
في ١٨ شباط الماضي انسحب الجيش الاسرائيلي من القرى الجنوبيّة الحدودية، محافظًا على بقائه في خمس نقاط استراتيجّية مطلّة على مستوطنات الجليل، وهي تلة العزية وتلة الحمامص وتلة اللبونة وتلة العويضة وجبل البلاط، وبدأت وفود الناس في التوجه إلى أقصى الجنوب اللبناني لمعاينة آثار الحرب، وتفقُّد قُراها وبيوتها وأرزاقها عن كثب، وكانت المشاهد على العين الحيّة أقصى مما قد تنقله عدسات الكاميرات والصوَر البعيدة، فبالإضافة إلى الدمار غير المسبوق الذي طال القرى الحدوديّة وأحال بيوتها ومعالمها السكنيّة ركامًا، بات الأمن البيئي والغذائي والزراعي أمام خطر بعيد الأمد وغير مسبوق أيضًا، فتقطعت أوصال الحياة وسبلها ولحقت أضرارًا كبيرة بالأراضي الزراعيّة، وتضرّر الغلاف الشجري والطبيعي، وتدهورت أوضاع الحياة البريّة، وشاهد المواطنون آثار نقل أشجار الزيتون المعمّرة إلى الأراضي الإسرائيليّة، وعاينوا القطع المتعمَّد للأشجار، والتلوُّث الذي لحق ببُرك جمع المياه المنتشرة بكثافة في القرى الحدوديّة، وكان انتشار الروائح المزعجة دليلًا حيًّا على الاستخدام الكثيف للمواد الكيميائية خلال القصف. كلّ المشهد يوحي أن الجنوب بشكل عام وقرى الحافَّة الأماميّة على وجه الخصوص تحتاج إلى عقود كاملة للعودة إلى فترة ما قبل ٨ تشرين الأول ٢٠٢٣، عندما قرّر «حزب الله» فتح «جبهة الإسناد» بعد عمليّة طوفان الأقصى في غزة، وانفتحت هوّة هذا الخراب اللامتناهي في الجنوب، وحلَّ هذا الموت الكبير.
الجهات الرسمية المعنيّة بمسح الأضرار التي لحقت بالبيئة لم تُصدر أرقامًا نهائيّة بعد، فالبلد كان يعاني في الفترة التي سبقت هذه الحرب من تدهور موصوف في أجهزته الرسميّة، ما أدَّى إلى ضعف تمويل الصروح العلميّة ومراكز الأبحاث، لكن، ومع ذلك، كشفت الأرقام الأوليّة للـ«إسكوا» و«مرصد البيئة والصراع» عن مشهد مأسوي يطال الصحة العامّة للمواطنين على المدى الطويل، وأمنهم الغذائي، وتنوّع المنطقة الإيكولوجي والثروة البيئيّة الطبيعيّة.
فما هي أبرز المخاطر التي تعرضت لها البيئة في لبنان بفعل الحرب؟ وما هي سبل التعافي؟
طوال فترة الحرب تحدّثت المصادر الإعلامية عن استخدام الجيش الاسرائيلي للفوسفور الأبيض المحرّم دوليًّا والمعروف بتأثيراته المباشرة على التربة والمياه الجوفيّة. وبحسب أرقام «المجلس الوطني للبحوث العلميّة» فقد استخدم الجيش الإسرائيلي ٢٨٤ قذيفة فوسفوريّة في الفترة الممتدّة بين ٨ تشرين الأول ٢٠٢٣ و٢٧ تشرين الثاني ٢٠٢٤، تاريخ وقف إطلاق النار، فقد احترق جرّاءها ٢١٩٢ هكتارًا، ٨٧٣ منها كانت في غابات كثيفة، هذه الحرائق أدّت إلى إشباع التربة بالمادة الملوثة بحيث صارت غير قابلة للزرع والرعي، وكان القطاع الغربي في جنوب لبنان الأشد تأثُّرًا بهذه الحرائق تحديدًا في القرى المتواجدة بين حدود قريتي الناقورة والبستان، وكانت معظم الحرائق متوسّطة في شدّتها؛ في حين أشار تقرير أعدَّته الجامعة الأميركية في بيروت إلى تدمير ما لا يقلّ عن ١٠٨٠٠ هكتار بحسب ما كشفته تحليلات صور الأقمار الاصطناعيّة، وهي مساحة أكبر بأربع مرات من مساحة العاصمة بيروت. التقرير نفسه أكّد أنّ هذه الحرائق ألحقت أضرارًا جسيمة بالمناطق الحرجية على طول الحدود الجنوبية الممتدة لمسافة ١٢٠ كيلومترًا، وتغلغلت حتى ١٠ كيلومترات إلى الداخل في بعض المناطق، كما أشار أيضًا إلى أن الكثير من الأراضي لم تعُد صالحة للاستخدام ليس بسبب تلوّث التربة فحسب، بل أيضًا بسبب احتراق أنابيب الريّ المصنوعة من «البولي إيتيلين»، وتضرُّر الكثير منها بشكل جسيم.
