
في العودة إلى قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم ١٧٠١، المتخذ بالإجماع في ١١ آب ٢٠٠٦. كان الهدف من القرار هو حلّ النزاع اللبناني الإسرائيلي. ووافقت الحكومة اللبنانية بالإجماع على القرار في ١٢ آب ٢٠٠٦. وفي ذات اليوم صرَّح قائد «حزب الله»، الأمين العام السابق، حسن نصرالله أن قواته سوف تحترم وقف إطلاق النار.
بالطبع هذا الاتفاق لم يتمّ تطبيقه من قِبل «حزب الله» بعد اتخاذ القرار الدولي بتنفيذه من خلال إرسال قوات دولية لتنفيذ القرار حيث بلغ عدد الدول المشاركة حوإلى ثمانية وأربعون دولة، وقد وصل جنودها وضباطها المنتشرين إلى أحد عشر ألف جندي. بالإضافة إلى القوات الأمنية التي تقوم بالإشراف على حماية البحر ومراقبته.
لقد استطاع «حزب الله» وإسرائيل في البداية الالتفاف على تنفيذ القرار الأممي، لأنهما كانا مستفيدين فعليًّا من خرقه، وبالتالي، الطرفان كانا يستخدمان بعضهما البعض من أجل الإبقاء على وجود عدو لشدّ العصب الداخلي لديهما، خاصة من قِبَل «حزب الله» الذي بات يعتبر نفسه رأس الحربة للصراع الإيراني الإسرائيلي.
من هنا كان الحزب يتواجد عسكريًّا على الحدود الجنوبية للبنان، حيث بات يستخدم لغة الانتصار الإلهي في مواجهة إسرائيل، وبات يشكِّل حماية لحدود لبنان كما يدَّعي في خطاباته، وحتى بات شعار أمينه العام، في حينه، بأن «عهد الهزائم قد انتهى وبات الانتصار على مسافة قريبة جدًا»، وبالتالي طوال الفترة الماضية استطاعت إسرائيل وإيران تأمين فترة هدوء وتعايُش سلمية بينهما، بالرغم من الانتكاسات التي كانت تمرّ على المنطقة الجنوبية.
لكن الانجازات كانت واضحة والتي كللها الطرفان باتفاق ترسيم الحدود البحرية اللبنانية ـ الاسرائيلية، والتخلّي عن حقل «كاريش» الغازي لإسرائيل نتيجة مبادرة إيرانية لفتح صفحة جديدة بينها وبين الولايات المتحدة الأميركية في محاولة للبدء بإعادة التوافق على العودة للاتفاق النووي وإخراجه من النفق المظلم في ظلِّ وجود الحزب الديمقراطي في البيت الأبيض بعد خروج الرئيس ترامب من هذا الاتفاق في العام ٢٠٠٥ خلال فترة رئاسته السابقة حيث اعتبره مجحفًا بحق الولايات المتحدة.
«حرب الإسناد» التي تبنّاها «حزب الله» بتاريخ ٨ تشرين الأول ٢٠٢٣ لمساندة إمارة غزة في حربها، لتعطيل قُدرات الجيش الاسرائيلي في الهجوم على جنوب فلسطين بعد عملية «طوفان الأاقصى» بتاريخ السابع من تشرين عام ٢٠٢٣، عندها قد أنهى الحزب العمل بمضامين اتفاق ١٧٠١، بعد تنصّل الطرفين من مضمون الاتفاق الذي ينصّ على إنهاء الأعمال العسكرية بينهما على الحدود.
لم يستطع «حزب الله» البقاء بعيدًا عن خط المواجهة التي لم يدرس تأثيرها ومدّتها الزمنية وآثارها السلبية على لبنان وعليه ، لكون الحزب بشخص أمينه العام السابق حسن نصرالله، مُطلق شعار «وحدة الساحات»، وخاصة بعد أن أمنّت أميركا مخرجًا مريحًا لإيران لإبعادها عن الحدث الغزاوي من خلال تصريح وزير الخارجية الأميركية أنتوني بلينكن الذي أطلق مقولته الشهيرة بعد عدة ساعات على العملية الفلسطينية بأن «أميركا متأكّدة من عدم وجود أي دور لإيران في العملية، مما ساعد ذلك بالردّ الإيراني على هذه التحية بالمثل، عندما أعلن مرشد الجمهورية الإسلامية الإيرانية علي الخامئني بأن «ايران على علاقة مع حركة «حماس» وهي لا تنفي ذلك، لكنها ليس لها علاقة بالعملية ولم تكن تعرف ولم تُستشر بهذا العمل».
