03・07・2023
من العدد ٢
حارة حريك

تقع حارة حريك في ساحل قضاء بعبدا، مشَكّلةً القسمَ الأكبر من ساحل المتن الجنوبي أو ما يعرف حاليًا بـ«ضاحية بيروت الجنوبيّة». هي على مسافة ستة كيلومترات من قلب العاصمة، ممتدّة على بقعة تبلغ مساحتها مليونًا وثمانمئة وعشرة آلاف متر مربّع، يحدّها شمالًا الغبيري إلى حدود محطة المشرَّفية، شرقًا حدث بيروت، جنوبًا برج البراجنة، وغربًا بولفار المطار. 

بالنسبة إلى التسمية، قال طوني مفرّج، مؤلف موسوعة «القرى والمدن اللبنانية»، إنَّها تُنسَب إلى آل الحركة الذين كانوا ربّما أوّل من سكنها، موضحًا أنَّ اسم العائلة «حريكي» تبعًا لما وجدَه في مدوّنات قديمة. أما عفيف مرهج، مؤلف موسوعة «اعرف لبنان» فأوردَ أنَّ الجزء الثاني من الاسم يعود إلى فعل أحرق، فالاسم السرياني Hirkute يعني الاحتراق والالتهاب. 

ويبدو أن حارة حريك لم تصبح وحدةً سكنية قبل القرن الثامن عشر، عندما بدأت تفدُ إليها جماعاتٌ من المشتغلين بالزراعة، فازدهرت زراعة التوت وتربية دودة القزّ، وبقيت إقطاعًا للأمراء الشهابيين حتى ظهور نظام المتصرفية. وبعد هذا التاريخ بدأ السكان يتملكون الأراضي بشرائها من الأمراء فأصبحت البلدة مُلكًا للأهالي قبل بداية الحرب العالمية الأولى، وأنشئت فيها عدة معامل للزيت والحرير. بلغ عدد سكان حارة حريك عام ١٨٩١، ١٢١٥ موارنة و٥٠٣ شيعة وبضع عشرات من طوائف أخرى.  وبعد الحرب الأولى أعادت حارة حريك بناء نفسها، فاهتمَّ أهلُها بزراعة الحمضيات بدلًا من التوت لأنَّ صناعة الحرير بدأت تركدُ بسبب المضاربات الأجنبيّة. ومع هذا التحوّل الزراعي شهدت البلدة تبدلًا إجتماعيًا أيضًا، إذ مُدّت إليها شبكات الكهرباء ووصلت الماء إلى دُورِها عام ١٩٢٥. 

عام ١٩٦٥ بلغ عدد سكان الحارة المسجلين بحسب ما ورَد في الجريدة الرسمية، ٨١٦٨. وقدَّر عفيف مرهج في موسوعته عددهم عام ١٩٧١ بحوالى ٢٠٠٠٠. من أبرز العائلات الشّيعية فيها سْليم، موسى، علامة، زين، حركة، بعجور، درغام، فرحات، قماطي. وفي الأربعينات من القرن الماضي جاء إليها آل مقداد وآل الأتات من بعلبك.  أما أبرز الأسر المسيحية فهي دكاش، كسرواني، عضيمي، واكد، غنيمة، نفور، ديب، كنعان، خوري، يزبك، أبيض، أبي نادر، شويفاتي، خلوف، حجيلي، صعب، عون، الفرنساوي، عبود، تحومي، شبير، صفير، شديد، خويري، شرتوني، وصهيون. 

في صبيحة الحرب الأهلية طالت أعمال الاعتداء أهاليها المسيحيين، من نسفٍ لمحلات تجارية ومنازل وخطفٍ واغتيال، فبدأ الفرز الطائفي فيها، وغادر المسيحيون المنطقة؛ وأتى مكانهم، واحتل بيوتهم أناس، منهم فلسطينيون، قدموا من منطقة تل الزعتر وبرج حمود وغيرها. وعندما أصبح هناك هدوء أمني ما، بدأ البناء في حارة حريك، ولكن ليس بشكل واسع.

جاء الوافدون الشّيعة من منطقة برج حمود إلى معوض صفير، حي ماضي وحارة حريك، كلها امتلأت بمَن قدم من ساحل المتن الشمالي من الشّيعة بالإضافة إلى الفلسطينيين. إلّا أنّ الاكتظاظ لم يبدأ بشكل جدّي في المنطقة إلّا بعد عام ١٩٧٨، إثر نزوح أهالي بنت جبيل والخيام وحولا إلى الضاحية الجنوبية، بعد الاجتياح الإسرائيلي، وأصبح الأمر يبدو في الحارة كما لو أنك تسكنُ في منطقة النبعة وبرج حمود. عاد المسيحيون مرّة أخرى من مناطق أنطلياس وغيرها إلى الضاحية، لكن عندما بدأت إشكالات عام ١٩٧٩، غادروا مجددًا، وتمَّ تهجير باقي المسيحيين على دفعات بحيث لم يبق إلا عشرة بالمئة منهم عشية الاجتياح الإسرائيلي عام ١٩٨٢. ثم استُكملت عملية التهجير، وقد شملت أحياء بأكملها، فحيّ صفير هجره المسيحيون وسكن مكانهم مسلمون بغالبيتهم العظمى من الطائفة الشّيعية، وكذلك مناطق الرويس وحي ماضي وبئر العبد. بعد الانسحاب الإسرائيلي وانتفاضة ٦ شباط، تسيَّدت حركة «أمل» المنطقة، ثم سيطر عليها «حزب الله» بعد طرده «أمل»، وخرَج من كان بقي من المسيحيين رويدًا رويدًا، بما فيهم الشيوعيون المسيحيون، خاصة بعد اختطاف ابن حارة حريك ميشال واكد والعثور على جثته لاحقًا.

