03・06・2023
من العدد ١
برج البراجنة

تختلف الروايات حول تسمية برج البراجنة، فمنها ما يحيلها إلى البراجنة العرب الذين يقال إنهم قدموا مع القبائل العربية إلى المنطقة في عهد الفتوحات الإسلامية وقد ذكرهم المؤرخ صالح بن يحيى المتوفي بعد عام ١٤٥٣ في كتابه تاريخ بيروت. ويعيدُها البعض إلى الأبراج التي كانت منتشرة على الساحل بهدف مراقبة الشاطئ، بحيث كان أعلاها في المنطقة التي سيطلق عليها برج البراجنة، فكان برج الأبراج فيها وتحوّر اسمه إلى برج البراجنة. 

يحد برج البراجنة من الشمال حارة حريك، وطريق المطار إلى الغرب، وتحويطة الغدير والمطار من الجنوب، أما شرقًا فتحدها بلدة الحدث. مساحتها ٤.٨ كيلومترات مربعة، وتبعد البلدة عن مركز مدينة بيروت حوالى ٦ كيلومترات. كانت أراضيها ملكًا للإرسالين ثم انتقلت إلى الشهابيين إلى أن اشترى أهاليها بعض الأراضي أولًا ثم معظمها لاحقًا. 

أحياء البرج القديمة ثلاثة: حيّ السياد، حي السنديان وحي المنشيّة ويضاف إليها ساحة عين السكّة، ملتقى الأحياء الثلاثة. 

تعزز الاستقرار السكاني في منطقة برج البراجنة أوائل القرن الثامن عشر حين بدأت جماعات شيعية ومسيحية تفِد إليها لتعمل في زراعة الأرض وتربية المواشي حسب قانون الإقطاع السائد آنذاك. 

كانت المنطقة في ثلاثينيات القرن الماضي قليلة المساكن فيقول أحد المسنين فيها في تقرير صحافي منشور عام ١٩٨٣: «...كنّا في شهر رمضان ننتظر ساعة الإفطار مساءً. فنعرفها عندما ننظر في اتجاه برج أبي حيدر، فإذا كانت أنوار الجامع هناك مضاءة فهذا يعني أن موعد الإفطار قد حان» وهذا ما يدّل على أن المنطقة بين برج البراجنة وبرج أبي حيدر كانت خالية تمامًا. أو فلنقل أنها كانت تضمّ حفنة من المنازل الأرضية التي لا تحجب الرؤية باتجاه برج أبي حيدر وبيروت. 

قبل عام ١٩٦٦ كانت قرى المريجة وتحويطة الغدير والليلكي تابعة لبرج البراجنة ثم فُصلت  عنها بعد أن أنشئ مجلس بلدي خاص لبرج البراجنة، ليترسّخ بهذا الانقسام الانفصال القانوني بين الموارنة أساسًا في المريجة والشيعة في برج البراجنة.  كان في برج البراجنة إلى حدود عام ١٩٦٩ قبل الفورة العمرانية الكثير من حقول الصبير وبساتين النخل. 

بلغ عدد سكان البرج المسجلين في عام ١٩٦٥ بحسب ما ورد في الجريدة الرسمية ٩٣٢٠. ويقدر عفيف مرهج في موسوعته إعرف لبنان عدد سكانها عام ١٩٧١  بـ ١٢٠٠٠٠ نسمة وكان عدد منازلها ٧٥٠٠ وعدد الناخبين فيها ٨٠٠٠ نسمة ، وهذا ما يظهر حجم الوفود إليها في تلك الفترة من المناطق الأخرى. يوجد فيها مخيم للاجئين الفلسطينيين كان يضم حوالى ١٥ ألف نسمة عام ١٩٧١.  وعام ٢٠١٧ أجرت إدارة الإحصاء المركزي تحت إشراف لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني إحصاءً للسكان بلغ معه عددهم حوالى ١٨٥٠٠ نسمة. وتقدّر الأوساط الشعبية عدد سكان المخيم عام ٢٠٢١ بما يتجاوز ٥٠ ألف نسمة، معظمهم من السوريين. 