لم تتوفّر حتى اليوم تقارير وأرقام دقيقة من وزارة الزراعة أو البيئة تتناول الأضرار اللاحقة بالثروة الحيوانيّة في المناطق الجنوبيّة، ولا معلومات رسميّة نهائيّة تستطيع تأكيد أو نفي وصول الفوسفور الأبيض وغيره من المواد الكيميائية لمياه البحر، ولحين الساعة لم تقُم الجهات المعنيّة رسميًّا كالـ«مركز الوطني لعلوم البحار» بالتوجُّه إلى الجنوب وإجراء المُسوحات، وبالتالي لا أدلّة حتى الآن تشير إلى تعرّض مياه البحر لخطر تلوّث جدّي.
كان مرفأ الناقورة أكثر المرافئ تضرُّرًا في هذه الحرب، وقد شهد حوضه غرَق تسع مراكب، كما اختفى أحد المراكب ولم يتمّ العثورعليه، وبحسب ما أدلى به مدير «المركز اللبناني للغوص» يوسف الجندي للـ«فان رقم ٤»، فقد قامت إسرائيل بقطع حبال المرفأ عمدًا، الأمر الذي أدّى إلى غرق المراكب، وقد تأثَّر الشاطئ والبحر في الجنوب ببعض الغارات التي سقطت بقربه، فهناك غارة سقطت قرب منطقة أبو الأسود وأخرى في منطقة شوران شمالي صور، وواحدة في محيط ميناء صور، ورغم عدم تأثُّر محميّة صور البحرية بالغارات بشكل مباشر، إلاّ أنّ الحرب الأخيرة أوقفت الدراسات والمشاريع المموّلة من الخارج والتي كانت موضوعة على جدول المحميّة سابقًا، وكانت الحرب كارثيّة على الصيادين، حيث انعكس أثرها عليهم وعلى نشاطهم الاقتصادي منذ ما يقارب السنتين، فقد تأثَّروا بداية بسبب تشويش إسرائيل على نظام التموضع والملاحة العالمي (GPS)، الذي يعتمدون عليه لتحديد أماكن تواجد الآبار العذْبة والكبريتية والكهوف وعمق المياه داخل البحر، وعلى أساسه يقومون بمدّ شباكهم، أدّى هذا التشويش إلى ضياع الكثير من الشباك والمعدات، وتاه الكثير من الصيادين خاصّة الجُدد وغير المخضرمين الذين يعتمدون على المعدّات الحديثة حصْرًا في الصيد خلال رحلاتهم الليليّة، وساهمت الحرب الموسَّعة في توقّفُهم عن مزاولة نشاطهم الاقتصادي بشكل كلّي، الأمر الذي أدّى إلى تلف معدّاتهم وتعطيل مراكبهم وتآكلها الصدأ بسبب رسوّها في المرفأ وعدم تحريكها لفترات طويلة.
وفي مفارقة لافتة كان لهذه الحرب أثر إيجابي على البيئة البحريّة، فمنْع الجيش الإسرائيلي لحركة الصيد بشكل كامل منَع نتج عنها توقُّف عمليات الصيد العشوائي، فالصيادون غالبًا لا يستخدمون وسائل وطرق صيد مستدامة ولا يلتزمون بروزنامة وزارة الزراعة، وقد لوحظ تكاثفت تجمعات السمك في مناطق كانت قد هجرتها سابقًا، في خلال الجولة التفقّديّة التي قام بها «المركز اللبناني للغوص» بعد انتهاء الحرب.
