تستكمل «أمم للتوثيق والأبحاث» نشرَ مجموعة أبحاثها في إطار مشروع «تواريخُ مُتَقاطعَة. حِصة الشّيعة منها في لبنان» وتعرض بحث الفقه السياسي عند الشّيعة المعنون «الْفِـقْـهُ السِّـيَاسِـيُّ الشِّيـعِـيُّ: مِنِ اعْـتِـزَالِ الْـفَـقِيهِ لِلسُّلْـطَةِ إلَى الْـقَـبْضِ عَـلَيْـهَا». في ما يلي نعرض ملخّصًا عنه وعرضًا لأهمّ محطّاته:
تركتْ غيبةُ الإمامِ المهديّ الكبرى التي بدأت في القرنِ العاشرِ الميلادي (٩٤٠ م) فراغًا كبيرًا عند الشّيعةِ الإمامية الاثنا عشريَّة. فالغيبةُ الكبرى والمستمرّة إلى اليوم، بحسب عقيدتهم، تختلفُ عن سابقتِها الصّغرى التي دامت ٦٩ سنة وكان للإمام خلالها نوّابٌ (أبواب/ سفراء) خاصّون، يتواصلُ عوامُ الشّيعة معه من خلالِهم.
مع الغيبة الكبرى، التي بدأت مع وفاة النائب الخاصّ الرابع، لم يعد للشّيعة تواصل مع إمامهم، سواء مباشرة أو عبر نوّاب خاصّين، بل باتت أمورُهم بيَد الفقهاء الذين تولّوا القيام بتنظيمها، هؤلاء الفقهاء الذين باتوا يُعرفون لاحقًا بالنواب العامّين.
بالنسبة للشيعة الاثنا عشريَّة، إنَّ الإمامَ المعصوم هو صاحبُ السُّلطةِ الشّرعيّ، وهو صاحبُ الولايَةِ في الدّين والدنيا خَلَفًا للنبي محمّد وبتعيينٍ منه، كما أن إمامَته تمثّل مشروع الدولة الدينيَّة بأغراضها التنظيميَّة. وانطلاقًا من ذلك، فإن غياب الإمام الثاني عشر الطويل دون وجودِ نوابٍ خاصِّين وسطاء، فتحَ البابَ أمامَ الفقهاء لمعضلةِ التّعاطي مع السُّلطةِ البديلةِ التي كانت تُعتبرُ في نظرهم غَصبِيّةً منذ انصرافها عن أصحابها الشرعيين (أئمة أهل البيت).
أطلق هذا الغياب للإمام المهديَ جَدَلًا كبيرًا في ما يترتّبُ عليه مما يُعتبـرُ في المقامِ الأوّلِ من اختصاصِه. كلُّ ذلكَ أثمرَ معَ الوقتِ تطوّرًا في نظريّات الفقهِ السّياسيّ، انطلاقًا من النّصوصِ والاجتهاداتِ فيها، ومن الواقعِ وتغيّراتِه الذي بات يفرضُ نفسُه على الفقهاءِ، فكانت النظريات والرؤى العديدة من هؤلاء. وكان للّبنانيّين منهم وفي مختلف المراحل دورًا كبيرًا في هذا التطوّر والتنوّع، ومنهم من أنتج في هذا المجال نظريات خاصّة، كما عكس آخرون نظريّات غيرهم.
تنوّعت نظريّات الفقه السياسي الشيعي حتى بداية القرنِ التّاسعِ عشر، من اعتزال السلطة إلى شرعنة التعاطي معها إلى مشاركة الفقيه فيها. ولئن كان كثيرون قد اكتفوا بعكس نظريّات غيرهم، ومن هؤلاء مثلًا الفقيه الطرابلسي أبو الفتح الكراجكي (توفي عام ١٠٥٧)، فإنه كان لآخرين الدور الكبير في تطويرها، ومنهم الشهيد الأول محمد بن مكي الجزيني (توفي عام ١٣٨٥) والمحقق الكركي علي بن عبد العالي (توفي عام ١٥٣٤)، اللذين تركا بصماتهما الواضحة عليه.
عاش أبو الفتح الكراجكي الطرابلسي في كَنَفِ قُضاة بني عمّار في مدينة طرابلس التي كانت تتبع الفاطميّين، فعَكَسَ من خلال سلوكه مع السُّلطة صورةَ الفقهِ السّياسي الأوّلي الذي كان قد نضجَ على أيدي أساتذته العراقيّين الشيخ المفيد (توفي عام ١٠٢٢)، الشريف المرتضى (توفي عام ١٠٤٤)، والشيخ الطوسي (توفي عام ١٠٦٧). فكان بذلك يُعارض التّوجّهِ الأخباري المتوقِّف في هذا الشأن والمنتظِر لظهور الإمام الغائب.
