
تباشر «أمم للتوثيق والأبحاث» نشرَ مجموعة أبحاثها في إطار مشروع «تواريخُ مُتَقاطعَة حِصة الشيعة منها في لبنان» وتبدأ بالبحث التاريخي المعنون «تاريخ شيعة لبنان» والذي يدور حول تاريخ شيعة لبنان منذ النشأة الملتبسة وصولًا إلى ما ينبئ به اليوم من مستقبل غامض.
فيما يلي نعرض مقدمة الجزء الأوّل:
حمَل القرنُ السابع الميلادي تمدّد الإسلام من شبه الجزيرة العربيَّة في مختلف الإتجاهات فكانَ أن دخلَ لبنان.
مع الوقت بدأت تنبثق فرقٌ إسلاميَّة عديدة كان لها وجودٌ في مختلف ديار الإسلام، بينهم الشيعة الذين انقسموا أيضًا إلى فرق عديدة بينها الإماميَّة الإثنا عشريّة. ولئن كانت أزمنة انتشار الجماعات الشيعيَّة الأولى خارج لبنان واضحةً وتملأ الكتب، فإنَّ بدايات ظهورها فيه ليست بنفس هذا الوضوح، رغم سيطرة السرديَّة التقليديَّة التي تُرجِعها إلى حقبة وصول الصحابي أبي ذر الغفاري إليه. في المقابل، حملَ القرن العاشر معه وضوحًا أكبر في ظهور التجمّعات السكانيَّة الشيعيَّة الكبرى في مدينتَي طرابلس وصور ومحيطهما مع استقلاليَّة في الحكم خلال فترات زمنيَّة محدّدة، وكذلك في البقاع وبعلبك وجزين وجبل لبنان. أمّا القرن الرابع عشر فشهد نكبة الشيعة في كسروان من جهة واستقرار وجودهم وسلطتهم في مناطق أخرى من لبنان بحدوده الحاليَّة من جهة أخرى، واستمرّ الوضع على حالٍ من المدّ والجزر في مناطق مختلفة وحقبات متعددة وصولًا إلى القرن الثامن عشر الذي طبعته هزيمة للشيعة في مختلف مناطق لبنان.
واستمرت تداعياتُ هذا الواقع مع الحكم المصري للبلاد (١٨٣٠_١٨٤٠) حيث وجدَ الشيعة أنفسهم مضطرّين للتموضع في الخندق العثماني لأسبابٍ متعدّدة. ومع رحيل المصريّين عن البلاد، كانوا يُمَنّون النفسَ بالعودةِ إلى واقعِ ما قبل القرن الثامن عشر كمكافأة لهم، وإذ بهم يصطدمون بعواملَ واقعيَّة عديدة كانت عائقًأ أمام طموحاتهم، منها ما كان قانونيًّا نتيجة التنظيماتِ التي اعتمدَها العثمانيّون لتحديثِ الدولةِ وتلبيةً لشروطِ الغربِ الذي ساندَهم في حروبهم مع روسيا.
وهكذا، وانطلاقًا مِن منتصف القرن التاسع عشر، باتَ شيعةُ لبنان مقسَمين إداريًّا بين قائمقاميّتَيْن، ثمَّ متصرفيَّة في جبل لبنان، ونظامٍ التزامي تقليدي، ولكن مع بعضِ المَركزةِ والتحديثات في جبل لبنان، إضافة إلى حُكمٍ عثماني مباشر في بعلبك مع تفكيكِ سلطة الحرافشةِ وإلغاءِ الإمارةِ هناك وتحويلها إلى لواء.
بعد انسحاب العثمانيّين (١٩١٨) وسقوطِ البلاد تحت الانتدابِ الفرنسي (١٩٢٠)، وإعلانِ دولةِ لبنانَ الكبير دخل الشيعة إليه كطائفة أساسيَّة بعد ضمِّ جغرافيّاتٍ عديدة إلى المتصرفيَّة. ومنذ انضمامِهم إلى الدولةِ الناشئة، ومع اختلافِهم في الموقفِ تجاهها بدايةً، وحتى نهايةِ العقدِ الخامسِ من القرن العشرين، مرَّ الشيعةُ في لبنان بمخاضاتٍ سياسيَّةٍ عديدة، منها ما هو محليٌ بحتٌ، ومنها ما هو مرتبطٌ بالواقع الإقليمي.
