منذ انتهاء عهد الرئيس السابق ميشال عون باتَ الفراغُ الرئاسي كحصانِ طروادة الحياة السياسية اللبنانية.
كلٌ من الفرقاء يوظفُ الفراغَ لمصلحته بفرضِ شروطه على الآخر ليأتيَ برئيسٍ، أقل ما يمكن أن نسميَه الشخص المُعتمد لهذا الفريق، أو ذاك الذي لم يرتقِ إلى فريق. فالثنائي الشّيعي، ومن يلتحق به، يصر على فرض مرشح على كافة المكونات اللبنانية الأخرى دون الأخذِ بالاعتبار هواجسهم ومصالحهم. ويعتبر «حزب الله» مرشحَه، الشخصية التي تحمي «المقاومة» من الأخطار المحدقة، وكان على لائحةِ الانتظار لستِ سنوات استجابة لطلب الحزب، وهو الذي يؤمَّن حماية المقاومة، ولكن لا أحد يعرف ماذا يعني «حماية ظهر المقاومة ومِن مَن يحميها».
ثمانية أشهر مضت والقصر خالٍ من الرئيس، رغم الانهيارات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية والسياسية، والمواطن يدفع ثمنها يوميًا دون الإكتراث بما يعانيه الشعب اللبناني من عَوَزٍ وانكشاف لكل مناحي حياته، والرهان من يصرخ أولًا من جراء سياسة عض الأصابع.
إنَّ إصرار «حزب الله» على سليمان فرنجية والإمساك بموقف «حركة أمل» يعني بأنه مُصِّرٌ على السيطرة على ما تبقى من مفاصل الدولة، والذي سبقَ وأمسك بها في ظل الرئيس القوي الذي احتلَّ القصر عام ٢٠١٦، بعد أن أبقى منصبَ الرئيس شاغرًا لمدة سنتين ونصف السنة من أجل إيصالِ مرشحه إلى الرئاسة.
واليوم الحزب يمارس نفس الأسلوب من خلال تمسكه بمرشحه الذي لم يحصل على أكثرية برلمانية في الجلسة الثانية عشر، ولن يستطيعَ تأمينها، مما دفعه ليعطِّل النصاب في الجلسة الثانية. والتهديد بـ«التعطيل الدائم» أو الحوار مع الجميع على تسوية تؤمن لمرشحه الوصول إلى سدة الرئاسة كي يبقى هو الحاكم.
التسوية السياسية التي أتت بعد اتفاق أوباما ـ روحاني هي من صَنعت التسوية عام ٢٠١٦ وليس الأطراف في لبنان، وكان تأثيرهم شكليًا في هذا الاتفاق، مما دفعَ بشخص الرئيس للإنقضاض عليها والخروج من التسوية.
منطقيًا، لا يمكن للحزب الإصرار على مرشح غير مقبول من الأطراف والمكونات الأخرى، وفرض رغبته على المكونات اللبنانية الشريكة، المسيحي، والسني والدرزي، والآخرين، لكن الحزبَ يشعر بفائض القوة، ويتصور أنه يستطيعُ فرض ما يريده بقوته على الجميع، كونه يأسر الطائفة الشّيعية بالكامل، والتي تعاني من الانهيارات الاقتصادية والمؤسساتية كما حال الجميع، ويحاول اللعب على دغدغة شعور الطائفة الشّيعية وشد عصبها، بأنه استطاعَ السيطرة على الرئاسة ومفاصل الدولة من خلال فرض الشخصيات الأخرى في المراكز التي تؤمِّن له الثبات والاستمرار بتنفيذ أجنداته الخارجية.
