو أنّه تحوّل إلى إدارة خاصّة يقدّم خدمات وعلاجات متنوّعة في قضاء بنت جبيل ويتقاضى فروقات غير قانونيَّة، ويهمِس بعض المتابعين للشأن الصحّي في المنطقة، عن علاقة إدارة المستشفى بابن رئيس مجلس النوّاب وحركة أمل نبيه برّي، عبدالله، الذي يستفيد من خدمات وأرباح المستشفى المذكور، ويتكلمون عن مبالغ مفقودة من صندوق المستشفى.
يبقى في النبطيَّة مركز استشفاءٍ جامعي تابع لـ«حزب الله» هو مستشفى راغب حرب الذي يقدِّم خدمات طبيَّة متنوّعة ويتلقّى دعمًا مباشرًا مزوّدًا بمعدّات إيرانيَّة، إلى جانب أقسام طبيَّة مختلفة وأدوية متنوّعة، ويعتبر المركز الاستشفائي الأكبر لـ «حزب الله» جنوبًا، ويقدّم الخدمات الصحّيَّة المجانيَّة لأعضاء وعائلات «حزب الله»، وخدمات بأسعار رمزيَّة، لأبناء بيئته الحاضنة. وتقدَّر المساعدات الشهريَّة التي تصل إلى المستشفى بنحو ٤٠٠ ألف دولار أميركي.
يخضع الواقع الصحّي في الجنوب لسيطرة الثنائي المسلّح، أي «حركة أمل» و«حزب الله»، والدخول إلى المستشفيات أضحى جنّة لا يلتحق بنعيمها كل الجنوبيّين، إلّا مَن كان من عناصر «الحزب الإلهي» أو من خاصّيتهم، أو مَن كان من أزلام «حركة المحرومين» بدرجة ثانية، أو مَن كان يملك المال من الميسورين، أو مَن له أقارب في الاغتراب، أمّا الآخرين الذين ليسوا من هذه الفئات، فيكون نصيبهم إمّا رحمة إلهيَّة، أو استجداء واستعطاف يتمّ من خلالهما الدخول إلى المستشفى، أو «لمّية من المُحسنين» تسمح له بدفع المطلوب، أو انتظار أمام باب المستشفيات ينتهي بوفاة المريض. أمّا الدواء فيتبع لنفس المنهجيَّة، رغم أنَّ الأمم المتحدة والهيئات الدوليَّة تدعم المستوصفات ومراكز الصحّة الأوليَّة عبر وزارة الصحّة، والأخيرة تحت السيطرة الكاملة للمؤسّسات الصحّيَّة لـ «حزب الله» و«حركة أمل»، «الهيئة الصحّيَّة الإسلاميَّة» و«الإسعاف الرسالي»، اللذين يديران كل تلك المراكز والمستوصفات، وبالتالي يَضحى الجنوبي عُرْضة للتمييز والمفاضلة، فيكون الدواء والاهتمام من نصيب المحظيّين والمقرّبين، وباقي الجنوبيّين لهم رحمة الله والمبادرات الفرديَّة. وبالتالي يعكس العنوان التالي، الواقع الصحّي الجنوبي: مَن يريد خدمات طبيَّة مختلفة، ومَن يحتاج استشفاء عليه اللجوء إلى الجهة الحزبيَّة المهيمنة، ليكون في عِدادها أو على ضفافها.




