
قبل ٧ أوكتوبر ٢٠٢٣ كان «حزب الله» يصرّ مع حليفته، حركة أمل، على قمع أي محاولة لخلق ديناميكية تتيح تنوع التمثيل داخل الطائفة الشيعية، أو مجرد طرح أفكار من خارج خطابهما. كان من الممكن فهم المنطلق الذي يدفع الثنائي الشيعي للقيام بذلك، إذ كان «حزب الله» يشعر بفائض قوة وبأنه الغالب الذي لا يهزم، وبالتالي من مصلحته التضييق على معارضيه وخنق النقاشات العامة.
لكن اليوم وبعد انهزام «حزب الله» في حربه ضد إسرائيل، والواقع الكارثي الذي نجم عن خياراته العسكرية والسياسية، وبعد تحميل نتائجها لجميع أبناء الطائفة الشيعية، وجراء الإرباك الذي تعيشه قياداته، بات يطرح السؤال عن أهمية أن يعي «حزب الله» مصلحة هذه الجماعة، والحاجة لإتاحة المجال أمام ديناميكية سياسية في المجتمع الذي هيمن عليه لعقود. ديناميكية تزيل عن كاهل الشيعة الأحمال التي أثقلها بها الثنائي. ولا يتطلب ذلك من «حزب الله» أكثر من ألّا يقمع الناشطين السياسيين أو حتى جمهوره إن امتعض.
خلال العقود الماضية هيمن «حزب الله» و«حركة أمل» على المناطق ذات الأغلبية الشيعية واحتكرا تمثيل الشيعة في كل لبنان. فرض الاثنان سيطرتهما، بنسب متفاوتة، في كافة التفاصيل ويوميات أبناء الطائفة، من الخلية الأصغر، أي العائلة، وصولاً للمجتمع الأكبر. فرضا السيطرة على الأسرة والأحياء وصولا للمدارس والجامعات والعمل.
وعبر الخطابات السياسية والإعلام ودعاياتهما سعى الثنائي الشيعي، وتحديدا «حزب الله»، إلى تصوير أنهما الممثل الوحيد للطائفة الشيعية في لبنان، وسعيا لتطويق أي نشاط سياسي خارج جناحيهما. واستخدمت لغة التهديد والتخوين بوجه كل من يطرح رؤية أو فكرة مختلفة.
كان الحزب الأكثر سعياً لتأكيد احتكار التمثيل وصبغ الطائفة بلون واحد، وحاول اختزالها به. فصار يصوّر أي انتقاد لأدائه على أنه انتقاد للطائفة واستهداف لها. وساهمت الماكينة الخدماتية والسلاح والسيطرة على أجهزة الدولة والتوظيف والخطاب الطائفي، واستغلال مخاوف الناس وتضخيمها، وتوزيع الامتيازات في السيطرة على الناس. كذلك استخدم الترهيب والعزل الاجتماعي أسلحة بوجه الناس في محاولة لمنعهم من التفكير والانتقاد وحثهم على الخضوع والطاعة.
في الجهة المقابلة صوِّر استقواء «حزب الله» في الداخل اللبناني على أنه استقواء الشيعة على بقية الطوائف والفئات. وصوّر دخوله إلى سوريا للقتال إلى جانب نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، تحت عنوان طائفي، على أنه قتال الشيعة ضد السنة، وهو ما غذّى الانقسامات الطائفية في المنطقة، وأزهق أرواح آلاف الشيعة اللبنانيين، وألحق ضرراً كبيراً بأبناء الطائفة في لبنان.

يشرح الأستاذ المحاضر في القانون والناشط السياسي، الذي لعب دوراً بارزاً في المعركة الانتخابية التي خيضت بوجه الثنائي خلال انتخابات ٢٠٢٢ النيابية، الدكتور علي مراد، كيف احتكر «حزب الله» وأمل تمثيل الطائفة الشيعية في لبنان.