الشّيعية السياسيّة الحالية، لم ولن تنفع الطائفة ولن تغيرَ من مسارها الحقيقي، وخاصة أنَّ الأغلبية الشّيعية الصامتة في لبنان لا تنظرُ الى «حزب الله» أنه المرجعية السياسية لها، على اعتبار أنَّ الحزب مرتبط أيديولوجيًا وعضويًا بمرجعيةٍ سياسية ودينية خارجية لها أيديولوجيتها ومنطقها الراديكالي الشمولي الأصولي، البعيد كل البعد عن طبيعة الواقع في لبنان؛ حتى جمهور «حركة أمل» المُلحقة بالحزب، والذي يعاني من الأزمات، معني بوجود دولة قوية تحميه، بغض النظر عن طبيعة الدولة التي يفكر بها.
الجميع في لبنان، بمختلف طموحاتهم ومشاربهم وانتماءاتهم الطائفية والمذهبية، بما فيهم الطائفة الشّيعية، يريدون الانتماء إلى حضن الدولة، بينما «حزب الله» يريد دولته الخاصة المرتبطة بولاية الفقيه والجمهورية الإسلامية في إيران، وهذا ما تطرحه بالعلن قيادة الحزب.
الطائفة الشّيعية بأغلبيتها الصامتة والمغلوب على أمرها، ليست مع أسلوب الحزب بإدارة الدولة، فالطائفة الشّيعية شريكٌ أساسي منذ تأسيس الدولة، ولعب رجالاتها الدور الكبيرفي الاستقلال.
الشّيعية السياسية الحالية التي يحاولُ الحزب فرضها على الجميع هي ليست لمصلحة الشّيعة أنفسهم، بل هي لمصلحة القوى الخارجية المؤتَمَر لها، فالإصرار والتمسك بـ«فرنجية» كمرشح أوحد، هو رهان على متغيرات من نسج خيال وتمنيات يُحكى عنها في الصالونات والجلسات الخاصة، بأنَّ أمريكا تحاول إنجاز سريع لتسوية مع إيران بشأن برنامجها النووي، وربما يعوِّل الحزب عليها من جهة، محاولًا استغلال الموقف الفرنسي الطامح إلى الاستفادة من توظيف الرأسمال الشّيعي في أزمته الاقتصادية، ورفع مستوى الشركات في إنتاج النفط والتصنيع في مجال الغاز اللبناني، وربما لاحقًا العراقي.
لكن عمليات التهديد والوعيد التي تمارسُها وسائل إعلام الموالاة والمقربين من «حزب الله» كرسائل للآخرين، بأنَّ «انتخاب فرنجية أو الحرب الأهلية» بحسب ما قدَّمه المحلل السياسي قاسم قصير على منصة سبوت شوت بتاريخ ٢٣حزيران، لن تُجنى ثماره للعديد من الأسباب:
_لأن ثقل «حزب الله» ليس كما كان في العام ٢٠١٦، وليسَ في وارد تكرار تجربة غزوات ٢٠٠٧ ـ ٢٠٠٨، ولا الأجواء تتيح له ذلك، والوضع الشعبي والحاضنة الشعبية لم تعُد ترى جدوى من هذه التصرفات في الوقت الذي تعاني فيه من أزمة اقتصادية ومعيشية، نأى الحزب بنفسه وبكوادره والمقربين عنها، وترك بيئته والبيئة الشّيعية تضربُ بها يمنة وشمالًا.
_الثقل البرلماني والموازين النيابية والأوضاع الاقتصادية لم تعُد في صالح «حزب الله» لعقد صفقة يكون فيها دومًا المنتصر. فأجواء المصالحات في المنطقة تفرض على الحزب الالتزام بالمواقف الإيرانية الذاهبة للتسوية وتصفير المشاكل، والانفتاح الإيراني على السعودية والدول العربية لن يسمحَ للحزب بالمغامرة أو التهويل على الآخرين.