تبنّى الكراجكي قَوْل أساتذته بضرورة وجود السُّلطة ـ التي يعتبرها غير شرعية وغاصِبة لحقِّ الإمام الغائب ـ من أجل تسيير الصالح العام، وبشرعيَّة التقرّب منها لدِرْءِ المفاسِد وجَلْبِ المنافع للناس ومنع تغوّلها ضدهم، لكن دون إعطاءها الشرعيَّة من حيث هي سلطة. أي أنَّ التشريع لديه كان للتعاطي مع السُّلطة كضرورة، وليس لشرعنتها كسلطة.
عاش الشهيد الأول (توفي عام ١٣٨٥) في ظلِّ الحكم المملوكي المتعصّب لسنّيته عقائديًّا وفقهيًّا فتوسّع في عنوان «نيابة الفقيه العامّة» للإمام الغائب في غَيْبته، من خلال نيابته عنه في صلاة الجمعة، ومن خلال التصرُّف بحصّته ـ أي حصّة الإمام الغائب ـ من الخُمس بعد أن نشَرَ الوكلاء في مختلف المناطق لجَمْعِه، الأمر الذي عكس تبنّي الشهيد الأول لولاية سياسيَّة ما مرتبطة بالإمام المهدي الغائب.
أما المحقّق الكركي الذي هاجر عام ١٥١٠ إلى الدولة الصفويَّة بدعوة من الشاه، فقد تقلّد النيابة العامة للفقيه عن الإمام الغائب بصفة رسميَّة، وبات شريكًا في السلطة يُدير القسم الشرعي منها مع السلطان الزمني. مع قولِه بوجوب صلاة الجمعة بوجود الفقيه الجامع للشرائط، وبجواز التصرّف بالخِراج بما يُجيز له نقل هذه الصلاحيَّة إلى السلطان الزمني الحاكم، يكون الكركي قد أعطى شكلًا جديدًا من الشرعنة للسُّلطة بعيدًا من المسوّغات الشرعيَّة التقليديَّة التي كان الفقهاء يعملون على أساسها قبله.
من هذه الفترة السالفة الذكر وحتى بدايات القرن التاسع عشر، شهد الفقه السياسي الشيعي جمودًا، فلمْ يأتِ بجديد يُذكر. ولعل ذلك مردّه إلى انهماكِ الفقهاء الشيعة الأصوليّين بالصراعات مع التيار الشيعي الأخباري الذي كان نهَضَ بقوّة خلال هذه الفترة من خلال الشيخ محمد أمين الإسترابادي (توفي عام ١٦٢٤) ثم الميرزا محمد عبد النبي النيسابوري (توفي عام ١٨١٨).
أمّا الفترة من بداية القرن التاسع عشر حتى بداية القرن العشرين، فقد أنتج الفقه السياسي الشيعي فيها نظريّتَين واضحتَين: ولاية الفقيه المُطلقة، والمشروطة.
وسّعَت ولاية الفقيه المُطلقة التي خرَجَ بها الفاضل أحمد بن محمد مهدي النراقي (توفي عام ١٨٢٩) من مجال النيابة العامّة للفقيه إلى درجة جعلت للفقيه الولاية في كل ما ثبُت فيه للمعصوم من ولاية، إلّا ما أخرجه دليل إجماع أو نصّ أو غيرهما، فبلغت تلك النيابة أقصى درجات التسييس. وأمّا المشروطة والتي كان زعيمها الآخوند محمد كاظم الخراساني (توفي عام ١٩١١) ومفكّرها الميرزا محمد حسين النائيني (توفي عام ١٩٣٦)، فقد كانت تبغي الشراكة السياسيَّة مع السلطان الزمني من خلال وجود الفقهاء في السلطة التشريعيَّة، ومن خلال الفصل بين السُّلطات. ومقابلهم، كان هناك تيّار مُناهض لهذه المشروطة، ويدعو للفصل بين السُّلطتين الدينيَّة والسياسيَّة، وعلى رأسه السيّد محمد كاظم اليزدي (توفي عام ١٩١٩) الذي كان يتولّى القيادة الدينيَّة الشِّيعيَّة في النَّجَف، والشيخ فضل الله النوري (توفي عام ١٩٠٩).
خلال هذه المرحلة، لم تنعكس نظريَّة ولاية الفقيه المطلقة عند الفقهاء اللبنانيّين كونها كان قد قُضِيَ عليها في مَهْدِها، أمّا باقي النظريّات وفيها المشروطة فاستمرّت تنعكس لديهم تبنّيًا وممارسة.
شَهِدَ القرن العشرين غزارةً في نظريّات الفِقه السياسي الشيعي. فإضافة إلى حصّة الفُقهاء العراقيّين والإيرانيّين منها، فكان للفقهاء اللبنانيّين حصّة بارزة منها أيضًا من خلال الشيخ محمد مهدي شمس الدّين والشيخ محمد جواد مغنيَّة، والسيّد محمد حسين فضل الله. لكن نظريَّة ولاية الفقيه بحِلّتها الخمينيَّة الإيرانيَّة الجديدة والمؤسَّسة على أفكار النراقي، استطاعت أنْ تترك أكبر الأثر في الواقع الشيعي اللبناني من خلال تجربة «حزب الله».