يعود الارتفاع السريع لعدد السكان في برج البراجنة إلى وصول اللاجئين الفلسطينيين عام ١٩٤٨ إلى المخيم، ثم النازحين من الجنوب بداية ثم البقاع، وقد قصدوها في ظروف مختلفة، منها بسبب الواقع الأمني في الجنوب ومنها النزوح الطبيعي لأبناء مناطق الأطراف إلى الضواحي في المدينة طلبًا للرزق والعلم. وقد شهدت برج البراجنة تهجيرًا واسعًا للمسيحيّين منها خلال الحرب الأهلية. 

وبلغ عدد سكّانها المسجّلين في بداية هذا القرن بحسب السجلات قرابة ٣٠ ألف نسمة، أمّا عدد السكّان الفعليّين فيتجاوز الـ١٥٠ ألف شخص. وبحسب موقع البلدية يسكن في البرج حاليًا ٢٥٠ ألف نسمة، بينهم ٥٠ ألف من أهالي البرج الأصليين. 

ويمكن أن تجد أصول العائلات الموجودة في برج البراجنة في البقاع والشمال والجنوب، مثل حاطوم ورحال وسبع وسباعي وفرحات وناصر وجلول وعلامة.

أما عائلات البرج التي شملها إحصاء ١٩٣٢: فهي السبع، حركة، العنّان، رحّال، حاطوم، منصور، السباعي، جلول، إسماعيل، موسى،  زين الدين، السيّد، عمار، حرب، ناصر، العرب، الدرسة، علامة، عبود، مزهر، صبرا، عثمان، الرهاوي، جابر، خليل، صفا، سعد، متيرك،  ادريس، زخيم،  رضا، عبيد، قاسم،  فرحات، سليم،  بعجور، نبوة، مرجان، القرى، الدفتردار، نصّار، الخيوى وفخر الدين. 

من بين أهم المسائل الشائكة التي شغلت برج البراجنة طوال عقود كانت قضية المشاع. يسلّم معظم الأهالي أنَّ المشاع في الأوزاعي وكان استملاكه على غير وجه حق. أما معظم أراضي الرمل العالي فهي بحسبهم كان ملكًا لأبناء البرج.

مقالات مشابهة
31・07・2026
بنت جبيل ترنو إلى حاضرها بذاكرة أبنائها...
زينب شور
نبشت هذه الحربُ ذاكرةَ أبناء بنت جبيل وما خزنوه فيها من معاناة التهجير والنفي القسريَّيْن فكانت السنوات تمضي بهم قهرًا مستمرًّا، تزداد المعاناة وتتراكم في دواخلهم بين حرب وحرب، ليبقى سؤالُهم معلّقًا: هل سننجو ونعود إليها؟ اذ تعود الأحداث بالذاكرة كلما أيقظها ما يشابهها. أعادت هذه الحرب المواجعُ والحسراتِ على ما أصاب ويصيب المدينة الآن من تهجير وتفجير، فتراكمت صوَرُ الأسى والقتل مشهدًا فوق مشهد..
30・06・2026
الشياح: سيرة الأرض والدم والمرايا المكسورة
أكرم محمود
لم تكن الشياح مجرد بقعة جغرافية على أطراف العاصمة، بل كانت رئة بيروت الخضراء الحانية. وقبل أن يجتاحها الإسمنت وتلتهمها ألسنة النار، كانت الأرض هنا طيبة ومعطاءة، ممتدة كبساط من الحواكير والبساتين الصغيرة التي لا تشبه مزارع الليمون واللوز الشاسعة في أقاصي البلاد، بل كانت بساتين حميمة تنبت فيها «مكوّنات صحن الفتوش»؛ من عروق النعناع المتشابكة، وأوراق البقدونس المخملية، إلى رؤوس الفجل الضاحكة...
26・06・2026
في حبّ صُور وبحرها وحاراتها
زينب شور
لم تكن صُور لتغيب عن بالي وأن طال غيابي عن بحرها وبرّها. لقد أكَلَت زواريبُها وأزقتُها من أقدامنا، زملاء وأصدقاء، مشيًا على بلاط أرضها المسنّنةِ حوافيها، ولم نكن لنتعب. ولم نكن لنعرف ونحن «نكزدر» على شاطئها الصخري لجهة الغرب أن الحارة «المسيحية» هي فقط للمسيحيين!!!  كنا نستمتع بالتجوال في أزقتها الضيقة المسيّجة حوائطُها بالقرنفل والياسمين، وبألوان دهان أبوابها المفتوحة على زرّيعة الحبَق...