
عندما تندلع الحروب، لا تقتصر آثارها على الدمار المادي والخسائر البشرية فحسب، بل تمتد لتغيير أنماط الحياة وإعادة تشكيل الأدوار المجتمعية. وعلى الرغم من أن الرجال غالبًا ما يُعتبرون الأكثر تأثّرًا بالحروب، فإن النساء يتحمّلن نصيبًا لا يقلّ قسوة، بل قد يكون أشدّ وطأة، حيث يجدن أنفسهن في مواجهة أعباء إضافية ومسؤوليات غير مسبوقة، في ظلِّ أوضاعٍ اقتصادية واجتماعية غير ملائمة.
في بيئة الجنوب اللبناني، حيث تلتقي الأيديولوجية السياسية والدينية مع نسيج الحياة اليومية، تلعب النساء دورًا محوريًّا في الحفاظ على استقرار الأسرة والمجتمع، خاصة في أوقات الأزمات والحروب. فبين ليلة وضحاها، قد يجدن أنفسهن بلا مُعيل، بلا منزل، وأحيانًا بلا مصدر رزق. بعد الحرب الأخيرة على لبنان، التي أسفرت عن مقتل ما يقارب ستة آلاف شخص، فقدَت العديد من النساء أزواجهن أو تعرضوا لإصابات، ما فرض عليهن أعباء إضافية. في الجنوب، تحمّلت النساء تحديات النزوح إلى جانب مسؤولياتهن العائلية والاجتماعية المتزايدة، فصُرن المُعيلات الرئيسيات لأسرهن. هذا التغيير الجذري في أدوارهن لم يكن مجرد تحدٍّ مادي، بل شمل أيضًا أعباء تربوية واجتماعية لضمان بقاء أسرهن في ظروف قاسية وغير مستقرة.
كما اضطرت الكثير من النساء إما لاستكمال الأعمال التي كان يقوم بها أزواجهن أو ابتكار مجالات عمل جديدة لضمان استمرارية الحياة دون عوَز، حيث أصبح للنساء دور مهم في الحياة العملية بعيدًا من الرعاية المنزلية والتربوية.
فكيف أثّر الدور الإضافي للنساء على تغيير الصورة التي فرضتها البيئة الداخلية للمرأة الجنوبية دون المساس بالعقيدة أو هوية النساء الشيعيات؟

تُعدّ الأدوار المستجدّة للنساء في ظلّ الحروب والتحديات الاجتماعية مهمة مزدوجة تتطلب منهن الكثير من الصبر والتحمُّل. بعد فقدان الزوج أو تعرّضه للإعاقة، خاصة في المجتمعات التي تعتقد أن الرجل هو المعيل الأساسي اقتصاديًّا، تتحمّل النساء عبئًا ثقيلًا ومركّبًا يتطلب منهن إعادة تقسيم حياتهن وتنظيمها بما يتناسب مع الظروف المعيشية الجديدة. في هذا السياق، لا تقتصر مسؤوليات النساء على تأمين احتياجات الأسرة الاقتصادية والاجتماعية فحسب، بل تمتدُّ لتشمل توفير الاستقرار العائلي والنفسي للأطفال، وسط بيئة مليئة بالتحديات.
وتتجلى أهمية هذا الدور في البيئة الشيعية تحديدًا، التي تفرض معايير صارمة على النساء وتضع حدودًا واضحة للأدوار الاجتماعية والتربوية لهن. إذ لا يقتصر دور المرأة على التربية التقليدية ورعاية الأسرة، بل يُنظر إليها باعتبارها حاضنة فكرية وتربوية، تُسهم في تنشئة جيل عقائدي يحمل القيَم الدينية والسياسية للمجتمع. فالمرأة هنا ليست مجرد أُم تؤدّي مهامها اليومية داخل المنزل، بل هي مؤسسة تربوية بحدِّ ذاتها، تُساهم في تشكُّل وعي الأطفال وهويتهم الأيديولوجية منذ الصغر، ما يعزّز ارتباطهم العقائدي والسياسي.
