03・07・2023
من العدد ٢
الثنائي الشّيعي ومحاولات الإمساك بـ«السّاحات» الفلسطينية (١)
جنوبًا: مخيما صيدا

لا يخفى على الجميع أنه بعد نهاية الحرب الأهلية انقلبَ الوضعُ الفلسطيني عما كان مع انطلاقتِها من سيطرةٍ ونفوذ فلسطيني في المناطق الشّيعية، إلى نفوذٍ شيعي في المخيمات الفلسطينية، تمدَّدَ رويدًا رويدًا، تحت منظارِ وحياكةِ دمشق خلال فترة النفوذ السوري حتى عام ٢٠٠٥، والتدخل في الشأن الفلسطيني وإنشاء مراكز قوى بعده؛ وصولًا إلى هيمنةٍ بدأت تتضح أخيرًا للثنائي الشّيعي ولا سيما «حزب الله»، و«مَوْنة» لمسؤول الملف الفلسطيني في الحزب النائب السابق حسن حب الله على الفصائل المختلفة، مِن إسلامية متطرفة، إلى تلك التي كانت تدورُ في الفَلك السوري ووَرَثته، وصولًا إلى منظمة التحرير الفلسطينية وحركة «فتح»؛ وختامها باللقاءات والمجاملات والتنسيق مع «السفارة الفلسطينية» وسفيرها المخضرَم أشرف دبور.

في الجنوب اللبناني خمس مخيمات للاجئين الفلسطينيين، اثنان منها في منطقة صيدا، وثلاثة في منطقة صور. وهي: مخيما عين الحلوة ومخيم المية ومية في منطقة صيدا، ومخيمات الرشيدية، البصّ والبرج الشمالي في منطقة صور. 

ولمخيماتِ الجنوب خصوصية فهي الأقرب إلى الحدود الفلسطينية، وعانت الكثير خلال الاحتلال الإسرائيلي ما بين عامَي ١٩٨٢ و١٩٨٥. وخاضت حرب المخيمات خلال عامَي ١٩٨٦ و١٩٨٧ والتي قامت بها حركة «أمل» بقرارٍ من النظام السوري. ومخيمات الجنوب تعيش حالةً من الحصار الأمني اللبناني منذ عام ١٩٩١. 

وفي ما يلي الحديثُ عن مخيمات صيدا: 

هي المخيمات التي أُنشئت في منطقة صيدا وجوارها، وتتميز بتناغمِها شعبيًا مع محيطها، ولا سيما على الصعيد المذهبي وهي:

مخيم المية ومية

على تلة تبعد نحو أربعة كيلومترات إلى الشرق من مدينة صيدا، تأسس المخيم المية ومية عام ١٩٥٤ على أطراف قرية المية ومية اللبنانية، على أرضٍ خاصة مُستأجرَة مِن أصحابها. يُشرف على مخيم عين الحلوة ومدينة صيدا. عدد سكانه حاليًا لا يتجاوز الثلاثة آلاف شخص، كان معظمهم يعمل في قطاع البناء. أصابه خلال الحرب الأهلية والاحتلال الإسرائيلي دمارٌ وخراب، وتحوَّل إلى قاعدة أساسية لتنظيم «أنصار الله» الذي ترأسه جمال سليمان، الضابط في حركة «فتح» الذي انشق عنها في أواخر الحرب الأهلية ملتحقًا بـ«حزب الله» والنظام السوري، ولقي الدعم الكامل من الحزب. ومن أبرز قياديي الفصيل الأخير الفلسطيني ماهر عويد.

وكانت قرارات هذا التنظيم وتحركاته تتم وفق الخطط العامة لـ«حزب الله» في المنطقة. وقد سعى التنظيم إلى السيطرة على جميع المجالات في المخيم المذكور وتحجيمِ القوى الفلسطينية الأُخرى وصولًا الى إحكام قبضته الكاملة على المخيم لأشهر بعدما نجح بمعارك عسكرية في مواجهة القوى الفلسطينية الأخرى، وقتلَ عددًا من أهالي المخيم والمنضوين في فصائل فلسطينية أخرى، ولا سيما «فتح». وخلال فترة سيطرتِه على مخيم المية ومية، فرضَ سلسلةً من الممنوعات السياسية والثقافية والاجتماعية وأخذَ عددًا من القرارات الأمنية التي تتيحُ له الإمساك التام بالمخيم، مستندًا إلى الدعم الكلي من «حزب الله». لكنَّ ذلك لم يستمر إذ عادت قوى منظمة التحرير الفلسطينية إلى السيطرة مجددًا على المخيم عسكريًا وأبعدت عناصر «أنصار الله» عنه، فلجأ قسم منهم إلى مخيم عين الحلوة. أما زعيم التنظيم جمال سليمان فقد أُخرجَ من المخيم عبر «حزب الله» الذي تولى إبعاده إلى سوريا، وإن يكن ذلك لا يعني غيابًا كاملًا لعناصر «أنصار الله»، إذ بقي له عددٌ من المناصرين الذين لا يقومون بأي نشاط علني أو بارز.