من الناحية الاقتصاديّة، لا تزال السياحة البحريّة متضرِّرة حتى اليوم، وهي متوقّفة بشكل شبه تام، فالمراكب المعدّة للاستجمام والتنزّه متوقفّة كلّيًا، والأضرار طالت الكثير من اليخوت والمعدّات البحريّة الأخرى جرّاء القصف المحاذي للمناطق المعدّة لركنها، والسرقات التي تعرّضت لها المنطقة بعد ترك أهلها لها، حتّى أنّ رياضة الغوص للمحترفين والهواة منعدمة من خارج المنطقة بشكل كامل منذ أكثر من عام ونصف، في حين أنّ العدد الأكبر من الروّاد الذين كانوا يقصدون المنطقة، قبل الحرب، هم من السيّاح الأجانب أو لبنانيون من خارج محافظة الجنوب.
تجدر الإشارة إلى أنّه وبعد مرور ما يقارب أربعة أشهر على انتهاء الحرب، لم تظهر بوادر لأي نوع من أنواع التعويضات من الجهات الرسميّة أو الحزبيّة الفاعلة في المنطقة للصيادين أو العاملين في القطاع البحري والمتضرّرين بشكل مباشر، باستثناء بعض الجهات غير الرسمية في مدينة صيدا التي قدّمت بعض المساعدات المحدودة للغاية.
وفي السياق نفسه علمت مصادرنا أنّ معلومات المقرَّبين من العاملين في وزارة الزراعة تشير إلى أن كلّ المساعدات والتقديمات التي من الممكن أن تُمنح لقطاع الصيد - كغيره من القطاعات - مرتبطة بشكل مباشر بنزع سلاح «حزب الله» بالكامل، وأنّ ذلك ينسحب أيضًا على أية تقديمات أو مشاريع كانت تُقدَّم من منظمات وجمعيات وجهات دوليّة أو غير حكوميّة معنيّة سابقًا بهذه الملفات خاصّة تلك المدعومة من الولايات المتحدة والاتّحاد الأوروبي، وتحديدًا بعد السياسات الجديدة تجاه المنطقة.
على الصعيد الأيكولوجي، تضافرت نتائج الحرب مع الاحتباس الحراري وتأخّر موسم الأمطار في رسم مشهد مختلف في طبيعة الجنوب، حيث تشهد حقول الجنوب انخفاضًا ملحوظًا في أعداد طيور الحقول التي ينتظرها المزارعون والتي تساعد في تخفيف أثر الحشرات الضارّة على المزروعات، فالبلبل الهندي واليمام شبه غائبَين عن أجواء الجنوب في فترة ما بعد الحرب، ورغم غياب الدراسات العلميّة حول الأسباب المباشرة لوحظ أيضًا ظاهرة تقزّم الأعشاب البريّة الربيعيّة التي تملأ الوديان وسفوح الهضاب عادة، كما عرّض القصف المستمر الوديان والجبال للتعرية، وغلب التصحّر على المنظر العام.
بدورها اعتبرت جمعية «الجنوبيّون الخضر» في منشور لها أن الحرب عرّضت الجنوب إلى إبادة بيئيّة بحقّ المحميّات الطبيعيّة وأحواض الأنهر وعرّضت موائل الحيوانات البريّة للخطر، وبسبب استخدام الفوسفور وُثّق نفوق أعداد من «السلاحف المهمازية الورك»، وابتعدت الحيوانات المعشِّشة في الجحور كالطبسون و«الغرير الأوراسي» وطيور البوميات عن مساكنها؛ ولكن بعد مرور أكثر من ثلاثة أشهر على نهاية الأعمال العسكرية بدأت البيئة باستعادة بعض عافيتها، وقد سُجّل ظهور لطائر «الحدأة» و«الهدهد الأوراسي» في البراري، بالإضافة إلى تجدّد ظهور «الثعلب الأحمر» وقطعان «بنات آوى الذهبيّة» في خِراج بلدات «بنت جبيل» و«بليدا» و«عيترون»، وعادت مجموعات المواشي إلى الرعي في الحقول العاشبة لقرى الحافَّة الأماميّة.
من جهته، صرّح المهندس محمد دعيبس للـ «الفان رقم ٤» أنّ أرقام وزارة الزراعة تتكلّم عن نفوق أكثر من ٦٠ ألف دجاجة في الجنوب خلال الحرب، وأكثر من ١٢٨٦ رأسًا من الأغنام والماعز، وأكثر من ٣٠٩ رؤوس من البقر بسبب القصف بشكل مباشر وغير مباشر. في حين يقول رئيس نقابة مربّي الأبقار في الجنوب عباس مالكاني أنّ المعطيات الأوليّة تشير إلى أنّ الخسائر تتجاوز ذلك بكثير، حيث كان يُقدّر عدد الأبقار في منطقة الجنوب بثمانية آلاف رأس، خمسة وثلاثين بالمئة من هذا العدد نُفق بسبب الحرب، وبذلك تصل خسائر مربّي الأبقار وحدها إلى مليون ونصف مليون دولار.
