مررنا في الحلقة السابقة على مخيمّي المية ومية وعين الحلوة. وسنتطرق هنا إلى مخيمات منطقة صور، إذ تختلفُ العلاقةُ بين المخيمات الفلسطينية والمحيط السياسي اللبناني في صور عن صيدا، ويعود ذلك بشكل رئيس إلى تباين الانتماء المذهبي الغالب لدى اللبنانيين الشيعة عن الانتماء المذهبي الفلسطيني.
إن موقع المخيمات يفترض المحافظة على الهدوء، وخصوصًا أنَّ مخيمات منطقة صور على مقربة من الحدود ويمكن استخدام عناصر فلسطينيين بمهمات لها علاقة بالصراع الإقليمي الحاصل. ويدور الهمّ الفلسطيني حول إمكانية العيش بسلام مع المحيط، لذلك كان كل مهرجانٍ فلسطيني يجب أن تكون فيه كلمة لحركة «أمل» أو «حزب الله»، بناء لطلب فلسطيني، وفي الانتخابات النيابية تحول الفلسطينيون الذين تمَّ تجنيسهم عام ١٩٩٤ إلى جمهور للحركة والحزب، وناخب أساس للطرفين، كما صار عدد من الجمعيات الفلسطينية التي يُشرفُ عليها مجنسون أو مجنسات ماكينة انتخابية للثنائي الشيعي في حين أنَّه نادرا ما اقترع فلسطيني مجنس لمرشحي المعارضة الشيعية.
وروى أحد الخبراء في الوضع الفلسطيني في مخيمات صور أن «العلاقات الداخلية بين القوى الفلسطينية تعكسُ تأثيراتها على الوضع الراهن، إذ تشهدُ المخيمات في منطقة صور تنافسًا بين القوى السياسية الفلسطينية لا يستند إلى الخدمة العامة بقدر ما يقوم على السيطرة على المخيمات. وإذا كانت منظمة التحرير الفلسطينية تحاول، ومن خلال اللجان الشعبية، إدارة المخيمات، فان حركة «حماس» لا تلتزم بأي اتفاق تعقده مع منظمة التحرير، وتبادر أحيانًا إلى طرحِ اقتراحاتِ حلول، لكنها لا تلتزم بأي حل بل تحاولُ استخدامه لبسط سيطرتها على أي مخيم من المخيمات، وتسعى إلى تنفيذ مشروع إلغاء الإرث الوطني الفلسطيني لصالح آخرَ خاص بها وفق النموذج الموجود في غزة. ويمكن ملاحظة أنَّ القوى الإقليمية ومن يمثلها في لبنان، تستخدم «حماس» لضرب الموقع الوطني الفلسطيني لصالح مشروعٍ مذهبي ديني يشكل وجهًا آخر لعملة واحدة».
وحول الصِلة بالمحيط، أشار الخبير الفلسطيني إلى أن الفلسطينيين أوفياء للعلاقة الماضية مع المكون الوطني اللبناني، لكنهم، ومن الموقع الجغرافي في منطقة صور، عليهم الانفتاح على القوى السُلطَوية الموجودة. وبعض تلك القوى تستخدم مَن يمكن استخدامه لخطتها الاقليمية، وهكذا فإنَّ «حزب الله» لعب دورًا في تطوير علاقة «حماس» مع إيران ويسعى إلى تطبيع صلتها بسوريا. وهو يدعم تنظيم «الجهاد الإسلامي» الذي لا علاقة له بالحياة اليومية للفلسطينيين، لكنه طرفٌ في المحور الإيراني في المنطقة، وحتمًا لا ننسى محاولات تشكيل «سرايا المقاومة» في مخيمات صور، هي التي تتلقى أوامرها من «حزب الله».
