صدر هذا الكتاب في عام ٢٠١٦ عن «أمم للتوثيق والأبحاث» وعن «هيا بنا» في إطار مشروع تحت عنوان «كلّنا برسم القضاء العسكري؟ القضاء العسكري بين «هَيْبَة الدولة» و«دولة القانون»». لم يكن القصد من هذا المشروع التصدّي لموضوع القضاء العسكري من وجهة تُقدم المقاربة القانونيَّة الحقوقيَّة إنّما التصدّي له من وجْهة نظر مواطنيَّة تحمل على محمل الجدّ السؤال الساذج المركّب معًا: لماذا يستعلي «الاستثناء» في لبنان على الكثير من مرافق الحياة ـ بما فيها «القضاء»؛ واستطرادًا: هل إنَّ استعلاء الاستثناء هو حقًا نتيجة «الظروف» القصوى أحيانًا، التي مرَّ بها لبنان، ويمرّ، أم أنَّ هذا الاستعلاء، والتصالح مع دوامه واستمراره، هو من العوامل التي تساهم في إنتاج تلك الظروف ـ بما فيها القصوى منها (الحرب الأهليَّة مثلًا)؟ واستطرادًا على الاستطراد: هل من سبيل إلى الخروج من الحرب ـ الحرب بوصفها عنوان الاستثناء بامتياز ومُرضِعَته ـ بمزيد من الاستثناء وبمزيد من التصالح على دوامه؟
بشهادة التجربة اللبنانيَّة، وهي بحدّ ذاتها تجربة قصوى في تسيُّد «الاستثناء» على العديد من مرافق الحياة، بما فيها القضاء وتجربة قصوى من التوسّل بـالاستثناء كطبٍّ سحريّ لكل العلل والأدواء، فإن مؤدّى هذا التسيّد تأبيد تجربة الفشل في الخروج من حالة الحرب، باردة أو حامية، والحكم على لبنان واللبنانيّين حُكمًا مُبرمًا بتكبّد المزيد من الأمر نفسه.
والمشروع بذاته يحيط بجوانب ثلاثة: التوثيق والبحث والتنوير؛ أمّا الجانب التوثيقي فقضى بأن ينشأ قاعدة البيانات الإلكترونيَّة المفتوحة «عدالة الميدان ـ القضاء العسكري في لبنان»؛ أمّا الجانب البحثي والتنويري فلقد تابعه مسارَين اثنين لم يخلُوَا من التقاطع والترادف. أمّا الأول فكان قوامه عدد واسع من اللقاءات والمقابلات مع ناشطين وحقوقيّين معنيّين بالقضاء العسكري ومواطنين مَثَلوا أمام هذا القضاء. أمّا الثاني فيترجم نفسه من خلال منتَجَيْن اثنين أحدهما كتاب «حتى إشعار آخر، قصص قصيرة من المحكمة العسكريَّة في لبنان»؛ والآخر شريط وثائقي، مُعَنْون أيضًأ «حتى إشعار آخر».
بالنسبة إلى الكتيّب فإنه يتوقّف عند محطاتٍ ومراحل من سيرة المحكمة العسكريَّة ويطرح من خلالها أمثلة هي عبارة عن قصص قصيرة من تاريخ هذا البلد حيث تألّق فيها نجم القضاء العسكري وتبوّأ منها محل البطولة، قُصص ليست بالضرورة «أحسَنَ القَصَص»...