ساهمت عمليةُ شراء العقارات في تبديل الطبيعة الديموغرافية للحارة، فاشترى تجارٌ شيعة أراضي المسيحيين، إما ترغيبًا بأسعار مرتفعة أو ترهيبًا، بوضعِ اليد عليها، وإرغام أصحابها على بيعها بأسعار مُخفضّة. وشهدت الحارة بعد انتهاء الحرب الأهلية حركةً عمرانية هائلة، بخاصة بعد نزوح من كان محتلًا «وادي أبو جميل» وحصدِ أموال الإخلاءات، وهكذا أصبحت منطقة ذات صفاءٍ شيعي صرف. 

لغاية عام ١٩٩٧، كانت الحارة تضمُّ حوالى ١٦ ألف وحدة سكنية، وعدد المقيمين حوالى ٦٤ ألفًا، وكان لا يزالُ يقيم فيها حوالي مئة أسرة مسيحية من عائلات شويفاتي، واكد، كنعان، دكاش وديب.

شكلت حارة حريك موطئ قدم بالنسبة إلى «حزب الله» في ضاحية بيروت الجنوبية منذ بدء انتشاره، وقد أقام فيها المناسبات وسيّر المسيرات، وأسس الحوزات، كحوزة الرسول الأكرم عام ١٩٨٤ والتي كان الشيخ محمد إسماعيل خليق، ممثل الشيخ حسين منتظري قائمًا عليها؛ بالإضافة إلى مسجد الإمام الرضا الذي افتتُح عام ١٩٧٨ والذي تولى السيّد محمد حسين فضل الله إمامته والوعظ فيه، يعاونه الشيخ نعيم قاسم. وكان المسجد من الحواضِن الثقافية لـ«حزب الله» فقد باتَ «بيت حزب الله في المنطقة». وانتقل محمد حسين فضل الله عام ١٩٩٥ إلى مسجد الإمامين الحسنين التابع لمجمع بهمن الإسلامي وأصبح يقيم فيه صلاة الجمعة، وأنشأ «حزب الله» منذ منتصف الثمانينيّات مقر الشورى الخاص به في حارة حريك، وحوله مربعٌ أمني توسع مع الأيام، وسكنت قيادات الحزب في تلك المنطقة. وخلال حرب تموز ٢٠٠٦ دُمّر عن بكرة أبيه بالغارات الجوية وقذائف البحرية الإسرائيلية، وترّكز الدمار «ضمن محيط بلدية حارة حريك حيث دمّر تمامًا حوالى ٢٦٥ مبنىً سكنيًا أو تجاريًا أو تعرّض للضرر الشديد. ودُمرّت بشكل كامل ٣١١٩ وحدة سكنية و١٦١٠ وحدة تجارية وخسر على أقل تقدير، عشرون ألفًا مساكنهم في حارة حريك». وقد تولت شركة «وعد» التي تأسست، بعد وضع مؤسسة جهاد البناء على لائحة الإرهاب الأميركية، بناء ما تدمر بالمساهمات العربية والدولية، وبالطريقة التي تتناسب مع ما يقتضيه أولياء أمرها، حيث وضعت السلطات الأميركية هذه الشركة على القوائم الإرهابية عندها في ٢٠ شباط ٢٠٠٧، بعد اتهامها «حزب الله» باستخدام مشروع «وعد» لإعادة بناء مقراته في ضاحية بيروت الجنوبية و«إنشاء منشآت تحت الأرض لتخزين الأسلحة وأجزاء من بنية الحزب العسكرية في لبنان». 

يقطن الحارة حاليًا حوالي ٨٥ ألف نسمة، دون تعداد السوريين والفلسطينيين، وتضمُّ ٢٣٠٠٠ وحدة سكنية، و٤٤٥٠ أخرى غير سكنية. يبلغ عدد الناخبين في حارة حريك بحسب لوائح وزارة الداخلية ١٢٣٥٦ ناخبين، بينهم ٥٦٦٠ مسيحيًا غير مقيمين و٥٦٧٠ شيعيًا و١٠٢١ سني.