مخيم الرشيدية
إنه ثالث أكبر مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، تبلغ مساحته ٢٨٤،٤ دونمات. يبعد ٢٣ كيلومترًا من الحدود اللبنانية_ الفلسطينية، ويقع على مسافة خمسة كيلومترات من جنوب مدينة صور. كان له نصيبٌ كبير من المعاناة والدمار خلال الاجتياحَين الاسرائيليَين عام ١٩٧٨ و١٩٨٢، وشهد تهجيرًا واسعًا لأهله خلال تلك الفترة. واليوم له مدخلٌ واحد ويخضع لإجراءات أمنية مشددة مِن قبل السلطة اللبنانية، في حين تملك فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، وخصوصًا «فتح» الكلمة الفصل فيه، بالإضافة إلى فصائل التحالف الفلسطيني.
ويبلغ عدد سكان المخيم المسجلين لدى «الأونروا» نحو ٣٣ ألف نسمة، لكنَّ عددهم الحالي لا يتجاوز ٢٠ ألفًا. تنتمي عائلاته إلى قرى شمال فلسطين، وأهمها: نحف، أم الفرج، الشيخ داوود، فارة، سحماتا، دير القاسي، شعب، كويكات، علما، الغابسية وغيرها. وكما في باقي المخيمات، تجمَّع أهالي كل قرية في حي من أحياء المخيم وأطلقوا عليه اسم بلدتهم الأولى. وتعيش حاليًا في المخيم نحو ٢٠٠ أسرة لجأت من سوريا، وفيها ٥٦٠ فلسطينيًا.
وبعد حرب المخيمات، طبقَّت السّلطة اللبنانية إجراءاتٍ مشددة منعت من خلالها إدخال مواد البناء إلا بعد الحصول على إذن رسمي، ويواجِه من يطلب ذلك صعوباتٍ جمة. ويدور الحديث أنَّ بعض النافذين يحصلون على أذون بإدخال مواد بناء بدعمٍ من قوى لبنانية ويبيعونها للأهالي بأسعار جنونية. ولا تقتصر الصعوبات على الأهالي فحسب، ذلك أنَّ «الأونروا» تواجه نفس المشكلة. وخير مثال على ذلك أنَّ الوكالة لا تزال تطلبُ إذنًا ببناء سدّ بحري يحمي المساكِن من انهيارٍ بسبب الموج، أو حتى إعادة تشييد السد القديم الذي بُني في ستينيات القرن الماضي.
يشهد المخيم حاليًا مشكلة في المنازل، فهناك عددٌ صار غير صالح للسكن أو مُعرَّضًا للسقوط، منها نحو ٣٠ بيتًا سقوفها من الزينكو، وجدرانها من الباطون، ونحو ٥٠ تحوي غرفًا من التنك، في حين يعاني نحو ٦٠٠ منزل من تشققات.
تدير المخيم لجنةٌ شعبية تتبعُ منظمة التحرير، لكن ذلك لا يمنعُ وجود لجنةٍ أخرى للتحالف الفلسطيني المرتبط بالنظام السوري. تعقَدُ اجتماعاتٌ دورية بين اللجنة الشعبية والفصائل الفلسطينية وبين «أمل» و«حزب الله». كما تتعاون القوى الفلسطينية مع الأجهزة الأمنية اللبنانية في مواجهة أي حدث أمني. وقد شهد محيطُ مخيم الرشيدية، وتحديدًا في منطقة القليلة، عمليات إطلاق صواريخ، وكانت الأنظار تتجه إلى المخيم، لكن بعض الناشطين أشاروا إلى إمكانية مشاركة أفراد من المخيم يدينون بالولاء إلى تنظيم فلسطيني، وعلى علاقة بالنظام السوري وتسهيلٍ من «حزب الله»، فيما تطرَّق آخرون إلى الوضع الاقتصادي الذي قد يدفع البعض إلى المشاركة في مثل تلك العمليات التي تجري تحت شعار المشاركة في قتال العدو الإسرائيلي. وفي المعلومات أنَّ العامل الاقتصادي هو الذي يحرِّك بعض الشباب للتعاون مع «سرايا المقاومة» التابعة لـ«حزب الله» للحصول على بدَلٍ مالي، لكنَّ ذلك لم يتبلور في إطار تنظيمي متماسك في مخيم الرشيدية .