يؤكد مالكاني للـ«الفان رقم ٤» في هذا الصدد أيضًا أنّ الكثير من المزارعين الذين بقوا في الجنوب عمدوا خلال الحرب إلى إتلاف الحليب بسبب غياب سوق التصريف، وعمدوا إلى تقليل العلَف عن الأبقار لتخفيف إنتاج الحليب، ما أدّى إلى أزمة متلاحقة الأثر حتّى اليوم، تبدأ بانخفاض معدَّلات إنتاج الحليب البقري الطازج في السوق اللبناني وتنسحب إلى تقلّص المساحات المعدّة لرعي المواشي بسبب القصف المستمر في بعض المناطق، واحتراق الكثير من المساحات العشبية في القرى الجنوبيّة.
المزارعون ومربّو الماشية في الجنوب اليوم أشدّ المتضرّرين من تداعيات الحرب، فبعد مسارعة الكثير من المزارعين إلى بيع أبقارهم بأقل من سُدس سعرها (يتجاوز سعر البقرة الواحدة عادة ٢٧٠٠ دولار، بيعت خلال الحرب بأقل من ٤٠٠ دولار) خسر المزارعون أمانهم الاقتصادي والمعيشي ورؤوس أموالهم التي لا يستطيعون دونها النهوض مجدّدًا، وهم الآن متروكون لمصير مجهول، حيث لم تقُم أي جهة رسميّة أو حزبيّة أو محليّة لحدّ الساعة بإجراء مسوحات دقيقة، ومعاينة خسائر المزارعين الذين ينتمي معظمهم إلى الطبقة الفقيرة، حتّى إن كل التسريبات تؤكّد أنّ الجهات الحزبية الفاعلة على الأرض غير معنيّة بالتعويض على المزارعين، فعلى الرغم من قيام «جهاد البناء» التابعة لـ«حزب الله» بإجراء مسوحات مجتزأة بعد انتهاء الحرب الأخيرة، تغيب حتّى اليوم أية معطيات تشير إلى نيّة جدّية بمتابعة المسح أو التعويض، ولم يحصل أحد على أي شكل من أشكال التعويض.
في حين يتوقّع البعض الحصول على تعويضات زهيدة مشابهة بالتي حصل عليها بعد حرب تموز (عوّض «جهاد البناء» التابع لـ«حزب الله» حينها بنسبة تقارب خُمس السعر عن كل رأس بقر)، يوطّن غالبيّة المزارعين أنفسهم مع أرجحيّة عدم حصولهم حتّى على هذه النسبة الضئيلة اليوم، فكل المؤشرات تدلّ على أزمة تمويل عميقة لدى الحزب.

في محاولة معاينة تدهور أوضاع القطاع الزراعي بعد الحرب في الجنوب عن كثب، قمنا بجولة على بعض أصحاب المصالح الزراعية وكانت لهم بعض الشهادات:
- محمود عيسى، مزارع يضمن الأراضي منذ أكثر من ثلاثين عامًا، لديه ١٠٠ دونم من الأراضي المزروعة قمحًا وعدَسًا وشعيرًا ويعمل في استثمارها في قرية عيناتا الحدوديّة، صرّح لنا أنّه انقطع عن زيارتها والعناية بها لمدّة تفوق الستة أشهر قبل توسع الحرب في أيلول ٢٠٢٤. بعد انتهاء الحرب وجد كلّ أراضيه الزراعية محروقة، فقد استعمل الجيش الإسرائيلي القنابل الحارقة أثناء القصف المدفعي، بالإضافة إلى الفوسفور.
- بكثير من النقمة يتحدث محمود عن غياب أي نوع من التعويض أو المسْح أو حتى مجرّد السؤال من أي جهة حزبية أو أهليّة، ويومًا بعد يوم يزداد يقينه بغياب أي نوع من أنواع التعويض، ويؤكّد أنّه بعد سؤاله إحدى الجهات الفاعلة في المنطقة، قيل له إنّه ليس صاحب الأرض أصلًا، وإنّه في حال تمّ التعويض لن ينال شيئًا باعتباره طرفًا ثالثًا. يضحك محمود متألّمًا، فهو لا يعرف حتّى الساعة السبب الذي من أجله دفع كلّ هذه الخسائر.