يقول مراد إن احتكار الثنائي للتمثيل السياسي وإلغاء التعددية لم يتم بطريقة عادية. حيث كان هناك تعددية لدى مختلف الطوائف والجماعات في لبنان، لكن الثنائي بدأ منذ الثمانينات بالقضاء على التنوع. وحصل ذلك «من خلال ما تعرض له التقدميون واليساريون والعلمانيون من اعتداءات وتهجير، تحديداً أعضاء الحزب الشيوعي. من ثم كرّس هذا الأمر عبر تقاسم الهيمنة بين «حزب الله» وحركة أمل من خلال الاتفاق الإيراني السوري بعد انتهاء الحرب، وتقاسم الضاحية والجنوب. ثم حصلت «حركة أمل» على حصة كاملة في الإدارة بشكل لم يعد بالإمكان توظيف أي شخص في الوظيفة العامة الإدارية والعسكرية أو حتى القضائية إلا بموافقة حركة أمل»، وفقاً للناشط السياسي.
يتابع الأستاذ الجامعي «تصاعدت الهيمنة السياسية التي فرضها «حزب الله» في العام ٢٠٠٥ مع التحالف الثنائي بعد الخروج السوري من لبنان، حيث صار هناك إطباق كامل على الحياة السياسية في المناطق الشيعية بشكل عام، وتصاحب ذلك مع خطاب تخويني ضد كل من يطرح موقفاً مغايراً، فيتهم بأنه يضرب وحدة الطائفة التي تملك القوة الكبرى. ترافق الأمر مع إحساس بفائض القوة وتخوين ضمني ومباشر ونوع من الاغتيال المعنوي لكل من يناقض هذا الأمر».
ويحمل مراد ١٤ أذار والقوى المناهضة للثنائي الشيعي و٨ آذار، أيضاً، مسؤولية عن ذلك. إذ يرى أنها لعبت دوراً سلبياً عبر ما عرف بـ«الاتفاق الرباعي» بعد العام ٢٠٠٥، «حيث جرى نحر القوى السياسية التي لا تعرف نفسها كشيعية لكنها موجودة في البيئة الشيعية»، وفقاً لمراد. ومن الجدير بالذكر أن التحالف الرباعي كان تحالفاً انتخابياً عقد آنذاك بين تيار المستقبل والحزب الإشتراكي والثنائي الشيعي.
حاول «حزب الله» أن يلبس الطائفة الشيعية ثوباً واحداً وأن يظهرها بصورة موحدة وأن يدعي بأنه يملك إجماعاً شيعياً على كل قراراته. وهو ما رسخ أكثر وأكثر صورة موحدة في الأذهان عن الشيعة كما حاول اختزال الطائفة به.
عن دور «حزب الله» في تنميط شيعة لبنان، يرى الباحث والصحفي حسن عباس أن غياب التنوع داخل جماعة معيّنة يساعد في تنميط أفرادها، إذ يصعّب التنوّع الواضح على «الآخر» تنميطها. «وبالتالي يمكن اعتبار أن ضعف المعارضة الشيعية، وأحد أسبابها هيمنة «حزب الله» على الطائفة، كان عاملاً مساعداً في تنميط الشيعة، ولكن التنميط كان سيحصل بوجود «حزب الله» أو بدونه، فكل طائفة تنمط أبناء كل الطوائف الأخرى التي تتماسّ معها، والشيعة بدورهم ينمطون أبناء باقي الطوائف. ما اختلف مع «حزب الله» هو ربما شكل التنميط وحدّته، خاصة أن للمحازب في «حزب الله» شكلاً مستجدّاً على اللبنانيين الشيعة: ذقن خفيفة شعرها ناعم، خاتم فضي، قميص أزراره كلها مغلفة »، يقول عباس.