مخيم البص
هو مخيم ملاصق لمدينة صور الساحلية، يمتاز بموقعِه الجغرافي عند مفترق طرق تربط صور ببلدات القضاء. يسكنه حاليًا نحو ثمانية آلاف شخص من طوائف مختلفة، ولا زالت هناك عائلة أرمنية ٣٢ عائلة فلسطينية مسيحية. ويعيش فيه عددٌ من العائلات السورية، كما انتقلت إليه عائلات لبنانية، خصوصًا بعد عدوان تموز ٢٠٠٦. يعاني المخيم من ارتفاع نسبة الهجرة القانونية وغير القانونية، وتوجد حالات فقر مدقع تحاول اللجنة الشعبية والجمعيات تقديم المساعدات الغذائية والصحية للتخفيف من حدته.
قال أحد الناشطين: «هناك لجنة شعبية تدير العلاقة مع الخارج ومع «الأونروا»، كما توجد لجنة أهلية تتبع لتحالف الفصائل المرتبطة بالنظام السوري. لكنَّ اللجنة الشعبية تلاحقُ كل الخدمات في المخيم، والأمن الداخلي يتابعه الأمن الوطني بالتراضي والتفاهم مع القوى الداخلية والخارجية. ويمنعُ الأمن الوطني وقوع تعديات من أي جانب كانت. وتتوزع العائلات الاساسية على الأحياء في المخيم، وتاليًا تقل التجاوزات أو النزاعات، كما أنَّ العائلات اللبنانية التي تسكن في المخيم يمكن ملاحظةُ وجودِها على أطرافه». أما عن العلاقة مع المحيط، يمكن القول إنَّ موقع المخيم الجغرافي يدفع جميع الأطراف الداخلية والخارجية للتعاون والتعاطي بإيجابية عند أي حادث. لكن أكثر من جهة أشارت إلى وجود حالات يمكن وصفُها بالشاذة وغير المرضي عنها عند بعض الشباب الذين يتمُّ استخدامُهم تحت شعارات تتعلق بفلسطين والعمل المقاوم للقيام بمهمات مرتبطة بطرف فلسطيني متعاون مع «حزب الله» أو حتى للحزب مباشرة عبر «سرايا المقاومة». وهذه ممارسات تتمُّ تحت الطاولات لأنَّ القوى الفلسطينية لا ترغب بإثارة أي موضوع قد يكون محلَّ انقسام لبناني _ فلسطيني.
مخيم البرج الشمالي
يقع مخيم البرج الشمالي على بعد ثلاثة كيلومترات شرق مدينة صور. تأسس عام ١٩٤٨ لاستقبال اللاجئين من منطقتَي الحولة وطبريا، وبدأت «الاونروا» بالإشراف عليه عام ١٩٥٥ بعد استقرار مجموعات فلسطينية أخرى عاشت لفترة في مناطق لبنانية مختلفة. معظم منازلِه معرضة للسقوط، وعدد كبيرٌ منها ما زالت سقوفه من الزنك، ٩٠ في المئة منها بحاجة إلى ترميم، إلا أنَّ «الأونروا» أوقفت مشروع الإعمار مطلع عام ٢٠٢٣.
يبلغ إجمالي عدد السكان نحو ٢٣٥٠٠، بينهم نحو أربعة آلاف لاجئ فلسطيني من سوريا. ٦٠ في المئة من المقيمين هم نساء، وهذا يعطي صورة عن نسبة المهاجرين من المخيم. نسبة البطالة للذكور حاليًا تصل إلى نحو ٨٠ بالمئة لدى النساء. وصار قطاع الزراعة يستخدم نصف اليد العاملة الزراعية، ويشهد هجرة غير قانونية بنسبة عالية.
حصل نحو ١٠ آلاف شخص من مخيم البرج الشمالي والمناطق الأخرى التي يسكنها لاجئون في منطقة صور على الجنسية اللبنانية عام ١٩٩٤، ويحق لنحو ستة آلاف منهم المشاركة في الانتخابات البلدية والنيابية. بعد عملية التجنيس نال المخيم المذكور بعض الخدمات من بلدية البرج الشمالي التي ضمَّ مجلسُها بعد ذلك عضوين من أصل فلسطيني هما محمود الجمعة وكامل فياض دحاويش.
