.jpg)
لا يخفى أن شخصية الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله في الوجدان الشيعي اللبناني هي ليست كأي شخصية شيعية أخرى، لا في لبنان ولا خارجه. وقد أحيطت هذه الشخصية بهالة من القداسة تراكمت وجودا خلال فترة تولّيه منصبه الطويل وما رافقها من أحداث متنوعة ومؤثرة، سواء ما يرتبط منها بالصراع مع إسرائيل وأميركا، أو ما يخصّ الداخل اللبناني، أو حتى المحيط العربي. كما لا يغيب عن البال أنه الرجل الأول لولاية الفقيه في لبنان، تلك الولاية التي لها قدسيتها الخاصة من خلال اعتبارها نيابة خاصة للإمام المهدي الغائب عند الشيعة الاثني عشرية.
عمدت المنظومة الإعلامية والثقافية والتربوية والسياسية المرتبطة بالحزب، وعلى مدى سنوات، على تغذية هذا الموضوع من خلال الربط الشديد بين شخصية السيد نصرالله من جهة والشخصيات الشيعية المقدّسة كالأئمة. وتمّ الربط أيضًا بين أحداث وأماكن في هذا العصر مع أحداث وأماكن تاريخية ذات أثر مقدّس في الوجدان الشيعي، وعلى رأسها حادثة عاشوراء في أرض كربلاء. كما عُمِلَ على الربط بين ما حدث في فترة وجوده من أحداث وبين عصر الظهور، سواء تصريحًا أو تلميحًا. فكان أن رافقت هذه الهالة المقدّسة المصطنعة الأمين العام خلال فترة حياته، وظهر هذا الأمر بشكل بارز في محطات عديدة، جاعلينه فوق النقد، وأن موضوعه لا يندرج ضمن موضوعات التمايز، لأنه مصداق للحق. ولعله عند الكثيرين منهم، كان قاب قوسين أو أدنى من العصمة الذاتية. ولكن كان اللجوء إلى مرادفات أخرى ضَرورَةً دَرْءًا للجدل.
كان من مفاعيل هذا التقديس، وعند تجاوزه، أن ينعكس هذا الأمر لدى الشارع الشيعي هيجانًا وردّات فعل جماهيرية. فنصرالله ليس كأي شخصية أخرى تتعاطى الشأن السياسي أو الديني أو الاثنين معًا
استمرّ أمر التقديس هذا، بل تعزّز بعد مقتله. وقد رأينا، إضافة للمصاديق التقديسية السابقة، ظهور صفة جديدة وبصيغة من صيَغ أفعل التفضيل وهي: «الأقدس» خلف كلمة «السيد»، أي: «السيد الأقدس». كما صيغت باقي الصفات الملحقة به على نفس الوزن، فبات هو «الأسمى» أيضًا. وصيغة «الأفضل» في النحو والبلاغة تستخدم للإشارة إلى الأرقى والأكثر تميُّزًا في الصفة.
وقد رأينا في يوم تشييعه كيف أن الناس كانت تتزاحم لتتبارك أو لتبارك أي شيء يخصّها بنعش «السيد الأقدس والأسمى» نصرالله، وبعمامته السوداء الموضوعة عليه. لا بل طال التقديس أيضّا ظلّه، المرافق الخاص له حسين خليل (أبو علي)، فبات هو واسطة القداسة بين الجماهير و«السيد الأقدس». كما لم تسلم مقتنيات نصرالله من ذلك التقديس، فنال خاتمه نصيبًا من ذلك. وأما ضريحه، فبات مَحَجَّةَ الزوّار وقُبلتهم المقدّسة الجديدة. ومن اعترض على توظيف المقدّس في خدمة هالة نصرالله ناله نصيب من الازدراء والتبخيس والتشنيع.