- يملك حسام عيّاد خيَمًا زراعيّة في منطقة عدلون واللوبية قضاء صيدا، ويؤكّد أنّ موسم البندورة والباذنجان أُتلف بالكامل بسبب الحرب، فالخيَم الزراعية تحتاج إلى العناية اليوميّة، وإلى التحكُّم الممنهج بأنظمة الريَ، والكثير من الخيَم الزراعية المصنوعة من النايلون احترقت بسبب ضغط الغارات القريبة، فالمحصول تعرّض للتلَف بسبب غياب العناية، ولا يزال أثر الحرب مستمرًّا حتّى اللحظة بسبب التأثير المتتابع لاضطراب برنامج الزرع؛ ويؤكّد حسام، كما الآخرين غياب أي نوع من أنواع المسح أو التعويضات، ويشير إلى أنّه عند سؤاله لجان «حزب الله» في المنطقة يتمّ التأكيد له على أنه لن يكون هناك تعويضات لهذا النوع من الأضرار. وفي السياق نفسه يتساءل عن غياب تحمّل المسؤولية حول الأضرار المستدامة لدى الجهات الحكوميّة والحزبية على السواء، حيث لم تقُم أي جهة بفحوصات للتربة وصلاحيتها للزراعة، ولم يقُم أحد باطلاع المزارعين على أصول التعامل مع الأرض رغم كلّ الأحاديث عن تداعيات الحرب على التربة.
- يعمل عبد الرحيم بيضون في زراعة الزيتون منذ عشرين عامًا، خسر للعام الثاني على التوالي قدرته على الوصول إلى حقول الزيتون التي يمتلكها في قرية محيبيب في قضاء بنت جبيل، ورغم حزنه على عدم قطفه لزيتونه وبقائه «على أمّه»، إلّا أنّه كان متفائلًا بأنه سيعود ليرى حقوله فقط، لكنّ مأساته كانت عندما عاد إلى محيبيب بعد انتهاء العمليات العسكرية أواخر شباط ووجد أراضيه محترقة بالكامل؛ يقول عبد الحميد غاضبًا: «أكثر ما يُثير استيائي أنّ الجهات التي دخلت هذه الحرب دون إذننا نحن أصحاب الأرض لم تواسِنا عندما فقدنا أرزاقنا»، في إشارة إلى غياب تحمّل أي شكل من أشكال المسؤولية.
قطاع تربية النحل بدوره تضرّر بشدة في هذه الحرب؛ علي شقير رئيس جمعيّة مزارعي ونحّالي لبنان المتجدّد؛ صرّح لنا أنّ النحل من الحيوانات التي تحتاج للهدوء للحفاظ على إنتاجيّتها، والتلوّث السمعي قد يسبّب في هجرتها للخليّة، فأصوات طائرات الاستطلاع خرّبت النظام الملاحي العصبي للنحل، الذي من خلاله يستطيع العودة إلى قفيره ومرعاه، والأصوات المستمرة للغارات أثّرت على جهازه العصبي وزادت من شراسته؛ شقير أكّد أنّ خسائر قطاع النحل في الجنوب تجاوزت ٦٠ في المئة من قيمة الموسم، وهذه الخسائر لم تلحق بالمناحل فقط، بل أصابت المعدّات ووسائل الفرز والتعبئة والعناية.
غسان عبدالله يملك ٦٠ منحلةً في منطقة صور، أكّد أنّ عمله تضرّر كثيرًا في الفترة التي سبقت الحرب الموسعة، أمّا بعد توسّع الأعمال الحربية فقد خسر ٤٥ منحلةً بسبب القصف، بالإضافة إلى معدّاته، واحتراق طن ونصف من العسل المعبّأ؛ أشار غسان أنّه ليس الوحيد، فكلّ أصدقائه تعرّضوا لخسائر من هذا النوع، دون وجود أي نوع من أنواع التعويض أو تخفيف الضرر.
نهايةً، تشير التقديرات الأوليّة للبنك الدولي إلى أن الخسائر الزراعية والبيئية والأضرار الناجمة عن تدمير الثروة الحيوانية تقدّر بما يفوق المليار دولار.