لكنه يشير إلى أن الأهم من الصورة الشكلية هو انتشار مفاهيم عن الشيعة «من نوع اتهامهم بالتبعية للخارج والنقص في لبنانيتهم ومساواة الحياة بالموت، والتبعية العمياء لزعمائهم والاستعداد للموت في سبيلهم،» يقول الباحث، ويعتبر أن هذا الجانب من التنميط جرى بسبب «حزب الله».
فرضت نتائج الحرب بين «حزب الله» وإسرائيل متغيرات سياسية في لبنان والمنطقة. يرى علي مراد بأنها فتحت المجال لنقاش الخيارات السياسية وانعكاساتها. ويقول إنه تبيّن أن احتكار التمثيل السياسي والهيمنة وإغلاق الفضاءات العامة لا تترك خيارات حتى لدى الناس، «فإذا نظرنا إلى الجماعات الأخرى في لبنان يمكن للناس أن تنتقل من ضفة إلى أخرى، بينما لا يوجد خيارات أمام جمهور الحزب العادي».
ومن وجهة نظر مراد كان يمكن الدفاع عن احتكار التمثيل عندما كانت القوة مطلقة ومفرطة، بمعنى أن الحزب كان يحوز على أقصى تمثيل ممكن. لكنه يرى أن الهيمنة واحتكار القرار اليوم، باتت عبء على المجتمع اللبناني ككل وعلى الشيعة على نحو خاص.
بدوره يرى عباس أن في تجاوز حالة احتكار الثنائي الشيعي لتمثيل اللبنانيين الشيعة «مصلحة شيعية عظمى». ويوضح أن هذا الاحتكار «يقامر» بمصير الشيعة وبحاضرهم وبمستقبلهم. ويتابع «ماذا مثلاً لو وصلت خيارات الثنائي إلى باب مسدود؟ وهو ما حصل بالفعل، وهذا ما استجرّ الحرب الإسرائيلية الأخيرة التي أرجعت الشيعة عقوداً إلى الوراء، وبدأ أيضاً يستجر تضييقاً على اللبنانيين الشيعة ومصالحهم حول العالم، وهذا التضييق سيزيد».
ويعتبر عباس أن في كسر هذا الاحتكار مصلحة لبنانية وطنية جامعة، «لأن احتكار جهة واحدة لتمثيل الطوائف هو الوصفة الأنجع لتعطيل النظام السياسي اللبناني ولوضع اللبنانيين على حافة حرب أهلية جديدة بسبب الديناميات التي يولّدها هذا الاحتكار».
إزاء ما يتعرض له الشيعة بشكل عام نتيجة تحميلهم مسؤولية جماعية عن خيارات وأفعال «حزب الله»، يصبح من المنطقي السؤال عن إمكانية إدراك الحزب لذلك وأخذه بعين الاعتبار.
وعما إن كان من الممكن أن يدفع هذا الواقع «حزب الله» للتخفيف من قبضته وترك المجال لديناميكية سياسية تتيح التنوع حرصاً على مصلحة الشيعة، يجيب مراد أن لا أحد يفتح مجالاً لتمثيل غيره وإنما هي أمور تنتزع. كذلك بالنسبة للصحفي والباحث حسن عباس، فإن «حزب الله»، ككل حزب، يسعى بطبيعته إلى زيادة قاعدته الشعبية، أي مَن يوكلونه تمثيله، إلى أقصى حد ممكن. أما مَن ينبغي أن يدرك المصلحة في التنوّع فهم اللبنانيين الشيعة وعموم اللبنانيين الذين ينبغي أن يدفعوا باتجاه نظام يتيح تنوعاً سياسياً واجتماعياً أكبر داخل الطوائف، وليس «حزب الله»، وفقاً لعباس.