 وقد تولى ماهر عويد زعامة الفصيل بعد إبعاد سليمان، ويُقال إنه تنحى عن المسؤولية مؤخرًا ليُمسك بها إبراهيم أبو السّمك الذي يرتبط بعلاقة وثيقة يـ«حزب الله» وأجهزة أمنية لبنانية. وقال أحد المصادر إنه زود بلال بدر بالأسلحة اللازمة عند اشتباكه مع قوات الأمن الوطني في مخيم عين الحلوة قبل سنوات قليلة، وبدر هو الذي افتعل حوادث في مخيم عين الحلوة أدَّت إلى خراب حي الطيري فيه.

مخيم عين الحلوة

مخيم عين الحلوة هو أكبر المخيمات الفلسطينية في لبنان. يعيش فيه أكثر من ٥٥ ألف شخص، بينهم أكثر من سبعة آلاف مصنفين من قِبل «الأونروا» كحالاتِ عُسْر شديد. وقرب مخيم عين الحلوة، وإثر الزلزال الذي أصاب مدينة صيدا عام ١٩٥٦، أنشئ مخيم الطوارئ الذي يضم نحو ٣٠٠ عائلة فلسطينية متفرقة.

ويضمُّ مخيم عين الحلوة فصائل منظمة التحرير إلى جانب المنظمات المرتبطة بالنظام السوري، حركة «حماس» و«الجهاد الإسلامي»، وتنظيمات ومجموعات إسلامية متطرفة تنشطُ برعاية إقليمية ولبنانية.

وتاليًا صارَ المخيم مساحةَ نزاعٍ شبه مستمر بعد تفكك وحدتِه ومحاولةِ إقامة كل مجموعة علاقتها اللبنانية الخاصة بها. وخير مثال ما حصل خلال شهر آذار الماضي. اذ أقدم عضو «عصبة الأنصار» خالد جمال علاء الدين المعروف باسم «الخميني»  على قتل العنصر في قوات الأمن الوطني في المخيم محمود زبيدات، وذلك بحادث فوري وغير مخطط له. وتأخرت عمليةُ تسليمه إلى قوات الأمن الوطني مِن قبل «عصبة الأنصار»، ويقالُ إنَّ الإبطاء في ذلك يعود إلى المعلومات التي يعرفُها عن فصيله ونشاطه، وعلاقاته خارج المخيم، وهذا ما أثَّر على الوضع الداخلي في «عين الحلوة»، ودفع قوى خارجية للتدخل خوفًا من الانفجار الممكن داخل المخيم. ولوحظ يومها السعي الدؤوب من قِبل حركة «أمل» للتوسط لحل المشكلة بتسليم المطلوب، في حين أن سلوك «حزب الله» كان اللامبالاة تجاه الموضوع.

قديمًا وحَّدت البندقية الفلسطينية، وخصوصًا خلال الحروب الأهلية، القرار في المخيم. وكانت السُلطة الأساس تعود إلى «الكفاح المسلح» بصفته الجهاز الذي يشرفُ على أمن المخيم والمقيمين فيه، في حين أن إدارة عمل المخيم كانت تحت إشراف اللجنة الشعبية المُعَينة من منظمة التحرير الفلسطينية، وإلى جانبها لجنة أخرى تتبع قوى التحالف التي توالي النظام السوري. لكن اليوم تحوَّلت إدارة المخيم إلى لجان أحياء وقواطع تسيطر قوى محددة على كلِّ منها، حتى أنَّ تلك اللجان تنسجُ علاقاتها مع الخارج وفقًا لما تراه من مصالح الحي وأهله.

ففي حي حطين هناك لجنة تضمُّ خليطًا من الانتماءات السياسية من «فتح» إلى الإسلاميين، ويرأسها علي أصلان، وهو فلسطيني مستقل أقرب إلى الإسلاميين المعتدلين.