لذا فإن إسناد «حزب الله» جاء وكأنه بأمر إيراني من أجل إثبات الوجود وليس الدخول بحرب واسعة تؤدّي إلى هذه الكارثة التي تلقت إيران فيها الصفعة تلو الصفعة، وبمعنى أصحّ فإن ايران قد خرجت من الباب الواسع للمواجهة المحتملة مع إسرائيل بعد هذه العملية، لكن الحزب عاد وأدخلها من الشباك، بدخوله في هذه الحرب تحت شعار «الإسناد». حرب لم ينتبه أحد لطبيعتها القاسية نتيجة العملية الحمساوية على غلاف غزة لعدم هضم المستوى العالمي لها.
لم ينتبه أحد بأن إسرائيل تحاول أن تسدّد ضربة موجعة إلى «حزب الله» اللبناني وإلى الأذرع كلها، الممتدة من اليمن حتى العراق مرورًا بلبنان. الحزب هو المطلوب كونه قائد المحور، وهناك ثأر قديم بين إسرائيل والحزب، وقد آن الأوان لتسدّد إليه ضربة موجعة بالرغم من المحاولات الدولية للوصول إلى اتفاق يُبعد لبنان عن أزمة باتت وشيكه ومنتظرة. لكن القرار الارتجالي للحزب اتُّخذ في المواجهة ولم يعد أحد يستطيع التراجع عنه، إذ كانت إسرائيل تسدّد طوال الفترة السابقة ضربات موجعة للجهاز العسكري لـ«حزب الله» من خلال ضرب مواقع واغتيالات تستهدف الجناح العسكري والجناح القيادي في الحزب.
لكن القرار اتُّخذ فعليًّا في تل أبيب بالمواجهة مع الحزب على الأراضي اللبنانية ولم يعد العمل الإسرائيلي مقتصرًا على تنفيذ ضربات محدّدة في لبنان. لقد جاء القرار نتيجة التطورات السريعة التي باتت تفرض نفسها على الساحة اللبنانية والدولية مما دفع نتنياهو للتصعيد في الساحة اللبنانية أكثر فأكثر نتيجة العديد من الأسباب والتي تكمن بالتالي:
- التأكّد من إحكام القبضة النارية على غزة وتحجيم قوة «حماس» النارية والبشرية.
- التأكّد من فوز قادم لترامب والسيطرة على البيت الأبيض مجدّدًا.
- الإخفاقات العسكرية الإيرانية التي «أتت بعد ضرب السفارة الإيرانية في سورية.
- الضربات الاستباقية الإسرائيلية للمنصّات الصاروخية للقواعد العسكرية ومستودعات الذخيرة التابعة لـ«حزب الله» في الجنوب والبقاع.
- تحييد النظام السوري بواسطة روسيا التي كانت تنصح الأسد بعدم الانجرار لساحات الحرب كي لا يكون الثمن انتهاء فترة حكمه.
ففي الشهر السابع من العام ٢٠٢٤ بات ميزان القوى يميل لمصلحة العدو الإسرائيلي حيث بات يرى الجميع بأن الحرب التكنولوجية لم تعُد لصالح «وحدة الساحات» حيث باتت الاخفاقات التي يُعاني منها المحور واضحة للرأيين العامّين المحلي والإقليمي.

كما يبدو فإن إسرائيل اتّخذت قرارها بنقل المواجهة مع «حزب الله» من تراشق محدود إلى مواجهة مباشرة من خلال ضرب قيادات القوى الخاصة ومقرّات الحزب واغتيال قائد الأركان وصولًا إلى اغتيال أمينين عامّين للحزب. فالمواجهة العسكرية والدبلوماسية والإعلامية بينهما تحولت إلى حرب حقيقية حيث تمّ إفراغ الجنوب والضاحية الجنوبية وبعض قرى البقاع من سكانها من أجل إرباك الحزب والدولة اللبنانية التي كانت بعيدة عن الحدث ملتزمة الصمت باعتبار أن قرار الحرب هو بيد «حزب الله» وهي غير قادرة على فعل أي شيء.
طبعًا إسرائيل استخدمت الضغط على الناس وعلى البيئة الشيعية من أجل ليّ ذراع الحزب في حربها معه حيث بات يوم ٢٣ أيلول يومًا مفصليًّا في الذاكرة الشعبية نتيجة الخروج الجماعي من الجنوب بطريقة مؤلمة وموجعة ومُذلّة، حيث بات يرى الجميع التغريبة الفلسطينية التي عانى منها سكان غزة وبات الجنوبيون يعيشونها بكل تفاصيلها، ذلك اليوم الذي كان مفصليًّا في عملية الخروج للأهالي دون معرفة الوجهة الحقيقية للناس. لقد افترش الأهالي الطرقات والأرصفة والحدائق العامة، ومنهم من قصد أقاربه للإيواء لديهم، نتيجة عدم القدرة على ايجاد المأوى المناسب للناس.