بدوره يرى مراد بأن الناشطين السياسيين معنيون بوضع خطاباً سياسياً واضحاً وبالإجابة على الهواجس التي تطرحها الناس من وجهة نظر جماعية، «لأن الخيار الذي يتجه إليه الثنائي، تحديداً بعد خطاب أمين عام «حزب الله»، نعيم قاسم، الأخير والتصلب في مسألة تسليم السلاح هو محاولة إنكار لواقع جدي». ويدعو مراد للتعامل مع المرحلة الجديدة بمنتهى المسؤولية «لتجنيب هذه الجماعة وهذه الطائفة والمجتمع اللبناني». ويرى بأنه على «حزب الله» أن يتكيف مع الأولوية الوطنية التي تتمثل بإعادة الإعمار وعودة الناس إلى قراها. ويعتبر الناشط السياسي أن الاعتراف بوجود خسارة سياسية يساعد على الخروج منها.
منذ انتخابه رئيساً للجمهورية، يكرر جوزاف عون حرصه على فرض القانون وبسط سلطة الدولة على كافة أراضيها. وهو ما يفترض أن يعني قدرة الدولة على منع خرق القانون والاعتداء على الناس وابتزازها بأمنها وبالوظائف والخدمات.. وبالتالي ضمان حرية العمل السياسي.
يقول عباس إن حالة «حزب الله»، بوصفه تنظيماً سياسياً-عسكرياً، اقتضت ضعفاً لنشاط الأجهزة الأمنية في المناطق الشيعية، مقارنةً بباقي المناطق. لكنه يلفت إلى أن «هذا الوضع الشاذ نشأ ونما بتواطؤ بين «حزب الله» وباقي القوى الطائفية في البلد». ويرى أنه في واحد من جوانبه كان نتيجة لنوع من توافق على رمي عبء الصراع مع إسرائيل على الطائفة الشيعية وحدها. ويضيف «أضرّ ما نتج عن هذا التواطؤ بالسواد الأعظم من الشيعة لأن منسوب الخروج عن القوانين في هذه المناطق زاد. ومن هنا أتحدث دائماً عن ضرورة «عودة الدولة إلى الشيعة» وليس عن «عودة الشيعة إلى الدولة»، كما يقول البعض. و«عودة الدولة إلى الشيعة» تستوجب أكثر من انتشار أوسع للقوى الأمنية في المناطق الشيعية، فهي تحتاج إلى أن تحتكر هذه القوى «العنف الشرعي»، وهذا يعني أن تمنع أي طرف آخر من ممارسة أي شكل من أشكال العنف. وينبغي أن يترافق ذلك أيضاً مع إصلاح القضاء ليصير القانون حَكَماً لما للمواطن وما عليه بدون أي تدخلات سياسية. هذه كلها أسس ضرورية ينبغي أن توفّرها السلطة السياسية ومؤسسات الدولة لخلق أرضية لنشاط سياسي يستفيد بالفعل من الحقوق والحريات التي يكفلها الدستور اللبناني وتكفلها القوانين، وعلى رأسها حرية التعبير وحرية العمل السياسي، وهذا ما يخلق التنوّع»، وفقاً للباحث والصحفي.
كذلك يرى مراد، والذي خاض انتخابات عام ٢٠٢٢ النيابية في ظل ضغوط كبيرة، أن أجهزة الدولة معنية اليوم بضمان حرية العمل السياسي في كل لبنان. ويشدد على أن ذلك لا يرتبط فقط بالضغط المباشر الذي من الممكن أن يمارس بل وأيضاً بالضغط المعنوي والخطاب التخويني الذي ممكن أن يستخدم. ويرجح الأستاذ الجامعي أن تؤدي المتغيرات إلى مساحة حرية أوسع. لكنه يكرر أن «الأمور تنتزع» وأن المساحات السياسية وتوسيعها مسألة يتولاها الناس، «وهو مسؤولية وتحدي علينا، وفي الوقت نفسه على الدولة بأجهزتها العسكرية والأمنية والإدارية والقضائية، وهي معنية بأن تتحمل مسؤوليتها في هذا المجال».