في ٢٧ أيلول ٢٠٢٤ اغتالت إسرائيل الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله بصواريخ خارقة للتحصينات ألقتها طائراتها على منطقة تواجده في حارة حريك. أعلنت إسرائيل عن شخصية المستهدَف في عمليتها وعن نجاح العملية، كما أعلن حزب الله في اليوم التالي بشكل رسمي عن مقتل أمينه العام. لكن الملفت أن قسمًا من الشيعة المتعلقين به رفضوا فكرة موته، وأصرّوا خلال كل تلك الفترة الماضية قبل مراسم تشييعه على أنه لا يزال حيًّا، وبقوا ينتظرون ظهوره المرتقب في مناسبة قادمة، أو حتى في يوم تشييعه، ليخاطبهم صادحًا بصوته: «يا اشرف الناس....». وقد عبّروا عن ذلك في يومياتهم الحياتية وعبر وسائل التواصل الاجتماعي. وكثيرون، وأنا واحد منهم، لمسوا ذلك مع أشخاص كثُر محبّين لنصرالله رافضين فكرة موته.

إن رفض موت الشخصية التي تنال حظًّا من التقديس عند الناس، يعكس عمق ارتباطهم العاطفي والذهني بها. فهكذا شخصيات عندهم تعتبر رمزًا للخير والعدل، ورمزًا للصمود في آتون الصراع الوجودي، وغيرها من القيَم المُثلى. وعند كثيرين، ليس من البساطة تقبُّل غياب هذا النوع من الشخصيات. فالغياب لهكذا شخصيات قد يعني عندهم: الفراغ.
هذا الربط الوجداني المنعكس ذهنيًّا عند الجماهير بين الشخص الذي يعتبرونه أيقونة مقدّسة وبين عدم موته وبالتالي استتاره (غيبته) ليس جديدًا على الفكر الشيعي وعلى التجارب الشيعية عبر التاريخ. بل له ركائز مترسخة في الوعي الجمعي الشيعي المتوارث، وفي لاوعيه أيضًا منذ بدايات التشيُّع.
بعد مقتل الإمام الحسين بن علي، قالت جماعة من الشيعة بإمامة (خلافة/ قيادة) محمد بن الحنفية أخو الإمام الحسين. وهذه الجماعة كانت قد شهدت انتصارات عظيمة على الأمويين ومَن والاهم عبر جيش المختار الثقفي، في عملية ثأر من الذين كانوا السبب في قتل إمامهم الحسين في واقعة كربلاء. فابن الحنفية كان الإمام الظاهر خلف ثورة المختار الثقفي الثأرية الناجحة، قبل أن يفشل لاحقًا في إرساء حُكم شيعي في العراق إثر هزيمته أمام مصعب بن الزبير الذي كان يقود جيشًا حجازيًّا من المبايعين لخلافة أخيه عبدالله بن الزبير.
كان تعلق قسم من الشيعة كبيرًا بابن الحنفية. فهو إمامهم، وهو الآخذ بثأرهم من قتَلة الإمام الحسين. وهؤلاء كفرقة شيعية كانوا يُعرفون بالفرقة «الكيسانية» نسبة إلى كيسان، وهو اللقب الذي أطلقه محمد بن الحنفية على المختار الثقفي، كما كانوا يقولون. كما تمت تسميتهم أيضًا بـ«المختارية» لذات الصلة.
نتيجة تعلق الشيعة بعقيدة القائد المخلّص، اعتبر الكيسانيون محمد بن الحنفية مهديهم، فرفضوا فكرة موته، وقالوا إنه لم يمت بل هو حيٌّ غائب، ومقيم بجبال رضوى بين مكة والمدينة. وقالت جماعة أخرى منهم أنه غائب، لكن لا يدري أحد أين هو!
كانت هذه إحدى أوائل التجارب الشيعية الرافضة لموت القائد المخلص، والمعتقدة بغيابه، والقائلة بمهدويته، وأصبحت باكورة تجارب أخرى ستشهدها المجتمعات الشيعية بعده.
خلال العصرَين الأموي والعباسي، كان للشيعة تجارب مماثلة مع شخصيات أخرى، رافضين موتها وقائلين بغيبتها. من هؤلاء الشيعة «الناووسية» الذين رفضوا فكرة موت الإمام جعفر بن محمد الصادق. والشيعة «الإسماعيلية» التي رفضت إحدى فرقِها موت إمامها اسماعيل بن الإمام الصادق، بينما رفضت فرقة أخرى منها موت ابنه الإمام محمد المكتوم. و«الواقفة» الذين توقّفوا عند الإمام موسى الكاظم بن الصادق ورفضوا فكرة موته؛ وأخرى قالت بذلك أيضًا في إمامها محمد بن الإمام علي الهادي.