ومع ذلك، فإن التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي فرضتها الحرب، وخاصة بعد فقدان المُعيل الرئيسي في العديد من الأُسر، أجبرت النساء على الاضطلاع بأدوار إضافية، ليس فقط على مستوى الرعاية الأسرية، بل أيضًا في المجالين الاقتصادي والاجتماعي. وبالرغم من ذلك، لم يواجه هذا التحوّل رفضًا علنيًّا من المرجعيات الدينية والسياسية، التي لطالما أصرّت على تأطير صورة المرأة الشيعية ضمن أدوار محدّدة، مرتبطة بالفكر الجهادي والتضحية، بل دعمتها وحولتها إلى دور جهادي وجزء من التضحية.
وهذا الواقع يطرح تساؤلًا مهمًّا حول المستقبل الاجتماعي والسياسي لهذه البيئة، ومدى قدرتها على استيعاب هذه التحوّلات دون المساس بالبنية الفكرية التي أرساها «حزب الله» في الجنوب على مدى عقود. فلطالما صيغت مصطلحات وتعابير ميّزت النساء الشيعيات المحزّبات عن غيرهن من نساء لبنان، ما يعكس استراتيجية مدروسة في التحكُّم بالهوية المجتمعية. لكن مع تغيُّر الأدوار النسائية بشكل غير مسبوق، قد يجد الحزب نفسه مضطرًا إلى إعادة تشكيل الخطاب لاحتواء هذا الواقع الجديد، عبر خلْق مصطلحات جديدة تُعيد استيعاب النساء داخل المنظومة، دون الإقرار بوجود تغيير جوهري في طبيعة دورهن.
بمعنى آخر، قد نشهد عملية إعادة تدوير لأدوار النساء ضمن الهيمنة الذكورية، حيث يتمّ توظيف حضورهن المتزايد في المجال العام كأداة لخدمة المشروع السياسي والعقائدي للحزب، وإعادة تأطيره ضمن سردية التضحية من أجل المجتمع والمقاومة. بدلًا من أن يكون مؤشّرًا على تحرّر فعلي أو تفكيك للقيود المفروضة عليهن. وهكذا، تتحوَّل الحاجة الاقتصادية والاجتماعية إلى مدخل جديد لشرعنة الدور الموسّع للمرأة، ولكن ضمن إطار يخدم البنية السلطوية القائمة، بدلًا من أن يكون خطوة نحو الاستقلالية الفعلية.
خلال الحرب، كانت المنظمات الحزبية، بما في ذلك الهيئات النسائية التابعة لها، تركز على تعزيز الخطاب النسوي بما يتناسب مع الأيديولوجية الحزبية والسياسية السائدة. كانت هذه المنظمات تهدف إلى تفعيل دور النساء في سياق الحرب، حيث كانت النساء جزءًا من الجهد الحربي في الدعم اللوجستي، والرعاية النفسية لأُسر الشهداء، والتفاعل مع الأعباء الاجتماعية الناتجة عن النزوح والمخاطر الأمنية.
الخطاب النسوي في هذه المنظمات كان يركّز على مفهوم «المرأة المجاهدة» أو «أم الشهيد»، حيث يتمّ تصوير المرأة كحاضنة للقيَم الوطنية والدينية، التي تُسهم في تعزيز الهوية السياسية الحزبية. هذا الخطاب كان يُوجّه إلى النساء المتحزّبات بشكل مباشر ليؤكّد عليهن دورهن كجزء من المجهود الحربي، مشجِّعًا إياهن على التضحية، والتماسك أمام التحديات، والدفاع عن المبادئ الحزبية. وقد تمَّ اختراع المصطلحات التي تقوّض النساء ليقبلن مصطلحات «سعيد» و«سعيدة» للتخفيف من حدّة الخسارة والتصميم على أن المرأة الشيعية تقدّم أولادها قرابينَ في الحرب لأجل القضية والعقيدة.