أما اللجنة الشعبية في حي اللوبية فهي بإشراف «فتح» وجماعة «اللينو»، وهو مسؤول التيار الإصلاحي في الحركة والذي أنشأه محمد دحلان المطرود من «فتح» والمقيم في دولة الإمارات العربية المتحدة، ويتميز بعلاقاتٍ مع مختلف ألوان الطيف اللبناني أمنيًا وسياسيًا نادرًا ما تشهدُ توترات أمنية.

وفي حيَي عرب وأبو شوشة، وعلى الرغم من وجود جماعة «اللينو» فيهما أيضًا، فإن معظم المقيمين فيه يدينون بالولاء لـ«حماس»، وهي الحركة التي تسعى، ومن خلال علاقاتها الإقليمية مع قطر، تركيا وإيران، والعلاقات اللبنانية الداخلية مع «حزب الله» والمجموعات الإسلامية، إلى إيجاد تيار سياسي بديل من منظمة التحرير الفلسطينية.

أما في حي الزيب، فلا وجود لأي إطار يهتم بأهله، إذ يشهد نزاعًا مستمرًا بين آل خليفة وقبلاوي. ويُذكر أنَّ أفرادًا من العائلة الأولى وغيرها غادروا المخيم إلى العراق للقتال إلى جانب مجموعات إسلامية متطرفة من خلال تسهيلات أمنية، محلية وأقليمية. ويتوزع أهله على مكونات سياسية مختلفة.

الوضع في صفوريه مختلف تمامًا، فإلى جانب اللجنة الشعبية، هناك مجلس شورى، ويضم الإطاران وجهاء وكبار عائلات صفوريه، بصرف النظر عن الانتماء السياسي.

بعد إنهاء ظاهرة بلال بدر في حي الطيري، وهو الإسلامي الذي حظيَ بدعم عسكري وأمني من «حماس» و«أنصار الله»، أنشئت لجنة شعبية تضم عددًا من المستقلين الفاعلين.

ويشكل حي الصفصاف معقل المجموعات الإسلامية المتشددة، وعلى رأسها «عصبة الأنصار»، وإلى جانبه «عرب زبيدة».

وفي طيطبة وعقبرة لجنتان كل منها تدين بالولاء لجهةٍ سياسية محددة، واحدة مع منظمة التحرير، والثانية مع التحالف السوري، وهما أقرب للتعاون مع جهاتٍ لبنانية إسلامية.

ويُنظر إلى حي البركسات كمعقلٍ لحركة «فتح»، وفيه لجنة شعبية معتمدة من قِبل منظمة التحرير الفلسطينية. لكن في هذا الحي تبرُز عائلات مثل آل عثمان، وهي تضمُّ افرادًا ينتمون إلى «فتح»، جماعة «اللينو» و«سرايا المقاومة» الملتحقين بـ«حزب الله». وهم يتعايشون في ما بينهم استنادًا إلى العلاقة العائلية.

 ويسيطر على مخيم الطوارئ «جند الشام»، «فتح الإسلام» و«عصبة الأنصار»، وكلها مجموعات إسلامية متطرفة على علاقة مع قوى لبنانية مختلفة أمنية وسياسية. ويمكن القول إنَّ تلك المجموعات تتحرك بناء على الطلب من قوى أمنية لبنانية.

إنَّ هذه الصورة المبسطة لواقع مخيم عين الحلوة تُظهِر التباينات بين الأحياء، وقد تحوَّل كل منها إلى مخيم له خصوصيتُه وسياسته وعلاقاته مع الخارج اللبناني. 

 ومنذ أشهر شهدت مدينة صيدا اجتماعاتٍ بين قوى سياسية لبنانية، أبرزها «حزب الله» وقوى فلسطينية من الأحياء والقواطع، ما يؤشر إلى التعاطي بالمفرَّق مع الوضع الفلسطيني. ومن خلال تلك الاجتماعات يحاول «حزب الله» مدَّ يد المساعدة لتلك الجماعات التي يعاني بعضُها من مشكلاتٍ مع السلطة اللبنانية. وهناك مثال على ذلك يتعلق بلجنة فاقدي الأوراق الثبوتية التي يواجهُ أفرادها مشاكل مع الأمن العام اللبناني والقوى الأمنية الأخرى والقضاء المدني والشرعي، ويسعى الحزب للتدخل لحلّ بعض القضايا.