مثّلت نظريَّة ولاية الفقيه، بعد قبضها على السُّلطة في إيران، النتيجة القصوى لتسَيّد الفقيه الشيعي، ووضَعَتْه في الموقع الأعلى سياسيًّا الذي يَرقى وظيفيًّا إلى رُتبة الإمام المعصوم.
إنَّ نظرية الشيخ شمس الدّين، أي ولاية الأمة على نفسها، تقعُ في الضفة المقابلة لولاية الفقيه على الأمّة. فالأمّة عند شمس الدّين في زمن الغَيْبة هي التي تدير أمورها السياسيَّة، وتختار شكل نظامها السياسي المناسب لها على أساس الشورى. فالدولة عندهُ مسألةٌ شوْرَوِيَّة واختياريَّة وانتخابيَّة ودستوريَّة بين المسلمين، والأمة هي المطلَق والمقدَّس والأساس وهي مَن وُضع الشَّرع لأجلها، ففوق الأمّة لا يوجد تجريد آخر.
أمّا الشيخ مغنيَّة، فيرى أنَّ تشكيل الحكومة ضروري لتنفيذ الكثير من الأحكام الإسلاميَّة، لكنّه في الوقت نفسه يعتبر أنَّ القوانين الاجتماعيَّة تخضع للعرف وللعقلاء وللتجارب الإنسانيَّة. إنَّ إسلاميَّة الدولة عند مغنيَّة مرهونة بإسلاميَّة قوانينها ونظامها، ولا ولاية للفقيه على الأمة.
أما السيّد فضل الله الرافض لمطلقيَّة صلاحيّات الولي الفقيه، وانطلاقًا من أصالة حفظ النظام واختيار الأمّة عندَه، فلم يحدّد صيغة حُكم خاصّة، بل كان يرى أن المهمّ أنْ تحاكي هذه الصيغة روحيَّة الإسلام وتعمل على حفظ النظام. فالأصالة عنده هي لحفظ النظام، ويمكن لغير الفقيه أنْ يكون حاكمًا. أمّا إذا توقّف حفظ النظام على ولاية الفقيه، كان الفقيه وليًّا. كما طرح إمكانيَّة تعدّد وُلاة الفقيه انطلاقًا من شكلِ النظام العالمي المعاصر والحدود بين الدول، ما لم يضرّ بالعنوان الأصل: حفظ النظام.
إنَّ النظريّات المتعدّدة في الفِقه السياسي الشيعي تقودنا إلى التركيز على الدور الكبير لتغيّر الواقع الزماني والمكاني وتأثيراته على عقل الفقيه، وعلى تأويلاته للنصوص، وتحليلاته واستنتاجه في هذا الخصوص. وبالتالي فإنَّ المجال يبقى مفتوحًا مع مرور الزمن لظهور نظريّات جديدة. كما تُشير الأدوار التاريخيَّة والمعاصِرة التي لعِبَها الفُقهاء اللبنانيّون الشيعة في تطوير هذا الفقه السياسي إلى الإمكانات الكبيرة الموجودة بين الجماعة الشِّيعيَّة اللبنانيَّة، في عكس طبيعي لموقعيّتها ولإمكاناتها ضمن الفضاء الشيعي العام.
في بحثنا هذا عَرَضْنا بدايةً للتعريفات اللّغويَّة والاصطلاحيَّة المرتبطة بعنوان الفِقه، ثمَّ طرحنا في فصله الأوّل تطوّرات الفِقه السّياسي الشيعي حتى بداية القرنِ التاسع عشر، وفي فصله الثاني هذه التطوّرات من بداية القرن التاسع عشر حتى بداية القرن العشرين تطرَّقنا فيها لنظريَّة ولاية الفقيه المطلقة من ناحية وللمشروطة من ناحية أخرى، كما عرضنا انعكاسات هذه النظريّات على الواقع الفِقهي السياسي عند الفقهاء الشيعة اللبنانيّين. أمّا الفصل الثالث فغطّى تطوّرات هذا الفقه في القرن العشرين وتطرَّقنا إلى نظريّات ورؤى أنتجها فقهاء لبنانيّون إضافة إلى انعكاسات نظريَّة ولاية الفقيه على الواقع الشيعي اللبناني.
ختامًا، من نافل القول إنَّه يجب التمييز بين الفِقه السياسي الشيعي بمعنى الأحكام الدينيَّة المستنبَطة من أدلّتها الشرعيَّة والمرتبطة بتدبير شؤون المجتمع والعلاقة مع السُّلطة، وبين الفكر السياسي الشيعي بمعناه الأشمل الذي قد ينطوي أيضًا على طَيْف واسع من النظريّات غير المؤسَّسة على الفِقه أسُسًا ومناهج.