بدأت أسرائيل بعملياتها عسكرية في الجنوب في ظلِّ خروج الناس من بيوتها نتيجة الضغط على إفراغ القرى لتحقيق الكثير من الأهداف التي باتت إسرائيل ترى فيها انتصارات من خلال الحصار الجوي الذي بات مفروضًا على لبنان والتحكُّم بكل منافذه البحرية والبرية والجوية.
الأجواء اللبنانية باتت تحت القبضة الإسرائيلية من خلال استخدام الطيران الحربي والمسيّرات والزوارق والبوارج البحرية والقصف المدفعي والدخول والخروج إلى قرى حدودية للسيطرة على شبكات أنفاق «حزب الله» وقطع إمداداته من سوريا والبقاع، وتمَّ استخدام سلاح الطيران للتهديم الممنهج لبناء منطقة عازلة حدودية لحماية مستعمراتها وثكناتها وأمنها.
ظلّت الحركة النارية والاغتيالات والتهديم والقصف والسيطرة الجوية لإسرائيل نتيجة الضياع العسكري للحزب، بسبب فقدان القادة العسكريين من الصف الأول والأمين العام وشبكة الاتصالات، بعد تفجير البيجرات والأجهزة اللاسلكية، وصارت المناطق تتساقط كأحجار الدومينو لمصلحة العدو الذي كان يريد تنظيف المنطقة من الحزب على طريقته الانتقامية الخاصة (التهديم الممنهج). لقد وقع الحزب في الفخّ الإسرائيلي وباتت الخسائر كبيرة وغير محتملة وكانت البيئة تتعرّض لهجمات موجعة ولم يعد الوضع مقتصرًا على البيئة الحاضنة وحدها بل تعدّى ذلك لتُصبح البيئات الأخرى معرّضة لضربات عسكرية مهدّدة من قِبَل العدو نتيجة خلط الأوراق التي تحاول إسرائيل استخدامها لمحاصرة الحزب وتضييق الخناق عليه.
لم يعد الحزب قادرًا على حماية نفسه كما كان يتوعّد بأن سلاحه ضمانة للبنان ولحماية اللبنانيين، حتى بات السلاح عبئًا عليه من جهة، لأنه لم يستطع حماية نفسه وقيادته ولبنان، ومن جهة أخرى بات البطش الإسرائيلي يشتدّ ويتوسّع ليطال البيئة الحاضنة على مدى أكثر من شهرين حيث بات الحذر والقلق واضحين جدًّا.
الوساطة الدولية والعربية لم تتوقف عن العمل على حماية لبنان وإنقاذ شعبه، لكن إسرائيل التي كانت ترى نفسها منتصرة باتت تحاول أن تفرض شروطها بتخلّي الحزب عن سلاحه والانسحاب من جنوب الليطاني ولاحقًا في شمالي الليطاني، أي فصل لبنان عن غزة، وأخيرًا أن تتولّى قوات «اليونيفيل» التواجد على الحدود مع الجيش اللبناني اللذان سوف يعملان على تفكيك معسكرات وقواعد «حزب الله» وتسلُّم ترسانته الحربية.
استطاعت الولايات المتحدة قبل وصول ترامب إلى البيت الأبيض من الوصول إلى تسوية بين إسرائيل والدولة اللبنانية التي كلّفها «حزب الله» بالتفاوض للوصول إلى اتفاق يُنهي مأساة اللبنانيين لأنه بات يعرف بأن القوة الغالبة هي لإسرائيل نتيجة السيطرة التكنولوجية والتفوق العسكري والخروقات الأمنية في داخل الحزب وبيئته.
استطاعت الولايات المتحدة التوصّل إلى اتفاق يُعيد تنشيط اتفاق ١٧٠١، وفقًا للشروط الإسرائيلية، حيث أطلق عليه الاتفاق المعدّل بشروطه الجديدة لجهة الصلاحيات والآلية الجديدة لمتابعة تفاصيل الاتفاق الأممي من خلال لجنة خماسية تُشرف على تطبيق الاتفاق برئاسة جنرال أميركي.
فالمشكلة تكمن في أن المفاوض اللبناني (رئيس مجلس النواب نبيه بري) الذي وقَّع على اتفاق من ١٣ بندًا لم يتمّ التصديق عليه في مجلس النواب المشرِّع القانوني لأي اتفاق يخصُّ لبنان ويحافظ على سيادته، بالرغم من أن مجلس الوزراء السابق قد وافق على الاتفاق، لكن كما يبدو فإن الكثيرين لم يطّلعوا على تفاصيل بنود الاتفاق.