تحوَّل الفلسطينيون المُجنسون إلى مجموعة تصبُ أصواتها في صناديق الاقتراع لمصلحة مرشحي الثنائي الشيعي. وتعمدُ «أمل» و«حزب الله» إلى عقد اجتماعات دورية مع الفلسطينيين ومع المُجنسين منهم للتباحث في أمور المخيم.
توجد لجنة شعبية تضم ١٩ عضوًا يمثلون فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، وتُعنى بالشؤون الاجتماعية والإدارية والمعيشية، وهناك لجنة أهلية تمثل فصائل التحالف الفلسطيني وعددًا من المستقلين.
وخلال الفترة الماضية أنشأ أحد الفلسطينيين ويُدعى خ.ن.، وهو مقيم خارج المخيم، «سرايا المقاومة» التابعة لـ«حزب الله» والتي كان أساسها فلسطينيون حصلوا على الجنسية اللبنانية. وجرى تدريبُهم وتأهيلهم تحت شعار الاستعداد لتحرير فلسطين، وقد لعبً العامل الاقتصادي دورًا في شد الشباب للانضمام إلى «سرايا المقاومة». من جهة أخرى أقام «حزب الله» ملفًا خاصًا بمخيم البرج الشمالي بمسؤولية أبو وائل زلزلي الذي يزورُ قيادات فلسطينية وعائلات مختلفة بشكل دوري للتباحث في شؤون المخيم، كما يعقد لقاءات وندوات في هذا الإطار.
ويحتل المخيم خصوصية لأنَّ معظم المجنسين من أبنائه التحقوا بالثنائي الشيعي، وشاركوا في كل نواحي حياة الطائفة وصار ارتباطُهم بالقضية الفلسطينية من الموقع الطائفي وليس الوطني. كما شكَّل المجنسون من الطائفة السنية لجان وروابط للدفاع عن حقوقهم لدى الدولة اللبنانية ضمن إطار الثنائي الشيعي أيضًا.
للمخيّمات في صور أهميّة كبيرة عند «حركة أمل»، فهناك مسؤول حركي للعلاقات اللبنانية الفلسطينية في صور هو صدر داود ، كما أن مسؤول «حركة أمل» في إقليم جبل عامل علي اسماعيل يشرف على علاقة «حركة أمل» بالمنظمات الفلسطينية في هذه المخيمات، كما يولي «حزب الله» المخيمات في صور العناية الكبيرة، فهو بالإضافة إلى فرز مسؤول للعلاقات مع المخيمات هو أبو وائل زلزلي هناك لجان للعمل في تلك المخيمات تقوم بتقديم المساعدات الصحية والغذائية ويتولى مسؤوليتها الحاج أبو فتحي. ويعتبر أبو وائل زلزلي، من الشخصيات المحورية في مخيمات صور، فهو يمكنُ أن يدوّر الزوايا ويقيم المصالحات وله «كلمته» في تلك المخيمات؛ وتمتد علاقاته فيها مع مختلف الفصائل الموجودة دون استثناء، وعلى مختلف الصُعد من سياسية وعسكرية إلى اجتماعية وثقافية ورياضية، وينشط معه فريق عمل مكوّن من الشيخ محمد مؤنس، ومسؤول لجان العمل في المخيمات أبو فتحي. وهم يشبكون العلاقات مع جميع المنظمات والجمعيات في المخيم، وأضحت لهم «روزنامتهم» و«جداولهم»، بحسب أحد الناشطين الاجتماعيين الذي يعمل في مخيمات صور.
هكذا يظهر أنَّ «حزب الله» يستخدم في إطار مدّ أذرعه داخل المخيمات الفلسطينية وسائل مختلفة تبعًا لحالة كل مخيم. في المية ومية عين الحلوة يجد ضالته في الطَيف الواسع من التنظيمات الإسلامية والمظلة التي توفرها، أما في مخيمات صور فهي في إطار المُجنسين أو «السرايا» أو في العلاقة مع «فتح» ما يمكن الركون إليه في ضمان أن تكون تلك المخيمات تحت ناطرّيه.