أما على الصعيد الاقتصادي، فإن الخطاب الحزبي وضع واجب المساعدة في دعم الجبهات عبر العمل التطوعي، بالإضافة إلى التكيُّف مع الظروف القاسية مثل النزوح وفقدان المُعيل. خطابات المنظمات الحزبية كانت تشجّع على تحمّل هذه الأعباء، وتربط بين هذه المسؤوليات والواجب الوطني والشرعي، مما جعل النساء المتحزّبات يقبلن التحدّي ويتفاعلن مع الواقع الجديد بحماس.
النزوح ليس مجرد انتقال مكاني، بل هو تحوّل جذري يُعيد تشكيل حياة الأفراد، خاصة النساء اللواتي يجدن أنفسهن في مواجهة بيئات اجتماعية جديدة، غالبًا ما تكون غير مألوفة وتفتقر إلى شبكات الدعم التقليدية التي كنَّ يعتمدن عليها. في السياق الشيعي تحديدًا، ورغم أن البيئات الحزبية تخضع لإطار فكري وتنظيمي محدّد، فإن التباينات داخل القرى نفسها لا يمكن تجاهلها، سواء على مستوى العادات والتقاليد أو الانتماءات السياسية. وهذا يعني أن المرأة النازحة من منطقة إلى أخرى قد تجد نفسها في بيئة مختلفة تمامًا من حيث الأعراف، والتوقعات المجتمعية، وأحيانًا حتى الولاءات السياسية، ما يزيد من إحساسها بالغربة والعزلة، حتى لو كانت لا تزال ضمن إطار البيئة الحزبية نفسها. مما يجعل فرص الانخراط في الحياة العامة محدودة. ومع مرور الوقت، قد يتحوّل هذا الانقطاع الاجتماعي إلى أزمة نفسية، حيث تزداد مشاعر القلق والاكتئاب نتيجة الإحساس بالانفصال عن الجذور والانتماء.
يشير هذا إلى التغيُّرات التي يطرأ عليها النزوح، والتي قد تشكّل خطرًا على طبيعة نشر الخطاب الحزبي المطلوب من النساء، سواء من حيث طريقة اللباس في بعض المناطق، أو احتمال تغيير الأفكار والعدول عن التحيُّز الحزبي. كما يؤثّر غياب المجالس الدينية، التي تهدف إلى تعزيز التضامن وترسيخ القضية المشتركة والحزن الواحد، على تماسك الهوية الجماعية. بالإضافة إلى ذلك، يؤدّي غياب البيئة الحاضنة وفقدان الشعور بالأمان إلى تهديد إضافي بتفكُّك النسيج الاجتماعي الذي حرص «حزب الله» على توحيده جغرافيًا في المقام الأول.
ختامًا، في ظلّ النزوح والتغيّرات الاجتماعية والاقتصادية التي فرضتها الحرب، وجدت النساء الجنوبيات أنفسهن في مواجهة أعباء غير مسبوقة، بين تحمُّل المسؤوليات الأُسرية والاقتصادية من جهة، ومواجهة تحديات التكيُّف مع بيئات جديدة قد لا توفر لهنّ الدعم الكافي من جهة أخرى. وفي ظلِّ هذه المتغيّرات، برزت مخاوف حول إعادة تشكيل الوعي الحزبي والديني، لا سيما في ظلّ تراجع البيئة الحاضنة وغياب المجالس الدينية التي لطالما لعبت دورًا في توحيد المجتمع وتعزيز خطابه السياسي والعقائدي. وبينما تحاول النساء تجاوز هذه المرحلة الصعبة، يظلّ السؤال الأبرز: كيف ستتمكن البيئة الشيعية، بتوجهاتها الدينية والسياسية، من الحفاظ على تماسكها وسط هذه التحولات الجذرية؟