ومن الاستخدامات التي تجري للواقع الفلسطيني، ذكر أحد الناشطين أنَّ أحد الإسلاميين البارزين من حي الصفصاف اتصل بالفلسطيني خ. ن.، وهو على علاقة بـ«حزب الله» للقيام بوساطة للإفراج عن ثلاثة موقوفين لدى الأجهزة الأمنية بمشكلاتٍ عادية. وكان أحد الشروط للاضطلاع بالوساطة، أن يتحولَ الموقوفون مخبرين في مخيم عين الحلوة للطرفِ السياسي الذي سيتولى التدخل للإفراج عنهم. 

ويُذكر أنَّ بعض الفلسطينيين شاركوا إلى جانب «حزب الله» في معارك عبرا في حزيران ٢٠١٣ في مواجهة الشيخ أحمد الأسير. وأصيب أحد اللاجئين الفلسطينيين في المواجهة، وكان مقاتلًا مع «حزب الله»، وهو يقيم حاليًا خارج المخيم ولا يستطيع الدخول إلى الحي حيث تعيش عائلته الكبرى.

كما تمكنُ الإشارة إلى أنَّ أشخاصًا من مجموعات إسلامية متطرفة على علاقة مع أطراف لبنانيين و«حزبيين» يسعون لإقامة تيارٍ فلسطيني يمكن الإمساك به واستخدامه وصولًا إلى السيطرةِ على المخيم. وتجدرُ الإشارة إلى أن عددًا من  أفراد لجان القواطع وناشطين يعلنون عن العلاقة مع «حزب الله» تحت شعار المقاومة والحاجة إلى بعض الخدمات الرسمية في الدولة اللبنانية.

ضمن المخيمات الفلسطينية في صيدا، علاقات مطردة وقوية بين «حزب الله» ولجان الأحياء والقواطع والجماعات والجمعيات الفلسطينية على مختلف أنواعها وأشكالها، من سياسية وثقافية ورياضية ودينية. ويُعتبر مسؤول قطاع صيدا في «حزب الله» الشيخ زيد ضاهر، مرجعًا أساسيًا في الساحة الفلسطينية في مخيمات صيدا، يزوره الجميع ويتعاونون معه، وله «مَوْنة شديدة» على كل الفصائل والجماعات في المخيمات الفلسطينية في صيدا.

مقالات مشابهة
26・07・2026
الجنوب بين الحروب والتسويات: العبرة في التطبيق
عباس هدلا
في ٢٦ حزيران ٢٠٢٦، وقّع في واشنطن «اتفاق إطار» بين لبنان وإسرائيل عقب أربعة أيام من المفاوضات بين الطرفين في واشنطن بوساطة أميركية، وذلك بحضور وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، ووقَّع الاتفاق عن الجانب اللبناني سفيرة لبنان لدى الولايات المتحدة ندى حمادة معوض، وعن الجانب الإسرائيلي السفير الإسرائيلي لدى واشنطن يحيئيل ليتر؛ وأكد الطرفان في الاتفاق على هدفهما المشترك المتمثل في تحقيق سلام وأمن دائم
13・03・2026
وذكِّر، إن نفعت الذكرى: تقدّم «المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى» بإخبار في ٢٧ آذار ٢٠٢٥ «ضدّ مطلقي الصواريخ».
المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، الذي صرّح اليوم، على لسان نائب رئيسه، راميًا على «الدولة» مهمة الاهتمام بالنازحين، نفضًا عنه أي مسؤولية، وهو الذي لم يُعوّدنا أساسًا على التصدّي لهذه المهمة أو على الاهتمام بأبناء الطائفة الشيعية. كان قد تقدّم، عندما دعت الحاجة، بإخبارٍ ضدّ «مطلقي الصواريخ» بقصد خرق الاتفاق ١٧٠١.
08・03・2026
رحلة الهروب من الموت: يوم كامل من الجنوب إلى بيروت
أحمد خواجة
احتاج الأمر لأكثر من ٢٣ ساعة للانتقال بالسيارة، من بلدتنا الجنوبية في قضاء «بنت جبيل» إلى بيروت، حوالى ١٠٠ كلم استغرق قطعها كل هذا الوقت، معدل سرعة سيْر الإنسان على قدميه خلال التنزّه يتراوح بين ٤.٨ و٥ كلم في الساعة، ما يعني أن رحلة سيرًا على الأقدام بين بلدتنا وبيروت ما كانت لتحتاج إلى ٢٣ ساعة.