ومع الوقتِ، كانت السيرورةُ السياسيَّةُ الطبيعيَّة لحركتِهم الاجتماعيَّة السياسيَّة تسيرُ بالطائفةِ نحو نضوجِ الفرصةِ المناسبة للتحوّل السياسي حتى قدوم موسى الصدر عام ١٩٥٩.
وبخصوصِ إطار البحث الزمني، فهو يشملُ الفترة الممتدة مِن الفتح العربي الإسلامي للمنطقة في القرنِ السابع الميلادي وصولًا حتى نهاية العقدِ الخامسِ من القرن العشرين، مرورًا بمرحلة القائمقاميّتَيْن والانتداب الفرنسي ثمّ الاستقلال. ومِن أجل الإضاءةِ على ما ذُكِرَ، كان هذا العمل.
وقد واجهنا خلال هذا البحث صعوباتٍ عديدة، منها مصدريَّةٌ ومرجعيَّةٌ بما يتعلقُ بتحيزيّاتٍ متنوّعةِ الحيثيّاتِ عند قسمٍ من الكُتّاب، ومنها عَرضيّةٌ تقنيَّةٌ تتعلّقُ بالوضعِ العام السيّئ في لبنان وانعكاسِ ذلك على موضوعِ الكهرباءِ وخدماتِ الإنترنت، وغير ذلك.
تجاوزنا الأولى من خلالِ تجنُّبِ الاعتماد على النصوصِ التي يظهرُ منها أحكامٌ أو مواقف، وأمّا الثانيةُ فلم يكُن لنا تجاهها حولٌ ولا قوة.
في هذه الدراسة اتّبعنا أساسًا المنهجَ التاريخيَّ القائم على سردِ الأحداثِ المرتبطةِ بالموضوع، ومتابعةِ كيفيَّةِ تطوِّرها وتأثيراتِها عليهِ عبر المراحل الزمنيَّة. كما استخدمنا، وبحالاتٍ عَرَضيَّة، المنهجَ الوصفيَّ الذي يعتمدُ توصيفَ الظواهرِ بأسلوبٍ أفقي خلالَ نفسِ المرحلة، والمنهجَ المقارِنَ الذي يعتمدُ المقارناتِ عبر الأزمنةِ والأمكنة. وكان ذلك بالاستنادِ على المصادرِ المعاصرةِ للأحداثِ وعلى المؤلَّفاتِ المتأخرةِ في مختلفِ المجالاتِ السياسيَّةِ والثقافيَّةِ والاجتماعيَّةِ والاقتصاديَّةِ وغيرها.
توزّعُ البحثُ على مقدّمة وثمانية فصول وخلاصة وخاتمة. تناول الفصل الأوّل بعضَ تعريفاتِ المفاهيم ذاتِ الارتباطِ الوثيقِ بالبحثِ. وعَرَض الثاني لواقعَ الشّيعةِ في لبنانَ منذُ زمن الفتوحاتِ حتى العصر المملوكي في القرن الثالث عشر. وتضمّنَ الثّالث دراسةَ أحوالِهم في العصرِ المملوكيِّ. بينما قدّم الرّابع واقعَهم في ظلِّ العثمانيين، انطلاقًا من القرن السّادس عشر وصولًا حتى القائمقاميّتَيْن منتصف القرن التاسع عشر. تطرّق الفصل الخامس إلى واقع شيعةِ لبنانَ من مرحلتَي القائمقاميّتَيْن والمتصرفيَّة حتى إعلانِ لبنان الكبير. واستعرض السادس حالَهم حتى الاستقلالِ والجلاء. وتناول السابع واقعهم بعدَ ذلك حتّى مجيء موسى الصدر. وأما الفصل الثامن والأخير فسلَّطَ الضَوء على نُخَبِهم في المؤسّستَيْن التشريعيَّةِ والتنفيذيَّة، ومنْ مرحلةِ الانتدابِ وحتى نهايةِ مرحلةِ البحث، زمن قدوم الصدر.
أمَـم للتوثيق والأبحاث


