
يُعرض في هنغار «أمم»، وبمناسبة مرور خمسين عامًا على اندلاع الحرب الأهلية، معرضًا يحمل عنوان «حادثة واحدة، حروب كثيرة». لا يهدف إلى تأريخ الحرب ومتْحفَتها، وخصوصًا «أنها لم تغِب كليًّا، بل بقيت كأثرٍ في الإيماءات، في الصمت، وفي ذاكرة المدينة المتصدّعة»، بل يطرحها كـ«قراءةٍ في تكرارها، في عودتها بصيَغٍ جديدة، وتحوّلها إلى بنيةٍ تحتيةٍ للعيش اليومي، للسياسة، والخيال».
يشارك في المعرض: لميا جريج، طلال خوري، ألفريد طرَزي، حسام بُقيلي ويقف عليه وينسقه أيمن نحلة.

ينطلق التعريف الذي يطرحه القيّمين على هذه الفعالية من ممارسة فعل النقد حول نقطة بداية الحرب الأهلية، التي يُشار إليها بـ«البوسطة» أداةً، وبـ«عين الرمانة» مكانًا، وبـ«١٣ تشرين» زمانًا، فتستحيل هذه الحادثة الواحدة منطلقًا لتأريخ الحرب وما تلاها من حروب كثيرة. كأن القيّمين على المعرض أرادوا من خلال هذا الأمر الطعن في تلك الـ«حقيقة» التي تنصّب هذا التاريخ وهذا المكان كمنطلق للحرب الأهلية، بمسلسل الوقائع الدموية التي شهدها أحد أحياء الضاحية البيروتية (عين الرمانة) «ذاتَ أحدٍ مُشمس».
ولئن كان هذا المبدأ موضع تفكير وتمحيص، فإن التعريف بالمعرض يُشير إلى أنه من «أضعف الإيمان»، بالنسبة لحاضر هذه البلاد ومستقبلها، «الاعتراف بأنّ لبنان لم يتعافَ بعدُ من آثارِ الخمس عشرة سنة التي يُجمع اللبنانيون على وصفِها بـسنواتِ الحرب». و«أضعف الإيمان أيضًا الإقرار بأنّ «الحرب» تلك ـ أو بالأحرى تلك الحروب ـ ما تزال خطرًا يُخشى الانزلاق فيه، إن لم نقُل إنها لا تزال وراء الباب، كما تذكّرنا من حين إلى آخر تصريحات لا لُبس فيها، يدلي بها قادة وسياسيون».
هكذا يُعرِّف المعرض عن ذاته، ومن مدخله ومقدّماته، أنه ليس تأريخًا، بل قراءة في تكرار هذه الحرب، وفي عودتها بـ«صيغٍ جديدة، وتحوّلها إلى بنيةٍ تحتيةٍ للعيش اليومي، للسياسة والخيال»، وأنها «لا تزال تهديدًا حاضرًا».