لكن الأهم في هذا السياق اليوم، هم الذين قالوا بغيبة ومهدوية محمد بن الإمام الحسن العسكري بعد وفاة أبيه، والذين باتوا يُعرفون من وقتها بالشيعة الاثني عشرية، ومهديهم الغائب هو الإمام الثاني عشر الأخير في سلسلة الأئمة.
غاب مهدي هذه الجماعة الاثني عشرية غيبة أولى صغرى دامت ٦٩ عامًا، وكان له فيها تواصل مع الناس عبر سفراء خاصين. قبل أن تبدأ بعدها غيبته الكبرى عام ٣٢٩ هجرية/ ٩٤١ ميلادية والمستمرة إلى يومنا هذا. والشيعة لا زالوا إلى اليوم ينتظرون ظهوره ليملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما مُلئت ظلمًا وجورًا.
في الوجدان والفكر الشيعي الاثني عشري، وخلافًا للوضع في المجتمعات السنّية التي تنتظر ولادة مهدي ذو مواصفات محدّدة، إن شخصية المهدي الغائب والمولود محدّدة، ولا مجال لقبول مهدوية أحد بعده. وهكذا وبشكل عام، إن الإيحاء بمهدوية أحد هو مناقض لما هي عليه المجتمعات الشيعية الاثني عشرية ثقافة ووجدانًا. وبالتالي تمّ الفصل لديهم بين فكرة الغيبة والمهدوية.
إن فلسفة غياب الإمام وانطلاقًا من العديد من الروايات، ترتكز على عدة عناوين، منها عنوانان مذكوران في كتب التراث الشيعية الاثني عشرية، وهما: الخوف من القتل، وتهيّؤ الظروف المؤاتية للإمام والمتعلقة بالأوضاع العامة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية.
بالنسبة إلى شيعة لبنان اليوم، إن هذين العنوانين موجودان، بعد تلك الحرب المدمرة التي شنّتها إسرائيل وأضعفت فيها «حزب الله» عسكريًّا وسياسيًّا وأمنيًّا واقتصاديًّا وكشفته على مختلف الصعد.
صحيح أن حزب الله كان قد أعلن عن مقتل أمينه العام، وحدّد يومًا لتشييعه، وهذا كان الجو العام المهيمن. إلّا أن هذا الجو العام كان يُرسل أيضًا بعض الإيحاءات بشكل أو بآخر بإمكانية أن يكون نصرالله غائبًا ولا يزال حيًّا، وتعزّزت سردية الإيحاء هذه خلال التشييع. فكان بعض العزف على أوتارها لمحاكاتها بعض الوجدان العامّي الشيعي، بغضِّ النظر عن نسبته، وعن الغاية المنشودة من ذلك السلوك.
والإيحاء هو عملية تواصل غير مباشرة تُستخدم فيها عدة وسائل لفظية ونفسية وبصرية وغيرها. كما تعتمد بشكل كبير على السياقات. وكل ذلك كان من أجل إيصال رسالة ما، أو تعزيز فكرة ما. ويعتمد الإيحاء على قدرة المتلقي على فهم واستنباط الرسالة أو الفكرة من التلميحات والإشارات والرموز، إذ تكون الأمور الموحى بها غير واضحة.
تمَّ إدخال النعش المحتوي للجثمان، الجثمان الذي لم يرَه عامة الناس، إلى ملعب المدينة الرياضية في بيروت. كان هذا الدخول مترافقًا مع خطاب نصرالله الشهير الصادح الذي تنتظره الناس: «أيها الأحبة، أيها الكرام، يا أشرف الناس، وأطهر الناس، وأكرم الناس، ...». فكان الرد المعتاد منهم: «لبيك يا نصرالله».
جنب النعش كان يقف ظلّ نصرالله في حياته، أي مرافقه الشهير حسين خليل (أبو علي) الملقب بـ«درع السيد»، والذي رافقه في معظم فترات حياته الأمنية. وكان أبو علي هذا يتسلّم من الناس قطع القماش وغيرها (أحدهم ناوله يده الاصطناعية) ليمسح أو ليلمس بها النعش المقدّس أو العمامة السوداء المقدّسة المسجّاة على النعش للتبارك منها.