لا بدَّ من القول بأنَّ المزاج الشّيعي بات مختلفًا كليًا عما كان عليه سابقًا، حتى إذا نظرنا إلى الانتخابات الأخيرة التي حصلت، وحاز فيها الثنائي على الأغلبية الساحقة من الفئة المقترِعة، كان «حزب الله» شعاره الوحيد المحافظة على النواب الشّيعة وعدم السماح بخسارة أي مرشح، وهذا يدق ناقوس الخطر القادم بالنسبة إلى «حزب الله»، ويتحول من سياسة الهجوم إلى الدفاع، لذلك يريد الحزب البقاء ست سنوات جديدة في القصر من خلال رئيس صديق وحليف و«مطواع» سيكمل مسيرة الرئيس الأسبق.
ومما يظهر أنَّ «حزب الله» لم ينتبه لِما يحدث من تحولات في الإقليم وإيران، فهو لا يزال يمارسُ توجهات تدل على الارتباك، بعدم الأخذ بعين الاعتبار للتحول في الموقف الإيراني في علاقته الجديدة مع السعودية القائمة على عدم التدخل بشؤون الدول الأخرى.
منذ إعلان الاتفاق الإيراني ـ السعودي، حاول الحزب التمترُس وراء كلمة «لا» من خلال تصرفاته، التي أظهرت ارتباكًا من الانفتاح السعودي الإيراني، فكان موضوع السماح باستخدام مناطق الجنوب لإطلاق صواريخ فلسطينية نحو الداخل الفلسطيني، مما دفعَ بوزير الخارجية الإيراني عبد اللهيان بالوصول إلى لبنان والطلب من الحزب التهدئة، ولم تنتهِ القصة، حتى أعلن الحزب عن مناوراتٍ في عرمتى، وهي خارج الحزام الأمني للقرار الأممي ١٧٠١، وأعلن عن مناورة اخرى تتمثل بالتدريب على المسيرّات في سلسلة جبال لبنان الشرقية. وكذلك خطف المواطن السعودي الذي «انتُزِع» من الخاطفين في منطقة القصر القريبة من القصير السورية، بعد فرار عدد منهم إلى الجهة السورية المقابلة، وأخيرًا وليس آخرًا منع الإعلامية فجر السعيد من الدخول إلى مطار بيروت لأسباب واهية، ودون التنسيق مع السفارة الكويتية، بالإضافة إلى الحملة الإعلامية التي تشنها وسائل الإعلام الموالية للحزب على دولة الإمارات العربية، على خلفية اعتقال خلية لبنانية كانت تعمل في الإمارات وترحيل العديد منهم بعد التحقيقات.
بالرغم من كل التصريحات العربية والدولية، يصر «حزب الله» على التمسك بشخص سليمان فرنجية، وهو يعلم بأنه يعطل بهذا الأمر ويعرقل وصول رئيس للجمهورية إلى بعبدا، في محاولة لحل القضايا المعيشية والاقتصادية التي يعاني منها الشعب اللبناني، وبمن فيهم أبناء الطائفة الشّيعية.
اذاً، الرسالة التي أبلغها «حزب الله» للموفد الفرنسي جان إيف لودريان بأنَّ الحزب مُصرّ على فرنجية، كأنه يقول «أو مرشحي أو لا أحد وحتى الحرب ممكنة». لكن الحزب تناسى بأنَّ هذا الموقف المتحجَّر سوف يهيئ الساحة والحجة للذين يطالبون بالفدرالية وتقسيم لبنان اقتصاديًا وإداريًا. يعني هذا أنَّ الحزب أخذ الشّيعة في حياتهم وشجونهم وعزلهم في مناطق تواجدهم كرهائن لقراره «الهمايوني»، فهل أخذ الحزب رأي الطائفة الشّيعية التي يعتبر أنه يمثلها بهذه القرارات؟ وهل إغلاق الأبواب أمام الوصول إلى تسويات تناسب جميع أبناء الطائفة؟ حتى إيران قالت له بأنها لا تريد رئيس في لبنان يستفز السعودية.
الذهاب نحو مرشح ثالث سيكون لمصلحة الطائفة الشّيعية ولبنان عامة، فهل أنَّ التوافقَ على قائد الجيش هو الحلّ أم أن ما وراء الأكمة ما وراءها؟