بشكل مُتتابع تظهر نُسخ من الصفحات الأولى لجرائد كـ«السفير» و«النهار» وغيرهما، هذه الصفحات تحمل محطات من الحرب الأهلية من «البوسطة» إلى «هستيربا القتل والتدمير» وصولًا إلى أحداث ما بعد إعلان «السلم» وتوقيع اتفاق الطائف وصولًا إلى «أحداث الطيونة». هذه المحطات لا تُعلن أن هناك محطة نهاية أو وصول أو استقرار بل تُوحي بأننا نعيش الحرب في كل يوم...
في المعرض الذي اهتمّ به أيمن نحلة وظهّره وعنوَنه «تأطير بيروت: المقاتل المتصنّع والمدينة الموسومة»، يقف المقاتلون أمام المصوّر كما لو أنهم في جلسة تصوير احترافية، هم «واعون تمامًا لوجود المصوّر؛ نظرة المقاتل الثابتة والعارفة تؤرِّخ للحظة تحوّل الحرب إلى أداء». يُظهر الحرب كـ«مشهد يُعرض للعيان». أما نحن، المتجوّلون في المعرض، الذين كنّا أيضًا في منازلنا أيام الحرب، أو الذين ننتظرها بعدها، فنحن «المتفرّجون الصامتون»، اخترنا الصمت لأننا لا نمتلك غيره.
صورة المقاتلين المعروضة، أو بالأحرى وضعيّاتهم أمام الكاميرا، لا تهدف إلى إظهار حدث ما بقدر ما تشي بنقل رواية ونوايا المقاتل، وحضوره الذي لا ينفكّ يُعاند الغياب والتلاشي.
لا تُعلن الصور عن أسماء أصحابها، ولا عن انتماءاتهم، كأنها تريد أن تُظهرهم في عموميّتهم وفي فرادتهم. هم يمثّلون الحرب بكليّتها كمشهد ينتصب أمامنا في كل حين، ويُعلنون، في آنٍ، فرادتهم وتنويعاتهم.
وهنا نقتبس من نصوص المعرض: «في إحدى الصور، يقف المقاتل في وضعية مدروسة. لا يبدو كضحية للتاريخ، بل كمَن يصنعه. يُدرك وجود العدَسة، يتفاعل معها، يصنع لنفسه مكانًا في أرشيف العنف. تحدّيه لا يقلّ عنفًا عن السلاح الذي يحمله. إنّه المقاتل، ووقفته متعمّدة؛ لا يُقاتل في هذه اللحظة، بل يتصنّع الحضور. تاريخ التصوير الحربي مليء بمثل هذه اللحظات، حين تتحوّل الميليشيا إلى عرض، والنظرة إلى تمثيل. فالحرب الأهلية اللبنانية، كسواها من الحروب، دارت أمام الكاميرات بقدر ما دارت على الجبهات».
تعرض في منتصف أرضية المعرض «أغراض حرب» وهو عمل للميا جريج، هو عبارة عن سلسلة شهادات عن الحرب اللبنانية تجِد نقطة انطلاقها حول غرَض محدَّد. تُظهر شهادات وروايات وخطابات متنوّعة؛ «هذه الشهادات، في حين تُسهم في بناء ذاكرة جماعية، تُظهر أيضًا استحالة سرد تاريخ واحد لهذه الحرب. لا تُروى هنا سوى أجزاء من هذا التاريخ، يَعتَبِرُها أصحابها حقيقةً».
أما على أحد حيطان المعرض يظهر صندوق عجائب يعرض تاريخ بيروت بعنوان «العشاق: الجسد والأرض»، إطاره الزمني منذ أن نشأت هذه المدينة كـ«مدينة حديثة في عام ١٨٦٠، وحتى اجتياحها من قِبل الجيش الإسرائيلي في عام ١٩٨٢». الصندوق هو «كولاج متواصل بطول ١٢ مترًا؛ يُعيد العمل تصوير التاريخ المعقَّد لمدينة كانت في طليعة الحداثة العربية. وبينما يتكشَّف العمل، نتتبّع ولادة وانهيار ظاهرتَين شكّلتا هذه المدينة: التحرُّر الجنسي والثورة الفلسطينية».
أمّا في الصالة الصغيرة فيُعرض فيلم «الخروج من البوسطة» لطلال خوري والذي هو «تمثيل لحافلة تحترق، غوصٌ في تفاصيل اللهب والصراخ، ودمج لأصوات وصرَخات من الماضي البعيد ومن ذاك القريب، كأن اللهب والدخان اللذان يملآن تفاصيل البوسطة هما الصورة التي لا تتوقّف عن العودة، كأنَّ لا خروج من البوسطة».

في المعرض أيضًا «بوسطة... وأشباهها»، وهي مجموعة لوحات للفنان حسام البُقيلي، تجسّد البوسطة وموقعها في المخيّلة اللبنانية.
في إحدى زوايا الصالة يقف عامود إنارة صدئ ومُثقَل بالثقوب، هو الشاهدٍ الحيّ على الحرب وكثافتها. تصفه كلمات لقمان سليم بالتالي: «لا يَصِحُّ، لَرُبَّما، أنْ تُوْصَفَ الثُّقوبُ التي يَحْمِلُ هذا الجَمادُ آثارَها بـ«الجِراحِ»، أو بـ«النُّدوبِ»، ولكنَّ هذا التَّعَذُّرَ اللُّغَوِيَّ لا يُقَلِّلُ في شَيْءٍ مِنْ مَكانةَ هذا «الجَمادِ» الذي يُوَثقِّ، في عِدادِ ما يُوَثقُّهُ، رَصيدَ هذه المِئَوِيَّةِ مِنَ الفظاعاتِ التي لا نَني، حِفْظًا لِما نَظُنُّهُ ماءَ وَجْهٍ، نُحاوِلُ مُواراتَها، والذي فيهِ بَيانٌ لِما يَعْنيهِ أنْ تَتَكَسَّرَ النِّصالُ على النِّصال...»!