إن اختيار ظلّ نصرالله، أبو علي خليل، حصرًا في هذا الموقع والموقف، وهو من كانت قد انتشرت أخبار غير رسمية عن مقتله مع نصرالله، كان إيحاءًا تعزيزيًّا لمتبنّي سردية غياب نصرالله، لا موته. فلو مات نصرالله لمات ظلّه «الدرع» أبو علي!
ولا يدري أحد كيف ولماذا ظهرت صورة شخص شبيه بنصرالله في هذا التشييع يشاهد التشييع من على شرفة أحد المنازل، وهو السيد الكويتي قاسم الحائري! لقد كان شبيهًا بالسيد نصرالله إلى درجة كبيرة، حتى قال أحد المصورين: «بشرفك مش السيد؟!».

خلال التشييع إلى مثواه الأخير، وإلى جانب اللطميات والأناشيد المستحدثة، سادت أيضًا تلك الأناشيد المستوحاة من فترة الثمانينات والتسعينات مع بعض التعديلات. تلك الفترة التي كان فيها «حزب الله» في مرحلة النشوء والاستتار في ظلّ الظروف الموضوعية غير المناسبة في ذلك الوقت.
كما كانت بعض تلك اللطميات، وإضافة إلى دلالات الموت المتضمّنة فيها، ترمز وتوحي أيضًا إلى نوع من الغيبة. وكانت المكبّرات تستخدم أحيانًا عبارة: «وإن غاب نصر الله».
ومن هذه الأناشيد واللطميات:
«يا أبا عبد الله نحن أمة حزب الله، في نهج الأمين نمضي في سبيل الله» بعد استبدال «خميني» بـ«الأمين».
و«أين نصرالله أينا، ليته في الحاضرينا» مستبدلين «وعد الله» بـ«نصر الله» الغائب اليوم.
و«يا حجة الله شكوانا إليك أدركنا أدركنا لبيك لبيك. جار علينا الزمان يا مولاي يا مهدي».
و«ضاحية إن بو هادي رحل، باكية نجمك اليوم أفل»، مستبدلين «المدينة» بـ«أبو هادي» و«حزينة» بـ«باكية»، و«أفل» في اللغة تعني: غاب واستتر. فنصرالله رحل إلى عالم الغيبة والاتتار.
و«أين يا مهدي أين، أين وعد الله أين». وهنا ظاهرة انتقال من مرحلة تحرير القدس وإزالة إسرائيل من الوجود إلى مناجاة المهدي وعتاب العاشق له على تأخّره في غيبته، بينما كان في نفس الوقت إيحاءًا بشكل ما لمناجاة وعتاب عاشق لسيد العشق لديهم: نصرالله نفسه.
إن الناس في حالة بكاء جماعية، شبيهة بتلك التي يقومون بها على الإمام الحسين المقتول بكربلاء في كل مناسبة. كيف لا؟ والسيد الأقدس الأسمى نصرالله هو حسين العصر والضاحية كربلاؤه! وكانوا إِيحَاءً في حالة بكاء بسبب الغيبة الكبرى القادمة. فنصرالله في تلك اللحظات كان في برزخ بين غيبته الصغرى والتي كان يتواصل فيها مع أشخاص محدّدين وعبر الشاشات، وبين غيبته الكبرى القادمة حيث لا تواصل ولا رؤية له أبدًا. ولعل الحديث عن موته عند البعض وَهْم وخداع، والحقيقة هي الغيبة.
إذًا، انتهت مراسم تشييع نصرالله. بالنسبة إلى كثيرين، استمرت هالة القداسة المحيطة به ترافقه إلى حيث هو الآن، بغضِّ النظر عن أَينِيَّةِ هذا الآن. وبالنسبة إليهم، فكما كان نصرالله في حضوره مقدّسًا ساميًا بل الأقدس الأسمى، كذلك سيكون في غيابه. فقداسة الغيبة قد حُفرت في الوجدان الشيعي عميقًا عبر التاريخ.