إن خرق السيادة اللبنانية من قِبل إسرائيل هو اعتداء على القانون الدولي والإنساني الذي تجسّد بالاغتيالات وتنفيذ الضربات العسكرية على الكثير من القرى اللبنانية، وقتل المدنيين، وخرق الأجواء اللبنانية واستباحتها، واحتلال خمس تلال لبنانية ومنع عودة أهالي قرى بأكملها إليها والعيش فوق أنقاض بيوتهم، يتمّ كله في بند تنفيذ الاتفاق الأممي الذي كان نص على نشر الجيش وتفكيك البنية التحتية للحزب في جنوب الليطاني أولًا وتنظيف المنطقة من الألغام والعبوات والقذائف غير المنفجرة من أجل تأمين عودة آمنة للأهالي، ثم نتفاجأ بأن الرئيس بري، راعي الاتفاق، يصرّح بأننا «لم نوقِّع على أية بنود جديدة، لأن الاتفاق موجود أصلًا».
لكن تمديد فترة الاحتلال للقرى الجنوبية لأكثر من ستين يومًا، بحسب الاتفاق، وتمديدها لاحقًا لخمسة عشر يوما يُعتبر خرقًا واضحًا له، والبقاء أيضًا في التلال الجنوبية الخمس يُعتبر خرقًا واضحًا للاتفاق. وعلى الجهة الأخرى نرى عدم الالتزام الواضح من قِبَل قيادة «حزب الله» بتنفيذ بنود الاتفاق وتسليم السلاح والمواقع وشبكات الأنفاق للجيش، بحسب المعلومات التي نُشرت عن الاتفاق بالإضافة إلى الاستعراضات التي يقوم بها عناصر الحزب في القرى الجنوبية وخاصة قرى الشريط الحدودي، فهو مؤشر على عدم التزام الطرفين بنصِّ الاتفاق.
في النهاية، إن عدم السير بتنفيذ الاتفاق المنصوص عليه بين الدول الراعية له ومن قِبَل الدول المعنية برعايته، وخاصة أميركا، فإن الجانب الإسرائيلي عمل على الانقلاب على هذا الاتفاق والتوصل إلى اتفاق بشروط أقسى وأفضل بالنسبة له وتحديدًا للحكومة المتطرّفة في إسرائيل.
أما من جانب «حزب الله» فإنه يحاول بكل إمكانياته التفلُّت من الاتفاق الموقَّع من قِبَله والالتفاف عليه وعدم الالتزام بأحكامه كما فعل في العام ٢٠٠٦ وإفراغه من مضمونه. كما يحاول النواب والساسة اللبنانيين التابعين لـ«حزب الله» من خلال التصريحات الدائمة، التلاعب في نصوص القرار التي يمكن تفسيرها بحسب مصالح الحزب، حيث يكابر الحزب على نفسه بأنه أعاد قدراته العسكرية والأمنية واللوجستية. لكن المسألة واضحة جدًّا بأن سلاح «حزب الله»" مرتبط بإيران مباشرة وبالتوافق الأميركي الإيراني او الخلاف في ما بينهما.
لكن التوجّه الأميركي الذي يحاول التشديد عليه بأنه بات على «حزب الله» الالتزام بتطبيق الاتفاق وتسليم السلاح للدولة كي لا تُضطر الولايات المتحدة للسماح لإسرائيل بتجديد حربها ضد لبنان وبدعم أميركي، كما حدث مؤخّرًا في غزة.
الولايات المتحدة تسعى إلى تطبيق الاتفاق الأممي سريعًا حيث تتمّ محاولات كثيرة ومستمرة من إدارتها بالسير السلمي للوصول إلى حلول تؤدّي إلى التطبيع مع إسرائيل. وبحسب ما أعلن عنه المبعوث الأميركي إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف موخرًا: «بأن بلاده ستطلب من لبنان التوجه إلى مفاوضات سياسية مع إسرائيل بداية من خلال إنهاء احتلال التلال الخمس والأسرى لدى إسرائيل وصولًا إلى ترسيم الحدود البرية وإنهاء ملف الخلافات الحدودية». فهل تنجح الولايات المتحدة بتحقيق الحلول على الطريقة الدبلوماسية وإنهاء الخلاف بين لبنان وإسرائيل وسحب البساط من تحت أقدام «حزب الله» بعد التغيير الجيوسياسي الذي عصف بالمنطقة مؤخرًا؟