بحسب المهندس الزراعي محمد دعيبس، ستبدأ «المصلحة الوطنية لنهر الليطاني» في الأيام القادمة بإجراء المسوحات الخاصّة بمنطقة الجنوب الهادفة إلى فحص مخلّفات الحرب وتأثيراتها على حوض النهر بدقّة، وذلك بعد أن بيّنت الفحوصات الدورية العامّة الأخيرة أنّ مياه النهر باتت غير صالحة للاستخدام حاليًّا بسبب تجاوز مستويات الفوسفات للحدود المسموح بها، وبعد تسبّب الحرب في ارتفاع ملحوظ في مستويات الفوسفور والفوسفات، بما يقارب ٢٠ ضعفًا، المعدل خلال السنوات الخمس الماضية، حيث تسرَّبت هذه المواد إلى النهر إما بشكل مباشر أو من خلال التربة الملوَّثة خلال الحرب الإسرائيليّة الأخيرة. ورغم عدم البدء بالإجراءات التي تحدّ من خطر هذا التلوث، أكّدت المصلحة أنّ التلوث من المرجّح أن ينتقل إلى المياه الجوفيّة والينابيع، ما سيسبِّب ضررًا طويل الأمد على السكان.
تجدر الإشارة إلى أنّ وجود الفوسفور في التربة يحدّ بشكل مباشر من نمو النباتات، ورغم استخدام أحماض الفوسفور كسماد للتربة، إلّا أنّ ارتفاع نسبته عن المعدّل المسموح به يؤدّي إلى زيادة حموضة التربة المضرّة التي تقلّل الإنتاج الزراعي وتُساهم في حرق المواد العضوية فيها.
في سياق متَّصل تحدثت بتول قاسم علي، رئيسة مجلس إدارة «مراقبون بيئيّون» على صفحتها عن ضرورة الانتباه لإمكانيّة وجود مادة «الأسبستوس» السامّة واحتمال انتشارها في الهواء بفعل الحطام الناتج عن تدمير المباني ومخلّفاتها الذي يُقدر بـ٣٥٠ مليون قدَم مكعب، حسب تقديرات «مرصد البيئة والصراع».
يُشار إلى أن التعرّض للـ«أسبستوس» يرفع مخاطر الإصابة بالتليّف الرئوي وسرطان الرئة والحنجرة والمبيض، رغم ذلك لا يوجد إلى حين الساعة أي فحوصات حيّة أو دراسات رسميّة تحلّل تلوّث الهواء في الجنوب عامّة أو في قرى الحافّة الأماميّة على نحو خاص.
بالرغم من صدور الكثير من التقارير الدوليّة التي تدعو إلى معالجة الردميات الناتجة عن الحروب بطرائق مستدامة تحدّ من تأثيراتها السلبيّة الطويلة الأمد، بدا منذ اللحظة الأولى لانتهاء الحرب أنّ القوى السياسية تسعى إلى قوننة ردم البحر بالحطام الناتج عن دمار الأبنية، وتشير كلّ المعطيات إلى تعامل بدائي وفوضوي مع الردميات في كل المناطق. ففي الجنوب يُصار تجميعها في مكبّات عشوائية، أما في ساحل المتن الجنوبي ـ ضاحية بيروت الجنوبيّة ـ فاتحاد بلديات الضاحية هو الجهة التي تولّت إجراء تلزيمات وعقود إزالة الرّدميات والركام، وقد أكّد عضو المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي صادق علوية في حديث إلى جريدة «النهار» اللبنانية أن عمليات إزالة الأنقاض وهدْم المباني المتضرّرة جراء العدوان الإسرائيلي تُنفَّذ خلافًا لدفتر الشروط الذي أقرّه مجلس الوزراء، وأنّ أكثر ما يُخيف فيها هو مخالفتها لقواعد السلامة العامّة.
تورّطت بلديّة حارة حريك مثلًا أوائل شباط الماضي بمكبّ ردميات لمخلّفات الحرب مخالف للقانون، حيث تمّ تجميع الحطام تحت جسر الصفير، في منطقة سكنيّة تعجّ بالمواطنين الذين اشتكوا من الروائح والغبار المسبب لمشاكل تنفسيّة، والبلدية التي تذرّعت بالكلفة المرتفعة في نقل الحطام إلى مكبّات قانونية كمكب «الكوستا برافا»، لا تبدو أنها الوحيدة التي تتبع هذا النهج. وفي النهاية رغم الاعتراضات الكثيرة التي صدرت من قِبل ناشطين بيئيين ورفض بعض النواب لفكرة ردم البحر بالحطام، وكلّ التقارير التي تتحدَّث عن أضرار ذلك بيئيًّا واعتباره حلًّا عشوائيًّا، من الواضح أنّ رُكام الضاحية الجنوبية يُستعمل لردم البحر في منطقة الأوزاعي بين السان سيمون ومرفأ الأوزاعي.


